"وَاجْعَلْ رِزْقَ فُلَانٍ يَوْمًا بِيَوْمٍ" لِلَّذِي بَعَثَ بِالنَّاقَةِ.
(٥٤) - ٤٠٧٨ - (٧) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ،
===
في الآخرة، وهو الظاهر، لمقابلته بقوله في الدعاء للمهدي له بقوله: (واجعل رزق فلان يومًا بيوم) أي: بقدر الحاجة في الدعاء (للذي بعث) له (بالناقة) أي: المنيحة، إذ الظاهر أنه دعا له بذلك؛ لأنه رأى كثرةَ ماله، فخاف عليه الافتتانَ بذلك، فدعا له بتقليل المال، والله أعلم بحقيقة الحال.
وهذا الحديثُ انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو داوود الطيالسيُّ في "مسنده" عن غسَّان به، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث نقادة أيضًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" بإسناده ومتنه، وليس لنقادة رواية في شيء من الأصول الخمسة.
ودرجته: أنه حسن، لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٤) - ٤٠٧٨ - (٧) (حدثنا الحسن بن حماد) بن كُسيب - بضم الكاف آخره موحدة مصغرًا - الحضرمي أبو علي البغدادي، يُلَقَّبُ بِسجَّادة، صدوق، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو بكر بن عياش) - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحنَّاطُ - بمهملة ونون - مشهورٌ بكنيته، والأصح: أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة أو رؤبة أومسلم أو خداش أو مطرف
стр. 11832
عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَار،
===
أو حماد أو حبيب، عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين، وقد قارب المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي حصين) - مكبرًا - عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، ثقة ثبت سُنِّي وربما دلس، من الرابعة، مات سنة سع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، وكان يجلب الزيت من الشام إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تَعِسَ عبدُ الدينار) - بفتح المثناة الفوقية وكسر العين المهملة، ويجوز فَتْحُها - وهو ضدُّ سَعِدَ، تقول: تعس فلان؛ أي: شَقِيَ وخَسِرَ، وقيل: التعسُ: الكَبُّ على الوجه، قال الخليل: التعسُ: أن يَعْثِرَ فلا يفيق من عثرته، وقيل: التَّعَسُ: الشرُّ، وقيل: البعد عن الخير، وقيل: الهلاكُ، وقيل: التعسُ: أن يَخِر على وجهه، والنَّكْسُ: أن يَخِرَّ على رأسِه وظهرِه، وقيل: تَعِسَ: أخطأ حجته، كذا قال الحافظ في "الفتح" (٦/ ٨٢).
قال السندي: (تعس) - بالكسر وقد يفتح - أي: عثر وانكب على وجهه، دعاءٌ عليه (عبد الدينار) أي: خسر طالبه الحريص على جمعه، القائم على حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده.
стр. 11833
وَعَبْدُ الدِّرْهَم، وَعَبْدُ الْقَطِيفَة، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ؛ إِنْ أُعْطِيَ .. رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ .. لَمْ يَفِ".
===
قال الطيبي: خَصَّ العبد بالذكر؛ لِيُؤْذِنَ بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها؛ كالأسير الذي لا يجد خلاصًا، ولم يقل: (مالك الدينار) ولا (جامع الدينار) لأن المذموم من المِلْكِ والجمع: الزيادة على قدر الحاجة؛ كذا في "الفتح" (١١/ ٢٤٥).
قال السندي: قوله: "عبد الدينار" أي: الذي يصرف همته وأوقاته في تحصيل الدينار وغيره من المذكورات؛ كما يصرف طالب المولى همته في تحصيل مرضاته.
(وعبد الدرهم) أي: طالبه بحرص ورغبة فيه أشدَّ الرغبة، بحيث يجعل كل همته فيه.
(و) تعس (عبد القطيفة، وعبد الخميصة) أي: طالبُهما بهمة واعتناء بهما؛ والقطيفة: هي الثوب الذي له خَملٌ وهُدْبٌ؛ كالسجادة العصرية؛ والخميصةُ: الكساءُ المربعُ، جعله عبدًا لهما؛ لِشَغفهِ وحرصه عليهما، فمن كان عبدًا لِهَواه .. لم يَصْدُقْ في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (١).
(إن أعطي) - بالبناء للمفعول - أي: إن أعطي هواه المذكورَ .. (رضي) عن الإمام ووفَّى له عهدَه وبيعته السمع والطاعة (وإن لم يُعْطَ) هواه المذكور .. (لم يف) عهده وبيعته على السمع والطاعة، بل ينقض.
وشارك المؤلف في روايته لهذا الحديث: الإمام البخاري في كتاب الجهاد، وفي كتاب الرقاق، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وفي "دلائل النبوة"، وابن حبان، والبغوي في "شرح السنة"، والخطيب في "تاريخ بغداد".
стр. 11834
(٥٥) - ٤٠٧٩ - (٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ ابْنُ سَعِيدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ،
===
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٥) - ٤٠٧٩ - (٨) (حدثنا يعقوب بن حميد) بن كاسب المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا إسحاق) بن إبراهيم (بن سعيد) الصوَّاف المدني المزني مولاهم، ليِّن الحديث، من الثامنة. يروي عنه: (ق). روى عن: صفوان بن سُليم، ويروي عنه: يعقوب بن حميد، قال أبو حاتم: لين الحديث، وذكره ابن حبان في الطبقة الرابعة من "الثقات".
(عن صفوان) بن سليم المدني أَبِي عبد الله الزهري مولاهم، ثقة، مُفْتٍ عابد رُمي بالقدر، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم؛ مولى ابن عمر أبي عبد الرحمن المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السَّمان، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11835
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَار، وَعَبْدُ الدِّرْهَم، وَعَبْدُ الْخَمِيصَة، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ .. فَلَا انْتَقَشَ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه إسحاق بن سعيد، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، تعس) أي: هلك وخسر وانكب على وجهه وسقط؛ والمراد به هنا: الدعاء عليه بالهلاك (وانتكس) أي: سقط على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة؛ لأن من انتكس في أمره .. فقد خاب وخسر (وإذا شيك) أي: دخلت عليه الشوكة .. (فلا انتقش) أي: فلا خرج منه الشوك.
قال في "النهاية": يقال: شيك الرجل فهو مشوك؛ من باب قال؛ إذا دخل في جسمه الشوك (فلا انتقش) أي: فلا أخرج الله منه ذلك الشوك؛ والمراد: أنه إذا أخذته مشكلة من المشاكل .. فلا فكَّ الله عنه تلك المشكلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله.
ودرجته: أنه صحيح المتن، وإن كان سنده حسنًا، وهو مكرر مع ما قبله.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال، والخامس للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11836
(١٢) - (١٤٨٥) - بَابُ الْقَنَاعَةِ
(٥٦) - ٤٠٨٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَض،
===
(١٢) - (١٤٨٥) - (بابُ القناعة)
(٥٦) - ٤٠٨٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ليس الغِنى) - بكسر أوله مقصورًا - أي ليس الغنى الحقيقي المعتبر عند الله، النافع لصاحبه في الآخرة، المحمود عند الله وعند الناس .. ما كان (عن كثرةِ العَرَض) والعَرَضُ - بفتحتين -: متاع الدنيا وزخرفها، وقال القرطبي: والعرض - بفتح العين والراء -: حُطام الدنيا ومتاعها.
وأما العَرْضُ - بفتح العين وسكون الراء - فهو العُرُوضُ؛ وهو ما خلا العقار والحيوان مما يَدْخُلُه الكيلُ والوزنُ، قاله أبو عبيد.
وفي "كتاب العيني": العرض - بفتحتين -: ما نيل من الدنيا، ومنه قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (١)، وجمعه عُروض. انتهى من "المفهم".
وقال ابن فارس: العرض - بالسكون -: كل ما كان من المال غَيْر نقد، وجمعُه عُروض، ومنه: عروض التجارة.
стр. 11837
وَلكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ".
===
وأما بالفتح .. فما يصيبه الإنسان من حظه في الدنيا؛ كما في قوله تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ (٢).
ويطلق بالاشتراك على ما يقابل الجوهر، وعلى كل ما يعرض للشخص من مرض ونحوه.
(ولكنَّ الغِنَى) المحمودَ الدائم (غِنى النفس) وقناعَتُها بما عندها من المال.
ومعنى الحديث: الغنى المحمود الدائم المستمرُّ الذي لا يزول عن صاحبه .. غنى النفس وشبعها عما في أيدي الناس، وقِلَّة حِرصها على جمع المال، لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة؛ لأن من كان طالبًا للزيادة ولم يستغن بما معه من المال .. فليس له غنىً. انتهى "نووي" بزيادة وتصرف.
ولابن حبان من حديث أبي ذر الغفاري قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر؛ أترى كثرة المال هو الغنى؟ " قلت: نعم، قال: "وترى قلة المال هو الفقر؟ " قلت: نعم يا رسول الله، قال: "إنما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب".
قال بعض الشيوخ: والمراد بغنى النفس: القناعة.
ويمكن أن يراد به: ما سد الحاجة، قال الشاعر:
غنى النفس ما يكفيك في سدِّ حاجةٍ ... فإن زاد شيءٌ عادَ ذاك الغِنى فَقْرا
قال الطيبي: ويمكن أن يراد بغنى النفس: حصول الكمالات العلمية والعملية، وأنشد أبو الطيب في معناه:
ومن يُنْفِقِ الساعاتِ في جمعِ مالِهِ ... مخافةَ فقرٍ فالذي فعلَ الفقرُ
стр. 11838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يعني: ينبغي أن ينفق ساعاته وأوقاته في الغنى الحقيقي؛ وهو طلب الكمالات؛ ليزيد غنىً بعد غنىً، لا في المال؛ لأنه فقر بعد فقر.
قلت: يعني: أن الفقر هو الحاجة، ومهما زاد شيئًا من المال أو الرياسة .. احتاج لحفظ ذلك، وعَظُم خوفُه من زواله، هذا في الدنيا، واحتاج إلى استعداد عظيم، وقيام بحقوق ذلك؛ لأجل الآخرة، فاستبان أن الفقر يكثر بكثرة عرَض الدنيا، ويقل بقلتها. انتهى من "السنوسي".
قال ابن بطال: معنى الحديث: ليس حقيقةُ الغنى كثرة المال؛ لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يَقْنَع بما أوتي؛ فهو يجتهد في الازدياد، ولا يُبالي مِن أَين يأتيه، فكأنه فقير؛ لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى .. غنى النفس؛ وهو غنى من استغنى بما أوتي، وقنع به ورضي، ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب، فكأنه غني.
وقال القرطبي: ومعنى هذا الحديث: أن الغِنى النافعَ أو العظيمَ أو الممدوحَ هو غنى النفس؛ وبيانهُ: أنه إذا استغنَتْ نفسُه .. كفَّتْ عن المطامع، فعزَّتْ وعظُمت فجُعِلَ لها من الحُظْوةِ والنَّزاهةِ والتشريف والمدح .. أَكْثَرُ مِمن كان غنيًّا بماله، فقيرًا بحرصه وشرهه؛ فإن ذلك يُورِّطُه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال؛ لبخله ودناءة همته، فيكثر ذَامُّه من الناس، ويصغَّر قدرُه فيهم، فيكون أحقرَ مِن كل حقير، وأذلَّ من كل ذليل. انتهى من "المفهم".
والحاصل: أن المُتَّصف بغنى النفس يكون قانعًا بما رزقه الله تعالى، لا يحرص على الازدياد لغير حاجة، ولا يُلِحُّ في الطلب، ولا يُلْحِفُ في السؤال، بل يرضى بما قسم الله له، فكأنه واجدٌ أبدًا، والمتصف بفقر النفس على الضد منه؛ لكونه لا يقنع بما أعطي، بل هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه،
стр. 11839
(٥٧) - ٤٠٨١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ لَهِيعَةَ،
===
ثم إذا فاته المطلوب .. حزن وأسف، فكأنه فقير من المال؛ لأنه لم يستغن بما أعطي، فكأنه ليس بغني، ثم إن غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره؛ علمًا بأن الذي عند الله تعالى خير له وأبقى، فهو مُعْرِضٌ عن الحرص والطلب.
قال الحافظ: وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب؛ بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره، ويتحقَّق أنه المعطي المانعُ، فيرضى بقضائه على نعمائه، ويفزع إليه في كشف ضرَّائه، فيَنْشَأ عن افتقار القلبِ إلى ربه غِنَى نفسه عن غيرِ ربه تعالى. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب الغِنى غنى النفس، ومسلم في كتاب الزكاة، باب لَيْسَ العرضُ، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء أن الغنى غنى النفس، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٧) - ٤٠٨١ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا عبد الله بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق،
стр. 11840
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ وَحُمَيْدِ بْنِ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاص، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَرُزِقَ الْكَفَافَ
===
من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ).
يروي عنه: (م د ت ق)، قالوا: وهو مختلف فيه.
(عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري الكناني مولاهم، اسم أبيه يسار، ثقة عابد فقيه، من الخامسة، مات سنة اثنتين، وقيل: أربع، وقيل: خمس، وقيل: ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(وحميد بن هانئ) أبي حميد (الخولاني) المصري، لا بأس به، من الخامسة، وهو أكبر شيخ لابن وهب، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أنهما سمعا أبا عبد الرحمن الحبلي) - بضم المهملة والموحدة - اسمه عبد الله بن يزيد المعافري، ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ) بإفريقية. يروي عنه: (م عم).
حالة كون أبي عبد الرحمن (يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص) رضي الله تعالى عنهما، من المهاجرين الأولين.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن لهيعة، وهو مختلف فيه.
(عن رسول الله ﷺ أنه قال: قد أفلح) وفاز وظفر بمطلوب الدنيا والآخرة (من هدي) وأرشد (إلى) دين (الإسلام) وشريعته ووُفِّق لانقيادها (ورزق الكفاف) أي: ما يَكُفُّه ويمنعه من مسألة الناس.
стр. 11841
وَقَنِعَ بِهِ".
===
والكفاف - بفتح الكاف -: من الكف؛ وهو المنع، لا من الكفاية؛ كما قد يتوهم (وقنع به) أي: اكتفى بذلك القليل، فلم تطمح نفسه لطلب ما زاد عليه، فمن حصل له ذلك، وكف نفسه عما زاد على ذلك .. فقد فاز في الدنيا والآخرة. انتهى "مناوي".
قال القرطبي: والكفاف: ما يكف عن الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يلحق بأهل الترفهات.
ومعنى هذا الحديث: أن من فعل تلك الأمور واتصف بها .. فقد حصل على مطلوبه، وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة. انتهى من "المفهم".
ولهذا قال ﷺ : "اللهم؛ اجعل رزق آل محمد قوتًا" أي: اكْفِهم من القوت بما لا يُرْهِقُهم إلى ذل المسألة، ولا يكون فيه فضولٌ تَبْعَثُهم على الترفُّهِ والتبسط في الدنيا، وفيه حجة لمن فضَّل الكفاف؛ لأنه إنما يدعو لنفسه وآله بأفضل الأحوال، وقد قال: "خَيْرُ الأمورِ أوساطُها". انتهى.
ويؤيده ما أخرجه ابن المبارك في "الزهد" بسند صحيح عن القاسم بن محمد بن أبي بكر عن ابن عباس: أنه سئل عن رجل قليل العمل قليل الذنوب، أو رجل كثير العمل كثير الذنوب، فقال: لا أعدل بالسلامة شيئًا، فمن حصل له ما يكفيه واقتنع به .. أمن من آفات الغنى وآفات الفقر.
وقد ورد حديث لو صح .. لكان نصًّا في المسألة؛ وهو ما أخرجه ابن ماجه من طريق نُفيع؛ وهو ضعيف، عن أنس رفعه: "ما من غني ولا فقير .. إلا وَدَّ يوم القيامة أنه أوتي من الدنيا قوتًا".
وقد تكلم ابن بطال على مسألة التفضيل بين الغَنيِّ والفقير بكلام طويل، حاصله: أن الفقير والغني متقابلان؛ لما يعرض لكل منهما في فقره وغناه من
стр. 11842
(٥٨) - ٤٠٨٢ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ
===
العوارض فيمدح أو يذم، والفضل كله في الكفاف؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ (١).
وقال رسول الله ﷺ : "اللهم، اجعل رزق آل محمد قوتًا" وسيأتي قريبًا.
قوله: "وقنع به" أي: قنع بما آتاه الله تعالى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزكاة، باب في القناعة والكفاف، والترمذي في الزهد، وابن حبان، والبغوي: في "شرح السنة" وغيره.
ودرجته: أنه حسن السند، لأن فيه ابن لهيعة، وهو مختلف فيه، صحيح المتن بما قبله، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٨) - ٤٠٨٢ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 11843
قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْ رِزقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا".
===
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة - بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة - الضبي الكوفي، ثقة، من السادسة، أرسل عن ابن مسعود. يروي عنه: (ع).
(عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : اللهم؛ اجعل رزق آل محمد) ﷺ أي: ذريته وأهل بيته، أو أتباعه وأحبابه على وجه الكمال. انتهى "ملا علي"، ومفاد ما ذكره ابن الملك: كون (آل) مقحمًا.
(قوتًا) قال النووي: القوت عند أهل العربية واللغة: ما يسد الرمق. انتهى.
وفي "المشكاة" زيادة: (كفافًا) فقال ملا علي: وهو من القوت ما يكف الرجل عن الجوع، أو عن السؤال، والظاهر أن هذه الرواية تفسير للأولى. انتهى.
стр. 11844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: قوله: "قوتًا" أي: ما يقوتهم ويكفيهم؛ بحيث لا يشوشهم الجهد ولا ترهقهم الفاقة، ولا تذلهم المسألة والحاجة، ولا يكون أيضًا في ذلك فضول يخرج إلى الترف والتبسط في الدنيا والركون إليها.
وهذا يدل على زهد النبي ﷺ في الدنيا، وعلى تقلله منها، وهو حجة لمن قال: إن الكفاف أفضل من الفقر والغنى. انتهى من "المفهم".
قال النووي: وفي الحديث فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار على القوت منها والدعاء بذلك. انتهى.
قال القرطبي: ومعنى الحديث: أنه طلب الكفاف؛ فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، وفي هذه سلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا.
وقال القاري في "المرقاة" (٩/ ٢٠): وحكم الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال؛ فمنهم: من يعتاد قلة الأكل حتى إنه يأكل في كل أسبوع مرة، فكفافه وقوته تلك المرة في كل أسبوع.
ومنهم: من يعتاد الأكل في كل يوم مرة أو مرتين، فكفافه ذلك أيضًا؛ لأنه إن تركه .. أضر ذلك ولم يقو على الطاعة.
ومنهم: من يكون كثير العيال، فكفافه ما يسد رمق عياله.
ومنهم: من يقل عياله، فلا يحتاج إلى طلب الزيادة وكثرة الأشغال، فإذًا: قدر الكفاية غير مقدر، ومقداره غير معين، إلا أن المحمود: ما به القوة على الطاعة والاشتغال على قدر الحاجة.
وهذا الحديث علم من أعلام النبوة، وقد أجاب الله هذا الدعاء؛ فإنه ترى عترته ﷺ من زمنه إلى زماننا هذا ليس في أيديهم غير الكفاف الذي لا يموت به صاحبه، والكفاف لا يستطيع دونه، ولم
стр. 11845
(٥٩) - ٤٠٨٣ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَيَعْلَى،
===
تسلَّم إليهم مملكةٌ؛ كما حصلت لغيرهم، ولم تقُم لهم سلطة على وجهٍ يعتد به، وإن ظَهرَ بعضهم على بعض القطر اليسير من الملك الكبير، والنادر كالمعدوم، بل هم أقلُّ الناس معاشًا وأندرهم قوتًا، وأقصرهم كفافًا في أكثر الأزمنة والبلاد.
والنكتةُ في ذكر هذا الحديث في كتاب الزهد: تنبيه غير آل محمد ﷺ على إيثار القوت والكفاف، وتثبيتهم على الفقر، وكف اللسان عن شكاية قلة الرزق والمعاش؛ لأنه إذا أريد بأفاضل الأمة وخيارهم هذا الأمر .. فكيف بمن هو مفضول من الشرار؟ !
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب كيف كان عيش النبي ﷺ ، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، والترمذي في كتاب الزهد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٩) - ٤٠٨٣ - (٤) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الكوفي الهمداني، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ويعلى) بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي أبو يوسف الكوفي، ثقة إلا
стр. 11846
عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ نُفَيْعٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ إِلَّا وَدَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الدُّنْيَا قُوتًا".
===
في حديثه عن الثوري ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن إسماعيل بن أبي خالد) سعيد البجلي الأحمسي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نفيع) بن الحارث أبي داوود الأعمى، مشهور بكنيته الكوفي، ويقال له: نافع، متروك، وقد كذبه ابن معين، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا داوود الأعمى، وهو متروك.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : ما من غني) أي: صاحب مال (ولا فقير .. إلا ود) وأحب حبًّا شديدًا (يوم القيامة أنه أوتي) وأعطي - بالبناء للمفعول - (من الدنيا قوتًا) أي: قدر ما يقوت ويعيش به، وفي رواية: (كفافًا) أي: شيئًا يسد رمقه بغير زيادة على ذلك، قيل: سمي قوتًا؛ لحصول القوة منه.
وقد احتج بهذا الحديث من فضل الفقر على الغنى، وقد اتفق الجميع على أن ما أَحْوَج من الفقر .. مكروه، وما أَبْطَر من الغنى .. مذموم؛ والكفاف: حالة متوسطة بين الفقر والغنى، وخير الأمور أوسطها، ولذلك سألها المصطفى ﷺ بقوله: "اللهم؛ اجعل رزق آل محمد قوتًا" ومعلوم أنه لا يسأل لهم إلا أفضل الأحوال؛ والكفاف حالة سليمة من آفات الغنى المطغي وآفات الفقر المدقع الذي كان يتعوَّذ منهما، فهي أفضل منهما.
стр. 11847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: فعلى هذا؛ فأهل الكفاف هم صدر كتيبة الفقر الداخلين الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام؛ لأنهم وسطهم؛ والوسط: العدل ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١)؛ أي: عدلًا خيارًا، وليسوا من الأغنياء، ولا من الفقراء.
وفيه حجة لمن ذهب إلى تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر، يكفي في فضله: أن كل أحد يتمناه يوم القيامة، كذا في "الفيض"، والله أعلم.
قال السندي: قوله: "أنه أوتي من الدنيا قوتًا" أي: لأنه قد يعدم القوت فيؤديه ذلك إلى ما لا ينبغي، فيتمنى أنه لو كان رزقه الله القوت، والله أعلم. انتهى منه.
قال السيوطي: هذا الحديث أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأعلَّه بنفيع بن الحارث؛ فإنه متروك، وهو مرويٌّ في "مسند أحمد"، وله شاهد من حديث ابن مسعود أخرجه الخطيب في "تاريخه" بهذا الإسناد والمتن، وكل من رواه إنما روى بإسناد نفيع بن الحارث.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهو: ضعيف السند والمتن (١٢)(٤٢٢).
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عُبيد الله بن مُحْصِنٍ رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 11848
(٦٠) - ٤٠٨٤ - (٥) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي شُمَيْلَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ أَبِيهِ
===
(٦٠) - ٤٠٨٤ - (٥) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء العاشرة، فهو مختلف فيه، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ) وله مئة سنة. يروي عنه: (م ق).
(ومجاهد بن موسى) الخوارزمي الختلي - بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة - أبو علي نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ) وله ست وثمانون سنة. يروي عنه (م عم).
(قالا: حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ وكان يدلس أسماء المشايخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن أبي شُمَيلةَ) - بمعجمة مصغرًا - الأنصاري المدني القُبَائي - بضم القاف وتخفيف الموحدة ممدودةً - مقبول، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن سلمة بن عبيد الله بن محصن الأنصاري) الخطمي المدني، مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ت ق). روى عن: أبيه، ويقال: له صحبة، ويروي عنه: عبد الرحمن بن أبي شميلة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في "السنن" حديث واحد: (من أصبح منكم آمنًا في سربه) وهو هذا الحديث، وقال أحمد: لا أعرفه، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، فهو مختلف فيه.
(عن أبيه) عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي المدني، مختلف في
стр. 11849
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافىً فِي جَسَدِه، آمِنًا فِي سِرْبِه،
===
صحبته، والصحيح أنه صحابي رضي الله تعالى عنه، وروى عن النبي ﷺ حديث: (من أصبح منكم آمنًا في سربه ... ) وهو هذا الحديث ويروي عنه: ابنه سلمة. يروي عنه: (ت ق).
قلت: وقال ابن عبد البر: أكثرهم يصحح صحبته، وقال أبو نعيم: أدرك النبي ﷺ وروى عنه، وذكره البخاري في "التاريخ الكبير" فيمن اسمه عبيد الله - مصغرًا - وفي "سنن الترمذي" في سياق حديثه (وكانت له صحبة). يروي عنه: (ت ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرحمن بن شميلة، وهو مختلف فيه، وفيه سلمة بن عبيد الله الأنصاري وهو مختلف فيه، وأما سويد بن سعيد وإن كان مختلفًا فيه .. فقد قارنه مجاهد بن موسى، فقواه به.
(قال) عبيد الله بن محصن: (قال رسول الله ﷺ : من أصبح منكم) أيها المؤمنون (معافىً) اسم مفعول؛ من عافى المفاعلة؛ أي: صحيحًا سليمًا من العلل والأسقام (في جسده) أي: في بدنه ظاهرًا وباطنًا (آمنًا) أي: غير خائف من عدو (في سربه) المشهور: كسر السين؛ أي: في نفسه.
وقيل: السرب: الجماعة؛ أي: في قومه وعشيرته؛ فالمعنى: في أهله وعياله، وقيل: بفتح السين؛ أي: في مسلكه وطريقه، وقيل: بفتحتين؛ أي: في بيته، كذا ذكره القاري عن بعض الشراح.
وقال التوربشتي: أبي بعضهم أن يُقْرأَ بفتحتين؛ أي: في بيته، ولم
стр. 11850
عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ .. فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا".
===
يذكر روايةً، ولو سُلِّم له قولُه: أن يطلق السَّرَبُ على كل بيت .. كان قولُه هذا حَرِيًّا بأن يكون أقوى الأقاويل، إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض.
وفي "القاموس": السرب: الطريق، وبالكسر: الطريق والبال والقلب والنفس والجماعة، وبالتحريك: جُحْرُ الوحْشِيِّ والحفيرُ تحت الأرض. انتهى.
فيكون المراد من الحديث: المبالغة في حصول الأمن له، ولو في بيت تحت الأرض ضيق؛ كجحر الوحش، أو التشبيه به؛ في خفائه وعدم ضياعه.
(عنده قوت يومه) الحاضر؛ أي: كفاية قوته من وجه الحلال .. (فكأنما حيزت له الدنيا) بصيغة المبني للمجهول؛ من الحيازة؛ وهي الجمع والضم؛ أي: جمعت، والضمير في: (له) عائدٌ لـ (من) في قوله: (من أصبح منكم) رابط للجملة المذكورة هنا للجملة السابقة؛ أي: فكأنما حيزت الدنيا وجمعت له.
وزاد في "المشكاة": (بحذافيرها) قال القاري: أي: بتمامها؛ والحذافير: الجوانب، وقيل: الأعالي، واحده حِذْفَار، أو حُذْفُور.
والمعنى: فكأنما أعطي الدنيا بأسرها، كذا في المرقاة (٩/ ٤٧).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب في وصف من حيزت له الدنيا.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 11851
(٦١) - ٤٠٨٥ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ
===
(٦١) - ٤٠٨٥ - (٦) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة.
(حدثنا وكيع) بن الجراح، (وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة ثبت قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان الزيات.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : انظروا) أيها المؤمنون (إلى من هو أسفل منكم) أي: إلى من هو أقل منكم مالًا، أو إلى من هو أقبح منكم، أو إلى من هو أضعف منكم جسمًا (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) منزلة في ذلك المذكور، والظرف في الموضعين متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الذي هو ضمير الغائب.
والمعنى: انظروا أيها المسلمون إلى من هو أسفل منكم في المال والجمال والجاه مثلًا؛ فإنه يظهر عليكم ما أنعم الله به عليكم، فتشكرونه على ذلك، فتقومون بحق النعمة (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) في ذلك.
(فإنه) أي: فإن النظر إلى من هو أسفل منكم؛ فالضمير عائد إلى مصدر (انظروا).
стр. 11852
أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللهِ"، قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: "عَلَيْكُمْ".
===
(أجدر) وأحق وأوجب بـ (ألَّا تزدروا) أي: بألا تستصغروا ولا تحقروا (نعمة الله) التي أنعم الله بها عليكم.
(قال أبو معاوية) أي: زاد أبو معاوية على وكيع لفظة: (عليكم) بعد قوله: (نعمة الله) أي: أقرب بألا تزدروا نعمة الله التي أنعم الله تعالى بها عليكم.
من الازدراء؛ وهو الاحتقار والانتقاص والتعييب، وهو افتعال؛ من زريت عليه زريًا وزِريةً وزِرايةً - بكسر أوله - من باب رمى؛ إذا عبت عليه.
وأصل ازدريت: ازتريت، فقلبت (تاء) الافتعال (دالًا) لأجل مناسبة الزاي، كذا في "الكاشف" للخطابي (٩/ ٣٣٤).
وقال في "المصباح": زرى عليه زريًا؛ من باب رمى، وزرية وزراية؛ إذا عابه واستهزأ به. انتهى.
والمعنى: لا تحقروا نعمة الله، والتزموا شكرها. انتهى "أبي".
قال القرطبي: قوله: "انظروا إلى من هو أسفل منكم" أي: اعتبروا إلى من فضلتم عليه في المال والخلق والعافية، فيظهر عليكم ما أنعم الله به عليكم فتشكرونه على ذلك، فتوفون بحق النعمة، وذلك بخلاف ما إذا نظر إلى ما فُضِّلَ به عليه غيره من ذلك؛ فإنه يَضْمِحلُّ عنده ما أنعم به عليه من النعم، فيحتقرها فلا يحسبها نعمًا، فينسى حق الله فيها من الشكر، وربما حمله ذلك النظر إلى أن تمتدَّ عينه إلى الدنيا، فينافسَ أهلها، ويتَقَطَّعَ لحسرةِ فوتها، ويحسدَ أهلها، وذلك هو الهلاك في الدنيا والآخرة. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في الرقاق، باب لينظر إلى من هو أسفل منه، ومسلم في كتاب الزهد والرقائق، والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وقال: هذا حديث صحيح، وأحمد في "المسند".
стр. 11853
(٦٢) - ٤٠٨٦ - (٧) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦٢) - ٤٠٨٦ - (٧) (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حِبَّان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا كثير بن هشام) الكلابي أبو سهل الرَّقِّي، نزيل بغداد، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ)، وقيل: ثمان ومئتين. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا جعفر بن برقان) - بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف - الكلابي أبو عبد الله الرقي، صدوق يهم في حديث الزهري، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا يزيد بن الأصم) واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البَكَّائي - بفتح الموحدة والتشديد - أبو عوف الكوفي، نزل الرقة وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: له رؤيةٌ ولا تَثْبُتُ، وهو ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 11854
رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلكِنْ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ".
===
حالة كون أبي هريرة (رفعه) أي: رفع هذا الحديث (إلى النبي ﷺ أي: لم يوقفه على نفسه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النبي ﷺ : (إن الله لا ينظر إلى) جمال (صوركم و) إلى كثرة (أموالكم، ولكن إنما ينظر إلى) إخلاص (أعمالكم و) إلى نية (قلوبكم).
والحاصل: أن من حسن عمله، وصلحت نيته، سواء كان نحيف الجسم، دميم الصورة، فارغ اليد .. ﵁ ونظر إليه، ومن ساء عمله، وفسدت نيته .. سخط الله عليه، وأعرض عنه، وإن كان كبير الجسم، جميل الصورة، كثير المال.
وقال محمد الدهني في "هامش مسلم": يعني: أن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم المجردة عن السيرة المرضية، ولا إلى أموالكم العارية عن الخيرات، ولكن ينظر إلى قلوبكم التي هي محل التقوى، وأعمالكم التي يتقرب بها إلى الله العلي الأعلى. انتهى منه.
قوله: (إن الله لا ينظر إلى صوركم) وفي رواية مسلم: (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم)، قال القاضي عياض: نظر الله الذي بمعنى: الرؤية يتعلق بكل موجود، وهذا النظر بمعنى: المجازاة والإثابة، ويتعلق هذا بمن شاء الله به ذلك.
فالمعنى: أن الله لا يجازيكم ولا يثيبكم على صوركم وأموالكم، وإنما يثيبكم على ما في قلوبكم من قصد الخير ونيته؛ وإنما كان كذلك؛ لأن أعمال القلب هي المصححةُ للأعمالِ الظاهرة، والأعمالُ الظاهرةُ إنما هي أمارات
стр. 11855
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ظنية، لا دلالة عقلية، ترتَّب على ذلك عدمُ الغلوِّ في تعظيم من حسنت أعماله الظاهرة؛ إذ لعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفًا مذمومًا لا تصح معه تلك الأفعال.
وترتَّبَ أيضًا عليه عدم احتقار مسلمٍ ساءت أفعاله الظاهرة؛ إذ لعل الله تعالى يعلم من قلبه وصفًا محمودًا يغفر له بسببه، وهذا في الحكم على عاقبة الرجل الذي ساءت أفعاله الظاهرة، فلا يحكم عليه بكونه من النار مثلًا، فإنه يمكن أن يغفر له الله تعالى؛ لتوبته فيما بعد، أو لسبب من الأسباب، ولا يجوز لبشر أن يتحكم على الله تعالى، أما بالنسبة لأفعاله .. فلا شك في أنها يحكم عليها بكونها ذنبًا أو معصيةً، ويجب أن ينكر عليها، وإلا .. لتعطلت الأحكامُ كلُّها.
والذي يظهر عندي من معنى الحديث: أن الله تعالى لا ينظر إلى قوة أجسادكم وإلى صوركم الحسنة، وإنما ينظر إلى أعمالكم الظاهرة والباطنة جميعًا، فأشار بقوله: "قلوبكم" إلى الأعمال الباطنة؛ كما أشار بقوله: "أعمالكم" إلى الأعمال الظاهرة.
والحاصل: أن من حسن عمله .. رضي عنه الله تعالى، سواء كان نحيف الجسم دميم الصورة، ومن ساء عمله .. سخط الله منه ، سواء كان قوي الجسم حسن الصورة، فلا مجال في هذا الحديث لمن ادعى: (أن المطلوب من الإنسان تزكية القلب فقط، ولا عبرة بأفعاله الظاهرة، فيفعل في ظاهره ما يشاء) كما تفوه بذلك بعضُ الملاحِدة، وجهلة المتصوفة، ونصوص القرآن والسنة مطبقةٌ على كون الإنسان مكلفًا على تصحيح أعماله الظاهرة.
والواقع أن الأعمال الظاهرة لا تفسد إلا بفساد القلب، فهي علامة على فساد
стр. 11856
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
باطنه، أما أَنْ يُغْفرَ له بوصف خفي .. فذلك شيء آخر، فلا يلزم منه ألا يقع الإنكار على أعماله الظاهرة الفاسدة، فلو لم تكن هناك قيمة للأعمال الظاهرة .. لما ذكر النبي ﷺ : (وأعمالكم) عقب قوله: (إلى قلوبكم) ولكنه ﷺ ذكر الأمرين، فدل على أن المطلوب: إِصلَاحُ الباطن والظاهر جميعًا.
وكذلك لا يخفى بطلان قول من استدل بهذا الحديث على: أن الأجساد والصور لا يتعلق بها حكم شرعي، فيجوز للمرء أن يختار لتزيين جسده وتحسين صورته ما شاء من طريق؛ كحلق اللحية، وإرسال الشارب، وما إلى ذلك، والواقع أن حديث الباب لا علاقة له بمثل هذا، وأن ما أمر به الرسول ﷺ من إعفاء اللحية، وإحفاء الشارب .. من جملة الأعمال الظاهرة المأمور بها، فلا شك في كونها من جملة الشرائع التي كلفنا الله تعالى بها.
وإنما المراد من نفي النظر إلى الأجساد والصور: أن حسن الصورة وقبحها لا مدخل له في رضا الله وسخطه، وإنما العبرة بالأعمال التي يباشرها، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن كثير من الأعمال التي تتعلق بالجسد والصور؛ كأمره بإعفاء اللحية، وقص الشوارب، وتقليم الأظفار، ولعنه للواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات، فكيف يقال: إن هذه الأحكام خارجة عن شريعة الله تعالى؟ ! كذا في "التكملة" (٥/ ٣٦٢).
(ولكن إنما ينظر إلى أعمالكم) قال السندي: فأصلحوا أعمالكم وقلوبكم، ولا تجعلوا همتكم متعلقة بالبدن والمال.
ولعل المراد بالنظر وعدمه: أنه لا يقبل المرء ولا يقربه بحسن الصورة وكثرة
стр. 11857
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المال، ولا يرده بضد ذلك، وإنما يقبله بحسن العمل، وخلوص القلب، ويرده بضد ذلك، وإلا .. فما شيء يغيب عن نظر الله تعالى، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره، والبغوي في "شرح السنة"، وأحمد في "مسنده".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والرابع للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 11858
(١٣) - (١٤٨٦) - بَابُ مَعِيشَةِ آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ
(٦٣) - ٤٠٨٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لَنَمْكُثُ شَهْرًا
===
(١٣) - (١٤٨٦) - (باب معيشة آل محمد ﷺ
(٦٣) - ٤٠٨٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (إن) مخففة من الثقيلة؛ بدليل اللام الفارقة بعدها، واسمها ضمير الشأن محذوفًا وجوبًا، وجملة: (كنا) خبرها، و (آل محمد ﷺ منصوب على الاختصاص، وجملة: (لنمكث شهرًا)
стр. 11859
مَا نُوقِدُ فِيهِ بِنَارٍ مَا هُوَ إِلَّا التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ نُمَيْرٍ قَالَ: نَلْبَثُ شَهْرًا.
===
خبر كان؛ والتقدير: إنه كنا أَخُصُّ آلَ محمد لماكثين شهرًا كاملًا، حالة كوننا (ما نوقد فيه بنار) أي في ذلك الشهر (ما هو) أي: ما قوتنا في ذلك الشهر (إلا التمر والماء).
قال السندي: (ما هو) أي: ما المستعمل في البيت أكلًا وشربًا إلا التمر والماء.
(إلا أن ابن نمير) أي: لكن ابن نمير (قال) في روايته: لـ (نلبث شهرًا) بدل قول أبي أسامة: (لنمكث شهرًا) هذا بيان لما اختلف فيه الراويان، وهو اختلاف لفظي.
قوله: (إن كنا آل محمد) فيه دليل على أن لفظ (الآل) تدخل فيه الأزواج.
قوله: (فيه) أي: في البيت (بنار) المراد - والله أعلم -: نفي النار التي توقد للطبخ ونحوه، فلا ينافي هذا أنهم يستضيئون بالمصابيح.
(ما هو) أي: ما المستعمل في البيت أكلًا وشربًا، ومرجع الضميرين وإن لم يَسْبِقْ له ذِكْرٌ، لكن علمه من السياق يغني عن الذكر.
وفي الحديث شدة عيشه ﷺ وصبره عليه.
قال الطبري: وقد استشكل بعض الناس على ما تدل عليه أحاديث الباب من كون النبي ﷺ وأصحابه يَطْوُونَ الأيام جوعًا مع ما ثبت من أنه كان يَرفع لأهله قوتَ سنةٍ، وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله تعالى عليه، وأنه ساق في حجته مئة بدنة، فنحرها وأطعمها المساكين، وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم، وغير ذلك.
والجواب: أن ذلك كان منهم في حالة دون حال، لا لِعَوزٍ ولا ضِيقٍ، بل تارةً للإيثار، وتارةً لكراهةِ الشبع وكثرةِ الأكل، ذكره الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٩١)
стр. 11860
(٦٤) - ٤٠٨٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو،
===
ثم قال: وما نفاه مطلقًا فيه نظر؛ لما تقدم من الأحاديث.
نعم؛ كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له؛ كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة: "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبع يومًا وأجوع يومًا؛ فإذا جعت .. تضرعت إليك، وإذا شبعت .. شكرتك".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الهبة، وفي كتاب الرقاق، ومسلم في الزهد والرقائق، والترمذي في القيامة، والبغوي في "شرح السنة"، وعبد الرزاق وابن أبي شيبة في "مسنديهما"، وابن حبان في "صحيحه"، وأبو الشيخ في "أخلاق النبي ﷺ "، وأحمد وإسحاق بن راهويه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة هذا بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٦٤) - ٤٠٨٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي، مولاهم الواسطي أبو خالد، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ) وقد قارب التسعين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له
стр. 11861
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ الشَّهْرُ مَا يُرَى فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ دُخَانٌ، قُلْتُ: فَمَا كَانَ طَعَامُهُمْ؟ قَالَتِ: الْأَسْوَدَانِ: التَّمْرُ وَالْمَاءُ،
===
أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة والله (لقد كان يأتي) ويمر (على آل محمد ﷺ وأزواجه (الشهر) الكامل والحال أنه (ما يرى في بيت من بيوته دخان) يخرج من النار عند إيقادها للطبخ، وهذا كناية: عن عدم إيقادهن نار الطبخ؛ لعدم وجود الطعام عندهن.
قال أبو سلمة؛ بالسند السابق: (قلت) لعائشة رضي الله تعالى عنها: يا أماه (فما كان) أي: فأي شيء كان (طعامهم؟ ) أي: طعام آل محمد ﷺ إذا لم يوجد عندهم ما يطبخون على النار؟
(قالت) في جواب سؤال أبي سلمة: طعامنا (الأسودان؛ التمر والماء) أي: نأكل التمر، ثم نشرب عليه الماء.
قال ابن الأثير في "النهاية" (٢/ ٤١٩): أما (التمر) فهو أسود، وهو الغالب على تمر المدينة، وعطف عليه (الماء) ونعت بنعت التمر الذي هو السواد؛ إتباعًا، والعرب تفعل ذلك في الشيئين يصطحبان، فيسمونهما باسم الأشهر منهما؛ كالقمرين، والعمرين.
стр. 11862
غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ مِنَ الْأَنْصَارِ جِيرَانُ صِدْقٍ، وَكَانَتْ لَهُمْ رَبَائِبُ، فَكَانُوا يَبْعَثُونَ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: وَكَانُوا تِسْعَةَ أَبْيَاتٍ.
===
وفي "الكوكب": هذا بتغليب التمر على الماء؛ لأنه أسود، والماء لا لون له، فنعت الماء بالسواد؛ لاقترانه بالتمر. انتهى.
(غير أنه) أي: أن الشأن والحال (كان لنا) أخص آل محمد ﷺ (جيران) جمع جار؛ وهو الملاصق بيته بيتك (من الأنصار) زاد أبو هريرة: (جزاهم الله خيرًا) وهم أي: أولئك الجيران (جيران صدق) ومحبة لرسول الله ﷺ ويصح كون (جيران) الثاني بدلًا من الأول (وكانت لهم) أي: كان لجيراننا هؤلاء (ربائب) - بفتح الراء المهملة ثم بموحدة آخره موحدة أخرى - جمع ربيبة بمعنى: مربوبة؛ أي: منائح من الغنم؛ كما في رواية مسلم، منحها لهم إخوانهم الأنصاريون الأغنياء؛ ليشربوا لبنها، ثم بعد انقطاع لبنها يردونها إليهم، سميت ربائب؛ لأنها تربى وتعلف في البيت، وليست بسائمة.
(فكانوا) فكان ذلك الجيران (يبعثون) ويرسلون (إليه) ﷺ (ألبانها) أي: من ألبان تلك المنائح، وفي مسلم زيادة: (فيسقيناه) أي: فيسقينا رسول الله ﷺ من لبن تلك المنائح.
قال المؤلف: (قال) أي: زاد (محمد) بن عمرو في روايته لفظة: (وكانوا) أي: وكان ذلك الجيران أهل (تسعة أبيات) مجاورات لنا.
قال في "المصباح": المنحة - بالكسر - وكذا المنيحة في الأصل: الشاة أو الناقة يعطيها صاحبها رجلًا محتاجًا، يشرب لبنها ثم يردها إلى مالكها إذا انقطع لبنها، ثم كثر استعمالها حتى أطلق على كل عطاء، يقال: منحته منحًا؛ من بابي نفع وضرب؛ إذا أعطيته، والاسم: المنيحة.
стр. 11863
(٦٥) - ٤٠٨٩ - (٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
===
وفي "النهاية": منيحة اللبن: أن يعطيه ناقةً أو شاةً ينتفع بلبنها، ثم يعيدها إلى مالكها. انتهى.
فالمراد ها هنا: جيران لهم نوق أو شياه ذات لبن يهدون للنبي ﷺ من ألبانها؛ إيثارًا له على أنفسهم، لا إعطاؤها على طريق الهبة أو العارية، والله أعلم. انتهى "دهني على مسلم".
والحاصل: أنهم كانوا يمنحون شياههم أو نوقهم آخرين، ويبعث أولئك الآخرون بألبانها إلى رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة الأول بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٥) - ٤٠٨٩ - (٣) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا بشر بن عمر) بن الحكم الزهراني - بفتح الزاي - الأزدي أبو محمد البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع، وقيل: تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 11864
عَنْ سِمَاكٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْتَوِي فِي الْيَوْمِ مِنَ الْجُوعِ مَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ.
===
(عن سماك) - بكسر أوله وتخفيف الميم - ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبي المغيرة، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم). وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان ربما يتلقن.
(عن النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة رضي الله تعالى عنهم، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين (٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) النعمان في خطبته: (سمعت عمر بن الخطاب) ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: قال النعمان بن بشير: سمعت عمر بن الخطاب (يقول) يومًا: (رأيت رسول الله ﷺ يلتوي) أي: يتقلب ظهرًا لبطنًا، ويمينًا شمالًا (في) طول (اليوم) أي: في طول النهار (من) ألم (الجوع) حالة كونه (ما يجد من الدقل) أي: من أردأ التمر، فضلًا عن الجيد (ما يملأ) ويشبع (به بطنه) لدفع ألم الجوع، وفي رواية مسلم: (يظل اليوم) وظل: كلمة موضوعة للدلالة على اتصاف المخبر عنه بمصدر خبرها طولَ النَّهار، وهي أنسب بهذا المقام.
قال الطيبي: الالتواء والتلوي: هو الاضطراب والتقلب من حالة إلى حالة عند الجوع والضرب.
(والدقل) - بفتحتين -: أردأ التمر، وفي رواية لمسلم عن النعمان بن بشير
стр. 11865
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يقول: (ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ ! لقد رأيت نبيكم ﷺ وما يجد من الدقل ما يملأ به بطنه)، وزاد في حديث آخر: (وما ترضون دون ألوان التمر والزبد)، والخطاب في قوله: (ألستم) للصحابة بعده ﷺ أو للتابعين.
(في طعام وشراب ما شئتم) قال الطيبي: الجار والمجرور في قوله: (في طعام) متعلق بمحذوف خبر لليس؛ تقديره: ألستم منغمسين في طعام وشراب مقدار ما شئتم من التوسعة والإفراط فيه؟ !
فـ (ما) موصولة، ويجوز أن تكون مصدرية.
والكلام فيه تعيير وتعييب وتوبيخ للمخاطبين، ولذلك أتبعه بقوله: (لقد رأيت نبيكم محمدًا ﷺ وأضافه إليهم؛ للإلزام حين لم يقتدوا به ﷺ في الإعراض عن الدنيا ومستلذاتها؛ وفي التقليل لمشتهياتها من مأكولاتها ومشروباتها.
ثم قوله: (رأيت) إن كان بمعنى: النظر .. فقوله: (وما يجد من الدقل) حال من المفعول، وإن كان بمعنى: العلم؛ فهو مفعول ثان لـ (رأيت) وأدخل عليه (الواو) تشبيهًا له بخبر كان وأخواتها على مذهب الأخفش والكوفيين، كذا حققه الطيبي، قال القاري: والأول هو المعول عليه.
(والدقل) - بفتحتين كما مر -: التمر الرديء ويابسه وما ليس له اسم خاص، فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع، ويكون منثورًا، على ما في "النهاية"، وفي "المصباح": هو أردأ التمر، والواحدة: دقلة. انتهى.
ثم قوله: (ما يملأ به بطنه) مفعول (يجد) و (ما) موصولة أو موصوفة، و (من الدقل) بيان لما قدم عليه. انتهى من "الكوكب".
стр. 11866
(٦٦) - ٤٠٩٠ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ،
===
وهذا تصريح بغاية الشدة في العيش، والضيق في الرزق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزهد والرقائق، والترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ ، وقال: هذا حديث صحيح، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة الأول بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٦) - ٤٠٩٠ - (٤) (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد، الأصم، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الحسن بن موسى) الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع أو عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي أبو معاوية البصري نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة؛ بطن من الأزد لا إلى علم النحو، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 11867
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ مِرَارًا: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِه، مَا أَصْبَحَ عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ حَبٍّ وَلَا صَاعُ تَمْرٍ"، وَإِنَّ لَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَ نِسْوَةٍ.
===
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) أنس: (سمعت رسول الله ﷺ يقول مرارًا: والذي نفس محمد بيده) المقدسة (ما أصبح) اليوم (عند آل محمد) وأزواجه (صاع حب) أي: بر (ولا صاع تمر) قال أنس: (وإن له) ﷺ (يومئذ) أي: يوم إذ قال ذلك (تسع نسوة) أي: تسع زوجات.
ورواية مسلم عن زهير قال أنس: ولقد رأيت نبيكم والحال أنه ما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، وأنتم الآن ما ترضون دون ألوان التمر والزبد أي: والحال أنكم الآن بسطت عليكم الدنيا، وما تكتفون بطعام دون طعام اجتمع فيه أنواع التمر وأنواع الزبد.
والمعنى: أن نبيكم ﷺ مضى لسبيله والحال أنه لم يشبع من الدقل، وأنتم الآن تأكلون على سبعة أصحن، وتشربون من الشراب أنواعًا عديدةً.
قال في "المصباح": والزبد - وزان قفل -: ما يستخرج بالمخض من لبن البقر والغنم، وأما لبن الإبل .. فلا يسمى ما يستخرج منه زبدًا، بل يقال له: جباب. انتهى منه.
قوله: "ما أصبح عند آل محمد ﷺ صاع بر ولا صاع تمر".
فإن قلت: كيف يقول النبي ﷺ ذلك مع ما فيه من إظهار الشكوى؟
стр. 11868
(٦٧) - ٤٠٩١ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَة، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَسْعُودِيُّ،
===
قلت: إنما قال ذلك؛ ترغيبًا لأمته في الزهد في الدنيا، وفي التوكل على المولى؛ كما كان هو كذلك.
قال البوصيري: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه"، من طريق أبان العطار عن قتادة به، وأصله في "صحيح البخاري" و"الترمذي" و"النسائي"، من حديث أنس بغير هذا السياق، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث ابن مالك أيضًا؛ كما رواه ابن ماجه، وله شاهد في "صحيح مسلم" وغيره من حديث النعمان بن بشير.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد مما ذكر، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة الأول، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة الأول بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٧) - ٤٠٩١ - (٥) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو المغيرة) عبد القدوس بن الحجاج الخولاني الحمصي، ثقة، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الكوفي (المسعودي) صدوق اختلط قبل موته، وضابطه: أن من روى عنه ببغداد .. فبعد الاختلاط،
стр. 11869
عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَصْبَحَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ إِلَّا مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ، أَوْ مَا أَصْبَحَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ".
===
من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل: سنة خمس وستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن علي بن بذيمة) - بفتح الموحدة وكسر المعجمة الخفيفة بعدها تحتانية ساكنة - الجزري، ثقة رمي بالتشيع، من السادسة، مات سنة بضع وثلاثين (١٣٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والمشهور أنه لا اسم له غيرها، وقيل: اسمه عامر، كوفي، ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات قبل المئة بعد سنة ثمانين، وثقه ابن حبان. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وهو موصول إن قلنا: إن أبا عبيدة سمع من أبيه، وإلا .. فالسند مرسل مقطوع، والقاعدة: أنه إذا اختلف في كون السند موصولًا أو مرسلًا .. فالقول قول من قال بالوصل؛ لما عنده من زيادة علم.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : ما أصبح في آل محمد) ﷺ (إلا مد من طعام أو) قال النبي ﷺ أو الراوي: (ما أصبح في آل محمد مد من طعام) بالنفي بلا استثناء، والظاهر أن كلمة (أو) للشك، وما بعدها في حكم المسكوت عليه؛ كما هو مذهب الحنفية، لا محكوم عليه، بخلاف حكم المستثنى منه؛ كما عليه
стр. 11870
(٦٨) - ٤٠٩٢ - (٦) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الْأَكْرَمِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَة،
===
الجمهور؛ لئلا يلزم التنافي بين هذا الكلام، وهو ما بعد (أو)، وبينَ الكلام المتقدم، وهو ما قبل (أو) فليتأمل. انتهى "سندي".
أو المعنى: لئلا يلزم التناقض بين هذا الحديث، وبين الحديث المتقدم، فالمعتبر: ما بعد (أو) لا ما قبلها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وإن كان الخلاف بين الوصل والإرسال، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة الأول، والله أعلم.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث سليمان بن صرد رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦٨) - ٤٠٩٢ - (٦) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
قال: (أخبرني أبي) علي بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة، من السابعة، إمام حجة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الأكرم) بن أبي حنيفة هو (رجل من أهل الكوفة) أي: الكوفي، وقال أبو حاتم: شيخ، وقال الذهبي: لا يعرف، وذكره ابن حبان