﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾.
===
تعالى: (﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾) من أيام الآخرة (﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾) (١) في الدنيا.
قوله: (اشتكى فقراء المهاجرين) الذين هاجروا من أرض الكفر إلى غيرها فرارًا بدينهم (يدخلون الجنة قبل أغنيائهم ... ) إلى آخره؛ أي: ويدخل فقراء كل قرن قبل أغنيائهم بالقدر المذكور؛ ذكره القرطبي.
ثم الأغنياء إن أحسنوا بفضول أموالهم .. كانوا بعد الدخول أرفع درجة من كثير من الفقراء؛ كما تقرر؛ والمراد في هذا وما قبله: من لا فضل له عما وجب عليه من نفقته ونفقة ممونه على الوجه اللائق وإن لم يكن من أهل الزكاة ولا الفيء، ذكره ابن تيمية وغيره، كذا في "الفيض" (١/ ٤٦١).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو نعيم في "الحلية".
ودرجته: أنه صحيح بما قبله من حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد الخدري، فحكم سنده: أنه ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، ودرجة حديثه: أنه صحيح بما قبله، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث: الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11797
(١٠) - (١٤٨٣) - بَابُ مُجَالَسَةِ الْفُقَرَاءِ
(٤٤) - ٤٠٦٨ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَبُو يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَخْزُومِيُّ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ
===
(١٠) - (١٤٨٣) - (باب مجالسة الفقراء)
(٤٤) - ٤٠٦٨ - (١) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين (الكندي) أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن إبراهيم) الأحول (التيمي أبو يحيى) الكوفي، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق). قال في "التهذيب": اتفقوا على ضعفه.
(حدثنا إبراهيم) بن الفضل (أبو إسحاق المخزومي) المدني، ويقال: ابن إسحاق، متروك، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن) أبي سعيد (المقبري) كيسان المدني الليثي مولاهم؛ مولى أم شريك، ثقة ثبت، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه إسماعيل بن إبراهيم التيمي، وإبراهيم بن الفضل المخزومي، وهما ضعيفان متروكان.
(قال) أبو هريرة: (كان جعفر بن أبي طالب) ابن عم رسول الله ﷺ (يحب المساكين) فيطعمهم ويسقيهم (ويجلس إليهم) أي: معهم
стр. 11798
وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكْنِيهِ (أَبَا الْمَسَاكِينِ).
(٤٥) - ٤٠٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ،
===
فلا يأنف منهم (ويحدثهم) أي: يحدث هو معهم (و) هم (يحدثونه) أي: يحدثون معه (و) لكثرة حبه إياهم (كان رسول الله ﷺ يكنيه أبا المساكين) أي: يسميه بكنية أبي المساكين؛ كأنه لكثرة حبه إياهم كان كالأب الوالد لهم؛ أي: يحبهم محبةً زائدةً على محبة غيره إياهم؛ أي: يسميه محبهم وملازمهم.
وفي الحديث دلالة على أن حب الكبراء وأرباب الشرف المساكين وتواضعهم لهم يزيد في فضلهم، ويعد ذلك من مناقبهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه ودرجته: أنه ضعيف جدًّا (٩)(٤١٩)؛ لضعف سنده ولعدم المشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٥) - ٤٠٦٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وعبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 11799
عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الْمُبَارَك، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَحِبُّوا الْمَسَاكِينَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: "اللَّهُمَّ؛ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ".
===
(عن يزيد بن سنان) بن يزيد التميمي الجزري أبي فروة الرُّهاويِّ - بضم الراء المهملة - ضعيف، من كبار السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي المبارك) ضعيف لا يعرف اسمه، وهو مجهول، من السادسة، وروايته عن صهيب مرسلةٌ. يروي عنه: (ت ق).
(عن عطاء) بن أبي رباح، اسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه يزيد بن سنان وأبا المبارك، وهما مجهولان متروكان.
(قال) أبو سعيد: (أَحِبُّوا) أيها المسلمون (المساكين) وأكرموهم وأظهروا البشاشة لهم (فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول في دعائه) لربه: (اللهم؛ أحيني مسكينًا) أي: اجعلني مدة حياتي مسكينًا (وأمتني مسكينًا واحشرني) أي: واجعلني يوم القيامة محشورًا (في زمرة) وجماعة (المساكين) أي: معهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٠)(٤٢٠)؛ لضعف سنده.
стр. 11800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "اللهم؛ أحيني مسكينًا ... " إلى آخره، قال القاضي تاج الدين السبكي الصغير: سمعت الإمام الوالد يقول: لم يكن رسول الله ﷺ فقيرًا من المال قط، ولا كان حالُه حالَ فقيرٍ، كان أغنى الناس بالله، قد كفى الله له دنياه في نفسه وعياله، وكان يقول في قوله: "اللهم؛ أحيني مسكينًا": إن المراد به: استكانة القلب لا المسكنة التي هي نوع من الفقر، وكان يشدد النكير على من يعتقد خلاف ذلك.
وقال البيهقي في "سننه": الذي يدل عليه حاله ﷺ عند وفاته أنه لم يسأل المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة؛ فقد مات مكفيًّا بما أفاء الله عليه، وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الإخبات والتواضع، وكأنه ﷺ سأل الله تعالى ألا يجعله من الجبارين والمتكبرين وألا يحشره في زمرة الأغنياء المترفهين.
قال القتيبي: المسكنة: حرف مأخوذ من السكون، يقال: تمسكن؛ أي: تخشع وتواضع لله.
وقال الحافظ ابن حجر: أسرف ابن الجوزي بذكر هذا الحديث في "الموضوعات" وكأنه أقدم عليه؛ لما رآه مباينًا للحال التي مات عليها النبي ﷺ ؛ لأنه كان مكفيًّا، ثم نقل في ترجمة الحديث عن البيهقي ما تقدم.
قلت: الذي يتتبع أحاديث معيشته ﷺ في "البخاري" و"الشمائل" و"جامع الترمذي" و"سنن ابن ماجه" وغيرها؛ كحديث عمر في دخوله ﵁ على النبي ﷺ في المشربة حين اشتهر أنه طلق الأزواج .. لا يستبعد حمل الحديث على ظاهره، كيف وقد حمله الراوي
стр. 11801
(٤٦) - ٤٠٧٠ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ،
===
أبو سعيد على ظاهره؟ ! والتعجب من قولهم: (إن الحديث ينافي حال الموت) وقد جاء وصح: (أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي في قوت العيال)، والله أعلم.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٦) - ٤٠٧٠ - (٣) (حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد) بن فروخ (القطان) أبو سعيد البصري التميمي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عمرو بن محمد العَنْقَزِيُّ) - بفتح المهملة والقاف بينهما نون ساكنة وبالزاي - أبو سعيد الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا أسباطُ بن نصر) الهَمَذَانِيُّ - بالذال المعجمة وفتح أوله وثانيه - نسبة إلى مدينة في الجبال تُسمى همذان. انتهى من "خلاصةِ القول" نقلًا عن "الكاشف"، أبو يوسف، أو أبو نصر الكوفي، وَثَّقه ابنُ معين، وذكَرهُ ابنُ حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ليس بالقويّ، وقال في "التقريب": صدوق كثيرُ الخطأ يُغْرب، من الثامنة. يروي عنه: (م عم).
(عن) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة (السُّدِّي) - بضم المهملة وتشديد الدال - أبي محمد الكوفي، صدوق يهم ورُمي بالتشيع، من الرابعة،
стр. 11802
عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْأَزْدِيِّ وَكَانَ قَارِئَ الْأَزْد، عَنْ أَبِي الْكَنُود، عَنْ خَبَّابٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. . .﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قَالَ: جَاءَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ
===
مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سَعْدٍ الأزدي) الكوفي (وكان قارئ الأزد) ويقال له: أبو سعيد، مقبولٌ، من الثالثة. يروي عنه: (ت ق). وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي الكنود) الأزدي الكوفي، اسمه عبد الله بن عامر، أو ابن عمران، أو ابن عويمر، وقيل: ابن سعيد، وقيل: عمرو بن حُبْشِيٍّ، قال ابن سعد: كان ثقة، وله أحاديث كثيرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحافظ: مقبول، من الثانية. يروي عنه: (ق).
(عن خباب) - بتشديد الباء الأولى - ابن الأرت التميمي أَبِي عبد الله، من السابقين إلى الإسلام رضي الله تعالى عنه، وكان يعذب في الله، وشهد بدرًا، ثم نزل الكوفة، ومات بها سنة سبع وثلاثين (٣٧ هـ).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ. . .﴾ إلى قوله: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾) (١).
(قال) خباب: (جاء الأقرع بن حابس التميمي) صحابي جاء ذكره في "الصحيحين" دون رواية له (وعيينة بن حصن الفزاري) صحابي ليست له رواية عن النبي ﷺ وهما من مسلمة الفتح، كانا في الجاهلية من
стр. 11803
فَوَجَدَا رَسُولَ اللهِ ﷺ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلَالٍ وَعَمَّارٍ وَخَبَّابٍ قَاعِدًا فِي نَاسٍ مِنَ الضُّعَفَاءِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ .. حَقَرُوهُمْ، فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ وَقَالُوا: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ فَضْلَنَا، فَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ
===
رؤساء المشركين (فوجدا) أي: فوجد الأقرع وعيينة (رسول الله ﷺ مع صهيب) الرومي (وبلال) بن رباح الحبشي (وعمار) بن ياسر (و) مع (خباب) بن الأرت، حالة كون رسول الله ﷺ (قاعدًا في ناس من الضعفاء) وقوله: (من المؤمنين) بيان للضعفاء، وفي رواية: (فوجدوا) بضمير الجمع؛ أي: فوجد المشركون رسول الله ﷺ قاعدًا مع هؤلاء الضعفاء من المؤمنين.
(فلما رأوهم) أي: فلما رأى المشركون هؤلاء الضعفاء من المؤمنين قاعدين (حول النبي ﷺ .. حَقرُوهُم) من باب ضرب؛ أي: حَقَر المشركون هؤلاء الضعفاء من المؤمنين؛ أي: نَظرُوا إليهم بعين الحقارة والإهانة (فأتوه) أي: فأتى المشركون رسول الله ﷺ (فخَلَوْا به) أي: فخلا المشركون وانفردوا برسول الله ﷺ عن المؤمنين، فكلموه ﷺ (وقالوا) أي: قال المشركون لرسول الله ﷺ : (إنا نريد) ونطلب منك (أن تجعل) وتُعيِّن (لنا منك مجلسًا) أي: مكان جلوس عندك خاصًّا بنا لا يختلِطُ بنا فيه هؤلاء الفقراءُ الملازِمُون لك.
وقوله: (تعرف لنا به العربُ) صفةُ (مجلسًا)؛ أي: أن تجعل لنا مجلسًا خاصًّا بنا تعرف (به) أي: بذلك المجلس سائرُ العرب (فَضْلَنا) أي: قَدْرنا وكرامتنا وشرفنا عندك، فيقدِّرُوننا عندهم؛ (فإِنَّ وُفود) قبائل (العرب) وجماعتَهم.
стр. 11804
تَأْتِيكَ فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعَ هَذِهِ الْأَعْبُد، فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاكَ .. فَأَقِمْهُمْ عَنْكَ، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا .. فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ، قَالَ: "نَعَمْ"، قَالُوا: فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابًا، قَالَ: فَدَعَا بِصَحِيفَةٍ
===
قوله: (فإن وفود العرب) قال في "النهاية": الوفد: قوم يجتمعون يرِدون البِلادَ، واحدهم وافد، وكذلك الذين يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك، يقال: وفد يفد فهو وافد؛ من باب وعد، وأَوْفَدْتُه فوفد، وأوفد على الشيء، فهو موفد؛ إذا أَشْرفَ. انتهى منه.
(تأتيك) للزيارة وأخذ الدين منك؛ أي: يكثر حضورهم إليك (فنستحيي) نحن (أن ترانا العرب) أي: أشرافهم جالسين عندك (مع هذه الأعبد) الذين آمنوا بك ولازموك ليلًا ونهارًا (فإذا نحن جئناك) يا محمد .. (فأقمهم عنك) أي: فَأْمُرْ هؤلاء الأعبدَ بالقيام من عندك؛ لئلا يرانا الناس جالسين معهم مع كوننا سادة العرب، فتسقُط مروءتُنا عندهم (فإذا نحن فرغنا) وقضينا حاجتنا معك .. (فاقعد) أنت يا محمد بنفسك (معهم) أي: مع هؤلاء الأعبد (إن شئت) القعود معهم.
فـ (قال) النبي ﷺ لأولئك المشركين؛ إجابة إلى طلباتهم: (نعم) أَفْعَلُ ذلك الذي أَمَرْتُموني به من إقامتهم عن مجلسي حين جِئْتمُوني، فـ (قالوا) أي: قال المشركون للنبي ﷺ : لا نكتفي بالعهد اللِّسانيِّ منك على ذلك المذكور من الإقامةِ لهم عن مجلسك، بل (فاكتب لنا عليك كتابًا) أي: بل اكتب لنا كتابًا مُشْتَمِلًا على عهدك لنا على ذلك المذكور من الإقامة لهم من مجلسك.
(قال) خبَّابُ بن الأرت: (فدعا) أي: طلب رسول الله ﷺ (بصحيفةٍ) أي: بورقة يكتبُ لهم فيها ذلك العَهْدَ الذي طلبوه؛ أي: طَلبَها من
стр. 11805
وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُبَ وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ، فَنَزَلَ جِبْرَائِيلُ ﵇ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَقَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ
===
عند الحاضرين عنده ﷺ فوجَدهَا؛ أي: فوجد تلك الصحيفة من بعض الحاضرين (ودَعا عليًّا) أي: ثم طلب علي بن أبي طالب (لِيَكْتب) للمشركين ذلك العهد، قال خباب: فكتب النبي ﷺ ذلك العهد للمشركين (ونحن) أي: والحال أننا معاشر فقراء المسلمين (قعود) أي: قاعدون (في ناحية) أي: في مكان بعيد عن النبي ﷺ (فـ) بسبب ذلك المذكور من طرد النبي ﷺ الفقراء من عنده (نزل جبرائيل ﵇ بالوحي من عند الله تعالى (فقال) جبرائيل في بيان ذلك: (﴿وَلَا تَطْرُدِ﴾) يا محمد المؤمنين (﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾) أي: يذكرون (﴿رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ﴾) أي: في أول النهار (﴿وَ﴾) في (﴿الْعَشِيِّ﴾) أي: في آخر النهار، والحال أنهم (﴿يُرِيدُونَ﴾) بذكره في هذين الوقتين (﴿وَجْهَهُ﴾) تعالى ورضاه عنهم (﴿مَا عَلَيْكَ﴾) يا محمد (﴿مِنْ حِسَابِهِمْ﴾) أي: حساب أعمالهم (﴿مِنْ شَيْءٍ﴾) قليل ولا كثير (﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ﴾) أي: من حساب عملك (﴿عَلَيْهِمْ﴾) أي: على هؤلاء الفقراء (﴿مِنْ شَيْءٍ﴾) قليل ولا كثير (﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾) من مجلسك (﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾) (١).
(ثم ذكر) جبرائيل (الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن) أي: شؤونهما (فقال) في شؤونهما: (﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ﴾) أي: الأغنياء (﴿بِبَعْضٍ﴾)
قَالَ: هَلَاكًا، قَالَ: أَمْرُ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَع، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، قَالَ خَبَّابٌ: فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا .. قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ.
===
(قال) الراوي: يعني الله في تفسير (فرطًا) أي: (هلاكًا) في الدين (قال) الراوي في تفسير ضمير (أمره): أي: (أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب) الله؛ أي: ذكر (لهم) أي: لهؤلاء الأغنياء والفقراء (مثل الرجلين) بقوله: : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾ (١).
(و) ضرب لهم أيضًا (مثل الحياة الدنيا) بقوله : ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ. . .﴾ الآية (٢).
(قال خباب) بالسند السابق: (فكنا) معشر الفقراء بعد نزول تلك الآيات (نقعد مع النبي ﷺ ، فإذا بلَغْنَا) ووصَلْنا بسكون آخر الفعل؛ لأنه ماض متصل بضمير الفاعل (الساعة التي يقوم فيها) من عندنا .. (قُمْنَا) نَحْنُ مِن عنده (وتركناه) ﷺ في ذلك الموضع (حتى يقوم) هو باختياره عن ذلك الموضع.
قوله: (﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾) أي: احْبسْها وثَبِّتْهَا مصاحبةً ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ ويذكرونه ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾؛ أي: في أوله وآخره؛ والمراد: الدوام؛ أي: مداومين في جميع الأوقات، حالة كونهم ﴿يُرِيدُونَ﴾ بدعائهم في تلك الأوقات ﴿وَجْهَهُ﴾ (٣) تعالى ورضاه، لا شيئًا آخر من أعراض الدنيا.
والمعنى: أي: احبس نفسك وثبتها مع فقراء الصحابة؛ كعمار بن ياسر
стр. 11808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وصهيب الرومي وبلال الحبشي وابن مسعود وأضرابهم، ممن يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون بالتسبيح والتهليل وصالح الأعمال ابتغاء مرضاة الله، لا يريدون غرضًا من أغراض الدنيا، ولا شيئًا من لذاتها ونعيمها.
روي: (أن عيينة بن حصن الفزاري أتى النبي ﷺ قبل أن يسلم، وعنده ﷺ جماعة من فقراء أصحابه؛ منهم: سلمان الفارسي، وعليه شملة - أي: فوطة - قد عرق فيها، وبيده خوص يشقه، ثم ينسجه، فقال عيينة بن حصن لرسول الله ﷺ : أما يؤذيك يا محمد ريح هؤلاء الفقراء، ونحن سادات من أهل مضر وأشرافها، فإن أسلمنا .. أسلم الناس، وما يمنعنا من اتباعك إلا هؤلاء الفقراء، فنحهم عنك حتى نتبعك، أو اجعل لهم مجلسًا خاصًّا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (١).
ومقالُ هؤلاء شَبيهٌ بمقالةِ قوم نوح ﵇: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ (٢).
ثم أمره سبحانه بمراقبة أحوالهم فقال: (﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ أي: ولا تلتفت عيناك ولا تنصرف ولا تمل (﴿عَنْهُمْ﴾) إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة، وهذا نهي للعَيْنَيْنِ؛ والمراد: صاحبُهما؛ يعني: نهيه ﵇ من الازدراء بفقراء المسلمين لرثاثة زيِّهم؛ طموحًا إلى زي الأغنياء.
وقيل: معناه: لا تحتقرهم عيناك، حالة كونك يا محمد (﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾) أي: تطلب مجالسة الأغنياء والأشراف وصحبة أهل الدنيا، وفي إضافة
стр. 11809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(الزينة) إلى (الحياة الدنيا) تحقير لشأنها، وتنفير عنها.
﴿وَلَا تُطِعْ﴾ يا محمد ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ أي: من جعلنا قلبه غافلًا عن ذكرنا؛ كعيينة بن حصن، وقيل: أمية بن خلف؛ والغفلة: معنىً يمنع الإنسان من الوقوف على حقيقة الأمور؛ أي: جعلنا قلبه في فطرته الأولى غافلًا عن الذكر، ومختومًا عن التوحيد؛ كرؤساء قريش؛ أي: ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا؛ أي: عن توحيدنا.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ أي: شهوته في عبادة الأصنام ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ﴾ وشأنه وعمله ﴿فُرُطًا﴾ (١) أي: ضياعًا لا ينتفع به في الدنيا والآخرة.
قوله: (وضربَ لهم مثلَ الرجلين) والمعنى: أنه لما أمر الله سبحانه نبيه ﷺ بصبر نفسه مع فقراء المؤمنين، وعدم طاعة أولئك الأغنياء من المشركين الذين طلبوا منه ﷺ طرد أولئك الصَّعَالِيكِ من مجلسه، وأن يُعَيِّن لهم مجلسًا، وللسادة مجلسًا آخر حتى لا يؤذوهم بمناظرهم وروائحهم المستقذرة، وحتى لا يقال: (إن السادة ومواليهم يجتمعون في صعيد واحد، ويتحدَّثون وإياهم حديث النِّدِّ مع الند) وفي ذلك امتهانٌ لكبريائهم، وخَفْضٌ من عِزَّتِهم.
أردف ذلك بمثل يستبين منه أن المال لا ينبغي أن يكون موضع فخار؛ لأنه ظل زائل، وأنه كثيرًا ما يصير الفقير غنيًّا، والغني فقيرًا، وإنما الذي يجب أن يكون أساس التفاخر، وعمدة التفاضل .. هو طاعة الله تعالى، وعبادته والعمل على ما يرضيه في دار الكرامة، ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٢).
стр. 11810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (١) أي: واجعل يا محمد رجلين موصوفين بالصفات المذكورة فيما بعد من القرآن مثلًا وشبهًا لهؤلاء المشركين بالله الذين سألوك أن تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي، وللمؤمنين المكابدين لمشاقِّ الفَقْرِ؛ أي: مثل حال هؤلاء الكافرين، وحال المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداء والعشي، أي: مَثِّل حال هؤلاء الكافرين والمؤمنين بحال رجلين شريكين في بني إسرائيل؛ أحدهما كافر، اسمه قُطْرُوسُ، والآخر مؤمن اسمه يهوذا، لهما ثمانيةُ آلاف دينار، فاقتسماها، فاشترى أحدهما أرضًا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم؛ إن فلانًا قد اشترى أرضًا بألف دينار، وإني أشتري منك أرضًا في الجنة بألف دينار، فتصدق بها ... إلى آخر القصة التي ذكرناها في "الحدائق" فراجعه.
ثم بعد أن أمر الله سبحانه نبيه ﷺ بضرب مثل الرجلين .. أمره بأن ضرب لهم مثل الحياة الدنيا عامةً بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ﴾ أي: واذكر يا محمد لقومك المشركين ﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: صفتها العجيبة في فنائها، وبيِّنْ لهم ما يشبهها في زهرتها ونضارتها وسرعة زوالها؛ لئلا يَطْمَئِنُّوا إليها، ويُعرضوا عن الآخرة بقوله: هي؛ أي: مثل الحياة وشبهها ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ. . .﴾ إلى آخر الآية (٢).
وقول خباب: (فإذا أراد أن يقوم .. قام وتركنا) أي: أنه بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ. . .﴾ الآية (٣). . قد يتقدم علينا في القيام،
стр. 11811
(٤٧) - ٤٠٧١ - (٤) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُودَ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيع، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيه،
===
حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ. . .﴾ الآية (١)، فجعل يتأخر عنهم في القيام ﷺ . انتهى من "الإنجاز".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وأصله في مسلم من حديث سعد وغيره.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث خباب بحديث سعد بن أبي وقاص ﵄، فقال:
(٤٧) - ٤٠٧١ - (٤) (حدثنا يحيى بن حكيم) المُقوِّمي - بتشديد الواو المكسورة - ويقال: المقوم - بلا ياء - أبو سعيد البصري، ثقة حافظ عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو داوود) الطيالسي سليمان بن داوود بن الجارود البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا قيس بن الربيع) الأسدي أبو محمد الكوفي صدوق تغير حفظه لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، من السابعة، مات سنة بضع وستين ومئة (١٦٣ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن المقدام بن شريح) بن هانئ بن يزيد الحارثي الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي المذحجي أبي المقدام الكوفي
стр. 11812
عَنْ سَعْدٍ قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِينَا سِتَّةٍ؛ فِيَّ وَفِي ابْنِ مَسْعُودٍ وَصُهَيْبٍ
===
مخضرم، ثقة، من الثانية، قتل مع ابن أبي بكرة بسجستان. يروي عنه: (م عم).
(عن سعد) بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبي إسحاق، أحد العشرة، وأول من رمى في سبيل الله بسهم، ومناقبه كثيرة رضي الله تعالى عنه، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ) على المشهور. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) سعد بن أبي وقاص: (نزلت هذه الآية) يعني: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (١)، (فينا) يعني: معاشر الفقراء من المسلمين.
وقوله: (ستة) - بالجر - بدل كل من كل من ضمير المتكلمين في قوله: (فينا) أي: نزلت في ستة من فقراء المسلمين.
وقوله: (فيَّ) - بتشديد ياء المتكلِّم - بدل من الجار والمجرور في قوله: (فينا) بدل تفصيل من مجمل.
(وفي) عبد الله (بن مسعود) الهذلي الكوفي ﵁ معطوف على قوله: (في) على كونه بدلًا من الجار والمجرور في قوله: (فينا).
وقوله: (وصهيب) بن سنان الرومي معطوف على ابن مسعود، اسمه عبد الملك بن سنان، وصهيب لقبه، الصحابي المشهور رضي الله تعالى
стр. 11813
وَعَمَّار وَالْمِقْدَادِ وَبِلَالٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : إِنَّا لَا نَرْضَى أَنْ نَكُونَ أَتْبَاعًا لَهُمْ فَاطْرُدْهُمْ عَنْكَ، قَالَ: فَدَخَلَ قَلْبَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَدْخُلَ،
===
عنه، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ) في خلافة علي رضي الله تعالى عنه (وعمار) بن ياسر بن عامر العنسي أبي اليقظان المخزومي مولاهم الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، من السابقين، قتل مع علي رضي الله تعالى عنه بصفين سنة سبع وثلاثين (٣٧ هـ).
(والمقداد) بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني ثم الكندي ثم الزهري حلفًا؛ لأنه تبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري، الصحابي المشهور من السابقين رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث وثلاثين (٣٣ هـ).
(وبلال) بن رباح الحبشي، مؤذن رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه.
(قال) سعد: (قالت قريش) أي: كفارهم (لرسول الله ﷺ : إنا لا نرضى أن نكون أتباعًا لهم) أي: لهؤلاء الفقراء الستة؛ لأنهم آمنوا من قبل قريش (فاطردهم) أي: فأبعدهم (عنك) أي: عن مجلسك؛ فإنه لا يليق بنا أن نجلس مع هؤلاء الفقراء؛ لأن العرب تعيبنا بذلك (قال) سعد: (فدخل قلب) بالنصب على الظرفية المكانية؛ لأن (دخل) لازم لا يتعدى إلى المفعول به إلا بواسطة حرف جر؛ أي: دخل في قلب (رسول الله ﷺ من ذلك) الذي طلبوه من طرد هؤلاء عن مجلسه.
وقوله: (ما شاء الله) (ما) فيه موصولة في محل الرفع فاعل، وقوله (من ذلك) بيان مقدم على المبين.
وقوله: (أن يدخل) مفعول المشيئة.
стр. 11814
فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .﴾ الْآيَةَ.
===
وقوله: (فأنزل الله معطوف على (فدخل).
وقوله: (﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ. . .﴾) (١) مفعول به محكي لـ (أنزل).
(الآية) أي: اقرأ الآية إلى آخرها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث خباب.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول والثاني للاستئناس، والثالث للاستدلال، والرابع للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11815
(١١) - (١٤٨٤) - بَابٌ: فِي الْمُكْثِرِينَ
(٤٨) - ٤٠٧٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ الْمُخْتَار، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى،
===
(١١) - (١٤٨٤) - (باب: في المكثرين)
(٤٨) - ٤٠٧٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(وأبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا بكر بن عبد الرحمن) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أبو عبد الرحمن الكوفي القاضي، ويقال له: بكر بن عبيد، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى أو اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، وقيل: سنة تسع عشرة ومئتين. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا عيسى بن المختار) بن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي، ثقة، من التاسعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن محمد) بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم)، وقريبه عيسى بن المختار. وروى عن: عطية العوفي، واتفق الجمهور على ضعفه، وقال العجلي في "الثقات": كان فقيهًا صاحب سنة صدوقًا جائز الحديث، وكان عالمًا بالقرآن، وكان من
стр. 11816
عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "وَيْلٌ لِلْمُكْثِرِينَ؛ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا"
===
أحسب الناس، وكان جميلًا نبيلًا، وقال أبو حاتم: محله الصدق كان سيئ الحفظ، شغل بالقضاء، فساء حفظه لا يتهم بشيء من الكذب، إنما يُنْكَرُ عليه كثرةُ الخطأ، وقال يعقوب بن سفيان: ثقة عدل، في حديثه بعض المقال لين الحديث. انتهى "تهذيب".
(عن عطية) بن سعد بن جنادة (العوفي) الجدلي الكوفي أبي الحسن، صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (١١١ هـ). يروي عنه: (د ت ق). قال ابن سعد: وكان ثقة إن شاء الله، وله أحاديث صالحة، ومن الناس من لا يحتج بحديثه.
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو مختلف فيه، وضعفه الجمهور، وشيخه عطية بن سعد مختلف فيه، وباقي الرجال ثقات.
(عن رسول الله ﷺ أنه قال: ويل) أي: حزن وهلاك ومشقة كائن (للمكثرين) من المال، ولو من الحلال؛ كما يدل عليه الحديث الآتي (إلا من قال) أي: فعل (بالمال) أي: صرفه (هكذا) أي: عن يمينه (و) صرفه (هكذا) أي: عن يساره (و) صرفه (هكذا) أي: عن قدامه (و) صرفه (هكذا) أي: عن ورائه؛ أي: صرف من كل أنواع المال إلى كل نوع من أنواع البر.
و(القول) يطلق في لسان العرب على الأفعال كلها، قال الطيبي: يقال: قال
стр. 11817
أَرْبَعٌ عَنْ يَمِينِه، وَعَنْ شِمَالِه، وَمِنْ قُدَّامِه، وَمِنْ وَرَائِهِ.
===
بيده؛ إذا أشار بها، وقال بيده؛ إذا أخذه بها، وقال برجله؛ إذا ضربه بها، وقال بالماء على يده؛ إذا صبه بها، وقال بثوبه؛ إذا رفعه بها.
فيطلقون (القول) على جميع الأفعال؛ اتساعًا، كذا في "المرقاة" (٦/ ٢٩٢).
والمشار إليه بـ (هكذا) (أربع) جهات، فهو خبر لمبتدأ محذوف.
الأولى: (عن يمينه و) الثانية: (عن شماله، و) الثالثة: (من قدامه، و) الرابعة: (من ورائه) وهذه الجمل المقدرة بدل من الجملة المقدرة: (هذه أربع جهات) بدل تفصيل من مجمل؛ على طريق عطف بعضها على بعض.
وقوله: (هكذا وهكذا ... ) إلى آخره، أربع مرات؛ معناه: إلا من تصدق بماله وبذله ونثر في كل جانب من تلك الجوانب، فهو كناية عن التصدق العام في جميع جهات الخير.
قال السندي: قوله: (إلا من قال ... ) إلى آخره؛ أي: أكثر التصدق في جهات الخير كلها، فـ (القول) في الحديث بمعنى الفعل.
وقوله: (عن يمينه وشماله ... ) إلى آخره، بيان لقوله: (هكذا أو هكذا ... ) إلى آخره، والحديث فيه الحث على إكثار الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البر، بل ينفق في كل وجه من وجوه الخير، وهو المراد بإشارته ﷺ إلى قدام ووراء والجانبين. انتهى من "الإنجاز".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وحكم سنده: أنه ضعيف أو حسن، ودرجة حديثه: أنه صحيح بما بعده إن قلنا: إن سنده ضعيف، وأنه حسن، إن قلنا: إن سنده حسن، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
стр. 11818
(٤٩) - ٤٠٧٣ - (٢) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنِي أَبُو زُمَيْلٍ هُوَ سِمَاكٌ،
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد الخدري بحديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٩) - ٤٠٧٣ - (٢) (حدثنا العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل (العنبري) أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا النضر بن محمد) بن موسى الجُرَشي - بضم الجيم والشين المعجمة - أبو محمد اليمامي مولى بني أمية، ثقة له أفراد، من التاسعة. يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا عكرمة بن عمار) العجلي أبو عمار اليمامي، أصله من البصرة، صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب، ولم يكن له كتاب؛ لأنه أمي، من الخامسة، مات قبيل الستين ومئة، وقال ابن حبان في "الثقات": مات سنة مئة وتسع وخمسين (١٥٩ هـ)، وقال ابن المديني: كان عكرمة عند أصحابنا ثقة، وقال البخاري: مضطرب في حديث يحيى بن أبي كثير، وقال علي بن محمد الطنافسي: كان عكرمة ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة ثبتًا، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح: أنا أقول: إنه ثقة، واحتج به وبقوله، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن عدي: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة، فهو مختلف فيه. يروي عنه: (م عم).
(حدثني أبو زميل هو سماك) بن الوليد الحنفي أبو زميل - بالزاي مصغرًا - اليمامي الكوفي، ليس به بأس، من الثالثة، وثقه أحمد وابن معين والعجلي، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان
стр. 11819
عَنْ مَالِكِ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الْأَكْثَرُونَ هُمُ الْأَسْفَلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ إِلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هكَذَا وَهكَذَا، وَكَسَبَهُ مِنْ طَيِّبٍ".
===
في "الثقات"، وقال الحافظ: ثقة، من الثالثة. انتهى من "الإنجاز". يروي عنه: (م عم).
(عن مالك بن مرثد) - بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة - ابن عبد الله الزِّمَّاني، ويقال: الذماري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ت س ق). ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: تابعي ثقة.
(عن أبيه) مرثد بن عبد الله الزِّمَّاني - بكسر الزاي وتشديد الميم - ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال الحافظ: مقبول، من الثالثة، مات قبل المئة. يروي عنه: (ت س ق).
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري الربذي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : الأكثرون) أموالًا في الدنيا (هم الأسفلون) درجات (يوم القيامة) والأقلون أجرًا فيه (إلا من قال) وفعل (بالمال) أي: صرفه (هكذا) أي: إلى جهة يمينه (و) صرفه (هكذا) أي: إلى جهة يساره (و) الحال أنه قد (كسبه) وحصله (من) كسب (طيب) أي: حلال، وإلا .. فلا يقبل منه، وهذه الجملة الحالية لا بد منها في قبول صدقته؛ كما أشرنا إليه في الحديث السابق؛ أي: الأغنياء من المسلمين أقل درجة في الآخرة من فقراء المسلمين، إلا من صرف ماله في وجوه الخير خالصًا مخلصًا .. فهو أعلى درجة من الفقراء.
стр. 11820
(٥٠) - ٤٠٧٤ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٠) - ٤٠٧٤ - (٣) (حدثنا يحيى بن حكيم) المقومي - بتشديد الواو المكسورة - أبو سعيد البصري، ثقة حافظ عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي (القطان) البصري، ثقة إمام من أئمة الجرح والتعديل، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عجلان) المدني، صدوق، إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة، لا بأس به، من الرابعة. يروي عنه: (م عم). روى عنه: ابنه محمد فقط، قاله الآجري عن أبي داوود، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: أنه حسن؛ لأن فيه محمد بن عجلان، وقد اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، ولكن الحديث صحيح بما قبله.
стр. 11821
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْأَكْثَرُونَ هُمُ الْأَسْفَلُونَ؛ إِلَّا مَنْ قَالَ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا"، ثَلَاثًا.
(٥١) - ٤٠٧٥ - (٤) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : الأكثرون) أموالًا (هم الأسفلون) درجةً يوم القيامة (إلا من قال) وصرف ماله (هكذا) أي: جهة يمينه (و) صرف ماله (هكذا) أي: جهة يساره (و) صرف ماله (هكذا) أي: قدامه، قال ذلك الكلام رسول الله (ثلاثًا) من المرات.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" بسند رواته ثقات، ورواه مسدد في "مسنده" عن يحيى القطان به، ورواه البخاري في "صحيحه".
ودرجته: أنه صحيح بما قبله، وإن كان سنده حسنًا؛ لما مر، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥١) - ٤٠٧٥ - (٤) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، وقد ينسب لجده، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق). وقال ابن معين: ثقة مأمون صاحب حديث، وقال مسلمة: ثقة سكن مكة، وقال النسائي: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، فبالجملة: فهو مختلف فيه.
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني
стр. 11822
عَنْ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا أُحِبُّ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي ذَهَبًا، فَتَأْتِيَ عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ
===
مولاهم المدني، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سهيل) نافع (بن مالك) بن أبي عامر الأصبحي التيمي بن أبي أنس المدني، ثقة، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي، جدِّ مالك بن أنس؛ إمام الفروع، سمع من عمر، ثقة، من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يعقوب بن حميد، وهو مختلف فيه.
(أن النبي ﷺ قال: ما أحب) (ما) نافية (أحب) فعل مضارع (أن أحدًا) اسم أن (عندي) خبرها، و (أحدًا) - بضمتين -: جبل معروف بالمدينة (ذهبًا) تمييز لـ (أحدًا)، وجملة: (أن) في تأويل مصدر منصوب على المفعولية لـ (أحب) أي: ما أحب كون أحدٍ عندي ذهبًا.
(فتأتي) أي: تمر (عليَّ ثالثة) فاعل (تأتي) فهي صفة لموصوف محذوف، و (الفاء) في (فتأتي) سببية واقعة في جواب النفي، ناصبة للمضارع، وجملة: (تأتي) في تأويل مصدر منصوب معطوف على مفعول (أحب).
(وعندي): (الواو) حالية (عندي) خبر مقدم (منه) أي: من ذلك الذهب
стр. 11823
شَيْءٌ، إِلَّا شَئٌ أُرْصِدُهُ فِي قَضَاءِ دَيْنٍ".
===
بيان مقدم لقوله (شيء) وهو مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية حال من ضمير (علي).
(إلا شيء) و (إلا) استثناء، و (شيء) الثاني بدل من المستثنى منه؛ وهو (شيء) الأول؛ وتقدير الكلام: ما أحب كون أحد لي ذهبًا، فمرور ليلة ثالثة علي، والحال أن عندي منه؛ أي: من ذلك الذهب شيء قليل إلا شيء (أرصده) وأهيئه وأدخره وأصرفه (في قضاء دينٍ) كائنٍ علي.
وقوله: (أرصده) - بضم الهمزة - من الإرصاد؛ أي: شيء أبقيه وأهيئه لقضاء دين علي، و (في) بمعنى: اللام؛ أي: لأجل قضاء دين علي، أو على أحد من المسلمين؛ لأن قضاء الدين واجب، فهو مقدم على الصدقة المندوبة.
وهذا الإرصاد أعم من أن يكون لصاحب دينٍ غائبٍ حتى يحضر فيأخذ، أو لأجل وفاء دين مؤجل حتى يحل فيوفى.
وقال القاري: قوله: "قضاء دين" أي: لأداء دين كان علي؛ لأن أداء الدين مقدم على الصدقة، وكثير من جملة العوام وظلمة الطُّغَام يعملون الخيرات والمبرَّات والعمارات، وعليهم حقوق الخلق، ولم يلتفتوا إليها، وكثير من المتصوفة غير العارفة يجتهدون في الرياضات، وإكثار الطاعات والعبادات، ولا يقومون بما يجب عليهم من الديانات، كذا في "المرقاة" في (٤/ ٣٦٦).
والحديث فيه الحث على الإنفاق في وجوه الخير، وأن النبي ﷺ كان في أعلى درجات الزهد في الدنيا، بحيث إنه لا يحب أن يبقى في يده شيء من الدنيا إلا للإنفاق على من يستحقه، وإما لإرصاده لمن له حق، وإما لتعذر من يقبل منه؛ لتقييده في رواية حديث بقوله: "أجدُ من يقبله"، ويؤخذ منه جواز تأخير الزكاة الواجبة عن الإعطاء إذا لم يوجد من يستحق أخذها، وينبغي لمن وقع له ذلك أن يعزل القدر الواجب
стр. 11824
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من ماله، ويجتهد في طلب من يأخذه، فإن لم يجد .. فلا حرج عليه.
وفيه: تقديم وفاء الدين على صدقة التطوع، وفيه: جواز الاستقراض، وفيه: الحث على وفاء الديون وأداء الأمانات.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي ذر المذكور قبله أخرجه البخاري في الرقاق وفي الاستئذان، ومسلم في الزكاة، باب الترغيب في الصدقة مطولًا.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن؛ لأن له شواهد، وإن كان حسن السند، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
فائدة
بشارة عظيمة
حصلت لي بشارة عظيمة في أواخر الليلة التاسعة عشر من ربيع الآخر من تاريخ: (١٩/ ٤/ ١٤٣٦) من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلوات، وأزكى التحيات، وأعظم الصلات؛ أني مرضت ثلاثة أيام، وتأسفت منه خوفًا من اخترام المنية لي، ودعوت الله في آخر الليل، فقلت فيه: (اللهم؛ إماتتي لا يزيد في ملكك، وحياتي لا ينقص في ملكك، فعمرني تعميرًا يقربني إليك، إلى أن أكمل هذا الكتاب، وأرَيْتَني انتفاعَ المسلمين به) فجاءني في المنام إبراهيمُ الخليل مع أولاده وهم قائمون فَوْقه؛ رعاية للتأدُّب معه، وجلس هو عندي، وهو حسن الهيئة والعِمَّة، فقال لي: (أبشر يا ولدي، ولا تتأسَّفْ؛ فإن الله أجاب دعاءك، وسَيَتِمُّ لك فوق مرادك؛ فإنك في خدمة الإسلام والمسلمين؛ فإن عملك هذا مذكور في الملأ الأعلى، ودعاؤك مقبولٌ عند رَبك المولى، أبشر بقبول دعائك، ونيل
стр. 11825
(٥٢) - ٤٠٧٦ - (٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ،
===
مرادك) وذهبوا من عندي، وقد بشروني بشارات لا أقدر الآن وصفها، عليهم وعلى نبينا محمد ﷺ منبع سعادتنا أفضل الصلوات، وأزكى التحيات، وإنما كتَبْتُها ها هنا؛ لتكون لي تذكرةً لها، وشكرًا للرب الكريم الذي بَشَّرني بها.
* * *
ثُمَّ نرجِعُ إلى المقصود الذي هو كتابة ما يكون مُذكِّرة للطُّلَّاب، وعونًا لأمثالي من المبتدئين، فنقول:
ثُمَّ اسْتَأْنسَ المؤلف للترجمة بحديث عمرو بن غيلان، فقال:
(٥٢) - ٤٠٧٦ - (٥) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا صدقة بن خالد) الأموي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة، من الثامنة، مات سنة إحدى وسبعين ومئتين (٢٧١ هـ) وقيل: ثمانين. يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا يزيد بن أبي مريم) يقال: اسم أبيه ثابت، الأنصاري أبو عبد الله الدمشقي إمام الجامع، لا بأس به، من السادسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ عم)، ويقال في اسمه واسم ابنه: يزيد بن ثابت بن أبي مريم بن أبي عطاء، أبو عبد الله، مولى سهل بن الحنظلية الأنصاري، رأى واثلة بن الأسقع، وأرسل عن معاوية، وقال عثمان الدارمي: لا بأس به، وقال أبو حاتم: من ثقات أهل دمشق، وذكره ابن حبان في "الثقات"،
стр. 11826
عَنْ أَبِي عُبَيْدِ اللهِ مُسْلِمِ بْنِ مِشْكَمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ غَيْلَانَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛
===
وقال الدارقطني: ليس بذاك، وجزم ابن حبان أنه مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ).
(عن أبي عبيد الله مسلم بن مشكم) - بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الكاف - الخزاعي الدمشقي كاتب أبي الدرداء، ثقة مقرئ، من كبار الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عمرو بن غيلان) بن سلمة (الثقفي) مختلف في صحبته. يروي عنه: (ق) له حديث واحد، قال البوصيري: ليس لعمرو بن غيلان عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له رواية في شيء من الكتب الخمسة، وهو مختلف في صحبته، ذكره جماعة في الصحابة، وذكره أبو الحسن بن سميع في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام، وعلى هذا فيكون الحديث مرسلًا.
وقال المزي في "التهذيب"، والذهبي في "الطبقات": لا تصح له صحبة، وقال ابن عبد البر: ليس إسناده بالقوي.
قلت: وأبو غيلان هو الذي أسلم وتحته عشر نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا، ويفارق سائرهن، رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن يعلى بن منصور عن صدقة بإسناده ومتنه، والحديث أخرجه أيضًا الطبراني في "الكبير" (١٧/ ٢٨).
والراوي عن النبي ﷺ هنا عمرو بن غيلان، لا أبو غيلان الصحابي، وعمرو ليس بصحابي قطعًا، فالحديث مرسل.
قلت: وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنه منقطع مرسل.
(قال) عمرو بن غيلان: (قال رسول الله ﷺ : اللهم؛
стр. 11827
مَنْ آمَنَ بِي وَصَدَّقَنِي وَعَلِمَ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ .. فَأَقْلِلْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِ لِقَاءَكَ وَعَجِّلْ لَهُ الْقَضَاءَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي وَلَمْ يُصَدِّقْنِي
===
من آمن بي) أي: صدق برسالتي (وصدقني) عطف مرادف على ما قبله (وعلم أن ما جئت به) من الأوامر والنواهي (هو الحق من عندك) بامتثال الأوامر واجتناب النواهي .. (فأقلل ماله وولده) لأن من كان مقلًّا منهما .. يسهل عليه التوسع في عمل الآخرة، والمتوسع في متاع الدنيا لا يمكنه التوسع في عمل الآخرة؛ لما بينهما من التباين والتضاد.
ومن ثم قال ابن مسهر: نعمةُ الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أعظمُ من نعمته فيما بسَطَ منها، والله سبحانه لم يرض الدنيا أهلًا لعقوبةِ أعدائه؛ كما لم يرضها أهلًا لإثابة أحبابه، وإن كانت معجلة؛ فقد تكون قساوةً في القلب، أو جمودًا في العين، أو تعويقًا عن طاعة الله، ووقوعًا في ذنب أو فترة في الهمة، أو سَلْبَ لذة خدمة.
وذهَبَ ابن العربي إلى أن المراد بإقلال ذلك وبإعدامه أو أخذه - كما في رواية أخرى -: أَخْذُ ذلك من قَلبه، مع وجوده عنده، وأنه يُؤثِر حُبَّ الله على حب هؤلاء، كذا في "فيض القدير" (٢/ ١٢٩).
قال السندي: قوله: "فأقلل ماله وولده" أي: لا يفتتن بشيء منهما؛ فإن الكثرة فيهما لا تخلو من فتنة؛ أو لأن كثرة الأولاد عند قلة المال تؤدي إلى المعاصي وترك التمييز بين الحلال والحرام. انتهى منه.
(وحبب إليه لقاءك) أي: حبب إليه الموت ليلقاك، ومن أحب لقاء الله .. أحب الله لقاءه (وعجل له القضاء) أي: الموت؛ حتى لا يفتتن بطول العمر، أو حتى يخلص من تعب الدنيا (ومن لم يؤمن بي) أي: برسالتي (ولم يصدقني)
стр. 11828
وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مَا جِئْتُ بِهِ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ .. فَأَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَطِلْ عُمْرَهُ".
(٥٣) - ٤٠٧٧ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ بُرْزِينَ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ،
===
فيما جئت به من الأوامر والنواهي (ولم يعلم) أي: ولم يوقن (أن ما جئت به) أنه (هو الحق) النازل (من عندك .. فأكثر ماله وولده، وأطل عمره) لتكثر عليه أسباب العقاب، والأولادُ والأموال والأهل، بل والأعضاء حتى العينُ التي هي أَعزُّها قد تكون سببًا لهلاك الإنسان في بعضِ الأحيان.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف السند؛ لانقطاعه وإرساله، وضعيف المتن؛ لضعف سنده بالإرسال، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهو ضعيف متنًا وسندًا (١١)(٤٢١).
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث نُقَادة الأسدي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٣) - ٤٠٧٧ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، قال ابن معين: أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة ومئتين ومات بعدها بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا غسان بن بُرْزِين) - بضم الموحدة وسكون الراء وكسر الزاي - الطَّهْوِيُّ أبو المقدام البصريُّ، صدوق ربما أخطأ، من السابعة، وثقه ابن معين العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان ممن يخطئ. يروي عنه: (ق).
(ح وحدثنا عبد الله بن معاوية) بن موسى (الجمحي) أبو جعفر البصري،
стр. 11829
حَدَّثَنَا غَسَّانُ بْنُ بُرْزِينَ، حَدَّثَنَا سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ السَّلِيطِيِّ، عَنْ نُقَادَةَ الْأَسَدِيِّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ يَسْتَمْنِحُهُ نَاقَةً فَرَدَّهُ،
===
ثقة معمر، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ) وقد زاد على المئة. يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا غسان بن برزين) الطهوي البصري، صدوق، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا سَيَّار بن سَلَامة) الرياحي - بالتحتانية - أبو المنهال البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن البراء السَّلِيطي) - بفتح المهملة - مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(عن نقادة) - بضم النون بعدها قاف - ابن عبد الله (الأسدي) الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه يكنى أبا بُهَيْسة - بموحدة ومهملة مصغرًا - وكان يسكن البادية.
وهذان السندان: الأول منهما: من سداسياته، والثاني منهما: من خماسياته، وحكمهما: الحسن؛ لأن البراء السليطي فيهما مختلف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات" وقال الذهبي: مجهول، وباقي رجال الإسنادين ثقات.
(قال) نقادة: (بعثني رسول الله) أي: أرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل) من المسلمين من أرباب الأموال والمواشي، حالة كون رسول الله ﷺ (يستمنحه) أي: يطلب من ذلك الرجل أن يمنحه ويعطيه ﷺ منيحةَ (ناقة) أي: أن يعطيه ناقة للانتفاع بلبنها، ثم يردها إليه بعد انقطاع لبنها، لعلَّه ﷺ طلب منيحة ناقة من ذلك الرجل للمحتاجينَ (فردَّه) أي: فرد ذلك الرجلُ المسؤولُ سُؤالَ
стр. 11830
ثُمَّ بَعَثَنِي إِلَى رَجُلٍ آخَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِنَاقَةٍ، فَلَمَّا أَبْصَرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .. قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ بَارِكْ فِيهَا وَفِيمَنْ بَعَثَ بِهَا"، قَالَ نُقَادَةُ: فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا، قَالَ: "وَفِيمَنْ جَاءَ بِهَا"، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُلِبَتْ فَدَرَّتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ أَكْثِرْ مَالَ فُلَانٍ"، لِلْمَانِعِ الْأَوَّل،
===
النبي ﷺ فلم يعطه المنيحةَ (ثم بعثني) رسول الله (إلى رجل آخر) غيرِ الأول يستمنحه ناقة ذات لبن (فأرسل) ذلك الرجل الثاني (إليه) ﷺ (بناقة) ذات لبن؛ لِيَشْربَ لبَنَها رسول الله ﷺ ثم يردَّها إليه، ولم أر من ذكر اسم الرجلين.
(فلما أبصرها) أي: فلما أَبْصرَ ورأى (رسول الله ﷺ تلك الناقة المرسلة إليه .. (قال: اللهم؛ بارك فيها) أي: في لبن هذه الناقة المرسلة لي (وفي) أموال (من بعث) وأرسل (بها) أي: بهذه الناقة إلي (قال نقادة) الراوي: (فقلت لرسول الله ﷺ : وقل يا رسول الله في الدعاء لي: (و) أنزل البركة (فيمن جاء بها) أي: بهذه المنيحة إليَّ من المالك، فـ (قال) رسول الله ﷺ في الدعاء لي: (و) أَنزِل البركةَ (فيمن جاء بها) إليَّ (ثم) بعدما دعا لي رسول الله ﷺ (أمر بها) من عنده بِحَلْبِ تلك الناقة (فحُلبت) تلك الناقةُ (فدرَّت) أي: أخرجت لبنها كثيرًا.
(فقال رسول الله ﷺ : اللهم؛ أَكثِر مال فلان) يريدُ الدعاءَ (للمانع الأول) أي: الذي امتنع من إرسال المنحة له؛ فكأنه ردَّ سؤال النبي ﷺ ؛ لقلَّةِ ماله، فطلب له بإكثار ماله؛ لينال بذلك فضيلة التصدق، أو أنه غضب عليه، فدعا له بإكثار المال له في الدنيا؛ لِيَقِلَّ به حَظُّه
стр. 11831
"وَاجْعَلْ رِزْقَ فُلَانٍ يَوْمًا بِيَوْمٍ" لِلَّذِي بَعَثَ بِالنَّاقَةِ.
(٥٤) - ٤٠٧٨ - (٧) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ،
===
في الآخرة، وهو الظاهر، لمقابلته بقوله في الدعاء للمهدي له بقوله: (واجعل رزق فلان يومًا بيوم) أي: بقدر الحاجة في الدعاء (للذي بعث) له (بالناقة) أي: المنيحة، إذ الظاهر أنه دعا له بذلك؛ لأنه رأى كثرةَ ماله، فخاف عليه الافتتانَ بذلك، فدعا له بتقليل المال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وهذا الحديثُ انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو داوود الطيالسيُّ في "مسنده" عن غسَّان به، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث نقادة أيضًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" بإسناده ومتنه، وليس لنقادة رواية في شيء من الأصول الخمسة.
ودرجته: أنه حسن، لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٤) - ٤٠٧٨ - (٧) (حدثنا الحسن بن حماد) بن كُسيب - بضم الكاف آخره موحدة مصغرًا - الحضرمي أبو علي البغدادي، يُلَقَّبُ بِسجَّادة، صدوق، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو بكر بن عياش) - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحنَّاطُ - بمهملة ونون - مشهورٌ بكنيته، والأصح: أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة أو رؤبة أومسلم أو خداش أو مطرف
стр. 11832
عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَار،
===
أو حماد أو حبيب، عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين، وقد قارب المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي حصين) - مكبرًا - عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، ثقة ثبت سُنِّي وربما دلس، من الرابعة، مات سنة سع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، وكان يجلب الزيت من الشام إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تَعِسَ عبدُ الدينار) - بفتح المثناة الفوقية وكسر العين المهملة، ويجوز فَتْحُها - وهو ضدُّ سَعِدَ، تقول: تعس فلان؛ أي: شَقِيَ وخَسِرَ، وقيل: التعسُ: الكَبُّ على الوجه، قال الخليل: التعسُ: أن يَعْثِرَ فلا يفيق من عثرته، وقيل: التَّعَسُ: الشرُّ، وقيل: البعد عن الخير، وقيل: الهلاكُ، وقيل: التعسُ: أن يَخِر على وجهه، والنَّكْسُ: أن يَخِرَّ على رأسِه وظهرِه، وقيل: تَعِسَ: أخطأ حجته، كذا قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٨٢).
قال السندي: (تعس) - بالكسر وقد يفتح - أي: عثر وانكب على وجهه، دعاءٌ عليه (عبد الدينار) أي: خسر طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده.
стр. 11833
وَعَبْدُ الدِّرْهَم، وَعَبْدُ الْقَطِيفَة، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ .. رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ .. لَمْ يَفِ".
===
قال الطيبي: خَصَّ العبد بالذكر؛ لِيُؤْذِنَ بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها؛ كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، ولم يقل: (مالك الدينار) ولا (جامع الدينار) لأن المذموم من المِلْكِ والجمع: الزيادة على قدر الحاجة؛ كذا في "الفتح" (١١/ ٢٤٥).
قال السندي: قوله: "عبد الدينار" أي: الذي يصرف همته وأوقاته في تحصيل الدينار وغيره من المذكورات؛ كما يصرف طالب المولى همته في تحصيل مرضاته.
(وعبد الدرهم) أي: طالبه بحرص ورغبة فيه أشدَّ الرغبة، بحيث يجعل كل همته فيه.
(و) تعس (عبد القطيفة، وعبد الخميصة) أي: طالبُهما بهمة واعتناء بهما؛ والقطيفة: هي الثوب الذي له خَملٌ وهُدْبٌ؛ كالسجادة العصرية؛ والخميصةُ: الكساءُ المربعُ، جعله عبدًا لهما؛ لِشَغفهِ وحرصه عليهما، فمن كان عبدًا لِهَواه .. لم يَصْدُقْ في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١).
(إن أعطي) - بالبناء للمفعول - أي: إن أعطي هواه المذكورَ .. (رضي) عن الإمام ووفَّى له عهدَه وبيعته السمع والطاعة (وإن لم يُعْطَ) هواه المذكور .. (لم يف) عهده وبيعته على السمع والطاعة، بل ينقض.
وشارك المؤلف في روايته لهذا الحديث: الإمام البخاري في كتاب الجهاد، وفي كتاب الرقاق، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وفي "دلائل النبوة"، وابن حبان، والبغوي في "شرح السنة"، والخطيب في "تاريخ بغداد".
стр. 11834
(٥٥) - ٤٠٧٩ - (٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،
===
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٥) - ٤٠٧٩ - (٨) (حدثنا يعقوب بن حميد) بن كاسب المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا إسحاق) بن إبراهيم (بن سعيد) الصوَّاف المدني المزني مولاهم، ليِّن الحديث، من الثامنة. يروي عنه: (ق). روى عن: صفوان بن سُليم، ويروي عنه: يعقوب بن حميد، قال أبو حاتم: لين الحديث، وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من "الثقات".
(عن صفوان) بن سليم المدني أَبِي عبد الله الزهري مولاهم، ثقة، مُفْتٍ عابد رُمي بالقدر، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم؛ مولى ابن عمر أبي عبد الرحمن المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السَّمان، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11835
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَار، وَعَبْدُ الدِّرْهَم، وَعَبْدُ الْخَمِيصَة، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ .. فَلَا انْتَقَشَ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه إسحاق بن سعيد، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، تعس) أي: هلك وخسر وانكب على وجهه وسقط؛ والمراد به هنا: الدعاء عليه بالهلاك (وانتكس) أي: سقط على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة؛ لأن من انتكس في أمره .. فقد خاب وخسر (وإذا شيك) أي: دخلت عليه الشوكة .. (فلا انتقش) أي: فلا خرج منه الشوك.
قال في "النهاية": يقال: شيك الرجل فهو مشوك؛ من باب قال؛ إذا دخل في جسمه الشوك (فلا انتقش) أي: فلا أخرج الله منه ذلك الشوك؛ والمراد: أنه إذا أخذته مشكلة من المشاكل .. فلا فكَّ الله عنه تلك المشكلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله.
ودرجته: أنه صحيح المتن، وإن كان سنده حسنًا، وهو مكرر مع ما قبله.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال، والخامس للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم