عَنْ أَبِي الْجَوْزَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنْ مَلَأَ اللهُ أُذُنَيْهِ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ خَيْرًا وَهُوَ يَسْمَعُ،
===
(عن أبي الجوزاء) - بالجيم والزاي - أوس بن عبد الله الربعي - بفتح الموحدة - البصري، ثقة، من الثالثة، يرسل كثيرًا، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا هلال، وهو مختلف فيه.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : أهل الجنة) بالرفع مبتدأ، خبره (من) الموصولة في قوله: (من ملأ الله) ولفظ الجلالة بالرفع فاعل (ملأ) (أذنيه) مفعول ملأ، والضمير عائد على (من) الموصولة (من ثناء الناس) لهم متعلق بـ (ملأ) على كونه مفعولًا ثانيًا له (خيرًا) بالنصب على أنه تمييز ثناء، أو بنزع الخافض.
والمعنى: أن أهل الجنة هم الذين ملأ الله آذانهم من سماع ثناء الناس لهم بخير، أو من سماع ذكر الناس لهم خيرًا؛ أي: من جهة الخير (وهو) أي: والحال أنه تعالى (يسمع) ثناءهم له بخير.
ويحتمل عود ضمير (أذنيه) إلى أهل الجنة، ولكنه أفرد؛ نظرًا للفظ (من) الموصولة، وكذلك ضمير (وهو يسمع) يعود إلى أهل الجنة، وأفرد الضمير للعلة المذكورة آنفًا.
والمعنى حينئذ: أهل الجنة هم الذين ملأ الله آذانهم من سماع ثناء الناس لهم بخير، والحال أنهم أحياء يسمعون ثناءهم لهم بآذانهم.
стр. 12077
وَأَهْلُ النَّارِ مَنْ مَلَأَ اللهُ أُذُنَيْهِ مِنْ ثَنَاءِ النَّاسِ شَرًّا وَهُوَ يَسْمَعُ".
(١٥) - ٤١٦٨ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت،
===
(وأهل النار) هم (من ملأ الله أذنيه من ثناء الناس) وذكرهم لهم (شرًّا) أي: بسوء (وهو) أي: والحال أنه (يسمع) ذكر الناس له بشر وسوء.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الشعب" وبشار عواد في "المسند الجامع".
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لأن له شواهد كثيرة، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به ثالثًا لحديث أبي زهير.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي زهير بحديث أبي ذر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥) - ٤١٦٨ - (٥) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني) عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي البصري مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة بعد السبعين. يروي عنه: (م عم).
стр. 12078
عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لِلَّهِ فَيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ قَالَ: "ذَلِكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ".
===
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري الربذي رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو ذر: (قلت له) ﷺ : (الرجل) منا (يعمل العمل) الصالح (لـ) وجه (الله) وطلب رضاه (فـ) بسبب ذلك العمل (يحبه) أي: يحب ذلك الرجل (الناس عليه) أي: على ذلك العمل أو لأجله، فهل على ذلك الرجل العامل مؤاخذة على محبة الناس له على ذلك العمل، فهل يرد عليه ذلك العمل أو يقبل؟ أي: ويحمده الناس على ذلك العمل ويثنونه على ذلك العمل، فهل يؤاخذ بذلك العمل أم لا؟ لأنه ربما يدخل في قلبه الإعجاب فيحبطه.
فـ (قال) رسول الله ﷺ له: لا يؤاخذ به (ذلك) المدح والثناء عليه بسبب ذلك العمل (عاجل بشرى المؤمن) أي: البشارة المعجلة للمؤمن في الدنيا، وهي دليل البشرى المؤجلة المؤخرة له في الآخرة، المذكورة بقوله تعالى: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ... ﴾ الآية (١).
وهذه البشرى المعجلة دليل على رضا الله تعالى عنه ومحبته له، فيحببه إلى الخلق. انتهى "نووي"، ثم يوضع له القبول في الأرض، هذا كله إذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم، وإلا .. فالتعرض منه مذموم.
والحاصل: أن عمل الخير لاستجلاب مدح الناس رياء، وهو حرام، ولكن إذا كان عمله خالصًا لوجه الله تعالى، ولا يريد إظهاره للناس، ثم أثنى عليه
стр. 12079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الناس خيرًا بدون أن يطلب منهم ذلك .. فإنه علامة القبول من الله تعالى، وإن مثل هذا المدح لا يبعثه على الإعجاب بنفسه، وإنما يحمله على شكر الله تعالى حيث ألقى محبته في قلوب الناس وستر عيوبه عن أعينهم، والله أعلم.
قال القرطبي: قوله: (الرجل يعمل العمل الصالح ... ) إلى آخره؛ يعني: الرجل الذي يعمل الصالح خالصًا ولا يريد إظهاره للناس؛ لأنه لو عمله ليحمده الناس أو يروه .. لكان مرائيًا، ويكون العمل باطلًا فاسدًا، وإنما لله تعالى بلطفه ورحمته وكرمه يعامل المخلصين في الأعمال، الصادقين في الأقوال والأحوال، بأنواع من اللطف، فيقذف في القلوب محبتهم، ويطلق الألسنة بالثناء عليهم؛ ليُنَوِّهَ بذكرهم في الملأ الأعلى؛ ليستغفروا لهم، وينشر طيب ذكرهم في الدنيا؛ ليقتدى بهم، فيعظم أجرهم وترتفع منازلهم، وليجعل ذلك علامة على استقامة أحوالهم، وبشرى بحسن مآلهم وكثير ثوابهم، ولذلك قال: "تلك عاجل بشرى المؤمن"، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب إذا أثني على الصالح فهي بشرى فلا تضره، وابن حبان في "صحيحه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي زهير، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي زهير بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12080
(١٦) - ٤١٦٩ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُودَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو سِنَانٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي أَعْمَلُ الْعَمَلَ
===
(١٦) - ٤١٦٩ - (٦) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(حدثنا أبو داوود) الطيالسي سليمان بن داوود بن الجارود البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سعيد بن سنان) البرجمي - بضم الموحدة والجيم بينهما راء ساكنة - (أبو سنان الشيباني) الأصغر الكوفي نزيل الري، صدوق له أوهام، من السادسة.
يروي عنه: (م دت س ق)، قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال الآجري عن أبي داوود: ثقة من رفعاء الناس، وقال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان عابدًا فاضلًا، ووثقه يعقوب بن سفيان.
(عن حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي، ثقة فقيه فاضل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان، كان يجلب الزيت من الشام إلى الكوفة، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سعيد بن سنان، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو هريرة: (قال رجل) من الحاضرين عند رسول الله ﷺ ، لم أر من ذكر اسمه: (يا رسول الله؛ إني أعمل العمل) الصالح
стр. 12081
فَيُطَّلَعُ عَلَيْهِ فَيُعْجِبُنِي، قَالَ: "لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ".
===
سرًّا (فيطلع عليه) - بالبناء للمجهول - أي: فيطلع عليه الناس، فيعملون به (فيعجبني) أي: يحبني ويبشرني عملي بذلك العمل سرًّا، فأظهرت ذلك العمل للناس؛ لأكون قدوة فيه فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (لك أجران) على ذلك العمل (أجر) عملك له في (السر) لكون عملك له مخلصًا لله تعالى (و) لك (أجر) عملك له في (العلانية) لكونك قدوة للناس، وفي "التحفة": قوله: (فإذا اطلع) بصيغة المجهول.
وقوله: (الرجل يعمل ... ) إلى قوله: (أعجبه) إخبار فيه معنى الاستخبار؛ يعني: هل تحكم على هذا أنه رياء أم لا؟
قوله: (فيعجبني ذلك) رجاء أن يرغب فيه أحد، فيقتدي بي في ذلك العمل، فأكون ممن سن سنة حسنة.
قوله: (أجر السر) أي: أجر عملك سرًّا؛ لإخلاصك فيه، ولك أيضًا (أجر العلانية) أي: أجر عملك ثانيًا إظهارًا للناس؛ ليقتدوا بك، فتكون ممن سن سنة حسنة؛ أي: لك أجر العلانية للافتداء بك، أو لفرحك بالطاعة وظهورها منك.
قال الإمام الترمذي: وقد فسر بعض أهل العلم هذا الحديث: (إذا اطلع عليه فأعجبه) إنما معناه: أن يعجبه ثناء الناس عليه بالخير؛ لقول النبي ﷺ : "أنتم شهداء الله في الأرض" فيعجبه ثناء الناس عليه لهذا، فأما إذا أعجبه؛ ليعلم الناس منه الخير ويكرم ويعظم على ذلك .. فهذا رياء.
وقال بعض أهل العلم: إذا اطلع عليه فأعجبه؛ رجاء أن يعمل بعمله، فتكون له مثل أجورهم، فهذا له مذهب أيضًا، وهذا معنى قوله ﷺ : "من سن سنة حسنة .. كان له أجرها وأجر من عمل بها".
стр. 12082
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (فهذا مذهب له) أي: هذا المعنى الثاني أيضًا صحيح يجوز أن يذهب إليه ويختار. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب رقم (٣٧)، باب عمل الشر، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
قلت: ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي زهير.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12083
(٤) - (١٥٠٢) - بَابُ النِّيَّةِ
(١٧) - ٤١٧٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَا: أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ،
===
(٤) - (١٥٠٢) - (باب النية)
(١٧) - ٤١٧٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، عالم مصر وفقيهها حجة إمام فقيه قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما أي: كل من يزيد وليث (قالا: أنبأنا يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي) أبا عبد الله المدني، ثقة له أفراد، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبره) أي: أخبر يحيى بن سعيد (أنه) أي: أن محمدًا (سمع علقمة بن وقاص) - بتشديد القاف - الليثي المدني، ثقة ثبت، من الثانية، أخطأ من زعم
стр. 12084
أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ
===
أن له صحبة، وقيل: إنه ولد في عهد النبي ﷺ ، ومات في خلافة عبد الملك. يروي عنه: (ع).
(أنه) أي: أن علقمة (سمع عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه (وهو) أي: والحال أن عمر (يخطب) أي: يعظ (الناس) بالترغيب والترهيب.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(فقال) عمر في خطبته: (سمعت رسول الله ﷺ يقول) في خطبته: (إنما الأعمال بالنيات) أي: إنما حصول العمل بالنية بناء على أن الشرط في حصول العمل النية، أو إنما كمال العمل بالنية؛ بناء على أنها ليست بشرط فيه.
قال جماهير العلماء من أهل العربية والأصول وغيرهم؛ كالفقهاء: لفظة: (إنما) موضوعة للحصر، تثبت المذكور، وتنفي ما سواه؛ فتقدير هذا الحديث: إن الأعمال تحسب بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية، قاله النووي.
والأعمال أعم من أن تكون أقوالًا أو أفعالًا، فرضًا أو نفلًا، قليلة أو كثيرة صادرة من المكلفين المؤمنين.
(بالنيات) بالجمع، وكذا وقع في رواية البخاري في أول "صحيحه" بالجمع. قال الحافظ: وهو من مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: كل عمل بنيتِهِ.
وقال الحربي: كأنه أشار بذلك إلى أن النية تتنوع؛ كما تتنوع الأعمال؛ كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل موعوده، أو الاتقاء من وعيده.
стр. 12085
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ووقع في معظم الروايات - كمسلم - بإفراد النية، ووجه إفراده حينئذ: أن محل النية القلب، وهو متحد، فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال؛ فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة، فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد للواحد الذي لا شريك له.
قال النووي: والنية: القصد؛ وهو عزيمة القلب، وتعقبه الكرماني: بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد.
وقال البيضاوي: النية: عبارة عن انبعاث القلب نَحْوَ ما يراه موافقًا لغرض؛ من جلب نفع، أو دفع ضر، حالًا أو مآلًا.
والشرع خصصه بالإرادة المتوجهةِ نَحْوَ الفعلِ؛ لابتغاء رضاء الله تعالى وامتثال حِكَمِه.
والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي؛ ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر؛ فإنه تفصيل لما أجمل أولًا.
ولفظة: (إنما) موضوعة للحصر، تثبت المذكور وتنفي ما سواه؛ كما مر آنفًا.
فتقدير هذا الحديث: أن الأعمال تحسب إذا كانت بنية، ولا تحسب إذا كانت بلا نية؛ والمعنى: إنما الأعمال تثاب بالنية؛ فلا يثاب الرجل على عمل صالح إلا إذا أراد به وَجْهَ الله تعالى.
والمراد بـ (الأعمال): المشروعةُ؛ كما دل عليه تمثيلها بالهجرة؛ فالأعمال المشروعة، سواء كانت واجبة أو مسنونة أو مباحة .. يؤجر عليها بحسب النية، والأمور المباحة لا ثواب عليها ولا عقاب، ولكن إذا أتى بها الإنسان بنية حسنة .. أثيب عليها؛ مثل أكل الطعام؛ فإنه مباح، ولكن إذا أكل الرجل بنية التقوي
стр. 12086
وَلكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ .. فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِه،
===
على الحسنات .. أثيب عليه أيضًا؛ ومقصود الحديث: التأكيد على إخلاص الأعمال الصالحة لله تعالى وتطهيرها من شوائب الرياء والسمعة والأغراض الدنيوية، وقد أطال العلماء ﵏ الكلام في بيان حقيقة النية والإخلاص وأحكام ما يشوبها من الشوائب.
(و) إنما (لكل امرئ ما نوى) وكذا لكل امرأة ما نوت؛ لأن النساء شقائق الرجال؛ جزاء ما نواه.
قال النووي: قال العلماء: فائدة ذكره بعد قوله: "إنما الأعمال بالنيات" .. بيان أن تعيين المنوي شرط؛ فلو كان على الإنسان صلاة مقضية .. لا يكفيه أن ينوي الصلاة الفائتة، بل يشترط أن ينوي كونها ظهرًا أو عصرًا مثلًا، ولولا اللفظ الثاني .. لاقتضى الأول صحة النية بلا تعيين، أو أوهم ذلك. انتهى منه.
وذكر السمعاني في "أماليه" ما يفيد أن اللفظ الأول؛ يعني: قوله: "إنما الأعمال بالنيات" .. ينبئ عن اشتراط الإخلاص في ثواب الطاعات.
واللفظ الثاني؛ يعني: قوله: "وإنما لكل امرئ ما نوى" .. لبيان أن الأعمال الخارجة عن العبادة لا تفيد الثواب إلا إذا نوى بها القربة؛ كالأكل إذا نوى به القوة على الطاعة، وهذا أوضح ما قيل في الفرق بين الجملتين. انتهى "فتح الباري" (١/ ١٤).
(فمن كانت هجرته) أي: تنقله وتحوله من مكة أو من غيرها من بلاد الكفرة إلى المدينة (إلى الله ورسوله) أي: لطلب رضا الله ورسوله؛ فإلى بمعنى اللام .. (فهجرته) أي: فجزاء هجرته (إلى الله ورسوله) أي: على الله
стр. 12087
وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا .. فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيهِ".
===
بمقتضى وعده تعالى؛ فإلى بمعنى على.
وقال ابن دقيق العيد في تفسير هذه الجملة: أي: فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نيةً وقصدًا .. فهجرته إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا، ونحو هذا في التقدير قوله: (ومن كانت هجرته لدنيا) أي: لغرض دُنْيا؛ يريدُ أَنْ (يصيبها) ويَكْتَسِبَها بِالغَنيمةِ أو بعملٍ (أو) لغرضِ نكاحِ (امرأة) يريد أَنْ (يتزوجها .. فـ) جزاء (هجرته إلى ما هاجر إليه) أي: ما هاجر له من الدنيا أو المرأة؛ فـ (إلى) زائدة؛ لئلا يتحد الشرط والجزاء، فلا بد من تغايرهما. انتهى من "القسطلاني".
وقوله: "فهجرته إلى ما هاجر إليه" هذا تفسير يعم كل نوع من النية؛ ليتبين أن حكم كل هجرة بحسب نيتها، ولا يستلزم ذلك أن تكون الهجرة للمرأة موجبة للعقاب، وإنما المراد: أنها لا تستحق الأجر وإن كانت مباحة، ولو كانت النية مخلوطة بالقربة والغرض الدنيوي .. فالعبرة بالباعث القوي، والله أعلم.
وقال ابن دقيق العيد: إنما خصت المرأة بالذكر؛ لكون الحديث ورد في قصة مهاجر أم قيس، وقصة مهاجر أم قيس رواها سعيد بن منصور، قال: (من هاجر يبتغي شيئًا .. فإنما له ذلك؛ هاجر رجل ليتزوج امرأةً، يقال له: مهاجر أم قيس) رواه الطبراني من طريق أخرى عن الأعمش بلفظ: (كان فينا رجل خطب امرأةً يقال لها: أم قيس، فابت أن تتزوجه حتى يهاجر، فهاجر فتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس).
قال الحافظ في "الفتح" (١/ ١٠): وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين،
стр. 12088
(١٨) - ٤١٧١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ
===
لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك، والله أعلم.
فهذا الحديث ورد لبيان الفرق بين النية الفاسدة والصحيحة الصالحة؛ فالأولى مذمومة ضارة، والثانية محمودة نافعة، ولم يرد لبيان ما فيه النية وما ليست فيه، فلم يتعرض لوجود النية وعدمها، ولم يختص بعمل دون عمل، ولا حكم دون حكم؛ كما يشعر به تفاريع الشافعية والحنفية، وقد بسط المعنى المذكور الذي ذكرناه العلامة السندي في تعليقه على البخاري، فارجع إليه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء إنما الأعمال بالنيات، وفي كتاب بدء الوحي، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب الإمارة، باب قول النبي ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات"، وأنه يدخل فيها الغزو وغيره من الأعمال، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب فيما عُنِيَ به الطلاق والنيات، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب فيمن يقاتل رياءً، والنسائي في كتاب الطهارة، باب النية في الوضوء.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أبي كبشة الأنماري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨) - ٤١٧١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي،
стр. 12089
وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَثَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَثَلِ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: رَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا
===
ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين، أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل مئة، ولم يثبت أنه جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي كبشة الأنماري) اسمه سعيد بن عمرو، أو عمرو بن سعيد، وقيل: عمر أو عامر بن سعد، الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد. يروي عنه: (د ت ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو كبشة: (قال رسول الله ﷺ : مثل هذه الأمة) المحمدية؛ أي: صفتهم .. (كمثل أربعة نفر) أي: كصفة أربعة أشخاص (رجل) بالجر بدل مما قبله؛ بدل تفصيل من مجمل، أو بدل بعض من كل، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف جوازًا؛ تقديره: أحدهم رجل (آتاه الله) سبحانه (مالًا)
стр. 12090
وَعِلْمًا، فَهُوَ يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ فِي مَالِه، يُنْفِقُهُ فِي حَقِّه، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يُؤْتِهِ مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ هَذَا .. عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَهُمَا فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ،
===
من جهة حل (وعلمًا) شرعيًّا (فهو يعمل بعلمه) الذي آتاه الله (في ماله) الذي آتاه الله بصرف صدقاته الواجبة منه والمندوبة؛ كما ذكر ذلك بقوله: (ينفقه) أي: ينفق ماله ويصرفه (في حقه) أي: في مصارفه الشرعية؛ كالإنفاق على المحاويج من الفقراء والمساكين والأرامل وفي صلة الأرحام وقرى الضيفان.
(و) ثانيهم: (رجل آتاه الله علمًا ولم يؤته مالًا) ينفقه في سبيل الله (فهو يقول: لو كان لي) من المال (مثل هذا) المال الذي آتاه الله لهذا الرجل المنفق ماله في الخيرات .. (عملت فيه) أي: في ذلك المثل الذي آتاني الله عملًا (مثل) العمل (الذي يعملـ) ـه هذا الرجل المنفق لماله في مصارف الخيرات وهو الرجل الأول؛ أي: يقول فيما بينه وبين ربه، وهذا القول يرجع إلى النية؛ والمراد: أنه على نية الخير، فهو في أصل الأجر أيضًا مساو للمنفق، وإن كان للمنفق زيادة الأضعاف؛ فإن من نوى حسنة .. يكتب له واحدة، لا الأضعاف المزيدة بالإنفاق، وإذا فعلها .. كتبت له عشرة؛ كما في الحديث الصحيح.
فـ (قال رسول الله ﷺ : فهما) أي: ذاك الأول الذي ينفق ماله، وهذا الثاني الذي نوى الانفاق لو أوتي مالًا (في) أصل (الأجر سواء) أي: مستويان، وإن اختصت زيادة الأضعاف بالأول الذي أنفق ماله.
والمعنى: فأجر من عقد عزمه على أنه لو كان له مال أنفق منه في الخير، وأجر من له مال ينفق .. سواء؛ أي: مستويان في أصل الإنفاق، ويكون أجر العلم زيادة له؛ لأنه أنفق بعلمه.
стр. 12091
وَرَجُلٍ آتَاهُ اللهُ مَالًا وَلَمْ يُؤْتِهِ عِلْمًا، فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِه، يُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّه، وَرَجُلٍ لَمْ يُؤْتِهِ اللهُ عِلْمًا وَلَا مَالًا، فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ مَالِ هَذَا .. عَمِلْتُ فِيهِ مِثْلَ الَّذِي يَعْمَلُ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ".
===
(و) ثالثهم: (رجل آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا) بكيفية الإنفاق في الخير (فهو) أي: فهذا الثالث؛ والفاء فيه بمعنى الواو الحالية (يخبط) من باب ضرب؛ أي: يسرف في ماله بصرفه في الباطل والحرام وشهوات النفس؛ أي: يسرف (في ماله) حالة كونه (ينفقه) ويخرجه (في غير حقه) ومصارفه من شهوات النفس؛ كالزنا والخمر.
(و) رابعهم: (رجل لم يؤته الله) (علمًا) بكيفية إنفاق ماله في الخير (ولا مالًا) فهو عكس الرجل الأول؛ والفاء في قوله: (فهو) بمعنى الواو الحالية؛ أي: والحال أنه (يقول: لو كان لي) مال (مثل) الـ (مال) الذي أعطي (هذا) الثالث .. (عملت فيه) أي: في ذلك المال الذي أعطيت (مثل) العمل (الذي يعمل) فيه هذا الثالث؛ من صرفه في غير مصارفه من الخمر والزنا، فـ (قال رسول الله ﷺ : فهما) أي: ذلك الثالث وهذا الرابع (في) أصل (الوزر) والإثم (سواء) أي: مستويان في مطلق الوزر، وإن كان في الثالث زيادة صرف المال في الوزر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر بن الخطاب.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي كبشة رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 12092
(١٨) - ٤١٧١ - (م) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(١٨) - ٤١٧١ - (م) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي (المروزي) ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين، وقيل: مئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن أبي كبشة) الأنماري، اسمه عبد الله بن سعيد الأنماري، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) أبي كبشة الأنماري، سعيد بن عمرو الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (د ت ق).
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وغرضه: بيان
стр. 12093
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُفَضَّلٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
متابعة منصور للأعمش في رواية هذا الحديث عن سالم بن أبي الجعد.
(ح وحدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة) الأحمسي - بمهملتين - أبو جعفر السراج، ثقة، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي القرشي، ثقة، من التاسعة. يروي عنه: (ع).
(عن مفضل) بن مهلهل السعدي أبي عبد الرحمن الكوفي. روى عن: الأعمش، ومنصور، ويروي عنه: أبو أسامة، قال ابن معين وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال العجلي: كان ثقة ثبتًا صاحب سنة وفضل وفقه، ثبتًا في الحديث، من السابعة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(عن منصور) بن المعتمر، (عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن أبي كبشة، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وغرضه: بيان متابعة مفضل لمعمر بن راشد في رواية هذا الحديث عن منصور، وساق مفضلًا نحوه) أي: نحو حديث معمر بن راشد.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12094
(١٩) -٤١٧٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شَرِيك، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ طَاوُوس، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(١٩) - ٤١٧٢ - (٣) (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان - بكسر المهملة وتشديد الموحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(ومحمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
كلاهما (قالا: حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي أبي عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ليث) بن أبي سليم بن زُنَيْم - بالزاي والنون مصغرًا - اسم أبيه أيمن بن زنيم، وقيل: أنس بن زنيم، صدوق اختلط جدًّا ولم يتميز حديثه فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ويقال: اسمه ذكوان، وطاووس لقبه، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 12095
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ".
(٢٠) - ٤١٧٣ - (٤) حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو متروك.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إنما يبعث الناس) يوم القيامة (على نياتهم) إن كانت نيتُهم واعتقادُهم خيرًا .. فجزاؤُهم خير؛ وذلك كالإيمان الصادق، وإلا .. فجزاؤهم كالإيمان الكاذب.
وفسَّر في "الصحاح" النية بالعزم.
وقال الخطابي: وهي قصد الشيء، وقيل: هي عزيمة القلب.
وبَعْثُ الإنسان على نيته .. هو عدل من الله بين عباده؛ فهو القاضي الذي يقضي بينهم بالحق .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث جابر بن عبد الله رواه مسلم في "صحيحه" وغيره، وهو الحديث الذي ذكره ابن ماجه بعد هذا الحديث.
فدرجته: أنه صحيح بغيره، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر بن الخطاب، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عمر بن الخطاب بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٠) - ٤١٧٣ - (٤) (حدثنا زهير بن محمد) بن قمير - مصغرًا - ابن شعيب المروزي نزيل بغداد، ثم كان مرابطًا بطرسوس، أبو محمد، ويقال:
стр. 12096
أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا شَرِيكٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ".
===
أبو عبد الرحمن. روى عن: زكريا بن عدي، ويروي عنه: (ق)، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ).
(أخبرنا زكريا بن عدي) بن الصلت التيمي مولاهم أبو يحيى نزيل بغداد، ثقة ثبت فاضل حافظ من كبار العاشرة، مات سنة إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(أنبأنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين، أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سفيان) عن جابر وعن سهل بن سعد، اسمه طلحة بن نافع الواسطي الإسكاف، نزيل مكة، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : يحشر الناس على نياتهم) التي ماتوا عليها فيعامل كل بقصده الذي مات عليه من الخير أو الشر.
وفيه أن الأعمال تعتبر بنية العامل إن كانت خيرًا .. فخيرًا، أو كانت شرًّا .. فشرًّا.
стр. 12097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب الأمر بحسن الظن.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثالث للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12098
(٥) - (١٥٠٣) - بَابُ الْأَمَلِ وَالْأَجَلِ
(٢١) - ٤١٧٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِي يَعْلَى،
===
(٥) - (١٥٠٣) - (باب الأمل والأجل)
والأمل: طول القصد في الحياة، والأجل: مدة أجلها الله لعباده في دار الفناء.
* * *
(٢١) - ٤١٧٤ - (١) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ عبد الله بن يزيد المكي أبي عبد الرحمن، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(وأبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(قالا: حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ أبو سعيد القطان البصري التميمي، ثقة حجة من أئمة الجرح والتعديل، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي يعلى) منذر بن يعلى الثوري - بالمثلثة - الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
стр. 12099
عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ خَطَّ خَطًّا مُرَبَّعًا وَخَطًّا وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّع، وَخُطُوطًا إِلَى جَانِبِ الْخَطِّ الَّذِي وَسَطَ الْخَطِّ الْمُرَبَّع، وَخَطًّا خَارِجًا مِنَ الْخَطِّ الْمُرَبَّعِ فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "هَذَا الْإِنْسَانُ الْخَطُّ الْأَوْسَطُ، وَهَذِهِ الْخُطُوطُ إِلَى جَنْبِهِ الْأَعْرَاضُ
===
(عن الربيع بن خثيم) - بضم المعجمة وفتح المثلثة - ابن عائذ بن عبد الله الثوري أبي يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم، من الثانية، قال له ابن مسعود: لو رآك رسول الله ﷺ .. لأحبك، مات سنة إحدى وستين، وقيل: ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه (خ م ت س ق).
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ أنه خط) ورسم على الأرض؛ أي: سطر عليها (خطًّا مربعًا) أي: ذا أربع أركان (و) خط؛ أي: سطر أيضًا (خطًّا) آخر (وسط الخط المربع، و) خط (خطوطًا) كثيرة (إلى جانب الخط الذي وسط الخط المربع، و) خط (خطًّا خارجًا من الخط المربع، فقال) لمن عنده: (أتدرون) وتعلمون (ما هذا) الخط؟ (قالوا: الله ورسوله أعلم) ما هذا الخط.
فـ (قال) رسول الله ﷺ : (هذا الإنسان الخط الأوسط) فيه تقديم وتأخير؛ لأن قوله: (هذا) مبتدأ (الخط) صفة لاسم الإشارة (الأوسط) صفة للخط (الإنسان) خبر لاسم الإشارة؛ والتقدير: هذا الخط الأوسط هو صورة الإنسان (وهذه الخطوط) الصغار المخطوطة (إلى جنبه) أي: إلى جانب الخط المستطيل في وسط المربع (الأعراض) أي: الحوادث
стр. 12100
تَنْهَشُهُ أَوْ تَنْهَسُهُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ؛ فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا .. أَصَابَهُ هَذَا، وَالْخَطُّ الْمُرَبَّعُ الْأَجَلُ الْمُحِيطُ، وَالْخَطُّ الْخَارِجُ الْأَمَلُ".
===
التي تحدث للإنسان في مدة حياته؛ من الأمراض والأحوال المتغيرة؛ أي: اللازمة له والأحوال غير اللازمة.
التي (تنهشه) - بالمعجمة - أي: تأكله وتلدغه؛ أي: بغير أسنان (أو) قال الراوي: (تنهسه) - بالسين المهملة - وهو الأخذ بالأسنان (من كل مكان) وفي كل زمان (فإن أخطَأهُ هذا) العارضُ الأول وجاوزه .. (أصابه هذا) العارض الثاني، وأخذه (والخط المربع الأجل المحيط) به (والخط الخارج) من المربع المستطيل .. (الأمل) أي: آماله ومقاصده التي تكون خارج عمره.
وقد رسمه الحافظ ابن حجر في "الفتح" على كيفيات؛ الأُولى منها هذه:
والخطُّ: الرسم والشكل. والمربعُ: المستوي الزوايا. الكيفية الأولى: المستوي الزوايا المستطيلُ:
قيل هكذا:
نهاية الأجل
الأمل الحاصل الأمل الخارج
وقيل هكذا:
الأجل
الأمل
وقيل هكذا:
الأجل
الأمل
الأمل
وقيل هكذا:
الأجل
الأمل الداخل
وقيل هكذا:
الأجل
وقيل هكذا:
الأجل
الإنسان الأمل الأمل
стр. 12101
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والرسم الأول منها؛ هو المعتمد؛ فالإشارة بقوله: (هذا الإنسان) إلى النقطة الداخلة.
قوله: "الأعراض": جمع عرض - بفتحتين - وهو ما ينتفع به في الدنيا في الخير وفي الشر؛ والعرض - بالسكون - ضد الطول، ويطلق على ما يقابل النقدين؛ والمراد هنا: الأول.
قال السندي: أي: الأمور التي تعرضه من الأمراض والأحوال المتغيرة والآفات.
(تنهشه أو تنهسه) الأول بالشين المعجمة، والثاني بالمهملة؛ ومعناهما قريب، بل واحد؛ وهو الأخذ بالأسنان.
والمقصود من الحديث: التعجب من حال الإنسان، وأنه لا يفوت الأجل؛ لكونه محيطًا به من الجوانب كلها، وأنه معروض للأعراض قبل ذلك، ومع ذلك يأمل أملًا قد جاوز أجله. انتهى "س".
قال الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢٣٨) - والمراد بالأعراض: الآفات العارضة له؛ فإن سلم من هذا .. لم يسلم من هذا، وإن سلم من الجميع ولم تصبه آفة من مرض أو فقد مال أو غير ذلك .. بَغَتَهُ الأجلُ.
والحاصل: أن من لم يمت بسببٍ .. مات بالأجل.
وفي الحديث: إشارة إلى الحض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل، وعبر بالنهش؛ وهو لدغ ذوات السموم؛ مبالغة في الإصابة والإهلاك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله، والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقاق والورع، باب منه حدثنا محمد بن بشار، والنسائي في "الكبرى"، والدارمي في "سننه".
стр. 12102
(٢٢) - ٤١٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذَا ابْنُ آدَمَ، وَهَذَا أَجَلُهُ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٢) - ٤١٧٥ - (٢) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا النضر بن شميل) المازني أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار التاسعة مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة ثبت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبيد الله بن أبي بكر) بن أنس بن مالك أبي معاذ، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(قال) عبيد الله بن أبي بكر: (سمعت أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
حالة كون أنس (يقول: قال رسول الله ﷺ : هذا ابن آدم) الظاهر أن هذا إشارة حسية إلى صورة معنوية، وكذا قوله: (وهذا أجله)
стр. 12103
عِنْدَ قَفَاهُ"، وَبَسَطَ يَدَهُ أَمَامَهُ، ثُمَّ قَالَ: "وَثَمَّ أَمَلُهُ".
(٢٣) - ٤١٧٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ،
===
وتوضيحه: أنه أشار بيده إلى قدامه في مساحة الأرض، أو في مساحة الهواء بالطول أو العرض، وقال: هذا ابن آدم، ثم أخرها وأوقفها قريبًا مما قبله، وقال: هذا أجله (عند قفاه) أي: في عقب المكان الذي أشار به إلى الأجل (وبسط يده أمامه) أي: قدام القفا (ثم قال: وثم أمله).
والحاصل: إن أجله لقريب، وإن أمله لطويل.
و(ثَمَّ) - بفتح المثلثة وتشديد الميم - أي: هنالك، وأشار بـ (ثَمَّ) إلى بُعْدِ مكانِ ذلك (أَملُه) أي: مأموله؛ هو مبتدأ، خبره: ظرف قدم عليه للاختصاص والاهتمام، كذا شرح القاري هذا الحديث، وقال: هذا ما سنح لي في هذا المقام من توضيح المرام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في الرقاق، والترمذي في الزهد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٣) - ٤١٧٦ - (٣) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد بن الوليد بن عثمان بن عفان ﵁ الأموي (العثماني) المدني، قال أبو حاتم: ثقة، وقال صالح بن محمد الأسدي: ثقة صدوق إلا أنه يروي عن أبيه المناكير، وقال الحافظ: صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
стр. 12104
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ فِي حُبِّ اثْنَتَيْنِ: فِي حُبِّ الْحَيَاةِ وَكَثْرَةِ الْمَالِ".
===
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - أبي شبل - بكسر المعجمة وسكون الموحدة - المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني مولى الحرقة - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (إن رسول الله ﷺ قال: قلب الشيخ) وهو من جاوز أربعين سنة (شاب) أي: حريص قوي (في حب اثنتين) أي: خصلتين: (في حب الحياة) وطول العمر (و) في حب (كثرة المال) وفي الحديث ذم الأمل والحرص.
وفي "الكوكب": (قلب الشيخ) لا جسمه (شاب) أي: قوي مستمر (على حب اثنتين؛ أي: خصلتين؛ أي: ملازم له؛ يعني: قلب الشيخ كامل الحب لشيئين، وتستمر عليه لا يفارقه حبهما (حب الحياة) وطول العمر (و) حب (كثرة المال) وأخرج البيهقي من وجه آخر عن أبي هريرة بزيادة
стр. 12105
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في أوله قال: (إن ابن آدم يضعف جسمه، وينحل لحمه، وقلبه شاب). انتهى.
والتعبير بالشاب إشارة إلى كثرة الحرص، وبعد الأمل الذي في الشاب أكثر وبهم أليق؛ لكثرة الرجاء عادةً في طول أعمارهم، ودوام استمتاعهم ولذاتهم في الدنيا.
قال القرطبي: في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال، وأن ذلك ليس بمحمود.
وقال غيره: الحكمة بالتخصيص بهذين الأمرين: أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه، فهو راغب في بقائها، فأحب لذلك طول العمر، وأحب المال؛ لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبًا طول العمر، فكلما أحس بقرب نفاد ذلك .. اشتد حبه له، ورغبته في دوامه. انتهى "فتح الملهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب من بلغ ستين سنة .. فقد أعذر الله إليه في العمر، ومسلم في كتاب الزكاة، باب كراهة الحرص على الدنيا، والترمذي في كتاب الزهد، باب في قلب الشيخ شاب على اثنتين.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن مسعود بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12106
(٢٤) - ٤١٧٧ - (٤) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الضَّرِيرُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَال، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ".
===
(٢٤) - ٤١٧٧ - (٤) (حدثنا بشر بن معاذ) العقدي - بفتح المهملة والقاف - أبو سهل البصري (الضرير) صدوق، من العاشرة، مات سنة بضع وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا أبو عوانة) الوضاح - بتشديد المعجمة ثم مهملة - ابن عبد الله اليشكري - بالمعجمة - الواسطي البزاز مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : يهرم ابن آدم) - بفتح الراء - لأنه من باب فرح؛ أي: يشيب جسمه ويضعف؛ لكبر سنه (وتشب منه) أي: تَقْوَى (منه) أي: من ابن آدم (اثنتان) أي: خصلتان.
قوله: (تَشِبُّ منه) - بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة - من باب حَنَّ وعَنَّ؛ أي: ينمو ويقوى من أخلاقه وخصاله اثنتان (الحرص على المال) أي: شدة الرغبة في المال (والحرص على العمر) أي: شدة الرغبة في طول الحياة.
وإنما لم تنكسر منه هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات؛ كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ ... ﴾ الآية (١).
стр. 12107
(٢٥) - ٤١٧٨ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِم، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
===
والشهوة إنما تنال بالمال، وطول العمر، (الحرص على الحياة) هذا يعم غالب الشيوخ؛ لأن الصالح منهم قد جرب نفع الحياة، فهو يريد الآخرة، وغيره لا يريد فراق الدنيا بعد أن استأنس بها مدة مديدة. انتهى "سندي".
(وكثرة المال) هذا لغير الزاهدين أيضًا؛ فإن الشيخ منهم قد جرب منافع المال في أوقات الحاجة، ويصير في معرض الحاجة إليه؛ لأنه يحتاج إلى الخدمة، فلا تتيسر له إلا بالمال، فذلك يحبه حبًّا شديدًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، ومسلم في كتاب الزكاة، والترمذي في كتاب الزهد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن مسعود بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٥) - ٤١٧٨ - (٥) (حدثنا أبو مروان العثماني) محمد بن عثمان بن خالد الأموي المدني، نزيل مكة صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي أبي شبل المدني، صدوق
стр. 12108
عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَيْنِ مِنْ مَالٍ .. لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمَا ثَالِثٌ، وَلَا يَمْلَأُ نَفْسَهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
===
ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: لو أن لابن آدم واديين) مملوءين (من مال) وفي رواية (من ذهب) وفي أخرى: (من فضة وذهب) ذكره المناوي.
(لأحب) وابتغى وطلب (أن يكون) له (معهما) أي: مع الواديين اللذين أعطيهما واد (ثالث) يضمه إليهما؛ لشدة حرصه على المال.
وفي "المشارق": زيادة لفظة: (إليهما) بعده، وفي رواية: (لابتغى أن يكون له ثالث) وهَلُمَّ جرًّا؛ والابتغاء: هو الطلب.
وجملة قوله: (ولا يملأ نفسه) أي: جوفه (إلا التراب) أي: إلا تراب قبره .. مستأنفة استئنافًا بيانيًا؛ يعني: أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره. انتهى "نواوي".
وها هنا نكتة، وهي أن في ذكر ابن آدم دون الإنسان من المحسنات اللفظية البديعية؛ تلويحًا وإشارةً خفية إلى أنه مخلوق من التراب، ومن طبيعته القبض واليبس، وإزالته ممكنة؛ بأن يمطر الله تعالى عليه من تمام توفيقه؛ كما يدل عليه قوله في الحديث: (ويتوب الله) أي: ويقبل الله (على من تاب)
стр. 12109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي: يقبل الله توبة من تاب إليه من حرصه؛ فإنه في موضع إلا من عصمه الله تعالى، أفاده ابن الملك.
وقال النووي: معناه: أن الله يقبل التوبة من التائب عن حرصه المذموم، وعن غيره من المذمومات.
وفي بعض الروايات المذكورة في مسلم: (ولن يملأ فاه) وفي أخرى: (ولا يملأ نفس ابن آدم) قال الكرماني: ليس الحقيقة في عضو بعينه؛ بقرينة عدم الانحصار في التراب؛ إذ غيره يملؤه أيضًا، بل هو كناية عن الموت؛ لأنه مستلزم للامتلاء؛ لأنه قال: لا يشبع من الدنيا حتى يموت.
فالغرض من العبارات كلها واحد؛ وهي من التفنن في العبارة.
قلت: وهذا يحسن فيما إذا اختلفت مخارج الحديث، وأما إذا اتحدت .. فهو من تصرف الرواة، كذا في "الفتح".
قوله: "إلا التراب" أي: تراب قبره؛ ففيه تَنْبِيهٌ نَبِيهٌ على أنَّ البُخْلَ المورث للحرص مركوز في جملة الإنسان.
قال الحافظ: ويحتمل أن تكون الحكمة في ذكر التراب دون غيره: أن المرء لا ينقضي طمعه حتى يموت، فإذا مات كان من شأنه أن يدفن، فإذا دفن .. صُبَّ عليه التراب، فملأ جوفه وفاه وعينيه، ولم يبق منه موضع يحتاج إلى تراب غيره، وأما بالنسبة إلى الفم .. فلكونه الطريق في الوصول إلى الجوف.
قوله: "ويتوب الله على من تاب" أي: إن الله يقبل التوبة من الحريص؛ كما يقبلها من غيره.
قيل: وفيه إشارة إلى ذم الاستكثار من جمع المال، وتمني ذلك، والحرص عليه؛ للإشارة إلى أن الذي يترك ذلك يطلق عليه أنه تاب.
стр. 12110
(٢٦) - ٤١٧٩ - (٦) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
ويحتمل: أن يكون تاب بالمعنى اللغوي؛ وهو مطلق الرجوع؛ أي: رجع عن ذلك الفعل والتمني.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ كما في "تحفة الأشراف"، ولكن له شاهد في "الصحيحين" من حديث أنس بن مالك.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا من حديث أنس المذكور هنا وفي "الصحيحين"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث ابن مسعود بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٦) - ٤١٧٩ - (٦) (حدثنا الحسن بن عرفة) بن يزيد العبدي أبو علي البغدادي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثني عبد الرحمن بن محمد) بن زياد (المحاربي) أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 12111
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرحمن المحاربي، ودرجته: أنه لا بأس به.
(أن رسول الله ﷺ قال): إن (أعمار أمتي) قيل: معناه: آخر عمر أمتي ابتداؤه (ما بين الستين) سنة، وما فوقها (إلى) تمام (السبعين) سنة؛ معناه: ابتداء ذلك الآخر: ستون سنة، وانتهاؤه: سبعون سنة (وأقلهم) أي: قليل منهم (من يجوز) أي: من يجاوز (ذلك) أي: سبعين سنةً.
والعمر: مدة أجلها الله تعالى لعباده في دار الفناء لا ينقص ولا يزيد. انتهى من "المبارق" كما مر.
وقوله: "وأقلهم" خبر مقدم، وقوله: "من يجوز ذلك" مبتدأ مؤخر؛ والمعنى: ومن يجاوز ذلك؛ أي: سبعين سنةً قليل فيهم؛ أي: في أمتي.
وهذا الحديث علم من أعلام النبوة، هذا ما ظهر للفهم السقيم.
وهذا الحديث محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال، فمنهم من لا يبلغ ستين، ومن يجوز سبعين، ذكره الطيبي (٩/ ٣٤٩).
قال السندي: وفي الحديث حذف؛ تقديره: أعمار المعمر من أمتي ما بين الستين وما فوقها إلى السبعين، ومن يجاوز السبعين قليل فيهم.
ولفظ "الترمذي مع شرحه": (قال رسول الله ﷺ : عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين) قيل: معناه: آخر عمر المعمر من أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة، وانتهاؤه سبعون سنة، وقل من يجوز سبعين سنة، وهذا محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال؛ فإن منهم من لا يبلغ ستين سنة، ومنهم من يجاوز سبعين، ذكره الطيبي رحمه الله تعالى.
стр. 12112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القاري بعد نقل كلام الطيبي هذا: وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب الزيادة على سبعين واضح جدًّا، وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة ستين سنة في غاية من الغرابة المخالفة؛ لما هو ظاهر في المشاهدة .. فالظاهر أن المراد به: أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة .. ما بين العددين؛ أعني: الستين والسبعين؛ منهم: سيد الأنبياء، وأكابر الخلفاء؛ كالصديق والفاروق والمرتضى وغيرهم من العلماء والأولياء، ممن يصعب فيه الاستقصاء. انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح" بعد ذكر هذا الحديث: قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سن الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة؛ وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون ما بين الستين والسبعين، فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية؛ لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي ﷺ ، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قلت: والصواب: أنه حسن لسنده، صحيح بغيره؛ لأن له شواهد من حديث أبي هريرة وغيره، أخرجه أبو يعلى وغيره، وغرضه: الاستشهاد به خامسًا لحديث ابن مسعود.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12113
(٦) - (١٥٠٤) - بَابُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ
(٢٧) - ٤١٨٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ ﷺ ؛ مَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ،
===
(٦) - (١٥٠٤) - (باب المداومة على العمل)
(٢٧) - ٤١٨٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي الحافظ. روى عن: أبي إسحاق السبيعي، ويروي عنه: ابنا أبي شيبة، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أم سلمة: (والذي) أي: أقسمت لكم بالإله الذي (ذهب) وقبض (بنفسه) وروحه ﷺ ؛ ما مات) وتوفي (حتى كان أكثر صلاته) حاصلًا (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (جالس) لكبر سنه.
стр. 12114
وَكَانَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا.
(٢٨) -٤١٨١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ،
===
والجملة الاسمية حال من المضاف إليه الذي هو ضمير (صلاته) سدت مسد الخبر المحذوف وجوبًا؛ لنيابة الجملة الحالية عنه.
(وكان أحب الأعمال إليه) أي: عنده ﷺ .
قوله: (أحب الأعمال) بالنصب على أنه خبر (كان) مقدم على اسمه الذي هو قوله: (العمل الصالح الذي يدوم) ويواظب (عليه العبد، وإن كان) ذلك العمل (يسيرًا) أي: قليلًا، سواء كان ذلك صلاة أو غيرها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب قيام الليل، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل.
وقد تقدم هذا الحديث للمؤلف في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في صلاة النافلة قاعدًا رقم (٣٤٢)، حديث رقم (١١٩٨).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أم سلمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٨) - ٤١٨١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي القرشي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12115
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قُلْتُ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْ؛ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ؛ لَا يَمَلُّ اللهُ
===
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كانت عندي امرأة) من المسلمات، وتلك المرأة التي كانت عند عائشة اسمُها: الحَوْلَاءُ بنتُ تُويَتٍ - مصغرًا - ابنِ حبيب بن أسَدِ بنِ عبد العُزَّى (فدخل عليَّ النبي ﷺ في حجرتي (فقال) النبي ﷺ : (من هذه) المرأة الجالسة عندك؟ فـ (قلت) له ﷺ : هي (فلانة) حولاء بنت تويت التي الا تنام) ليلًا، تصلي طوله، حالة كون عائشة (تذكر) وتخبر النبي ﷺ (من) كثرة (صلاتها) أي: تعني عائشة بقولها: (لا تنام) أي: من أجل كثرة صلاتها في الليل (فقال النبي ﷺ لعائشة: (مه) أي: اسكتي عما تخبريني من كثرة صلاتها (عليكم) أي: الزموا من العمل (بما تطيقون) وتقدرون الدوام عليه، ولا تكلفوا أنفسكم بما لا تطيقون الدوام عليه، فتفعلونه أحيانًا، وتتركونه أحيانًا (فوالله) فأقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لا يمل الله) أي: لا يترك الله إثابتكم