أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرحمن المحاربي، ودرجته: أنه لا بأس به.
(أن رسول الله ﷺ قال): إن (أعمار أمتي) قيل: معناه: آخر عمر أمتي ابتداؤه (ما بين الستين) سنة، وما فوقها (إلى) تمام (السبعين) سنة؛ معناه: ابتداء ذلك الآخر: ستون سنة، وانتهاؤه: سبعون سنة (وأقلهم) أي: قليل منهم (من يجوز) أي: من يجاوز (ذلك) أي: سبعين سنةً.
والعمر: مدة أجلها الله تعالى لعباده في دار الفناء لا ينقص ولا يزيد. انتهى من "المبارق" كما مر.
وقوله: "وأقلهم" خبر مقدم، وقوله: "من يجوز ذلك" مبتدأ مؤخر؛ والمعنى: ومن يجاوز ذلك؛ أي: سبعين سنةً قليل فيهم؛ أي: في أمتي.
وهذا الحديث علم من أعلام النبوة، هذا ما ظهر للفهم السقيم.
وهذا الحديث محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال، فمنهم من لا يبلغ ستين، ومن يجوز سبعين، ذكره الطيبي (٩/ ٣٤٩).
قال السندي: وفي الحديث حذف؛ تقديره: أعمار المعمر من أمتي ما بين الستين وما فوقها إلى السبعين، ومن يجاوز السبعين قليل فيهم.
ولفظ "الترمذي مع شرحه": (قال رسول الله ﷺ : عمر أمتي من ستين سنة إلى سبعين) قيل: معناه: آخر عمر المعمر من أمتي ابتداؤه إذا بلغ ستين سنة، وانتهاؤه سبعون سنة، وقل من يجوز سبعين سنة، وهذا محمول على الغالب؛ بدليل شهادة الحال؛ فإن منهم من لا يبلغ ستين سنة، ومنهم من يجاوز سبعين، ذكره الطيبي رحمه الله تعالى.
стр. 12112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القاري بعد نقل كلام الطيبي هذا: وفيه أن اعتبار الغلبة في جانب الزيادة على سبعين واضح جدًّا، وأما كون الغالب في آخر عمر الأمة ستين سنة في غاية من الغرابة المخالفة؛ لما هو ظاهر في المشاهدة .. فالظاهر أن المراد به: أن عمر الأمة من سن المحمود الوسط المعتدل الذي مات فيه غالب الأمة .. ما بين العددين؛ أعني: الستين والسبعين؛ منهم: سيد الأنبياء، وأكابر الخلفاء؛ كالصديق والفاروق والمرتضى وغيرهم من العلماء والأولياء، ممن يصعب فيه الاستقصاء. انتهى.
وقال الحافظ في "الفتح" بعد ذكر هذا الحديث: قال بعض الحكماء: الأسنان أربعة: سن الطفولة، ثم الشباب، ثم الكهولة، ثم الشيخوخة؛ وهي آخر الأسنان، وغالب ما يكون ما بين الستين والسبعين، فحينئذ يظهر ضعف القوة بالنقص والانحطاط، فينبغي له الإقبال على الآخرة بالكلية؛ لاستحالة أن يرجع إلى الحالة الأولى من النشاط والقوة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء النبي ﷺ ، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
قلت: والصواب: أنه حسن لسنده، صحيح بغيره؛ لأن له شواهد من حديث أبي هريرة وغيره، أخرجه أبو يعلى وغيره، وغرضه: الاستشهاد به خامسًا لحديث ابن مسعود.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12113
(٦) - (١٥٠٤) - بَابُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ
(٢٧) - ٤١٨٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِنَفْسِهِ ﷺ ؛ مَا مَاتَ حَتَّى كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ وَهُوَ جَالِسٌ،
===
(٦) - (١٥٠٤) - (باب المداومة على العمل)
(٢٧) - ٤١٨٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي الحافظ. روى عن: أبي إسحاق السبيعي، ويروي عنه: ابنا أبي شيبة، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أم سلمة: (والذي) أي: أقسمت لكم بالإله الذي (ذهب) وقبض (بنفسه) وروحه ﷺ ؛ ما مات) وتوفي (حتى كان أكثر صلاته) حاصلًا (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (جالس) لكبر سنه.
стр. 12114
وَكَانَ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا.
(٢٨) -٤١٨١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ،
===
والجملة الاسمية حال من المضاف إليه الذي هو ضمير (صلاته) سدت مسد الخبر المحذوف وجوبًا؛ لنيابة الجملة الحالية عنه.
(وكان أحب الأعمال إليه) أي: عنده ﷺ .
قوله: (أحب الأعمال) بالنصب على أنه خبر (كان) مقدم على اسمه الذي هو قوله: (العمل الصالح الذي يدوم) ويواظب (عليه العبد، وإن كان) ذلك العمل (يسيرًا) أي: قليلًا، سواء كان ذلك صلاة أو غيرها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب قيام الليل، باب الاختلاف على عائشة في إحياء الليل.
وقد تقدم هذا الحديث للمؤلف في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في صلاة النافلة قاعدًا رقم (٣٤٢)، حديث رقم (١١٩٨).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أم سلمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٨) - ٤١٨١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الكوفي القرشي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12115
عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ "، قُلْتُ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ تَذْكُرُ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَهْ؛ عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ؛ لَا يَمَلُّ اللهُ
===
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كانت عندي امرأة) من المسلمات، وتلك المرأة التي كانت عند عائشة اسمُها: الحَوْلَاءُ بنتُ تُويَتٍ - مصغرًا - ابنِ حبيب بن أسَدِ بنِ عبد العُزَّى (فدخل عليَّ النبي ﷺ في حجرتي (فقال) النبي ﷺ : (من هذه) المرأة الجالسة عندك؟ فـ (قلت) له ﷺ : هي (فلانة) حولاء بنت تويت التي الا تنام) ليلًا، تصلي طوله، حالة كون عائشة (تذكر) وتخبر النبي ﷺ (من) كثرة (صلاتها) أي: تعني عائشة بقولها: (لا تنام) أي: من أجل كثرة صلاتها في الليل (فقال النبي ﷺ لعائشة: (مه) أي: اسكتي عما تخبريني من كثرة صلاتها (عليكم) أي: الزموا من العمل (بما تطيقون) وتقدرون الدوام عليه، ولا تكلفوا أنفسكم بما لا تطيقون الدوام عليه، فتفعلونه أحيانًا، وتتركونه أحيانًا (فوالله) فأقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لا يمل الله) أي: لا يترك الله إثابتكم
стр. 12116
حَتَّى تَمَلُّوا"، قَالَتْ: وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ.
===
على الأعمال الصالحة، ولا يقطع أجوركم عليها (حتى تملوا) وتقطعوها وتتركوا الإتيان بها؛ لأن الله سبحانه لا يظلم مثقال ذرة.
(قالت) عائشة: (وكان أحب الدين) والعمل الصالح (إليه) أي: عنده ﷺ أو عند الله سبحانه هو العمل (الذي يدوم عليه صاحبه).
أو المعنى: قالت عائشة: (فقال) رسول الله ﷺ : (وكان أحب الدين) والعمل؛ أي: أحبه وأكثره أجرًا، وأدومه ثوابًا (إليه) تعالى؛ أي: عنده تعالى .. هو العمل (الذي يدوم) ويواظب (عليه صاحبه) أي: عامله.
قال المناوي: إطلاق الملال على الله تعالى من باب المشاكلة؛ كما في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ (١)، وهذا باب واسع في اللغة العربية، كثير في القرآن.
قوله: "عليكم بما تطيقون" أي: بما تطيقون الدوام عليه، لا ما تفعلون أحيانًا وتتركونه أحيانًا، فلا يرد أن ما فوق الطاقة لا يحصل ولا يَتأتى من العبد، فأَيُّ فائد؛ في النهي عنه. انتهى "سندي".
ومفهوم الحديث يقتضي الأمر بالاقتصار على ما يطاق من العبادة؛ ومفهومه يقتضي النهي عن التكلف بما لا يطاق.
قوله: "فوالله" فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، وقد يستحب إذا كان فيه تفخيم أمر من أمور الدين، أو حث عليه، أو تنفير من محذور، قاله الحافظ.
стр. 12117
(٢٩) - ٤١٨٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ،
===
قوله: "لا يمل الله" - بفتح الميم - أي: لا يقطع الإقبال بالإحسان عنكم "حتى تملوا" في عبادته.
(أحب الدين إليه) أي: أحب أعمال الدين.
وفي هذا الحديث: الحث على المداومة على العمل، وأن قليله الدائم خير من كثير ينقطع، وإنما كان كذلك؛ لأن بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والنية والإخلاص والإقبال على الله سبحانه .
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب ما يكره من التشديد في العبادة، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقَصْرِها، باب أمر مَنْ نعَسَ؛ أي: سكت في صلاته، أو استعجم عليه القرآن، والنسائي في كتاب الإيمان وشرائعه، بابُ أحبِّ الدين إلى الله ، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أم سلمة بحديث حنظلة الأُسَيِّدِيِّ رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٩) - ٤١٨٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين) الكوفي، واسم دكين: عمرو بن حماد بن زهير التيمي مولاهم الأحول، أبو نعيم الملائي مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثماني عشرة ومئتين (٢١٨ هـ) وهو من كبار شيوخ البخاري. يروي عنه: (ع).
стр. 12118
عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ حَنْظَلَةَ الْكَاتِبِ التَّمِيمِيِّ الْأُسَيِّدِيِّ
===
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سعيد بن إياس (الجريري) - بضم الجيم مصغرًا - أبي مسعود البصري، ثقة، من الخامسة، اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان) النهدي عبد الرحمن بن ملٍّ - بتشديد اللام مع تثليث الميم - ابن عمرو بن عدي بن وهب بن ربيعة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن رفاعة بن مالك بن نهد النهدي الكوفي، ثم البصري، أدرك الجاهلية، وأسلم على عهد رسول الله ﷺ ، ووفد إليه ولم يلقه، ثقة مخضرم مشهور بكنيته، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن حنظلة الكاتب) ابن الربيع بن صَيْفِي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة - (التميمي الأسيدي) يعرف بـ (حنظلة الكاتب) الصحابي الفاضل الكوفي، نزل الكوفة، ومات بعد علي رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (م ت س ق).
وفي رواية مسلم: (وكان من كُتَّاب رسول الله ﷺ جمع كاتب؛ نظير طالب وطُلَّاب، وعاذل وعُذَّال؛ أي: كان من الكاتبين له بالوحي.
قوله (الأُسَيِّدِيِّ) - بضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة - نسبة إلى أسيد؛ بطن من بني تميم أبي ربعي الكاتب الكوفي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، له ثمانية أحاديث، انفرد له (م) بحديث واحد، وهو هذا.
стр. 12119
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَّرَنَا الْجَنَّةَ وَالنَّارَ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيَ الْعَيْن، فَقُمْتُ إِلَى أَهْلِي وَوَلَدِي فَضَحِكْتُ وَلَعِبْتُ، قَالَ: فَذَكَرْتُ الَّذِي كُنَّا فِيه، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: نَافَقْتُ نَافَقْتُ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) حنظلة: (كنا) معاشر الصحابة (عند رسول الله ﷺ ، فذكَّرنا) رسول الله ﷺ ؛ من التذكير؛ أي: وعظنا بذكر نعيم (الجنة و) ذكر شدة عذاب (النار حتى) تَلِينَ قلُوبُنَا بوعظه لنا بذكرهما، وكُنَّا (كأنَّا) نراهما (رَأْيَ العين) أي: رؤية حقيقية لا شك فيها.
قال القرطبي: الذي قرأتُه وقيدتُه (رَأْيَ عيني) بالنصب على المصدرية؛ كأنه قال: (حتى كانا نراهما رَأْيَ العَينِ).
وقال القاضي: ضبطناه بالضم؛ أي: (حتى كأن رؤيتَنا إياهما رأيُ العين) أي: رؤية بعين حقيقة.
قال حنظلة: (فقمت) من عند رسول الله ﷺ راجعًا (إلى أهلي) وزوجتي (و) إلى (ولدي) أي: أولادي (فـ) لما وصلت إلى أهلي وولدي .. (ضحكت) مع زوجتي (ولعبت) مع أولادي (قال) حنظلة: (فذكرت) بقلبي الحال (الذي كنا فيه) أي: كنا عليه ونحن عند رسول الله ﷺ من لِينِ قُلوبِنا بوعظه (فخرجت) من عند أهلي وولدي (فلقيت أبا بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه (فقلت) لأبي بكر: (نافقت نافقت) يا أبا بكر، كرره؛ للتأكيد؛ أي: صرت منافقًا يخالف ظاهره باطنه، وهذا منه إنكار على نفسه؛ لما وجد منها في حال خَلْوَتِها خلافَ ما يَظْهَرُ منها بحضرة النبي ﷺ ، فخاف أن يكون ذلك من أنواع النفاق، وأراد مِنْ نفسه أن يَسْتَدِيم تلك الحالةَ التي كان يجدها عند موعظة النبي صلى الله
стр. 12120
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّا لَنَفْعَلُهُ، فَذَهَبَ حَنْظَلَةُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "يَا حَنْظَلَةُ؛ لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي .. لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ، يَا حَنْظَلَةُ؛ سَاعَةٌ وَسَاعَةٌ".
===
عليه وسلم، ولا يشتغل عنها بشيء من شواغل الدنيا. انتهى من "المفهم".
(فقال أبو بكر) لحنظلة: (إِنَّا) معاشر الصحابة كنا (لنفعله) أي: لنفعل ما ذكرته من المضاحكة والملاعبة مع الأهل والأولاد إذا رجعنا إلى بيتنا (فذهب حنظلة) إلى رسول الله ﷺ (فذكره) أي: ذكر ما يفعله إذا رجع إلى بيته من المضاحكة والملاعبة مع الأهل والأولاد (للنبي ﷺ ، فقال) له النبي ﷺ : (يا حنظلة؛ لو كنتم كما تكونون عندي) أي: على الحالة التي تكونون عليها عندما كنتم عندي من الإقبال إلى الله سبحانه قَلْبًا وقَالَبًا .. (لصافحتكم الملائكة) حالة كونكم مضطجعين (على فرشكم، أو) قال - شكٌّ من الراوي أو مِمَّنْ دونه -: (على طرقكم) أي: حالة كونكم ماشين في طرقكم؛ أي: لصافحت الملائكة بأيديهم أيديكم، والحال أنكم مضطجعون على فرشكم، وماشون في طرقكم، وفي جميع أحوالكم، ولكن (يا حنظلة) اجعل (ساعة) من أوقاتك (لربك) أي: لذكر ربك (و) اجعل (ساعة) لراحة نفسك.
يعني: أنك تستحضر الجنة والنار وتذكر ربك ساعةً، وتشتغل بحوائجك ساعة أخرى، وهذا لا محظور فيه شرعًا ما لم يرتكب محظورًا من محظورات الشرع.
وقوله: "لصافحتكم الملائكة ... " إلى آخره؛ يعني: كنتم حينئذ أفضل من الملائكة؛ لاستدامة الذكر، بالرغم من دواعي النسيان؛ فإن الملائكة وإن كانوا يداومون الذكر، لكنهم بمعزل عن دواعي الغفلة والنسيان.
стр. 12121
(٣٠) - ٤١٨٣ - (٤) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ،
===
وذكر القرطبي رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خلق الإنسان متوسطًا بين الملائكة والشياطين؛ فالملائكة يسبحون الليل والنهار لا يفترون، والشياطين في شر وإغواء لا يألون في ذلك، أما الإنسان .. فجعله متلونًا؛ فله ساعات يذكر فيه ربه، وساعات يقضي فيها حوائجه، وإلى هذا أشار صاحب الشرع بقوله: "ولكن يا حنظلة ... " إلى آخره.
ودل هذا الحديث على أن كيفية الاستحضار الدائم والاستغراق في ذكر الله تعالى وإن كانت محمودة، ولكنها غير مقصودة، والمطلوب أن يباشر الإنسان أعمالًا صالحة، ويجتنب عن الحرام.
ودل الحديث أيضًا على أن الالتفات إلى حوائج الإنسان في معاشه ليس من النفاق، بل لو توجه إليه بنية أداء الحقوق، وتنشيط النفس للأعمال الصالحة صار هذا الالتفات داخلًا في ذكر الله تعالى، ولهذا قالوا: كل مطيع لله فهو ذاكر. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر، والترمذي في صفة القيامة، باب رقم (٢٠).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أم سلمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٠) - ٤١٨٣ - (٤) (حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلم، صدوق يخطئ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة
стр. 12122
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجُ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اكْلَفُوا مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ؛ فَإِنَّ خَيْرَ الْعَمَلِ أَدْوَمُهُ وَإنْ قَلَّ".
===
تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (ق). ذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب أعدل من غيرهما، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (سمعت أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن لهيعة، ولكن الحديث صحيح؛ لأنه من المتفق عليه.
(يقول) أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: (قال رسول الله ﷺ :
(اكلفوا من العمل) - بفتح اللام - من كلف - بكسر اللام - من باب فرح؛ أي: تحملوا من العمل الصالح (ما تطيقون) أي: ما تقدرون الدوام والثبات عليه. انتهى "سندي".
(فإن خير العمل) أي: أكثره أجرًا عند الله تعالى وثوابًا (أدومه) أي: ما داوم عليه صاحبه وواظب (وإن قل) ذلك العمل المداوم عليه؛ لأن تارك
стр. 12123
(٣١) - ٤١٨٤ - (٥) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَشْعَرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ جَارِيَةَ،
===
العمل بعد الشروع والابتداء كالمعرض بعد الوصل، والقليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
والمراد بالمداومة عليه: العرفية؛ وإلا فحقيقة الدوام: شمول جميع الأزمنة؛ وهو غير مقدور عليه. انتهى من "المبارق".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب أحب الدين إلى الله أدومه، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره عن عائشة.
وهذا الحديث: ضعيف السند؛ لأن فيه ابن لهيعة؛ وهو متفق على ضعفه، صحيح المتن؛ لأن له شاهدًا في "الصحيحين" وفي "أبي داوود"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أم سلمة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣١) - ٤١٨٤ - (٥) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا يعقوب بن عبد الله) بن سعد (الأشعري) أبو الحسن القُمِّيُّ - بضم القاف وتشديد الميم - صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عيسى بن جارية) - بالجيم - الأنصاري المدني فيه لين، من الرابعة.
стр. 12124
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى رَجُلٍ يُصَلِّي عَلَى صَخْرَةٍ، فَأَتَى نَاحِيَةَ مَكَّةَ فَمَكَثَ مَلِيًّا ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَجَدَ الرَّجُلَ يُصَلِّي عَلَى حَالِه، فَقَامَ فَجَمَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ - ثَلَاثًا - فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا".
===
يروي عنه: (ق)، قال أبو زرعة: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات" فهو مختلف فيه.
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يعقوب بن عبد الله، وهو مختلف فيه، وفيه عيسى بن جارية، وهو مختلف فيه أيضًا.
(قال) جابر: (مر رسول الله ﷺ على رجل) من المسلمين (يصلي) ذلك الرجل (على صخرة) أي: حجر كبير (فأتى) النبي ﷺ وجاء بعدما خرج (ناحية مكة) لقضاء حاجته؛ أي: جانبها من خارجها (فمكث) النبي ﷺ في تلك الناحية (مليًّا) أي: طويلًا (ثم انصرف) النبي ﷺ ورجع من تلك الناحية إلى مكة، فمر على تلك الصخرة (فوجد) ﷺ ذلك (الرجل يصلي على حاله) قائمًا من غير جلوس (فقام) النبي ﷺ عند ذلك الرجل (فجمع) النبي ﷺ (يديه) أي: يدي الرجل، فقال له: استرح (ثم) بعدما أجلس الرجل (قال) لمن عنده: (يا أيها الناس؛ عليكم بالقصد) أي: الزموا بالعمل الوسط بين القليل والكثير قال هذا الكلام وكرره (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات (فإن الله لا يمل) أي: لا يقطع أجور أعمالكم الصالحة ولا يترك إثابتكم عليها (حتى تملوا) وتقطعوا أعمالكم وتتركوها؛ بسبب الكسل عنها، الناشئ ذلك الكسل عن إكثارها.
стр. 12125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: والقصد: هو الوسط المعتدل الذي لا يميل إلى أحد طرَفَي التفريط والإفراط. انتهى "سندي" أي: عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل.
قوله: "فإن الله لا يمل حتى تملوا" معناه: أن الله لا يَملُّ أبدًا؛ أَملَلْتُم أو لا، فهو نحو قولهم: (حتى يَشِيبَ الغراب) و (يَبْيَضَّ القار).
وقيل: إن الله لا يطرحكم حتى تتركوا العمل، وتزهدوا في الرغبة إليه، فسمى الفعلين مللًا، وليسا به.
وقيل: معناه: لا يقطع عنكم إحسانه حتى تملُّوا سؤالَه، فهي من باب المشاكلة.
قال الكرماني: وهما، أي: الفعلان - بفتح الميم - كما مر؛ والملال: ترك شيء استثقالًا له بعد حرص.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث عائشة المذكور في "الصحيحين" مرفوعًا: "اكلفوا من العمل ما تطيقون؛ فإن الله لا يمل حتى تملوا".
فدرجته: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أم سلمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12126
(٧) - (١٥٠٥) - بَابُ ذِكْرِ الذُّنُوبِ
(٣٢) - ٤١٨٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبِي، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنُؤَاخَذُ بِمَا كُنَّا نَعْمَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟
===
(٧) - (١٥٠٥) - (باب ذكر الذنوب)
(٣٢) - ٤١٨٥ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(و) حدثنا (أبي) أيضًا عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين، أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة، من الثانية، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) ابن مسعود: (قلنا) معاشر الصحابة: (يا رسول الله؛ أنؤاخذ) - الهمزة فيه للاستفهام الاستخباري - أي: هل نطالب ونعاقب (بما كنا نعمل في الجاهلية؟ ) أي: بما كنا نعمل ونرتكب من الذنوب والمعاصي في زمن
стр. 12127
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَحْسَنَ فِي الْإِسْلَامِ .. لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَمَنْ أَسَاءَ .. أُخِذَ بِالْأَوَّلِ وَالْآخِرِ".
===
الجاهلية؛ أي: في زمن جهلنا بالله وبرسوله وبشرائعه؛ يعني: قبل الإسلام؛ كالقتل والزنا والشرك، قال الأبي: والأظهر أن السائل حديث عهد بالإسلام؛ لأن جب الإسلام ما قبله .. كان من معالمِ الدين الَّتِي لا تُجْهَلُ. انتهى.
(فقال رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: أما (من أحسن) وأخلص منكم (في الإسلام) والمراد بالإحسان هنا: الدخول في الإسلام ظاهرًا وباطنًا؛ بأن لم يكن إسلامه ظاهريًا، ولا إيمانه لسانيًا؛ والمعنى: من أخلص منكم إسلامه عن النفاق .. (لم يؤاخذ) أي: لا يطالب ولا يعاقب (بما كان) وحصل له (في) زمن (الجاهلية) من الشرك والمعاصي؛ لأن الإسلام الصحيح يجب ما قبله ويهدمه (ومن أساء) وأفسدَ وخلطَ في إسلامه وإيمانه ولم يُخْلِصهما لله تعالى؛ بأن كان إسلامه ظاهريًا، وإيمانه لسانيًا؛ بأن أظهر الإسلام وقلبه مستمرٌّ على كفره .. (أخذ) وطولب وعوقب (بـ) عمله (الأول) الذي عمله في الجاهلية (و) أخذ بعمله (الآخر) الذي عمله بعد إسلامه اللساني؛ أي: أخذ وعوقب بما عمله من الشرك والمعاصي قبل إظهاره بصورة الإسلام، وبما عمله بعد إظهارها؛ لأنه لم يزل مستمرًا على كفره، فلا ينفعه إسلامه الظاهريُّ.
قال النووي: والمراد بالإحسان هنا: الدخول في الإسلام بالظاهر والباطن جميعًا وأن يكون مسلمًا حقيقيًّا، فهذا يغفر له ما سلف في الكفر بنص القرآن والحديث الصحيح: "الإسلام يهدم ما قبله" وبإجماع المسلمين.
والمراد بالإساءة: عدم الدخول في الإسلام بقلبه، بل يكون منقادًا في الظاهر مظهرًا للشهادتين، غير معتقد للإسلام بقلبه، فهذا منافق باق على كفره بإجماع
стр. 12128
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المسلمين، فيؤاخذ بما عمل في الجاهلية قبل إظهار صورة الإسلام، وبما عمل بعد إظهارها؛ لأنه مستمر على كفره، وهذا المعنى معروف في استعمال الشرع؛ يقولون: حسن إسلام فلان؛ إذا دخل فيه حقيقة بإخلاص، وساء إسلامه أو لم يحسن إسلامه؛ إذا لم يكن كذلك، بل يستحق صاحبه أشد العذاب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ... ﴾ الآية (١). انتهى منه.
وعبارة القرطبي هنا: قوله: "أما من أحسن منكم في الإسلام .. فلا يؤاخذ بها ... " إلى آخره .. يعني بالإحسان: تصحيح الدخول في دين الإسلام، والإخلاص فيه والدوام على ذلك من غير تبديل ولا ارتداد، والإساءة المذكورة في هذا الحديث في مقابلة هذا الإحسان .. هي الكفر والنفاق، ولا يصح أن يراد بالإساءة هنا: ارتكاب سيئة ومعصية؛ لأنه يلزم عليه ألا يهدم الإسلام ما قبله من الآثام إلا لمن عصم عن جميع السيئات إلى الموت، وهو باطل قطعًا، فتعين ما قلناه.
والمؤاخذة هنا: هي العقاب على ما فعله من السيئات في الجاهلية وفي حال الإسلام وهو المعبر عنه في الرواية الأخرى بقوله: (أخذ بالأول والآخر) وإنما كان كذلك؛ لأن إسلامه لما لم يكن صحيحًا ولا خالصًا لله تعالى .. لم يهدم شيئًا مما سبق، ثم انضاف إلى ذلك إثم نفاقه وسيئاته التي عملها في حال الإسلام، فاستحق العقوبة عليها، ومن هنا استحق المنافقون أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار؛ كما قال تعالى، ويستفاد منه: أن الكفار مخاطبون بالفروع. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب استتابة المرتدين،
стр. 12129
(٣٣) - ٤١٨٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ بَانَكَ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: حَدَّثَنِي عَوْفُ بْنُ الْحَارِث،
===
باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة، ومسلم في كتاب الإيمان، باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٣) - ٤١٨٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد) القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثني سعيد بن مسلم بن بانك) - بموحدة ونون مفتوحة - المدني أبو مصعب، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (س ق).
(قال: سمعت عامر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي أبا الحارث المدني، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(يقول: حدثني عوف بن الحارث) بن الطفيل بن سخبرة بن جرثومة الأزدي، أصله من اليمن، رضيع عائشة وابن أخيها لأمها. روى عن: عائشة، وأم سلمة، وأبي هريرة، ويروي عنه: عامر بن عبد الله بن الزبير، قال الحافظ:
стр. 12130
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ؛ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللهِ طَالِبًا".
===
مقبول، من الثالثة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ويروي عنه: (خ د س ق).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته؛ وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (قال لي رسول الله ﷺ : يا عائشة؛ إياك ومحقرات الأعمال) و (إياك) منصوب على التحذير؛ أي: باعدي نفسك عن ارتكاب الأعمال المحقرة وصغائر الذنوب.
قال السندي: ومحقرات الأعمال: هي ما لا يبالي المرء بها من الذنوب؛ لصغرها، ويرتكبها؛ لعده إياها صغائر؛ لأن اجتناب الكبائر يكفرها؛ كما في الحديث الصحيح (فإن لها) أي: لِمحقَّرات الأعمالِ وصغائرِها (من الله طالبًا) أي: طالبًا من ملائكة الله ومفتشًا وباحثًا عنها، فلربما يؤخذ بها صاحبها.
قال المناوي في "الفيض" (٣/ ١٢٧): أي: صغائرها؛ لأن صغائرها أسباب تؤدي إلى ارتكاب كبارها، كما أن صغار الطاعات أسباب مؤدية إلى تحري كبارها.
قال الغزالي: صغائر المعاصي يَجرُّ بعضُها إلى بعض حتى تُفوِّتَ أهلَ السعادة بهدمِ أصلِ الإيمان عند الخاتمة.
قوله: (طالبًا) أي: مكلفًا بالبحث عنها، فيطلبها فيكتبها، فهي عند الله عظيمة، حيثُ خَصَّ لأجلها ملكًا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له متابعات كثيرة، قال البوصيري:
стр. 12131
(٣٤) - ٤١٨٧ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ
===
فقد رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" هكذا، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا أبو خيثمة، حدثنا أبو عامر، حدثنا سعيد بن مسلم، فذكره، ورواه النسائي في الرقاق عن إسحاق بن إبراهيم عن أبي عامر العقدي عن سعيد بن مسلم به، ورواه الدارمي في "مسنده": عن منصور بن سلمة عن سعيد بن مسلم به، ورواه ابن حبان في "صحيحه" عن عمران بن موسى بن مجاشع عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد به، وغيرهم.
فالحديث: حسن صحيح، وَرَدَ من طُرق كثيرة، وله شاهدان من حديث ابن مسعود وسهل بن سعيد رضي الله تعالى عنهم، فدرجته: أنه حسن صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له متابعات وشواهد كثيرة، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عبد الله بن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٤) - ٤١٨٧ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، من كبار العاشرة، صدوق مقرئ خطيب، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، من الكوفة صحيح الكتاب، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(والوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، كثير التدليس والتسوية،
стр. 12132
قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْقَعْقَاعِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ .. كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ؛
===
ثقة، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال كل من حاتم والوليد: (حدثنا محمد بن عجلان) المدني، صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديثُ أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم). قال الدوري عن ابن معين: ثقة، أوثق من محمد بن عمر العدني، وقال أبو زرعة: ابن عجلان من الثقات، وقال يعقوب بن شيبة: من الثقات، وكان ثقة كثير الحديث.
(عن القعقاع بن حكيم) الكناني المدني، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: إن المؤمن إذا أذنب) ذنبًا، وفي رواية الترمذي: (إن العبد إذا أخطأ خطيئةً)، وفي رواية أحمد: (إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا).
(كانت) أي: وجدت (نكتة) أي: نقطة (سوداء في قلبه) أي: أثر قليل؛ كالنقطة، شبه الوسخ في المرآة والسيف ونحوهما.
وفي رواية الترمذي: (إن العبد إذا أخطأ خطيئةً .. نُكِتَتْ في قلبه) بصيغة
стр. 12133
فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ .. صُقِلَ قَلْبُهُ، فَإِنْ زَادَ .. زَادَتْ، فَذلِكَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ:
===
المجهول؛ من النَّكْتِ؛ وهو في الأصل: أَنْ تَضْرِبَ في الأرض بقضيبٍ فيؤثر فيها؛ أي: جعلت في قلبه نكتةٌ سوداء؛ أي: أثرٌ قليلٌ؛ كالنقطة، شِبْهُ الوسخ في المرآة والسيف.
وقال القاري في "المرقاة" (٥/ ١٧٣): أي: كقَطْرةِ مداد يُقْطَر على القرطاس، ويختلف على حسب المعصية وقدرها، والحمل على الحقيقة أولى من جعله من باب التمثيل والتشبيه؛ حيث قيل: شُبِّهَ (القلبُ) بثوب في غاية النقاء والبياض، و (المعصية) بشيء في غاية السواد أصاب ذلك الأبيض، فبالضرورة أنه يذهب ذلك الجمال منه، وكذلك الإنسان إذا أصاب المعصية .. صار كأنه حصل له ذلك السَّواد في ذلك البياض.
(فإن تاب) ذلك المؤمن (ونزع) نفسه عن ارتكاب المعاصي (واستغفر) أي: سأل الله المغفرة وتاب؛ أي: من ذلك الذنب (صُقل قَلْبُه) بالصاد المهملة على البناء للمفعول، قال في "القاموس": الصَّقلُ هو السقل، وقال فيه: صقله جلَّاه. انتهى.
والمعنى: نَظُف وصُفِّي مرآةُ قلبه؛ لأن التوبة بمنزلة المِصْقَلَةِ تمسح بها وسخ القلب وسواده حقيقيًّا أو تمثيليًّا.
(فإن زاد) الذنب ولم يتب .. (زادت) النكتة، وفي رواية الترمذي: (وإن عاد) أي: العبد في الذنب والخطيئة .. (زيد فيها) أي: في النكتة السوداء (حتى تعلو) النكتة وتعم قلبه، وتعلو عليه وترتفع وتُطفئ نور قلبه، فتَعْمى بصيرته (فذلك) الأثر المستقبحُ المستعلي على قلبه المطفئُ لنور بصيرته هو (الرَّان) والصَّدَأ (الذي ذكره الله) (في كتابه) العزيز، وأدخل
стр. 12134
﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
===
اللام على (رَانَ) وهو فِعل؛ إما لقصد حكاية اللفظ وإجرائه مجرى الاسم، وإما لِتَنْزِيلهِ منزلة المصدر؛ أي: ذكره الله بقوله: (﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾) (١)، قال الحافظ ابن كثير: (كلا) أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، بل هو كلام الله ووَحْيهُ وتنزيله على رسوله ﷺ ، وإنما حجَبَ قلوبهم عن الإيمان به ما عليها من الرَّان والصدأ الذي قَدْ لُبِّس قلوبهم وغطاها من كثرة الذنوب والخطايا؛ والرَّيْنُ: يَعْتَرِي قلوب الكافرين، والغَيْمُ للأبرار، والغَيْنُ للمقربين. انتهى.
قلت: أصل الران والرين: الغشاوة، وهو كالصدأ على الشيء الصقيل.
قال الطيبي: الران والرين: كالعاب والعيب، والآية في الكفار، إلا أن المؤمن بارتكاب الذنب يشبههم في اسوداد القلب، ويزداد ذلك بازدياد الذنب.
قال ابن الملك: هذه الآية مذكورة في حق الكفار، لكن ذكرها ﷺ تخويفًا للمؤمنين؛ كي يحترزوا عن كثرة الذنب؛ كيلا تسود قلوبهم؛ كما اسودت قلوب الكفار، ولذا قيل: (المعاصي بريد الكفر). انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة المطففين، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم.
стр. 12135
(٣٥) - ٤١٨٨ - (٤) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ حُدَيْجٍ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَرْطَاةَ بْنِ الْمُنْذِر، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْأَلْهَانِيِّ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن مسعود بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٥) - ٤١٨٨ - (٤) (حدثنا عيسى بن يونس) بن أبان الفاخوري أبو موسى (الرملي) الجرار، صدوق ربما أخطأ، من الحادية عشرة، لم يصح أن أبا داوود روى له. يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عقبة بن علقمة بن حديج) بضم الحاء المهملة (المعافري) - بمهملة وفاء - البيروتي - بفتح الموحدة وسكون الياء التحتانية وضم الراء وبمثناة فوقية - صدوق، لكن كان ابنه محمد يدخل عليه ما ليس من حديثه، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (س ق)، قال ابن أبي خيثمة: ثقة، قال أبو مسهر: كان من خيار الناس ثقة، قال ابن معين: دمشقي لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ثقة، وقال ابن قانع: صالح.
(عن أرطاة بن المنذر) بن الأسود الألهاني الحمصي، قال ابن معين: ثقة، وقال ابن حبان: ثقة حافظ، قال الحافظ: ثقة، من السادسة، مات سنة ثلاث وستين ومئة (١٦٣ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(عن أبي عامر) عبد الله بن غابر - بمعجمة ثم موحدة - (الألهاني) - بفتح الهمزة بعدها لام ساكنة - الحمصي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (س ق).
стр. 12136
عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللهُ هَبَاءً مَنْثُورًا"، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَلَّا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ،
===
(عن ثوبان) بن بجدد الهاشمي مولاهم؛ مولى رسول الله ﷺ ، صحبه ولازمه رضي الله تعالى عنه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) ﷺ (قال): أقسمت بالإله الذي لا إله غيره (لأعلمن) أنا (أقوامًا من أمتي يأتون يوم القيامة) أرض المحشر، حالة كونهم ملتبسين (بحسنات) أي: بأعمال حسنة (أمثال) وأشباه (جبال تهامة) في العظم والكثرة.
والتهامة: خلاف نجد؛ وهي ما انخفض إلى جهة البحر من أرض الحجاز.
حالة كون تلك الحسنات (بيضًا) أي: بيضاء نيرة، جمع أبيض، سوغ مجيء الحال من النكرة وصفها بما بعدها (فيجعلها الله أي: يصير تلك الحسنات (هباءً منثورًا) أي: هباءً منتثرًا معدومًا لا يرى له أثر؛ والهباء: غبار يظهر في ضوء الشمس عندما تدخل الشمس في البيت بالطاقة.
(قال ثوبان) رضي الله تعالى عنه: (يا رسول الله؛ صفهم لنا) أي: اذكر لنا يا رسول الله أوصاف أولئك القوم الذين يجعل الله حسناتهم هباءً منثورًا و (جلهم لنا) أمرٌ مِن جَلَّى؛ من باب زكَّى؛ من التجلية؛ أي: اكشف لنا عن أوصافهم، وبينها لنا لنعرفهم بأوصافهم لـ (ألَّا نكون منهم ونحن لا نعلم) أي:
стр. 12137
قَالَ: "أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ مِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللهِ .. انْتَهَكُوهَا".
===
(٣٦) - ٤١٨٩ - (٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ
===
ونحن لا نعلم كوننا منهم، فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم عن بيان أوصاف أولئك القوم: (أما) - بتخفيف الميم - أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (إنهم) أي: إن أولئك القوم (إخوانكم) من المسلمين في ظاهر حالهم (من جلدتكم) أي: من جنسكم من بني آدم، لا من الجن ولا من الملائكة (ويأخذون من الليل) أي: يأخذون نصيبهم من الأعمال الصالحة في الليل؛ يعني: يصلون صلاة الليل (كما) أنتم (تأخذون) من أعماله (ولكنهم) أي: لكن أولئك (أقوام إذا خلوا) وتجردوا من الناس وغيرهم (بمحارم الله) متعلق بخلوا .. (انتهكوها) أي: استخفوا تحريم ما حرم الله عليهم من محرماته بارتكابها وعملها؛ كأنه تعالى لا يراهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن مسعود بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٦) - ٤١٨٩ - (٥) (حدثنا هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك الهمداني - بالسكون - أبو القاسم الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(وعبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 12138
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبيهِ وَعَمِّه، عَنْ جَدِّه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ:
===
كلاهما (قالا: حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي، ثقة، من السابعة. يروي عنه: (ع).
(و) عن (عمه) أي: عن عم عبد الله بن إدريس، واسمه داوود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري - بزاي مفتوحة ومهملة وكسر الفاء - أبي يزيد الكوفي الأعرج، ضعيف، من السادسة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ت ق). ولا يضر ضعفه السند؛ لأنه إنما ذكر على سبيل المقارنة، وهو غير مقصود في السند.
كلاهما رويا (عن جده) أي: عن جد عبد الله بن إدريس، واسم الجد: يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الأودي - بواو ساكنة بعدها مهملة - أبو داوود الكوفي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ت ق). ووثقه ابن حبان، وقال العجلي: ثقة ثبت. روى هذا الجد عن: أبي هريرة، وعلي، وعدي بن حاتم، وجابر بن سمرة، وروى عنه: ابناه؛ إدريس وداوود.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (سئل النبي ﷺ ما) استفهامية؛ أَيْ: أَيُّ عمل (أكثر ما) موصولة أو موصوفة؛ أي: أي أكثر العمل الذي (يدخل الجنة) أهل الجنة؟ ولم أر من ذكر اسم السائل، فـ (قال) رسول الله صلى الله
стр. 12139
"التَّقْوَى وَحُسْنُ الْخُلُقِ"، وَسُئِلَ: مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّارَ؟ قَالَ: "الْأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ".
===
عليه وسلم في جواب السائل: أكثر العمل الذي يدخل أهل الجنة الجنة هو (التقوى) أي: امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
قوله: (يدخل) - بضم الياء - من الإدخال؛ أي: سئل عن أكثر أسباب إدخالهم الجنة مع الفائزين، فقال: أكثر أسباب في إدخالهم الجنة (التقوى) ولها مراتب متفاوتة؛ أد ناها: التقوى من الشرك.
(وحسن الخلق) - بضمتين - أي: مع الخلق؛ وأدناه: ترك أذيَّتهم، وأعلاه: الإحسان إلى من أساء إليه منهم.
(وسئل) النبي ﷺ أيضًا (ما أكثر ما يدخل النار؟ ) أي: سئل: أي سبب أكثر من الأسباب التي تدخلهم النار؟
فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال ذلك السائل: أكثر الأسباب في إدخالهم النار (الأجوفان: الفم والفرج) لأن المرء غالبًا بسببهما يقع في مخالفة الخالق بتكلمه بكلمة الشرك، وقذفه للناس، وشتمه إياهم، وبزناه بفرجه يقع في الكبائر.
قال الطيبي في "شرحه على المشكاة": قوله: (تقوى الله) إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق؛ بأن يأتي بجميع ما أمر به من المأمورات، وينتهي عما نهى عنه، و (حسن الخلق) إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق.
وهاتان الخصلتان موجبتان لدخول الجنة، ونقيضهما لدخول النار، فأوقع الفم والفرج مقابلا لهما، أما الفم .. فمشتمل على اللسان، وحفظه ملاك أمر الدين كله، وأكل الحلال رأس التقوى كلها.
стр. 12140
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما الفرج .. فصونه أعظم مراتب الدين، قال تعالى جل شأنه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (١)؛ لأن هذه الشهوة أغلب الشهوات على الإنسان وأعصاها عند الهيجان على العقل، ومن ترك الزنا خوفًا من الله تعالى، مع القدرة، وارتفاع الموانع، وتيسر الأسباب، لا سيما عند صدق الشهوة .. وصل إلى درجة الصديقين، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٢).
ومعنى الأكثرية في القرينتين: أن أكثر أسباب السعادة الأبدية الجمع بين هاتين الخصلتين، وأن أكثر أسباب الشقاوة السرمدية الجمع بين هاتين الخصلتين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في حسن الخلق، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 12141
(٨) - (١٥٠٦) - بَابُ ذِكْرِ التَّوْبَةِ
(٣٧) - ٤١٩٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج،
===
(٨) - (١٥٠٦) - (باب ذكر التوبة)
والتوبة: هي الرجوع إلى الطاعة؛ والمغفرة منه تعالى لعبده: سَتْرُه لذنبه في الدنيا بأن لم يطلع عليه أحدًا، وفي الآخرة بألا يعاقبه عليه.
قال الطيبي: والتوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على فعله، والعزم على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتداركه من الأعمال بالإعادة، هذا كلام الراغب.
وزاد النووي، وقال: إن كان الذنب متعلقًا ببني آدم .. فلها شرط آخر؛ وهو رد المظلمة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة. انتهى.
* * *
(٣٧) - ٤١٩٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة) بن سوار المدائني، أصله من خراسان، يقال: كان اسمه مروان، مولى بني فزارة، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا ورقاء) بن عمر اليشكري أبو بشر الكوفي نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين، من السابعة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من
стр. 12142
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ أَحَدِكُمْ مِنْهُ بِضَالَّتِهِ إِذَا وَجَدَهَا".
(٣٨) - ٤١٩١ - (٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ الْمَدَنِيُّ،
===
الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) النبي ﷺ : (إن الله أفرح) أي أشد فرحًا (بتوبة أحدكم منه) أي: من فرح أحدكم (بـ) وجدان (ضالته إذا وجدها) أي: إذا وجد ضالته، قال السندي: (لله أفرح بتوبة أحدكم) أي: أنه تعالى يحب توبة أحدكم ويرضى بها فوق ما يحب أحدكم بضالته ويرضى بها. انتهى "س".
أي: إذا ضلت عنه بالفلاة التي لا أنيس فيها ولا ماء، وعليها ماؤه وزاده؛ كما في رواية مسلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب التوبة، باب في الحض على التوبة والفرح بها.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٨) - ٤١٩١ - (٢) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب المدني) نزيل
стр. 12143
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَبْلُغَ خَطَايَاكُمُ السَّمَاءَ، ثُمَّ تُبْتُمْ .. لَتَابَ اللهُ عَلَيْكُمْ".
===
مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق)، وهو مختلف فيه.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا جعفر بن برقان) - بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف - الكلابي أبو عبد الله الرقي، صدوق يهم في حديث الزهري، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد بن الأصم) واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي - بفتح الموحدة والتشديد - أبي عوف الكوفي نزل الرقة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: له رؤية ولم تثبت، وهو ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يعقوب بن حميد، وهو مختلف فيه.
(قال) رسول الله ﷺ : (لو أخطأتم) أي: لو أكثرتم أيها المؤمنون الخطايا والذنوب (حتى تبلغ خطاياكم) في الارتفاع لكثرتها (السماء، ثم) بعد إكثارها (تبتم) إلى الله من تلك الذنوب الكثيرة .. (لتاب الله عليكم) أي: لقبل الله توبتكم منها، ولا يَرُدُّ عليكم توبتكم
стр. 12144
(٣٩) -٤١٩٢ - (٣) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
===
منها؛ لأن قِلَّتها وكثرتها سواء عنده تعالى؛ يعني: أن كثرة الذنوب لا تمنع قبول التوبة؛ لسعة رحمته تعالى لعباده والله أعلم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٩) - ٤١٩٢ - (٣) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو محمد الكوفي، ولد العالم المشهور، كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بورَّاقِه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فَنُصح فلم يقبل النصيحة، فسقط حديثه وترك، من العاشرة. يروي عنه: (ت ق)، فهو متروك الحديث.
(حدثنا أبي) وكيع بن الجراح العالم المشهور، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن فضيل) مصغرًا (ابن مرزوق) الأغر - بالمعجمة والراء - الرقاشي الكوفي أبي عبد الرحمن، صدوق يهم ورمي بالتشيع، من السابعة، مات في حدود سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عطية) بن سعد بن جنادة العوفي الجدلي - بفتح الجيم والمهملة - أبي الحسن الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا وكان شيعيًّا مدلسًا، من الثالثة، مات سنة إحدى عشرة ومئة (١١١ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه.
стр. 12145
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لله أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَالْتَمَسَهَا، حَتَّى إِذَا أَعْيَا .. تَسَجَّى بِثَوْبِه، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةَ الرَّاحِلَةِ حَيْثُ فَقَدَهَا، فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ فَإِذَا هُوَ بِرَاحِلَتِهِ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سفيان بن وكيع، وهو ضعيف، وأيضًا فيه عطية العوفي، وهو ضعيف، فحكم هذا السند: أنه ضعيف؛ لما ذكر آنفًا، ولكن حديثه صحيح؛ لأن له شواهد صحيحة؛ كما سيأتي.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لله) - بفتح اللام؛ لأنه للابتداء - ولفظ الجلالة مبتدأ، خبره قوله: (أفرح) أي: أشد فرحًا (بتوبة عبده) إليه من ذنبه (من) فرح (رجل أضل) وضيع (راحلته بفلاة) أي: بصحراء لا أنيس فيها ولا ماء؛ أي: بصحراء كائنة (من الأرض فالتمسها) أي: فطلبها طلبًا شديدًا (حتى إذا أعيا) وعجز عن طلبها .. (تسجى) أي: تغطى (بثوبه) وجهه؛ ليموت في ذلك المكان؛ لشدة التعب والحزن على فقدها (فبينا هو كذلك) أي: فبينا أوقات كونه ملازمًا لذلك الحزن والتعب (إذ سمع) أي: فاجأه سماع (وجبة الراحلة) أي: سماع صوت وقعة رجل الراحلة على الأرض (حيث فقدها) أي: فاجأه سماع صوت وقرع رجلها على الأرض في المكان الذي فقدها فيه أولًا، فـ (حيث) ظرف مكان لسماعه صوت وجبتها، و (إذ) حرف فجاءة رابطة لجواب (بينا).
(فـ) لما سمع صوت وجبتها .. (كشف الثوب) الذي غطَّى به وجهه (عن وجهه فإذا هو) راءٍ (براحلته) في المكان الذي ضيعها فيه؛ والفاء: عاطفة و (إذا) فجائية؛ أي: فكشف عن وجهه، ففاجأه رؤية راحلته في المكان الذي ضيعها فيه، ففرح فرحًا شديدًا.
стр. 12146
(٤٠) - ٤١٩٣ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ،
===
و(فرح الله بتوبة عبده): صفة ثابتة له تعالى، نثبتها ونعتقدها، لا نمثلها ولا نكيفها ولا نعطلها، ونعتقد أن ظاهرها غير مراد، وأن أثرها الرضا عن عبده، والإقبال عليه بعين الرضا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده"، بإسناده ومتنه، والإمام أحمد في "مسنده".
ودرجته: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شواهد من حديث ابن مسعود ومن حديث البراء، ومن حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول، فهذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٠) - ٤١٩٣ - (٤) (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) أبو جعفر السرخسي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا محمد بن عبد الله) بن محمد بن عبد الملك بن مسلم (الرقاشي) - بقاف خفيفة ثم معجمة - البصري، ثقة من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ م س ق).
(حدثنا وهيب) مصغرًا (ابن خالد) بن عجلان الباهلي مولاهم أبو بكر
стр. 12147
حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ
===
البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه (ع).
(حدثنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود وهشام بن عروة .. شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الكريم) بن مالك الجزري - بفتح الجيم وسكون الزاي - أبي سعيد مولى بني أمية، ويقال له: الخضرمي - بالخاء المعجمة المكسورة - نسبة إلى قرية من قرى اليمامة، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: معمر. ويروي عن: أبي عبيدة بن عبد الله. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عبيدة) مصغرًا (ابن عبد الله) بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة، من كبار الثالثة، والصحيح: أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات قبل المئة بعد سنة ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رجاله ثقات، ولكن في سماع أبي عبيدة عن أبيه خلاف، فالسند مختلف في وصله، ولكن الحديث صحيح بما بعده.
(قال) عبد الله بن مسعود: (قال رسول الله ﷺ : التائب من الذنب) أي: توبة صحيحة؛ أي: متوفرة شروطها، وإطلاق الذنب يشمل
стр. 12148
كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ".
===
الذنوب كلها، فيدل الحديث على أن التوبة مقبولة من أي ذنب كان، وظاهر الحديث يدل على أن التوبة إذا صحت بشرائطها .. فهي مقبولة. انتهى "س".
(كمن لا ذنب له) ظاهره: أن الذنب يرفع من صحف أعماله، ويحتمل أن المراد: التشبيه في عدم العقاب فقط، والله أعلم.
قال الطيبي: هذا من قبيل إلحاق ناقص بكامل؛ مبالغةً؛ كما تقول: زيد كالأسد؛ إذ لا شك أن المشرك التائب ليس كالنبي المعصوم.
وتعقبه ابن حجر بأن المراد بـ (من لا ذنب له): من هو معرض له، لكنه حفظ منه، فخرجت الأنبياء والملائكة، فليسا مقصودين بالتشبيه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وحسنه الحاكم، ووافقه الذهبي، وذكر البخاري لهذا الحديث طرقًا كثيرة، يظهر من بعضها أنه رواه بعضهم موقوفًا من قول ابن مسعود، ولا يضر ذلك في الحديث؛ لكثرة من رفعه، ولأن الرفع زيادة من الثقة، وله شواهد أيضًا من حديث أنس المذكور للمؤلف بعد هذا الحديث، أخرجه الحاكم والبزار والبيهقي وابن حبان، ومن حديث وائل بن حجر أخرجه الطبراني، ومن حديث ابن سعد عن أبيه أخرجه الطبراني، ومن حديث أبي هريرة أخرجه الطبراني في "الصغير"، وذكره صاحب "مجمع الزوائد"، مع الكلام عليه (١٠/ ١٩٩).
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره من المتابعات والشواهد التي بيناها، وهو صحيح أيضًا بما بعده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 12149
(٤١) - ٤١٩٤ - (٥) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ،
===
(٤١) - ٤١٩٤ - (٥) (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي نزيل بغداد الأصم، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (ع)، وله أربع وثمانون سنة.
(حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وبموحدتين - أبو الحسين العُكْلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في طلب الحديث فأكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا علي بن مسعدة) الباهلي أبو حبيب البصري، صدوق له أوهام، من السابعة. يروي عنه: (ت ق)، ضعفه أبو داوود، ووثقه الطيالسي، وقال البخاري: فيه نظر، وقال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال النسائي: ليس بالقوي.
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه علي بن مسعدة، وهو مختلف فيه.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : كل بني آدم) وفي "الترمذي": (كل ابن آدم) هكذا وقع في "الترغيب" (خطاء) - بتشديد الطاء والمد والتنوين - أي: كثير الخطأ، قال السندي: والمراد بالخطأ: المعصية
стр. 12150
وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ".
===
عمدًا أو مطلقًا، بناءً على أنه الخطأ المقابل للصواب دون العمد.
قال القاري في "المرقاة" (٥/ ١٧٢): أفرد الخبر؛ نظرًا إلى لفظ الكل، وفي رواية: (خطاؤون) نظرًا إلى معنى الكل، قيل: أراد الكل من حيث هو كل أو كل واحد، وأما الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .. فإما مخصوصون عن ذلك، وإما أنهم أصحاب صغائر، والأول أولى؛ فإن ما صدر منهم من باب ترك الأولى، أو من قبيل حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو يقال: الزلات المنقولة عن بعضهم محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان، وقيل: كل بني آدم خطاء؛ أي: غالبهم كثير الخطأ.
(وخير الخطائين التوابون) أي: الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ (١)؛ أي: دون المُصرِّين؛ فإن الإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة، فكيف الإصرار على الكبيرة؟ !
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق، وقال: لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة، ورواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والدارمي في كتاب الرقائق، باب في التوبة، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال: