عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: مَا لِيَ لَا أَسْمَعُكَ
===
أبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع، ويقال: سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عامر بن عبد الله بن الزبير) الأسدي أبي الحارث المدني أحد العباد والأشراف.
وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبي خبيب المكي ثم المدني الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، له ثلاثة وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بستة، ومسلم بحديثين، قتل بمكة سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ) في ذي الحجة.
(قال) أي: عبد الله بن الزبير: (قلت) أنا (لـ) ـوالدي (الزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب الأسدي أبي عبد الله المدني رضي الله تعالى عنه، حواري رسول الله ﷺ ، وابن عمته صفية، وأحد العشرة المبشرة، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد كلها، له ثمانية وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بسبعة، ذكره باسمه دون الكنية كلفظ الأب والوالد؛ إيضاحًا له بذكر اسمه العلم.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان بصريان، واثنان كوفيان، وحكمه: الصحة.
أي: قلت للزبير: (ما لي) أي: أي شيء ثبت لي، و (ما) استفهامية في محل الرفع مبتدأ، والجار والمجرور في قوله: (لي) خبره، وجملة (لا أسمعك)
стр. 142
تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَمَا أَسْمَعُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَفُلَانًا وَفُلَانًا؟ قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلكِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
===
حال من ياء المتكلم، وجملة (تحدث) حال من ضمير المخاطب؛ أي: أي شيء ثبت لي حالة كوني غير سامع إياك محدثًا (عن رسول الله ﷺ حديثًا كثيرًا، والكاف في قوله: (كما أسمع) صفة لمصدر محذوف، و (ما) مصدرية؛ أي: لا أسمعك سماعًا مثل سماعي (ابن مسعود) يحدث كثيرًا (و) سماعي (فلانًا وفلانًا) يحدثان كثيرًا؛ كأبي هريرة، وابن عمر، وجابر مثلًا؟
(قال) الزبير: (أما) حرف استفتاح وتنبيه للمخاطب؛ أي: انتبه يا ولدي واسمع مني ما أقول: (إني لم أفارقه) ﷺ (منذ أسلمت) أي: من بداية إسلامي إلى وفاته، (ولكني سمعت منه) ﷺ (كلمة يقولـ) ـها؛ أي: ولكن سماعي تلك الكلمة منه ﷺ منعني من إكثار الحديث عنه، وتلك الكلمة قوله: ("من كذب على متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار") والمعى: ليس عدم إكثار الحديث عنه ﷺ لقلة صحبتي به ﷺ وعدم ملازمتي إياه بعد الإسلام، ومعلوم أن إسلامه قديم، ولكن سمعت ... إلى آخره؛ أي: فذلك الذي يمنعني عن التحديث؛ لأنه قد يفضي إلى زيادة ونقصان سهوًا، أو اشتغال بما يفضي إليه عادة كالتعمد، والله أعلم. انتهى "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب إثم من كذب على النبي ﷺ ، الحديث (١٠٧)، وأبو داوود في كتاب العلم، في التشديد في الكذب على رسول الله ﷺ ، الحديث (٣٦٥١).
стр. 143
(٣٥) - ٣٥ - (٨) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٥) - ٣٥ - (٨) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل أبو محمد الهروي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (حدثنا علي بن مسهر) بصيغة اسم الفاعل القرشي أبو الحسن الكوفي قاضي الموصل، ثقة، من الثامنة، له غرائب بعدما أضر، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مطرف) بن طريف الحارثي أبي بكر الكوفي.
وثقه أبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة فاضل، من صغار السادسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عطية) بن قيس الكلابي أو الكلاعي -بالعين بدل الباء- أبي يحيى الحمصي المقرئ.
قال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم كوفيان، وواحد مدني، وواحد شامي، وواحد هروي، وحكمه: الصحة.
стр. 144
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
===
(قال) أبو سعيد الخدري: (قال رسول الله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا .. فليتبوأ مقعده من النار").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب: ثمانية أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
وكلها صحيحة.
والله أعلم
стр. 145
(٥) - (٥) - بَابُ مَنْ حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِب
(٣٦) - ٣٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ هَاشِمٍ، عَنِ أبْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ ألْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى،
===
(٥) - (٥) - (باب من حدث عن رسول الله ﷺ حديثًا وهو يرى أنه كذب)
(٣٦) - ٣٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا علي بن هاشم) بن البريد -بفتح الموحدة وبعد الراء تحتانية ساكنة- العبدي بموحدة مولاهم أبو الحسن الكوفي الخزاز -بمعجمات- أحد علماء الشيعة.
وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": صدوق يتشيع، من صغار الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ)، وقيل في التي بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن) عيسى بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (عم).
(عن الحكم) بن عتيبة -بالفوقية مصغرًا- الكندي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) اسمه يسار الأنصاري الأوسي أبو عيسى الكوفي، أدرك مئة وعشرين صحابيًا.
وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) بوقعة الجماجم. يروي عنه: (ع).
стр. 146
عَنْ عَلِيٍّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ .. فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ".
===
(عن علي) بن أبي طالب ﵁.
وهذا السند من سداسياته، رجاله كوفيون إلا علي بن أبي طالب؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة.
(عن النبي ﷺ قال: من حدث) وروى (عني حديثًا) لم أقله، ولم أفعله، ولم أقرره، (وهو) أي: والحال أن ذلك المحدث (يرى) - بضم الياء وفتحها- أي: يعلم أو يظن (أنه) أي: أن ذلك الحديث (كذب) أي: موضوع لم يقع من النبي ﷺ .. (فهو) أي: ذلك المحدث (أحد الكاذبين) عليَّ.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به.
قوله: "وهو يرى" -بضم الياء- أي: يظن، قال النواوي: وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من (يرى)، ومعناه: يعلم، ويجوز أن يكون بمعنى يظن أيضًا؛ فقد حكي رأى بمعنى ظن.
قلت: اعتبار الظن أبلغ وأشمل؛ فهو أولى، قال النووي: وقيد بذلك؛ لأنه لا يأثم إلا برواية ما يعلمه أو يظنه كذبًا، وأما ما لا يعلمه ولا يظنه .. فلا إثم عليه في روايته، وإن ظنه غيره كذبًا أو علمه.
قلت: وهذا يدل على أنه لا إثم على من يروي وهو في شك في كونه صادقًا أو كاذبًا، وكذا من يروي وهو غافل عن ملاحظة الأمرين، والأقرب أن الحديث يدل مفهومًا على أن غير الظان لا يعد من جملة الكاذبين عليه ﷺ ، وأما أنه لا ياثم .. فلا، فليتأمل. انتهى "السندي".
стр. 147
(٣٧) - ٣٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا:
===
قوله: "فهو أحد الكاذبين" قال النواوي: المشهور روايته بصيغة الجمع؛ أي: فهو واحد من جملة الواضعين الحديث، والمقصود: أن الرواية مع العلم بوضع الحديث كوضعه، قالوا: هذا إذا لم يبين وضعه، وقد جاء بصيغة التثنية، والمراد أن الراوي له يشارك الواضع في الإثم، قال الطيبي: فهو كقولهم القلم أحد اللسانين، والجد أحد الأبوين، كأنه يشير إلى ترجيح التثنية بكثرة وقوعها في أمثاله، فهو المتبادر إلى الأفهام. انتهى "السندي".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث علي بحديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٧) - ٣٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة).
(قال) أبو بكر: (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح -بوزن فصيح- الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح) أي: حول المؤلف السند، (و) قال: (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي أبو عبد الله البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال كل من وكيع ومحمد:
стр. 148
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ .. فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ".
===
(حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي أبو بسطام البصري، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحكم) بن عتيبة الكندي الكوفي.
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي.
(عن سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري: نسبة إلى فزارة بن ذيبان؛ قبيلة كبيرة من قيس غيلان، نزيل البصرة، حليف الأنصار، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له مئة حديث وثلاثة وعشرون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بحديثين، و (م) بأربعة أحاديث، قال ابن عبد البر: توفي بالبصرة، وقيل: بالكوفة سنة تسع وخمسين (٥٩ هـ).
وهذان السندان من سداسياته؛ رجال الأول منها: أربعة منهم كوفيون، واثنان بصريان، والثاني: أربعة منهم بصريون، واثنان كوفيان وحكمهما: الصحة.
(عن النبي ﷺ قال: من حدث عني حديثًا وهو) أي: والحال أنه (يرى) أي: يعلم أو يظن (أنه كذب) موضوع .. (فهو أحد الكاذبين) عليَّ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في المقدمة، باب (١)، الحديث (١).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث علي بن أبي طالب.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث علي رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 149
(٣٨) - ٣٨ - (٣) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ،
===
(٣٨) - ٣٨ - (٣) (حدثنا عثمان) بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي مولاهم أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ شهير له أوهام، قيل: كان لا يحفظ القرآن، وهو أكبر من أبي بكر بسنتين، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ)، وله ثلاث وثمانون سنة. يروي عنه: (خ م د س ق).
قال: (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبي محمد الكوفي، ثقة ثبت مدلس، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمانٍ وأربعين ومئة (١٤٨ هـ) في ربيع الأول. يروي عنه: (ع).
(عن الحكم) بن عتيبة الكندي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي، ثقة، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون إلا علي بن أبي طالب؛ فإنه مدني، وحكمه: الصحة، وغرضه بسوقه: بيان متابعة الأعمش لعيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى في رواية هذا الحديث عن الحكم بن
стр. 150
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ رَوَى عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ .. فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ".
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ، عَنْ شُعْبَةَ مِثْلَ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ.
===
عتيبة، ولو قدم هذا السند على حديث سمرة بن جندب .. لكان أنسب، وفي بعض النسخ إسقاط هذا السند مع حديثه؛ لأن المتن مكرر مع السابق.
(عن النبي ﷺ قال: "من روى عني حديثًا وهو يرى أنه كذب .. فهو أحد الكاذبين").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، كما مر، وغرضه: المتابعة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث سمرة بن جندب ﵁، فقال:
(حدثنا محمد بن عبد الله) بن نمير الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (أنبأنا) أي: أخبرنا (الحسن بن موسى) البغدادي أبو علي (الأشيب) -بمعجمة ثم تحتانية- قاضي حمص وطبرستان والموصل، ثقة من التاسعة، مات سنة تسع أو عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
وقوله: (مثل حديث سمرة بن جندب) مفعول به لما عمل في المتابع؛ وهو الحسن بن موسى، والتقدير: أنبأنا الحسن بن موسى عن شعبة مثل حديث وكيع ومحمد بن جعفر عن شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى عن سمرة بن جندب.
وغرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة الحسن بن موسى لوكيع ومحمد بن
стр. 151
(٣٩) - ٣٩ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ أَبِي شَبِيبٍ،
===
جعفر في رواية حديث سمرة عن شعبة، ولو قدم هذا السند على السند الذي قبله .. لكان أنسب ليتصل المتابع بالمتابع، وفي بعض النسخ إسقاط هذا السند والسند الذي قبله، وإسقاطهما أولى أو ذكرهما على الترتيب الذي قررنا آنفًا، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث علي بحديث المغيرة بن شعبة ﵄، فقال:
(٣٩) - ٣٩ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد بن مسروق بن حبيب بن رافع الثوري أبي عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ)، وله أربع وستون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن حبيب بن أبي ثابت) اسمه قيس، وقيل: هند بن دينار الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي.
وثقه العجلي والنسائي وابن معين وأبو زرعة، وقال في "التقريب": ثقة فقيه جليل، وكان كثير التدليس والإرسال، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ميمون بن أبي شبيب) الربعي أبي نصر الكوفي.
وثقه ابن حبان، وقال في "التقريب": صدوق كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) في وقعة الجماجم. يروي عنه: (م عم).
стр. 152
عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ .. فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبَيْنِ".
===
(عن المغيرة بن شعبة) بن أبي عامر بن مسعود الثقفي أبي محمد الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، شهد الحديبية وما بعدها، وأسلم زمن الخندق، له مئة وستة وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على تسعة، وانفرد (خ) بحديث، و (م) بحديثين، قيل: أحصن ألف امرأة، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) على الصحيح.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة.
(قال) المغيرة: (قال رسول الله ﷺ : "من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب .. فهو أحد الكاذبين") عليَّ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في المقدمة، باب (١)، الحديث (١)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء فيمن روى حديثًا وهو يرى أنه كذب، الحديث (٢٦٦٢).
ودرجته أنه: صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: أربعة:
الأول للاستدلال والثالث للمتابعة، والباقيان للاستشهاد.
وكلها صحيحة الإسناد والمتن.
والله أعلم
стр. 153
(٦) - (٦) - بَابُ اتِّبَاعِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ
(٤٠) - ٤٠ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَلَاءِ
===
(٦) - (٦) - (باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين)
(٤٠) - ٤٠ - (١) (حدثنا عبد الله بن أحمد بن بشير بن ذكوان الدمشقي) أبو عمرو البهراني. روى عن: أيوب بن تميم، والوليد بن مسلم، ومروان بن معاوية، ويروي عنه: أبو داوود، وابن ماجه.
قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ)، وقال في "التقريب": صدوق متقدم في القراءة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وله سبعون سنة. يروي عنه: (دق).
قال: (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي عالم الشام.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال في "التقريب": ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
فائدة
وتدليس التسوية: أن يسقط من سنده غير شيخه؛ لكونه ضعيفًا أو صغيرًا، ويأتي بلفظ محتمل أنه عن الثقة الثاني تحسينًا للحديث، قال في "التقريب": وهو شرُّ أقسامه. انتهى منه.
قال: (حدثنا عبد الله بن العلاء) بن زبر -بفتح الزاي وسكون الموحدة-
стр. 154
-يَعْنِي: ابْنَ زَبْرٍ- حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبي الْمُطَاعِ قَالَ: سَمِعْتُ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ يَقُولُ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً
===
الربعي الدمشقي، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ).
يروي عنه: (خ عم).
وأتى بالعناية في قوله: (يعني) شيخي عبد الله بن أحمد بعبد الله بن العلاء (ابن زبر) إشارة إلى أن هذه النسبة من زيادته إيضاحًا للراوي.
قال عبد الله بن العلاء: (حدثني يحيى بن أبي المطاع) القرشي الأردني -بضم الهمزة وتشديد النون- ابن أخت بلال. روى عن: العرباض بن سارية، ومعاوية، ويروي عنه: (ق)، وعبد الله بن العلاء بن زبر، وعطاء الخراساني.
ذكره أبو زرعة في الطبقة الرابعة، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ثقة معروف، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من الرابعة، وأشار دحيم إلى أن روايته عن عرباض بن سارية مرسلة، وزعم ابن القطان أنه لا يعرف حاله.
(قال) يحيى: (سمعت العرباض) بكسر أوله وسكون الراء بعدها موحدة وآخره معجمة (ابن سارية) السلمي أبا نجيح صحابي رضي الله تعالى عنه، كان من أهل الصفة، ونزل حمص، ومات بعد السبعين. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم شاميون، وحكمه: الصحة.
حالة كون العرباض (يقول: قام فينا) معاشر الصحابة (رسول الله ﷺ ذات يوم) أي: يومًا من الأيام، ولفظ (ذات) مقحمة، (فوعظنا) رسول الله ﷺ ؛ أي: ذكَّرنا (موعظة بليغة) أي: تذكرة مؤثرة
стр. 155
وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَعَظْتَنَا مَوْعِظَةَ مُوَدِّعٍ، فَاعْهَدْ إِلَيْنَا بِعَهْدٍ فَقَالَ: "عَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطاعَةِ وَإنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا،
===
في القلوب؛ أي: بالغة النهاية في الإنذار والتخويف، مأخوذ من المبالغة بمعنى البلوغ نهايةَ الشيء، لا من المبالغة البيانية التي هي بلوغ المتكلم في تأدية المعنى حدًا له اختصاص بتوفية خواص التركيب، وإيراد أنواع الكلام من المجاز والكناية والتشبيه على وجهها؛ لعدم المناسبة بالمقام. انتهى "السندي".
(وجلت) بوزن سمعت؛ أي: قلقت وخافت (منها القلوب، وذرفت) أي:
سالت (منها العيون) دموعًا كثيرة، وفي إسناد السيلان إلى العيون مع أن السائل
دموعها .. مجاز مرسل من إسناد ما للشيء إلى محله، نحو سال الوادي؛ يعني:
أنها أثرت فيهم ظاهرًا وباطنًا، (فقيل) له ﷺ ؛ أي: قال له بعض الحاضرين: (يا رسول الله) كأنك (وعظتنا) اليوم (موعظة مودع) اسم فاعل من ودع الرباعي المضعف؛ أي: موعظة من يريد الوداع لفراق القوم وارتحاله؛ يعني: أن مبالغتها تدل على أنك تودعنا؛ فإن المودع عند الوداع لا يترك شيئًا مما يهتم به، (فاعهد) أي: أَوْصِ (إلينا بعهد) أي: بوصية لا ننساها، ونعمل بها، فعهد إليهم بعد ذلك.
(فقال) في عهده ووصيته: و (عليكم) اسم فعل أمر بمعنى الزم؛ أي: الزموا أيها الناس (بتقوى الله) ؛ أي: بخشية الله؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه في السر والعلن، (و) عليكم بـ (السمع) لأمرائكم فيما يقولونه، (و) عليكم بـ (الطاعة) والانقياد لهم فيما يأمرون به، وعطفهما على ما قبلهما من عطف الخاص على العام اهتمامًا به، (وإن) كان الأمير (عبدًا حبشيًا) أي: عبدًا يشترى من الحبشة؛ لأن الحبشة تسرق في ذلك الوقت
стр. 156
وَسَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلَافًا شَدِيدًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ،
===
أولاد إفريقيا وتبيعهم للعرب ظلمًا؛ لقوة دولتها واتصالها مع العرب غيًّا بِه لنقصه بصفة السَّوادِ والقَطَط، وليس المراد أن الحبشة كلها عبيد؛ لأنها دولة قديمة تتعلم منها السياسة الروم والفرس حتى استأمرت على مصر وعلى اليمن، كما في كتب التواريخ.
قال السندي: فالكلامُ هنا في أمر الخليفة الذي ولاه الإمام الأعظم، لا في الإمام الأعظم حتى يرد كيف يكون إمام المسلمين عبدًا حبشيًا، على أن المحل محل المبالغة في لزوم الطاعة، ففرض الإمام فيه عبدًا حبشيًا لإفادة المبالغة يحتملُ.
وقوله: (وسترون) علة لمحذوف؛ أي: وإنما أمرتكم بالسمع والطاعة؛ لأن بهما تحصل الموافقة بينكم وتندفع المخالفة عنكم؛ لأنكم سترون (من بعدي) أي: من بعد وفاته (اختلافًا شديدًا) يقع بينكم أيها المسلمون، والفاء في قوله: (فعليكم) فاء الإفصاح؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم من وقوع الاختلاف بينكم بعدي، وأردتم بيان النصيحة لكم في ذلك الوقت .. فأقول لكم: إلزموا (بسنتي) أي: بطريقتي وسيرتي (و) بـ (سنة الخلفاء الراشدين) أي: المرشدين للأمة إلى الصراط المستقيم، قيل: هم الخلفاء الأربعة رضوان الله تعالى عليهم، وقيل: بل هم ومن سار سيرتهم من أئمة الإسلام المجتهدين في الأحكام؛ فإنهم خلفاء الرسول ﵊ في إعلاء الدين وإحياء الحق وإرشاد الخلق إلى الصراط المستقيم والأئمة (المهديين) أي: الذين هداهم الله تعالى الدين القويم.
(عَضُّوا) أي: شدوا (عليها) أي: على سنتي وسنة الخلفاء (بالنواجذ)
стр. 157
وَإِيَّاكُمْ وَالْأُمُورَ الْمُحْدَثَاتِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضلَالَةٌ".
(٤١) - ٤١ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَنْصُورٍ
===
أي: بنواجذكم بالذال المعجمة وهي الأضراس المسماة بالطاحونة، المراد بها: الأنياب التي تلي الأضراس؛ لأن ما أُخذ بها لا يُنتزع من الفم، قيل: أراد به الجِد في لزوم السنة؛ كفعل من أمسك الشيء بين أضراسه، وعَضّ عليه منعًا من أن ينتزع، أو المراد: الصبر على ما يصيبه في ذات الله من التعب، كما يفعل المتألم بالوجع يصيبه.
(وإياكم والأمور المحدثات) بعدي وبعد خلفائي؛ أي: باعدوا أنفسكم عن التمسك بالأمور المحدثة في الدين من البدع والخرافات والآراء، قال السندي: قيل: أُريد بها ما ليس له أصل في الدين، وأما الأمور الموافقة لأصول الدين وقواعده .. فغير داخلة في المحدثات، وأن أُحدثت بعده ﷺ .
قلت: هو الموافق لقوله وسنة الخلفاء.
وقوله: (فإن كل بدعة) علة للتحذير من المحدثات؛ أي وإنما حذرتكم من المحدثات؛ لأن كل محدثة بدعة؛ أي: خارجة عن السنة، وكل بدعة (ضلالة)، وكل ضلالة في النار، فقوا أنفسكم وأهليكم من النار باجتناب المحدثات التي لا تنطبق عليها قواعد الشرع، والله أعلم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث العرباض ﵁ تعالى على سبيل الاستشهاد، فقال:
(٤١) - ٤١ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور) السَّلِيمي -بفتح المهملة وبعد اللام المكسورة تحتانية ساكنة- أبو بشر البصري.
стр. 158
وِإسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السَّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ الْعِرْبَاضَ بْنَ سَارِيَةَ
===
قال الآجري: سألت عنه أبا داوود، فقال: صدوق، وكان قدريًا، وقال في "التقريب": صدوق تكلم فيه للقدر، من العاشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ)، وله إحدى وثمانون سنة. يروي عنه: (دس ق).
(وإسحاق بن إبراهيم) بن داوود (السواق) البصري. روى عن: ابن مهدي، وأبي عاصم، ويروي عنه: ابن ماجه.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معاوية بن صالح) بن حُدير مصغرًا الحضرمي الحمصي، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة، وقيل بعد السبعين. يروي عنه: (م عم).
(عن ضمرة بن حبيب) بن صهيب الزبيدي -بضم الزاي الحمصي- ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عبد الرحمن بن عمرو) بن عبسة بفتحتين (السلمي) الشامي، مقبول، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(أنه) أي: أن عبد الرحمن بن عمرو (سمع العرباض بن سارية) السلمي الحمصي الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه.
стр. 159
يَقُولُ: وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَوْعِظَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ هَذِهِ لَمَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ قَالَ: "قَدْ تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ، مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ .. فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِمَا
===
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون واثنان بصريان، وحكمه: الصحة، وغرضه بسوقه: بيان متابعة عبد الرحمن السلمي ليحيى بن أبي المطاع في رواية هذا الحديث عن العرباض بن سارية.
وكرر متن الحديث؛ لما بين الروايتين من المخالفة في أكثر الكلمات.
(يقول: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت) وسالت (منها) أي: من شدة تأثيرها في القلوب (العيون) أي: دموعها (ووجلت) أي: خافت (منها القلوب، فقلنا) معاشر الحاضرين عنده: (يا رسول الله؛ إن هذه) الموعظة الموعظة مودع) يريد الارتحال من عند القوم، (فماذا) أي: فما الذي (تعهد) هـ وتوصيه (إلينا؟ قال) رسول الله ﷺ : (قد تركتكم) أيها الناس (على) الملة والحجة (البيضاء) أي: الواضحة التي لا تقبل الشبه أصلًا، فصار (ليلها) أي: حال إيراد الشُّبه عليها (كنهارها) أي: كحال كشفِ الشبه عنها ودفعها عنها، فلا ينقص وضوحُها بإيراد الشبه عليها.
(لا يزيغ) ولا يميل ولا يضل (عنها) أي: عن تلك الملة البيضاء (بعدي) أي: بعد وفاتي (إلا هالك) أي: إلا من سبق عليه الهلاك الأبدي في علمه تعالى والحرمان عنها، (من يعش) بسكون الشين للجزم؛ لأنه من عاش يعيش نظير باع يبيع؛ أي: من رزق الحياة (منكم) بعد وفاتي .. (فسيرى) أي: فيرى في الزمن القريب؛ لأن السين للاستقبال القريب (اختلافًا كثيرًا) وافتراقًا شديدًا بين المسلمين، فإذا رأيتم ذلك الاختلاف .. (فعليكم) أي: فالزموا (بما
стр. 160
عَرَفْتُمْ مِنْ سُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَعَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا؛ فَإِنَّمَا الْمُؤْمِنُ كَالْجَمَلِ الْأَنِفِ حَيْثُمَا قِيدَ انْقَادَ".
(٤٢) - ٤٢ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ،
===
عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ) والأنياب.
(وعليكم) أي: والزموا أيضًا (بالطاعة) والانقياد لأمرائكم، (وإن) كان أميركم الذي يقودكم إلى سنتي (عبدًا حبشيًا؛ فإنما المؤمن) أي: شأنه في ترك التكبر والتزام التواضع (كالجمل الأنف) أي: كالجمل الذي جعل في أنفه الزمام يجره من يشاء من صغير وكبير إلى حيث يشاء (حيثما قيد) أي: سيق .. (انقاد) أي: أطاع من قاده، والأنف بلا مد على وزان كتف، وبالمد على وِزان صاحب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب السنة، باب: في لزوم السنة، الحديث (٤٦٥٧)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، الحديث (٢٦٧٦)، والحديث (٢٦٧٧).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركه فيه، وغرضه: المتابعة والاستشهاد.
* * *
ثم ذكر المؤلف المثابعة ثانيًا في حديث العرباض ﵁، فقال:
(٤٢) - ٤٢ - (٣) (حدثنا يحيى بن حكيم) المقوم -بتشديد الواو المكسورة- أبو سعيد البصري، ثقة حافظ عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
стр. 161
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الصَّبَّاحِ الْمِسْمَعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ
===
(حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي) -بكسر الميم الأولى- نسبة إلى أحد أجداده أبي محمد الصنعاني نزيل البصرة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة، مات سنة مئتين، ويقال قبلها. يروي عنه: (خ م س ق)، له في (خ) فرد حديث.
(حدثنا ثور بن يزيد) -بزيادة ياء تحتانية في أول اسم أبيه- أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل: ثلاث أو خمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (خ عم).
(عن خالد بن معدان) -بفتح فسكون- الكلاعي -بفتح أوله وثانيه -نسبة إلى ذي الكلاع؛ بطن من قبائل اليمن، نزلت حمص بالشام، أبي عبد الله الحمصي. روى عن: معاوية، وابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وثوبان، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وثور، ويزيد.
وكان من فقهاء التابعين وأعيانهم، وقال في "التقريب": ثقة عابد يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن عمرو) السلمي الشامي، مقبول، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (دت ق).
(عن العرباض بن سارية) السلمي الحمصي الصحابي ﵁.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم شاميون، واثنان بصريان، وحكمه: الصحة، وغرضه بسوقه: بيان متابعة خالد بن معدان لضمرة بن حبيب في رواية هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عمرو.
стр. 162
قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
===
(قال) العرباض: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح) هذا من الزيادة على الرواية الأولى، (ثم أقبل علينا بوجهه، فوعظنا موعظة بليغة ... فذكر) خالد بن معدان (نحوه) أي: نحو حديث ضمرة بن حبيب.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للمتابعة.
والله أعلم
стр. 163
(٧) - (٧) - بَابُ اجْتِنَابِ الْبِدَع وَالْجَدَلِ
(٤٣) - ٤٣ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ
===
(٧) - (٧) - (باب اجتناب البدع والجدل)
أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على وجوب اجتناب البدع والجدل، والبدع: جمع بدعة.
والبدعة لغة: كل ما ابتدئ واخترع وافتتح من غير مثال سابق، سواء كان من عمل الدنيا أو الدين، وشرعًا: كل ما ابتدئ واستحدث على غير سنة رسول الله ﷺ وسنة الخلفاء الراشدين ﵃ من غير أصل شرعي يشهد لها بالصحة والجواز؛ وهي التي قال فيها الرسول ﷺ : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه .. فهو رد". رواه البخاري ومسلم وأبو داوود وابن ماجه من حديث عائشة ﵂.
والجدل -بفتحتين- مصدر جدل يجدل جدلًا من باب (فرح)، يقال: جدل الرجل جدلًا إذا اشتدت خصومته، وجادل جدالًا ومجادلة خاصمه، وتجادلا تخاصما، والمراد بالجدل هنا: شدة الخصومة في رد الحق ودفعه.
* * *
(٤٣) - ٤٣ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الحدثاني: نسبة إلى حدثان؛ موضع على الفرات، صدوق، من العاشرة، وأفحش القول فيه ابن معين، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(وأحمد بن ثابت الجحدري) -بفتح الجيم وسكون الحاء وفتح الدال- نسبة إلى جحدر؛ أحد من أجداده، أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق). وفائدة هذه المقارنة تقوية السند.
стр. 164
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَطَبَ .. احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ،
===
(قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد (الثقفي) أبو محمد البصري، وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر) الصادق (بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المدني أحد الأعلام، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو جعفر المدني المعروف بالباقر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري السلمي الصحابي المشهور ﵄.
وهذا السند من خماسياته؛ ثلاثة منهم مدنيون، واثنان بصريان، أو بصري وحدثاني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر بن عبد الله: (كان رسول الله ﷺ غالبًا (إذا خطب) ووعظ الناس .. (احمرت عيناه) أي: غلبت عليها الحمرة حتى سترت بياضهما؛ يفعل ذلك لإزالة الغفلة من قلوب الناس؛ ليتمكن فيها كلامه ﷺ فضل تمكن، أو لأنه يتوجه فكره إلى الموعظة، فيظهر عليه آثار الهيبة الإلهية، قال القرطبي: كان منه هذا في أحوال، وهذا مشعر بأن الوعظ حقه أن يكون منه في وعظه بحسب الفعل الذي يتكلم فيه ما يطابقه؛ حتى لا يأتي بالشيء وضده ظاهر عليه.
стр. 165
وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: "صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ"، وَيَقُولُ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"،
===
(وعلا) وارتفع (صوته) في وعظه اهتمامًا بشأنه، (واشتد غضبه) أي: ظهر عليه آثار غضبه من حمرة الوجه واحمرار العينين، قال القرطبي: وأما اشتداد غضبه .. فيحتمل أن يكون عند نهيه عن أمر خولف فيه، أو يريد أن صفته صفة الغضبان.
(كأنه) ﷺ في شدة غضبه هو (منذر جيش) أي: شخص مخوف لقومه هجوم جيش عدو لهم؛ ليحترسوا منه، قال السندي: المنذر هو الذي يجيء مخبرًا للقوم بما قد دهمهم من عدو أو غيره، وجملة قوله: (يقول) ذلك المنذر لقومه .. صفة لمنذر جيش، وضمير الفاعل عائد عليه: (صبحكم) العدو -بتشديد الباء من باب فعل المضعف- أي: أتاكم العدو صباحًا ونزل بكم بغتة، فاحترسوا منه، وقوا أنفسكم من شره، والصباح: أول النهار، والمراد: سينزل بكم، والتعبير بالماضي إشارة إلى تحققه، (مساكلم) العدو -بتشديد السين المهملة كسابقه- أي أتاكم العدو مساء، النجاة النجاة لأنفسكم، والمساء: آخر النهار ويحتمل أن يكون ضمير (يقول) للنبي ﷺ ، والجملة حال من ضمير (كأنه)، وضمير صبحكم ومساكم للعذاب، والمراد: قرب منكم إن لم تطيعوني.
(و) كان (يقول: بعثت) أي: أرسلت إلى الناس كافة في آخر الدنيا، وقوله: (أنا) مبتدأ، وقوله: (والساعة) بالرفع معطوف على المبتدأ، والجار والمجرور في (كهاتين) خبر المبتدأ، والجملة الاسمية حال من فاعل بعثت؛ أي: بعثت في نهاية الدنيا حالة كوني وكون الساعة مقترنين اقترانًا كاقتران هاتين الإصبعين، أو منضمين انضمامًا كانضمامهما؛ يعني: لا واسطة نبي بيني
стр. 166
وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ:
===
وبينها، فوجه الشبه: هو الانضمام، أو المدة التي هي بيننا قليلة، فوجه الشبه: قلة ما بين رأسي السبابة والوسطئ من التفاوت. انتهى "السندي".
(و) الحال أنه (يقرن) بضم الراء من باب قتل (بين إصبعيه السبابة) سميت سبابة؛ لأنه يشار بها عند السب، ومسبحة؛ لأنه يشار بها إلى تسبيح الله تعالى (والوسطى) سميت به؛ لأنها كانت وسط الأصابع الخمسة.
قال القرطبي: قوله: "والساعة" ضبطناه بالنصب والرفع؛ فأما النصب .. فهو على المفعول معه، والرفع على أنه معطوف على التاء في (بعثت)، وفصل بينهما بـ (أنا) توكيدًا للضمير المتصل بالمنفصل على ما هو الأحسن عند النحويين، وقد اختار بعضهم النصب بناء على أن التشبيه وقع بملاصقة الإصبعين واتصالهما بلا فاصل، واختار آخرون الرفع بناء على أن التشبيه وقع بالتفاوت بين رؤوسهما؛ يعني: أن ما بين زمان النبي ﷺ وقيام الساعة قريب كقرب السبابة من الوسطئ، وهذا أوقع، بل قال القاضي: المشهور الرفع، وكأنه مبني على أن إقامة الساعة اعتبر بعثًا لها، ويلزم منه الجمع بين الحقيقة والمجاز في (بعثت)، وقد جوزه قوم فصح عندهم، فليتأمل، والله أعلم.
وقد جاء من حديث سهل عنه ﷺ أنه قال: "سبقتها بما سبقت هذه هذه" يعني: الوسطى والسبابة، رواه الترمذي من حديث المستورد.
(ثم) بعد قوله: بعثت أنا والساعة (يقول: أما بعد) أما: حرف تفصيل لما بعدها عما قبلها، وهي حرف متضمن للشرط، ولذلك تدخل الفاء في جوابها، وقدرها النحويون بـ (مهما)، و (بعد) ظرف زمان قطع عن الإضافة لفظًا مع كونها مرادة معنى، فبني على الضم؛ لشبهها بالحرف شبهًا افتقاريًا؛
стр. 167
فَإِنَّ خَيْرَ الْأُمُورِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ،
===
لافتقارها إلى المضاف إليه المحذوف في إفادة المعنى كافتقار الحرف إلى غيره في إفادة المعنى، وحرك مع كون الأصل في المبني السكون؛ ليعلم أن له أصلًا في الإعراب، وكانت الحركة ضمة جبرًا لما فاته من الإعراب بإعطائه أقوى الحركات وهي من الأسماء التي لها أربعة أحوال؛ تعرب في ثلاثة وتبنى في واحد كما هنا، كما بسطنا ذلك في كتبنا النحوية والصرفية، والعامل فيه ما تضمنه (أما) من معنى الشرط؛ فإن معناه: مهما يكن من شيء بعد حمد الله .. فكذا، والله أعلم.
وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (١): إنه قوله: (أما بعد).
(فإن خير الأمور) أي: الشؤون؛ واحد الأمر، بمعنى الشأن؛ أي: خير ما يتعلق به المتكلم، أو خير الأمور الموجودة بينكم .. (كتاب الله) العزيز، (وخير الهدي) والدين؛ أي: أفضله وأحقه .. (هدي محمد) ﷺ ، والهدي -بفتح الهاء وسكون الدال-: هي الطريقة والسيرة، وهذا هو المشهور، أو بضم الهاء وفتح الدال، والمعنى: أن خير الأديان وأحقها وأرضاها لله تعالى .. دين محمد ﷺ لا دين غيره.
وقال القرطبي: روي الهدى بضم الهاء وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما، وهما من أصل فعل واحد من الهداية؛ وهي الدلالة والإرشاد، والهدى في استعمال العرف هديان: هدى دلالة وإرشاد؛ وهو الذي يضاف إلى الرسل والكتب، كما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وفي
стр. 168
وَشَرَّ الْأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،
===
القرآن ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، والهدى الثاني: بمعنى التأييد والعصمة من تأثير الذنوب والتوفيق، وهذا هو الهدى الذي لا ينسب إلا لله تعالى، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢).
وحملت القدرية هذا الهدى على البيان بناء على أصلهم الفاسد، ويرد عليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)، ففرق بين الدلالة والهداية، قال أبو عبيد: الهدي بفتح الهاء وسكون الدال: هو الطريق، فهدي محمد طريقه؛ كما يقال: فلان حسن الهدي؛ أي: المذهب في الأمور كلها والسيرة، ومنه حديث: "اهتدوا بهدي عمار". رواه أحمد (٥/ ٣٩٩)، والترمذي (٣٨٠٧) من حديث ابن مسعود ﵁. انتهى.
(وشر الأمور) بالنصب على أنه معطوف على لفظ اسم إن، وبالرفع على أنه معطوف على محله، والمراد: ومن شر الأمور محدثاتها، وإلا .. فبعض الأمور كالشرك .. شر من كثير من المحدثات، إلا أن يراد بالمحدثات ما أحدث الناس على مقتضى الهوى مطلقًا، لا ما أحدثوه بعد النبي ﷺ ، فيدخل فيها القبائح كلها؛ أي: أقبح الأمور التي تكون بين الناس (محدثاتها) أي: مبتدعاتها ومخترعاتها التي اخترعوها بعد النبي ﷺ ، وبعد خلفائه ﵃ التي ليس لها في الشريعة أصل يشهد لها بالصحة والجواز، وهي المسماة بالبدع، كما مر.
قال السندي: قوله: "محدثاتها" بفتح الدال، والمراد بها: ما لا أصل له في
стр. 169
وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"، وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ تَرَكَ مَالًا .. فَلِأَهْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا .. فَعَلَيَّ وَإِلَيَّ".
===
الدين مما أُحْدِث بعده ﷺ ، وكل محدثة بدعة (وكل بدعة ضلالة) أي: غواية وميل عن الطريق المستقيم، (وكان) ﷺ (يقول: من ترك مالًا) بعد وفاته .. (هـ) مقسوم الأهله) أي: لورثته (ومن ترك دينًا) لم يقضه في حياته، (أو ضياعًا) أي: عيالًا وأطفالًا صغارًا ضائعين لا كافل لهم .. (فعلي) قضاء ذلك الدين، (وإلي) موكول أمور أولئك الضياع؛ أي: عليَّ مؤنتهم ونفقتهم، ففي هذا من المحسنات البديعية اللف والنشر المرتب؛ فعلي راجع إلى الدين، وإلي راجع إلى الضياع، والضياع -بفتح الضاد المعجمة-: العيال وأصله مصدر، أو بكسرها جمع ضائع؛ كجياع جمع جائع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، الحديث (٢٠٠٢)، والحديث (٢٠٠٣)، والحديث (٢٠٠٤)، والنسائي في كتاب العيدين، باب كيف الخطبة، الحديث (١٥٧٧).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
قال النضر بن شميل: والضياع بالفتح: العيال، وقال ابن قتيبة: هو مصدر ضاع يضيع ضياعًا، ومثله مضى يمضي مضاء، وقضى يقضي قضاء؛ أراد من ترك عيالًا عالة أو أطفالًا صغارًا، فجاء بالمصدر موضع الاسم؛ كما تقول: ترك فقرًا؛ أي: فقراء، والضياع بالكسر: جمع ضائع؛ مثل جائع وجياع، وضيعة الرجل أيضًا ما يكونُ منه معاشُه من صناعة أو غلة، قاله الأزهري، وقال شمر: ويدخل فيه التجارة والحرفة، يقال: ما ضيعته؟ فتقول: كذا.
قلت: وهذا الكلام إنما قال النبي ﷺ حين رفع ما كان
стр. 170
(٤٤) - ٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي،
===
قرره أولًا من امتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين لم يترك له وفاء، كما قال أبو هريرة: كان النبي ﷺ يؤتى بالميت عليه الدين، فيسأله: "هل ترك لدينه وفاء؟ " فإن قيل له: ترك له وفاء .. صلى عليه، وإن قالوا: لا .. قال: "صلوا على صاحبكم"، قال: فلما فتح الله عليه الفتوح .. قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم؛ من توفي فترك دينًا .. فعلى، ومن ترك مالًا .. فلورثته". رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي، قال القاضي: وهذا مما يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى للذرية وأهل الحاجة والقيام بهم وقضاء دين محتاجيهم. انتهى من "المفهم".
* * *
ثم استأنس المؤلف للجزء الأول من الترجمة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٤) - ٤٤ - (٢) (حدثنا محمد بن عبيد بن ميمون المدني أبو عبيد) التبان -بفتح المثناة وتشديد الموحدة- التيمي مولاهم، صدوق يخطئ، من العاشرة. روى عن: أبيه، وعيسى بن يونس، والدراوردي، ومسكين بن بكير، وغيرهم، ويروي عنه: (خ ق)، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
قال: (حدثنا أبي) عبيد بن ميمون القرشي التيمي مولاهم أبو عباد المدني المقرئ. روى عن: محمد بن جعفر بن أبي كثير، ومحمد بن هلال، ونافع بن أبي نعيم القاري، ويروي عنه: (ق)، وابنه محمد، وإبراهيم بن محمد بن إسحاق المدني.
стр. 171
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
===
قال أبو حاتم: مجهول، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات سنة أربع ومئتين، وقال: روى المقاطيع، وقال في "التقريب": مستور، من السابعة.
(عن محمد بن جعفر بن أبي كثير) الأنصاري الزرقي مولاهم المدني، وثقه ابن معين، وقال العجلي: مدني ثقة، وقال في "التقريب": ثقة، من السابعة. يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش -بتحتانية ومعجمة- الأسدي مولاهم المدني، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة فقيه إمام في المغازي، من الخامسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، وقال في "التقريب": ثقة عابد، من الثالثة اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة -بفتح النون وسكون المعجمة- الجُشَمي: نسبة إلى جُشَم من الأنصار أو غيرهم، بضم ففتح، الكوفي مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، مات قبل المئة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وأربعة مدنيون، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو عبيد بن ميمون المدني.
стр. 172
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا هُمَا اثْنَتَانِ: الْكَلَامُ وَالْهَدْيُ؛ فَأَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، أَلَا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛
===
(أن رسول الله ﷺ قال: إنما هما) أي: إنما المقصود بقاؤهما في الناس (اثنتان) أي: حجتان عظيمتان، قال السندي: ضمير (هما) مبهم مفسر بالكلام والهدي؛ أي: إنما الكتاب والسنة اللذان وقَعَ التكليف بهما اثنان لا ثالث معهما حتى يثقل عليكم الأمر ويتفرق، وفائدة الإخبار نفيُ أن يكون معهما ثالث لما ذكرنا، ويحتمل أن يكون النهي عن ضم المحدثات إليهما، كأنه قيل: المقصود بقاؤهما اثنتين، ويحتمل أن يكون ضمير (هما) لما وقع به التكليف مع قطع النظر عن العدد؛ وإنما ثني نظرًا إلى كون ذلك في الواقع ثنتين، فحصلت الفائدة في الإخبار باسم العدد، وهذا مثل ما قالوا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ﴾ (١): ويحتمل أن يقال: اثنتان تمهيد لما هو الخبر، والخبر في الواقع ما هو المبدل من اثنتان وهو الكلام والهديُ، وعلى الوجوه تأنيث اثنتان نظرًا إلى أنهما حجتان؛ أي: وإنما المقصود بقاؤهما في الناس هما اثنتان؛ أي: حجتان عظيمتان.
وقوله (الكلام) أي: كلام الله العزيز؛ يعني: القرآن (والهدي) أي: هدي محمد ﷺ ؛ أي: طريقته وسنته بدل من اثنتان؛ بدل تفصيل من مجمل؛ (فأحسن الكلام) على الإطلاق وأفضله (كلام الله) ؛ يعني: القرآن، (وأحسن الهدي) وأحقه اتباعًا (هدي محمد) ﷺ (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإياكم ومحدثات الأمور)
стр. 173
فَإِنَّ شَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، أَلَا لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَمَدُ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ، أَلَا إِنَّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ، وَإِنَّمَا الْبَعِيدُ مَا لَيْسَ بِآتٍ، أَلَا إِنَّمَا الشَّقِيَّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدَ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ،
===
أي: وباعدوا أنفسكم عن الأمور المحدثة بعد محمد ﷺ وبعد خلفائه.
(فإن شر الأمور) وأقبحها (محدثاتها) أي: مخترعاتها ومبتدعاتها، ألا (وكل محدثة بدعة، وكلل بدعة ضلالة، ألا لا يطولن عليكم الأمد) أي: الأجل، وفي بعض النسخ: الأمل، وطوله تابع لطول الأجل، وفي طولهما ونسيان الموت تأثير في قسوة القلوب، (فتقسو قلوبكم) بالنصب بأن مضمرة بعد الفاء السببية الواقعة في جواب النهي؛ أي: لا يلقين الشيطان في قلوبكم طول البقاء في الدنيا فتقسو؛ أي: تغلظ قلوبكم.
(ألا إن ما هو آت قريب) هان كان بعيدًا في الظاهر لنا كالقيامة والآخرة، (وإنما البعيد ما ليس بآت) كالرجوع إلى الدنيا ليعمل عملًا صالحًا، وهذا تعليم وإرشاد لما ينتفع به في طول الأمد من التزود للآخرة.
(ألا إنما الشقي) المحروم من رحمة الله تعالى (من شقي) أي: من كتبت عليه الشقاوة وهو (في بطن أمه) حين ينفخ فيه الروح، (و) إنما (السعيد) الفائز برحمة الله تعالى (من وعظ) بالبناء للمفعول (بغيره) أي: من وفقه الله تعالى للاتعاظ فرأى ما جرى على غيره بالمعاصي من العقوبة، فتركها خوفًا من أن يناله مثل ما نال غيره بالمعاصي؛ أي: فعليكم بالتفكر في ذلك والبكاء له، وكيف القسوة والضحك مع سبق التقدير في النهاية، المعنى: إن قدر الله تعالى عليه في أصل خلقته ومبدئها أن يكون شقيًا ..
стр. 174
أَلَا إِنَّ قِتَالَ الْمُؤْمِنِ كُفْرٌ وَسِبَابُهُ فُسُوقٌ، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، أَلَا وَإيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ لَا يَصْلُحُ
===
فهو الشقي في الحقيقة لا من عرض له الشقاء بعد ذلك، وهو إشارة إلى شقاء الآخرة لا شقاء الدنيا. انتهى.
(ألا إن قتال المؤمن) أي: قتله (كفر) أي: من عمل أهل الكفر؛ لأنهم أعداؤه، أو إن قتل المؤمن كفر؛ أي: سبب كفر وخروج عن الدين إن استحله، وإلا .. فهو عاصٍ بكبيرة والمفاعَلَةُ ليست على بابها، وكذا في قوله: (وسبابه) أي: سبُّ المؤمن وشتمه؛ كان قال له: يا حمار، ويا كلب، ويا لئيم .. (فسوقٌ) أي: من عمل الفسقة، أو خروج عن طريقة الدين وبميرته، فهو عاص به إن لم يستحله، وإلا .. فخروج عن الملَّة.
(ولا يحل لمسلم) أي: لا يجوز له (أن يهجر أخاه) المسلم في الكلام؛ بألا يكلمه إذا التقيا ولو بالسلام (فوق ثلاث) ليال، يفهم منه إباحة الهجر إلى ثلاث وهو رخصة؛ لأن طبع الآدمي على عدم تحمل المكروه، ثم المراد من حرمة الهجران: إذا كان الباعث عليه وقوع تقصير من حقوق الصحبة والأخوة وآداب العشرة، وكذلك أيضًا بين الأجانب، وأما بين الأهل .. فيجوز إلى أكثر للتأديب؛ فقد هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرًا، وكذا إذا كان الباعث أمرًا دينيًا .. فليهجره حتى ينزع من فعله وعقده ذلك؛ فقد أذن رسول الله ﷺ في هجران الثلاثة الذين تخلفوا خمسين ليلة حتى صحت توبتهم عند الله تعالى، قالوا: وإذا خاف من مكالمة أحد ومواصلته ما يفسد عليه دينه أو يدخل عليه مضرة في دنياه .. يجوز له مجانبته والحذر منه؛ فرب هجر جميلٍ خير من مخالطةٍ مؤذية.
(ألا وإياكم والكذب؛ فإن الكذب لا يصلح) أي: لا يحل أو لا يوافق شأن
стр. 175
بِالْجِدِّ وَلَا بِالْهَزْلِ، وَلَا يَعِدِ الرَّجُلُ صَبيَّهُ ثُمَّ لَا يَفِيَ لَهُ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ،
===
المؤمن (بالجد) أي: بطريق الجد، والجد -بكسر الجيم- قصدُ الكلام لفظًا ومعنى، (ولا) يحل (بالهزل) أي: بطريق الهزل، وهو قصد الكلام لفظًا لا معنى؛ أي: لا يحل في الكلام الجد ولا في الكلام الهزل، (ولا يعد الرجلُ صبيَّه) أي: ولدَه الصغير بالعطاء مثلًا، (ثم لا يفي له) ذلك الوعد؛ فإن خلف الوعد من نوع الكذب ولو مع ولده الصغير، ظاهره: أنه عطف على لا يعد، وهو نفي بمعنى النهي، ويحتمل أنه نهي، ولا يفي بالنصب إجراء لثم مجرى الواو في إضمار أن بعدها، ويحتمل الرفع على الاستئناف؛ أي: ثم هو لا يفي له وعده.
(فإن الكذب يهدي) من الهداية؛ أي: يُفضي ويُوصل صاحبه (إلى الفجور) أي: إلى القبائح، قيل: لعل الكذب بخاصته يفضي بالإنسان إلى القبائح، والصدق بخلافه، ويحتمل أن المراد بالفجور هو نفس ذلك الكذب؛ يعني: الذنب يكتب به؛ أي: فإن الكذب يهدي بالإنسان ويوصله إلى المعاصي؛ فإن الذنب يكتب عليه بسببه، (وإن الفجور يهدي) ويوصل صاحبه (إلى النار) عقوبة له على الفجور.
(وإن الصدق) وهو موافقة العمل أو القول لما في الواقع .. (يهدي) من الهداية؛ أي: يفضي صاحبه (إلى البر) أي: إلى الأجر والثواب، (وإن البر يهدي) أي: يوصل صاحبه (إلى الجنة) جزاء على عمله: والبر قيل: هو اسم جامع للخير، وقيل: هو العمل الصالح الخالص من كل مذموم، قال ابن العربي: إذا تحرى الصدق .. لم يعص الله؛ لأنه إن أراد أن يفعل شيئًا من المعاصي ..
стр. 176
وَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا".
(٤٥) - ٤٥ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ،
===
خاف أن يقال له: أفعلت كذا؟ فإن سكت .. لم يأمن الريبة، وإن قال: لا .. كذب، وإن قال: نعم .. فسق وسقطت منزلته وانتهكت حرمته.
(وإنه) أي: إن الشأن والحال (يقال للصادق: صدق وبر) أي: أحسن في قوله وعمله، (ويقال للكاذب: كذب وفجر) أي: أساء في عمله وقوله، فيترتب على الصدق البر، وعلى الكذب الفجور، (ألا وإن العبد يكذب) أي: يعتاد الكذب (حتى يكتب عند الله) تعالى في ديوان عمله (كذابًا)، قال السندي: الظاهر أن المراد كتابته في ديوان الأعمال، ويحتمل أن المراد إظهاره بين الناس بوصف الكذب. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٥)(٥)؛ لضعف سنده؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو عُبيد بن ميمون، كما مر، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٤٥) - ٤٥ - (٣) (حدثنا محمد بن خالد بن خداش) -بكسر المعجمة- ابن عجلان المهلبي مولاهم أبو بكر البصري سكن بغداد. روى عن: أبيه، وإسماعيل بن علية، وابن مهدي، وعبيد بن واقد، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، وإبراهيم الحربي، وابن خزيمة، وغيرهم.
стр. 177
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،
===
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب عن أبيه، وقال في "التقريب": صدوق يغرب، من العاشرة.
قال: (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين والمئتين. يروي عنه: (ق).
(ويحيى بن حكيم) المقوم -بكسر الواو المشددة- أبو سعيد البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(قالا): أي: قال كل من أحمد ويحيى:
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري.
قال: (حدثنا أيوب) السختياني البصري.
(عن عبد الله) بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، تابعي ثقة، من الثالثة، رأى ثلاثين من الصحابة روى كثيرًا من الحديث، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 178
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ
===
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من خماسياته؛ ثلاثة من رجالهما بصريون، وواحد مكي، وواحد مدني، وحكمهما: الصحة، ومن لطائف هذين السندين أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أيوب عن ابن أبي مليكة.
(قالت) عائشة: (تلا) وقرأ (رسول الله ﷺ هذه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿هُوَ﴾) سبحانه (﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ﴾) يا محمد (﴿الْكِتَابَ﴾) العزيز (﴿مِنْهُ﴾) أي: بعضه (﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾) أي: واضحات الدلالة (﴿هُنَّ﴾) أي: تلك المحكمات (﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾) أي: أصل الكتاب في الاستدلال بها على الأحكام، (﴿وَ﴾) منه آيات (﴿أُخَرُ﴾) جمع أخرى (﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾)؛ أي: غير واضحات الدلالة في الأحكام؛ كفواتح السور من الحروف المقطعة، والحكمة في إنزالها الإعجاز لا الدلالة على الأحكام.
وقوله: (إلى قوله) تعالى متعلق بتلا؛ أي: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية إلى أن وصل قوله: (﴿وَمَا يَذَّكَّر﴾) أي: يتعظ بآياتنا (﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾) (١)؛ أي: إلا أصحاب العقول الكاملة السليمة من شوائب الكفر والنفاق، (فقال: يا عائشة) معطوف على تلا؛ (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه) أي: الذين يعارضون في القرآن بدفع المحكمات وردها بالمتشابهات ..
стр. 179
فَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ".
(٤٦) - ٤٦ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ
===
(فهم) أي: الذين يجادلون فيه (الذين عناهم الله) سبحانه وأرادهم بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ .. ﴾ (١) أي: ميل عن الحق ... إلى آخره، (فاحذروهم) أيها المسلمون وجانبوهم ولا تجالسوهم ولا تكلموهم؛ فإنهم أهل البدع والجدل، فيحق لهم الإهانة احترازًا عن الوقوع في عقيدتهم.
قال السندي: قوله: "يا عائشة؛ إذا رأيتم" نادى عائشة؛ لحضورها في ذلك الوقت، وعدل في ضمير الخطاب إلى الجمع للتنبيه على أن معرفة هذا لا يختص بعائشة، بل يعمها وغيرها، وخاطب الغائبين وذكر الضمير؛ للتغليب، ففيه تغليبان متعاكسان، فليتأمل. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ﵀ لحديث عائشة المذكور بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٦) - ٤٦ - (٤) (حدثنا علي بن المنذر) الطريقي- ولد في الطريق فنسب إليه- الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
قال: (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 180
ح وَحَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
===
(ح وحدثنا حوثرة بن محمد) -بفتح أوله المهمل وسكون الواو بعدها مثلثة مفتوحة- أبو الأزهر البصري الوراق، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال ابن فضيل ومحمد بن بشر:
(حدثنا حجاج بن دينار) الأشجعي مولاهم الواسطي. روى عن: أبي غالب صاحب أبي أمامة، ويروي عنه: (ق)، ومحمد بن بشر، وابن فضيل.
قال ابن المبارك: ثقة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: صدوق لا بأس به، وقال أبو زرعة: صالح صدوق مستقيم الحديث لا بأس به، وقال أبو داوود وابن عمار والعجلي: ثقة، وذكره مسلم في مقدمته، وقال في "التقريب": من السابعة.
(عن أبي غالب) صاحب أبي أمامة البصري نزل أصبهان، قيل: اسمه حزور -بفتح الحاء والزاي والواو المشددة- وقيل: اسمه نافع، صدوق يخطئ، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي المصري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له مئتان وخمسون حديثًا؛ انفرد (خ) بخمسة، و (م) بثلاثة، سكن مصر، ومات بالشام سنة ست وثمانين (٨٦ هـ)، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان يصفر لحيته، وكان مع على في صفين.
وهذان السندان من خماسياته؛ رجال الأول منهما اثنان كوفيان، وواحد