وَإِنَّهُ يُقَالُ لِلصادِقِ: صَدَقَ وَبَرَّ، وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ: كَذَبَ وَفَجَرَ، أَلَا وَإِنَّ الْعَبْدَ يَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا".
(٤٥) - ٤٥ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ،
===
خاف أن يقال له: أفعلت كذا؟ فإن سكت .. لم يأمن الريبة، وإن قال: لا .. كذب، وإن قال: نعم .. فسق وسقطت منزلته وانتهكت حرمته.
(وإنه) أي: إن الشأن والحال (يقال للصادق: صدق وبر) أي: أحسن في قوله وعمله، (ويقال للكاذب: كذب وفجر) أي: أساء في عمله وقوله، فيترتب على الصدق البر، وعلى الكذب الفجور، (ألا وإن العبد يكذب) أي: يعتاد الكذب (حتى يكتب عند الله) تعالى في ديوان عمله (كذابًا)، قال السندي: الظاهر أن المراد كتابته في ديوان الأعمال، ويحتمل أن المراد إظهاره بين الناس بوصف الكذب. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٥)(٥)؛ لضعف سنده؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو عُبيد بن ميمون، كما مر، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف على الجزء الأخير من الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٤٥) - ٤٥ - (٣) (حدثنا محمد بن خالد بن خداش) -بكسر المعجمة- ابن عجلان المهلبي مولاهم أبو بكر البصري سكن بغداد. روى عن: أبيه، وإسماعيل بن علية، وابن مهدي، وعبيد بن واقد، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، وإبراهيم الحربي، وابن خزيمة، وغيرهم.
стр. 177
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،
===
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما أغرب عن أبيه، وقال في "التقريب": صدوق يغرب، من العاشرة.
قال: (حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم القرشي الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبو بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين والمئتين. يروي عنه: (ق).
(ويحيى بن حكيم) المقوم -بكسر الواو المشددة- أبو سعيد البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(قالا): أي: قال كل من أحمد ويحيى:
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري.
قال: (حدثنا أيوب) السختياني البصري.
(عن عبد الله) بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، تابعي ثقة، من الثالثة، رأى ثلاثين من الصحابة روى كثيرًا من الحديث، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 178
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ... ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ
===
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من خماسياته؛ ثلاثة من رجالهما بصريون، وواحد مكي، وواحد مدني، وحكمهما: الصحة، ومن لطائف هذين السندين أن فيه رواية تابعي عن تابعي؛ أيوب عن ابن أبي مليكة.
(قالت) عائشة: (تلا) وقرأ (رسول الله ﷺ هذه الآية) وهي قوله تعالى: (﴿هُوَ﴾) سبحانه (﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ﴾) يا محمد (﴿الْكِتَابَ﴾) العزيز (﴿مِنْهُ﴾) أي: بعضه (﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾) أي: واضحات الدلالة (﴿هُنَّ﴾) أي: تلك المحكمات (﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾) أي: أصل الكتاب في الاستدلال بها على الأحكام، (﴿وَ﴾) منه آيات (﴿أُخَرُ﴾) جمع أخرى (﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾)؛ أي: غير واضحات الدلالة في الأحكام؛ كفواتح السور من الحروف المقطعة، والحكمة في إنزالها الإعجاز لا الدلالة على الأحكام.
وقوله: (إلى قوله) تعالى متعلق بتلا؛ أي: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية إلى أن وصل قوله: (﴿وَمَا يَذَّكَّر﴾) أي: يتعظ بآياتنا (﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾) (١)؛ أي: إلا أصحاب العقول الكاملة السليمة من شوائب الكفر والنفاق، (فقال: يا عائشة) معطوف على تلا؛ (إذا رأيتم الذين يجادلون فيه) أي: الذين يعارضون في القرآن بدفع المحكمات وردها بالمتشابهات ..
стр. 179
فَهُمُ الَّذِينَ عَنَاهُمُ اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ".
(٤٦) - ٤٦ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ
===
(فهم) أي: الذين يجادلون فيه (الذين عناهم الله) سبحانه وأرادهم بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ .. ﴾ (١) أي: ميل عن الحق ... إلى آخره، (فاحذروهم) أيها المسلمون وجانبوهم ولا تجالسوهم ولا تكلموهم؛ فإنهم أهل البدع والجدل، فيحق لهم الإهانة احترازًا عن الوقوع في عقيدتهم.
قال السندي: قوله: "يا عائشة؛ إذا رأيتم" نادى عائشة؛ لحضورها في ذلك الوقت، وعدل في ضمير الخطاب إلى الجمع للتنبيه على أن معرفة هذا لا يختص بعائشة، بل يعمها وغيرها، وخاطب الغائبين وذكر الضمير؛ للتغليب، ففيه تغليبان متعاكسان، فليتأمل. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ﵀ لحديث عائشة المذكور بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٦) - ٤٦ - (٤) (حدثنا علي بن المنذر) الطريقي- ولد في الطريق فنسب إليه- الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
قال: (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 180
ح وَحَدَّثَنَا حَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
===
(ح وحدثنا حوثرة بن محمد) -بفتح أوله المهمل وسكون الواو بعدها مثلثة مفتوحة- أبو الأزهر البصري الوراق، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال ابن فضيل ومحمد بن بشر:
(حدثنا حجاج بن دينار) الأشجعي مولاهم الواسطي. روى عن: أبي غالب صاحب أبي أمامة، ويروي عنه: (ق)، ومحمد بن بشر، وابن فضيل.
قال ابن المبارك: ثقة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال ابن معين: صدوق لا بأس به، وقال أبو زرعة: صالح صدوق مستقيم الحديث لا بأس به، وقال أبو داوود وابن عمار والعجلي: ثقة، وذكره مسلم في مقدمته، وقال في "التقريب": من السابعة.
(عن أبي غالب) صاحب أبي أمامة البصري نزل أصبهان، قيل: اسمه حزور -بفتح الحاء والزاي والواو المشددة- وقيل: اسمه نافع، صدوق يخطئ، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي المصري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له مئتان وخمسون حديثًا؛ انفرد (خ) بخمسة، و (م) بثلاثة، سكن مصر، ومات بالشام سنة ست وثمانين (٨٦ هـ)، وهو ابن إحدى وتسعين سنة، وكان يصفر لحيته، وكان مع على في صفين.
وهذان السندان من خماسياته؛ رجال الأول منهما اثنان كوفيان، وواحد
стр. 181
قَال: قَال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾.
===
واسطي، وواحد بصري، وواحد مصري، ورجال الثاني اثنان بصريان، واثنان واسطيان، وواحد مصري، وحكمهما: الصحة.
(قال) أبو أمامة: (قال رسول الله ﷺ : ما ضل) ما نافية (قوم) فاعل ضل (بعد هدىً) بضم الهاء وفتح الدال، والظرف متعلق بضل، وجملة (كانوا عليه) صفة هدىً، وقوله: (إلا أوتوا الجدل) أي: وألهموا معارضة الحق استثناء من أعم الأحوال بتقدير: قد، وصاحب الحال فاعل (ضل) وإن كان نكرة؛ لقصد العموم لا الضمير المستتر في خبر كان كما توهمه الطيبي؛ فإنه فاسد معنىً، وإن كان الضمير المذكور عائدًا إلى (قوم)، فليفهم.
والمعنى: ما ضل قوم من الأقوام بعد هدىً كانوا عليه في حال من الأحوال .. إلا والحال أنهم قد أعطوا الجدل، والجدل كالجدال: الخصام بالباطل ودفع الحق به، ودفع الحق بعضه ببعض بإبداء التعارض والتدافع والتنافي بينهما، لا المناظرة لطلب الصواب مع التفويض إلى الله تعالى عند العجز عن معرفة الكنه.
(ثم تلا) رسول الله ﷺ (هذه الآية: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (١) أي: تلاها توضيحًا لما ذكر بذكر مثال له لا للاستدلال به على الخصم المذكور؛ فإنه لا يدل عليه.
فإن قلتَ: قريش ما كانوا على الهدى فلا يصح ذكرهم مثالًا.
قلتُ: نزل تمكنهم منه بواسطة البراهين الساطعة منزلة كونهم عليه، فحيث
стр. 182
(٤٧) - ٤٧ - (٥) حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ أَبُو هَاشِمٍ بنُ أَبِي خِدَاشٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِحْصَنٍ،
===
دفعوا بعد ذلك الحق بالباطل، وقرروا الباطل بقولهم: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ (١)، يريدون أنهم يعبدون الملائكة وهم خير من عيسى، وقد عبدته النصارى، فحيث صح لهم عبادته صح لنا عبادتهم بالأولى، فصاروا مثالًا لما فيه الكلام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الزخرف، الحديث (٣٢٥٣).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للجزء الأول من الترجمة بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٧) - ٤٧ - (٥) (حدثنا داوود بن سليمان) بن حفص (العسكري) نسبة إلى عسكر؛ محلة بالبصرة أبو حفص الدقاق، مولى بني هاشم، لقبه بنان -بضم الموحدة- صدوق، من العاشرة. يروي عنه: (س ق).
(حدثنا محمد بن علي) الأسدي (أبو هاشم بن أبي خداش الموصلي) نسبة إلى موصل -بوزن مجلس- بلدة بين الفرات ودجلة، كما في "التاج"، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ). يروي عنه: (س ق).
(قال: حدثنا محمد بن محصن) -بكسر الميم وسكون الحاء المهملة-
стр. 183
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقْبَلُ اللهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَوْمًا وَلَا صَلَاةً وَلَا صَدَقَةً وَلَا حَجًّا وَلَا عُمْرَةً
===
العكاشي الشامي، نسب إلى جده الأعلى؛ وهو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن عكاشة -بضم العين وتشديد الكاف- ابن محصن الأسدي.
كذبوه، من الثامنة، قال البخاري: منكر الحديث، وقال البخاري أيضًا عن يحيى بن معين: كذاب، وقال أبو حاتم: كذاب، وقال في موضع آخر: مجهول، وقال ابن حبان: هو شيخ يضع الحديث على الثقات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح فيه، وقال الدراقطني: متروك يضع. روى عنه: (ق).
(عن إبراهيم بن أبي عبلة) -بفتح العين وسكون الموحدة- اسمه شمر -بكسر المعجمة مع سكون الميم- ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إسماعيل، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن عبد الله بن) فيروز (الديلمي) نسبة إلى ديلم -بوزن جعفر- رجل من ضبة تنسب إليه القبيلة، الفلسطيني الشامي، ثقة، من كبار التابعين. يروي عنه: (د س ق).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي حليف الأنصار الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنهما، صاحب سر رسول الله ﷺ ، له مئة حديث، اتفقا على اثني عشر حديثًا، وانفرد (خ) بثمانية، و (م) بسبعة عشر.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وثلاثة عراقيون، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله كذابًا؛ وهو محمد بن محصن.
(قال) حذيفة: (قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله لصاحب بدعة صومًا ولا صلاة ولا صدقة) أي: زكاة (ولا حجًا ولا عمرة
стр. 184
وَلَا جِهَادًا وَلَا صرْفًا وَلَا عَدْلًا، يَخْرُجُ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ".
(٤٨) -٤٨ - (٦) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَنَّاطُ، عَنْ أَبِي زَيْدٍ،
===
ولا جهادًا ولا صرفًا) أي: توبة من ذنوبه غير البدعة (ولا عدلًا) أي: فدية وجبت عليه إذا أخرجها (يخرج من) ملة (الإسلام) أي: من كماله (كما تخرج الشعرة من العجين).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٦)(٦)؛ لأن في رواته كذابًا، وغرضه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثالثًا للجزء الأول من الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٨) -٤٨ - (٦) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا بشر بن منصور الحناط) -بفتح الحاء المهملة وتشديد النون المفتوحة- نسبة إلى بيع الحنطة.
صدوق، من الثامنة، قال أبو زرعة: لا أعرفه ولا أعرف أبا زيد، وقيل: هو بشر بن منصور السلصي أبو محمد البصري. يروي عنه: (ق).
(عن أبي زيد) روى عن أبي المغيرة، مجهول، من السابعة، وقيل: اسمه عبد الملك بن ميسرة. يروي عنه: (ق).
стр. 185
عَنْ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَبَى اللهُ أَنْ يَقْبَلَ عَمَلَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حَتَّى يَدع بِدْعَتَهُ".
===
(عن أبي المغيرة). روى عن: ابن عباس في ذم البدعة، مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله واحد منهم طائفي، وواحد كوفي، وواحد بصري، واثنان مجهولان، وحكمه: الضعف جدًّا.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : أبى الله) وامتنع (أن يقبل) ويثيب (عمل) وطاعة (صاحب بدعة) وخرافة (حتى ياع) ويترك (بدعته) أي: خرافته، وقوله: (أبى الله ... ) إلى آخره؛ أي: إنه لا يقبل صالح عمله فرضًا ولا نفلًا ولو شفع له شفيع في قبوله فرضًا، ولإفادة هذا المعنى قيل: أبى الله، وإلا .. فلو قيل: لا يقبل الله .. لكفى، وقوله: (حتى يدع) غاية لعدم القبول، فيدل على أنه إذا تاب عن بدعته يقبل عمله الذي فعله حال البدعة، ولو جعل غاية للعمل .. لدل على أنه لا يقبل عمله الذي عمله حال البدعة وإن تاب، وهو بعيد لفظًا ومعنىً، ولعل المراد بالبدعة: الاعتقاد الفاسد دون العمل الفاسد، كما عليه الاصطلاح اليوم، فإن صاحب الاعتقاد الفاسد يقال له: مبتدع، وصاحب العمل الفاسد يقال له: فاسق اصطلاحًا، وفي الزوائد: رجال هذا الإسناد كلهم مجهولون، قاله الذهبي، وقال أبو زرعة: لا أعرف أبا زيد ولا أبا المغيرة. انتهى "السندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حديث موضوع (٧)(٧)، وغرضه: الاستئناس به للجزء الأول من الترجمة.
* * *
стр. 186
(٤٩) - ٤٩ - (٧) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ وَهَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة الدال على الجزء الأخير من الترجمة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٩) - ٤٩ - (٧) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم أبو سعيد (الدمشقي) لقبه دحيم -مصغرًا- ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة. يروي عنه: (خ د س ق).
(وهارون بن إسحاق) بن محمد الهمداني أبو القاسم الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(قالا: حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) بالفاء -مصغرًا- اسمه يسار الديلي مولاهم أبو إسماعيل المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن سلمة بن وردان) الليثي أبي يعلى المدني، ضعيف، من الخامسة، مات سنة بضع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) الأنصاري أبي حمزة البصري رضي الله تعالى عنه، خادم رسول الله ﷺ .
وهذا السند من رباعياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، وواحد بصري، وواحد إما دمشقي أو كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن سلمة بن وردان ضعيف اتفقوا على ضعفه.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : من ترك الكذب وهو)
стр. 187
بَاطِلٌ .. بُنِيَ لَهُ قَصرٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ .. بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ .. بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا".
===
أي: والحال أنه (باطل) أي: مازح، والجملة حال من فاعل (ترك) أي: من يترك الكذب حتى في المزاح، والمزاح: المداعبة والهزل؛ وهو قصد اللفظ من الكلام دون المعنى .. (بني) بالبناء للمفعول (له) أي: لذلك التارك (قصر في ربض الجنة) أي: في طرفها (ومن ترك المراء) -بكسر الميم والمد- أي: الجدال والنزاع خوفًا من أن يقع صاحبه في اللجاج الموقع في الباطل، (وهو) أي: والحال أنه (محق) أي: على الحق في جداله .. (بني له) قصر (في وسطها) أي: في وسط الجنة، (ومن حسن) من التحسين (خلقه) أي: أخلاقه مع الناس بأن يرحم الصغير ويعظم الكبير .. (بني له) قصر (في أعلاها) أي: في أعلى الجنة.
قوله: "من ترك الكذب" يحتمل أن المراد بالكذب المراء بالباطل، وجملة قوله: "وهو باطل" بتقدير: ذو باطل حال من فاعل (ترك) أي: وهو مبطل، عبر بالكذب للتنبيه من أول الأمر على البطلان، وإلى هذا يشير كلام ابن العربي في "شرح الترمذي"، ويحتمل أنه على ظاهره، وجملة وهو باطل حال من الكذب، وهو الذي ذكره ابن رجب في "شرح الكتاب"، قال: هي جملة حالية؛ أي: حالة كونه باطلًا، ففي "البخاري" و"مسلم": أن النبي ﷺ قال: "ليس بكذاب من يصلح بين الناس فيقول خيرًا، وينمي خيرًا"، ورخص في الكذب في ثلاث: في الحرب، وإصلاح ذات البين، وكذب الرجل على امرأته. انتهى.
قلت: روى أبو داوود عن أبي أمامة مرفوعًا: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب
стр. 188
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه"، وهذا يقتضي أن يراد بباطل مازح، بتقدير: ذو باطل، وتجعل الجملة حالًا من فاعل (ترك) لا من مفعوله، وجعلها حالًا من الفاعل هو الموافق لقرينه؛ أعني: وهو محق، ويحتمل أن يكون معنى "من ترك الكذب وهو باطل": أن من ترك الكذب وهو غير مستحق لكذبه؛ أي: غير مرخص له في كذبه؛ أي: ترك كذبًا غير مرخص له فيه، خرج به المواضع التي رخص فيها الكذب، كالمواضع المذكورة آنفًا.
بقي أن بين الحديثين تعارضًا، والظاهر: أنه وقع من تغيير بعض الرواة، قوله: "في ربض الجنة" بفتحتين؛ أي: حوالي الجنة وأطرافها لا في وسطها، وليس المراد خارجًا عن الجنة، كما قيل. انتهى "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في المراء، الحديث (١٩٩٣)، وقال: هذا الحديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس ﵁.
فالحديث: حسن لغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي أمامة من رواية أبي داوود المذكور آنفًا، فالسند: ضعيف، والحديث: حسن، كما قال الترمذي، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
ثلاثة منها صحيحة متنًا وسندًا:
الأول: حديث جابر، ذكره للاستدلال به على الجزء الأول من الترجمة.
стр. 189
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثاني: حديث عائشة، ذكره للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
والثالث: حديث أبي أمامة، ذكره للاستشهاد به لحديث عائشة.
واثنان منها ضعيفان متنًا وسندًا:
الأول: حديث ابن مسعود، ذكره للاستئناس للجزء الأول من الترجمة.
والثاني: حديث حذيفة، ذكره للاستئناس للجزء الأول أيضًا.
وواحد منها: موضوع؛ وهو حديث ابن عباس، ذكره للاستئناس له أيضًا.
وواحد منها: ضعيف سندًا، وحسن متنًا؛ وهو حديث أنس، ذكره للاستشهاد به للجزء الأخير من الترجمة.
والله أعلم
стр. 190
(٨) - (٨) - بَابُ اجْتِنَابِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ
(٥٠) - ٥٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَعَبْدَةُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ
===
(٨) - (٨) - (باب اجتناب الرأي والقياس)
أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الدالة على وجوب اجتناب الحكم في الدين بالرأي والظن بلا مستند، واجتناب الحكم بالقياس؛ أي: بقياس الشيء على غيره مع وجود الفارق بينهما.
* * *
(٥٠) - ٥٠ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي.
قال: (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي -بسكون الواو- أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم الكوفي، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبد الله بن نمير) الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 191
ح وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَحَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
===
فجملة من روى عنه أبو كريب خمسة، (ح) أي: حول المؤلف السند.
(و) قال: (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الحدثاني: نسبة إلى حدثان؛ بلدة على الفرات، صدوق، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومالك بن أنس) بن مالك الأصبحي أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت إمام حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وحفص بن ميسرة) العقيلي -مصغرًا- أبو عمرو الصنعاني ثم العسقلاني، ثقة، ربما وهم، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (خ م س ق).
(وشعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي، ثقة رمي بالإرجاء، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س)، فجملة من روى عنه سويد أربعة، كل هؤلاء التسعة رووا:
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي أبي المنذر المدني، ثقة فقيه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي أبي عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
стр. 192
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ،
===
(عن عبد الله بن عمرو بن العاهـ) بن وائل السهمي أبي محمد المدني رضي الله تعالى عنهما، أحد السابقين إلى الإسلام، وأحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة الفقهاء، له سبع مئة حديث؛ اتفقا على سبعة عشر، وانفرد (خ) بثمانية، و (م) بعشرين.
وهذان السندان من خماسياته؛ الأول منهما رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان كوفيان، والثاني منهما: رجاله أربعة منهم مدنيون، وواحد حدثاني، أو ثلاثة منهم مدنيون، وواحد حدثاني، وواحد إما كوفي أو عسقلاني أو بصري، وحكمهما: الصحة، لأن رجالهما كلهم ثقات.
أي: حدثنا عبد الله بن عمرو بن العاص (أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لا يقبض العلم) أي: لا يمحو العلم من صدور العلماء، أو يرفعه إلى السماء (انتزاعًا) أي: محوًا دفعة، فانتزاعًا مصدر معنوي لقبض من غير لفظه لبيان النوع؛ نحو رجع القهقرى، وجملة قوله: (ينتزعه من الناس) مستأنفة لبيان القبض؛ أي: لا ينتزعه من صدور الناس انتزاعًا، ولا يرفعه من قلوبهم وهم أحياء، وقيل: جملة ينتزعه صفة لانتزاعًا، والظاهر أن ضميره للعلم، فلا يصلح أن يكون صفة للانتزاع؛ لعدم الرابط، فليتأمل.
ويحتمل أن يكون انتزاعًا مصدرًا لينتزع، قدم على فعله، وجملة ينتزع حال من فاعل يقبض أو مفعوله. انتهى "السندي".
أي: إن الله لا يقبض العلم قبضًا حالة كونه ينتزعه من صدور الناس وهم أحياء، أو إن الله لا يقبض العلم قبضًا حالة كونه منتزعًا مقبوضًا من صدورهم وهم أحياء، والله أعلم.
стр. 193
وَلكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ؛ فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا .. اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ
===
قال الحافظ في "الفتح": وكان تحديث النبي ﷺ بذلك في حجة الوداع، كما رواه أحمد والطبراني من حديث أبي أمامة، قال: لما كان في حجة الوداع .. قال النبي ﷺ : "خذوا العلم قبل أن يقبض أو يرفع"، فقال أعرابي: كيف يرفع؟ فقال: "ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته" ثلاث مرات. قال ابن المنير: محو العلم من الصدور جائز في القدرة إلا أن هذا الحديث دل على عدم وقوعه. انتهى.
(ولكن يقبض) الله (العلم) والمراد: به العلم الديني لا الدنيوي (بقبض) أرواح (العلماء) وموت حملته، وإنما عبر بالمظهر في قوله: "يقبض العلم" في موضع المضمر؛ لزيادة تعظيم المظهر؛ كما في قوله : ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ (١) بعد قوله: ﴿اللَّهُ أَحَدٌ﴾ (٢)؛ أي: يقبضه حتى لم يبق عالمًا على الأرض، (فإذا لم يبق) -بضم المثناة التحتية وكسر القاف- من الإبقاء، وفيه ضمير يعود على (الله) أي: فإذا لم يبقِ الله (عالمًا) على الأرض .. (اتخذ الناس) بالرفع على الفاعلية (رؤوسًا جهالًا) -بالضم والتشديد والنصب- صفة لسابقه؛ أي: قدموا للاستفتاء في أمور الدين رؤساء جاهلين بأحكامه.
(فسئلوا) أولئك الرؤساء الجهال عن حكم من أحكام الدين -بضم السين بالبناء للمفعول- أي: فسألهم السائل عنه، (فأفتوا) له؛ أي: أجابوا له (بغير علم) بما يفتون به، يقال: لا يلزم منه مذمة الرأي؛ لجواز أنهم يفتون فيه بلا
стр. 194
فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
(٥١) - ٥١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ،
===
رأي بمجرد التهور والتشهي، وبالجملة: فلا دليل فيه على أن الرأي المعتبر عند الفقهاء مذموم، (فضلوا) من الضلال؛ أي: فضلوا في أنفسهم بالفتوى بلا علم، (وأضلوا) أتباعهم السائلين الآخذين بفتواهم، من الإضلال، واستدل به الجمهور على جواز خُلوِّ الزمان عن مجتهد، خلافًا للحنابلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، الحديث (١٠٠)، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يذكر من ذمِّ الرأي وتكلف القياس، الحديث (٧٣٠٧) بنحوه، ومسلم في كتاب العلم، باب (٥)، الحديث (٦٧٣٧)، والحديث (٦٧٣٨)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في ذهاب العلم، الحديث (٢٦٥٢).
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥١) - ٥١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
قال: (حدثنا عبد الله بن يزيد) المقرئ أبو عبد الرحمن القرشي العدوي مولى آل عمر بن الخطاب المكي، أصله من ناحية البصرة، سكن مكة. روى
стр. 195
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو هَانِئٍ حُمَيْدُ بْنُ هَانِئٍ الْخَوْلَانِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَفْتَى بِفُتْيَا غَيْرَ ثَبَتِ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ".
===
عن: سعيد بن أبي أيوب، ويروي عنه: (ع)، وأبو بكر بن أبي شيبة. ثقة فاضلٌ، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ).
(عن سعيد بن أبي أيوب) اسمه مِقْلاصٌ -بكسر الميم وسكون القاف آخره صاد مهملة- الخزاعي مولاهم أبي يحيى المصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
قال: (حدثني أبو هاني حميد بن هاني الخولاني) المصري، لا بأس به، من الخامسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي عثمان مسلم بن يسار) المصري الأنصاري مولاهم، وثقه ابن حبان، وقال في "التقريب": مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (م دت ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مصريون، وواحدٌ مدني، وواحد مكي، وواحد كوفي، وحكمه: الحسن؛ لأن حميد بن هانئ لا بأس به، ومسلم بن يسار مقبول.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أفتى) -بالبناء للفاعل- أي: من أفتى وأجاب للسائل (بفتيا غير ثبت) أي: بإجابة غير صواب؛ بأن كانت خطأ، وعمل السائل بها .. (فإنما إثمه) أي: إثم تلك الفتوى (على من أفتاه) أي: على من استفتاه وسأله، وأفتى الأول على معناه، والثاني بمعنى الاستفتاء؛ أي: كان إثمه على من استفتاه؛ لأنه جعله في معرض الإفتاء بسؤاله، وهذا إذا كان المفتي معلومًا بالجهل وبالفتوى به،
стр. 196
(٥٢) - ٥٢ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ،
===
فلا يجوز للمستفتي حينئذ سؤاله مع علمه بجهله؛ فالإثم يكون على المستفتي لا على المفتي.
ويحتمل بناء (أفتى) للمفعول، والمعني حينئذ: من أُفتي؛ أي: من أوقع في خطأ بفتيا غير ثبتٍ؛ أي: غير صواب إذا قرأنا ثبت بفتحتين، أو من أوقع في خطأ بفتيا غير عالم إذا قرأناه بفتح المثلثة وسكون الباء؛ لأن الثبت -بفتحتين- العدل والصواب، وبسكون الباء: العالم المتقن والعدل الضابط؛ أي: من وقع في خطأ بفتوى غير عالم .. فلا إثم على مُتَّبع ذلك العالم الجاهل؛ (فإنما إثمه) أي: فإنما إثم ذلك الخطأ (على من أفتاه) أي: على ذلك المفتي الجاهل؛ لأنه أوقعه في الخطأ، وهذا إذا لم يكن الخطأ في محل الاجتهاد بأن كان في محل فيه نصٌّ، أو كان في محله إلا أنه وقع في الخطأ؛ لعدم بلوغه في الاجتهاد حقه؛ وذلك بأن سأله عن طلاقه زوجته هل هو رجعي أو بائن، فأفتاه بأنه رجعي وراجعها واستمتع بها بعد انقضاء العدة، والحال أن الطلاق بائن، فإثم ذلك الاستمتاع على المفتي لا على الواطئ.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب العلم، باب التوقي في الفتيا، الحديث (٣٦٥٧).
ودرجته: أنه حسن؛ لأن رجال سنده واحد منهم لا بأس به، وواحد مقبول، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٢) - ٥٢ - (٣) (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب (الهمداني)
стр. 197
حَدَّثَنِي رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ هُوَ الْإِفْرِيقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو
===
بسكون الميم الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثني رشدين بن سعد) -بكسر الراء وسكون المعجمة- ابن مفلح المهري -بفتح الميم وسكون الهاء- أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، فخلط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ)، وله ثمان وسبعون سنة. يروي عنه: (ت ق).
(وجعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث أبو عون الكوفي المخزومي، وثقه أحمد وابن معين، وقال في "التقريب": صدوق، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع)، وفائدة هذه المقارنة تقوية السند.
(عن) عبد الرحمن بن زياد (بن أنعم) بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة (هو الإفريقي) قاضيها، ضعيف في حفظه، من السابعة، مات سنة ست وخمسين ومئة (١٥٦ هـ)، وكان رجلًا صالحًا. يروي عنه: (د ت ق).
(عن عبد الرحمن بن رافع) التنوخي المصري قاضي إفريقية، ضعيف، من الرابعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (دت ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مصريون، وواحد مدني، وواحد كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن ثلاثة منهم ضعفاء.
стр. 198
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْعِلْمُ ثَلَاثَة، فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فَضلٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ".
===
(قال: قال رسول الله ﷺ : العلم ثلاثة) أي: أصل علوم الدين ثلاثة، (فما وراء ذلك) أي: فما سوى ذلك المذكور من الثلاثة .. (فهو فضل) زائد؛ يعني: كل علم سوى هذه العلوم الثلاثة وما يتعلق بها مما يتوقف عليه هذه الثلاثة؛ كالنحو والصرف والبلاغة واللغة، أو ما يستنبط منها؛ كعلمي الأصول والاصطلاح .. فهو زائد لا ضرورة في معرفته؛ إحداها: (آية محكمة) أي: غير منسوخة، أي: علمها؛ يعني: علمي التفسير والقراءة؛ فالنكرة عامة في الإثبات؛ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ (١) والمضاف مقدر قبلها.
وكذا قوله: (أو سنة قائمة) أي: ثابتة إسنادًا؛ بأن تكون صحيح النسبة إلى رسول الله ﷺ ، أو حكمًا؛ بألا تكون منسوخة، (أو فريضة عادلة) في القسم، والمراد بالفريضة: كل حكم من أحكام الفرائض يحصل به العدل في قسمة التركات بين الورثة، وقيل: المراد بالفريضة كل ما يجب العمل به، وبالعادلة: المساوية لما يؤخذ من القرآن والسنة في وجوب العمل بها، فهذا إشارة إلى الإجماع والقياس، وكلام المصنف مبني على المعنى الأول إن قصد إبطال الرأي المصطلح عليه بين الفقهاء، وفيه نظر؛ لما ذكرنا في معنى (وما سوى ذلك فضل) فلعله أراد إبطال الرأي بمعنى الحكم بمجرد الهوى، والله أعلم. انتهى "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفرائض، باب ما جاء في تعليم الفرائض، الحديث (٢٨٨٥).
стр. 199
(٥٣) - ٥٣ - (٤) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ سَجَّادَةُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَمَوِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ،
===
ودرجته: أنه حسن؛ لأن له شاهدًا من رواية أبي داوود عن أحمد بن عمرو بن السرح عن ابن وهب، وإن كان سنده ضعيفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث معاذ بن جبل ﵁، فقال:
(٥٣) - ٥٣ - (٤) (حدثنا الحسن بن حماد) بن كسيب -بالمهملة وآخره موحدة مصغرًا- الحضرمي أبو علي البغدادي يلقب (سجادة)، صدوق، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (دس ق).
قال: (حدثنا يحيى بن سعيد) بن أبان بن سعيد بن العاص (الأموي) أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد، لقبه الجمل بالجيم، صدوق يغرب، من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وله ثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن سعيد بن حسان) بن قيس الأسدي أبي عبد الرحمن الشامي المصلوب، ويقال له: ابن سعيد بن عبد العزيز، أو ابن أبي عتبة، أو ابن أبي قيس، أو ابن أبي حسان، ويقال: ابن الطبري، وقيل: إنهم قلبوا اسمه على مئة وجه؛ ليخفى.
كذبوه، وقال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث، وقال أحمد: قتله المنصور على الزندقة وصلبه، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عبادة) بضم العين (بن نسي) -بضم النون وفتح المهملة الخفيفة وتشديد الياء- الكندي، أبي عمر الشامي قاضي طبرية؛ بلدة بالأردن، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
стр. 200
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: "لَا تَقْضِيَنَّ وَلَا تَفْصِلَنَّ إِلَّا بِمَا تَعْلَمُ، وإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكَ أَمْرٌ .. فَقِفْ
===
(عن عبد الرحمن بن غنم) -بفتح المعجمة وسكون النون- الأشعري، مختلف في صحبته.
وذكره العجلي في كبار الثقات، مات سنة ثمان وسبعين (٧٨ هـ)، وقال يعقوب بن شيبة: مشهور من ثقات الشاميين، وقد حدث عن غير واحد من الصحابة، وأدرك عمر وسمع منه، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال: زعموا أن له صحبة، وليس ذلك بصحيح عندي، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين، وكان له جلالة وقدر. روى عنه: (عم).
(حدثنا معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه، أسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد بدرًا والمشاهد، له مئة وسبعة وخمسون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بحديث.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وواحد مدني، وواحد بغدادي، وواحد كوفي، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله راويًا كذابًا وضاعًا.
(قال) معاذ: (لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن) للدعوة إلى الدين وتعليمه .. (قال) رسول الله ﷺ : (لا تقضين) يا معاذ، نهيٌ مؤكد بالنون الثقيلة من القضاء، أي: لا تقضين بين الخصوم (ولا تفصلن) بين المتحاكمين من الفصل وعطفه على ما قبله قريب من التفسير (إلا بما تعلم) من الكتاب أو السنة (وإن أشكل) واشتبه (عليك أمر) أي: حكم من الأحكام التي سئلت عنها .. (فقف) أي: توقف عن القضاء
стр. 201
حَتَّى تَبَيَّنَهُ، أَوْ تَكْتُبَ إِلَيَّ فِيهِ".
===
والفصل بين الناس في حال إشكاله عليك (حتى تبينه) أي: حتى تعلم بيانه أو وجهه من الكتاب أو السنة (أو) حتى (تكتب إلي) رسالة (فيه) أي: فيما أشكل عليك، فتعلم بيانه مني.
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف، ودرجته: أنه ضعيف (٨)(٨)؛ لأن في سنده محمد بن سعيد بن حسان، وهو متروك الحديث، وغرضه بسوقه: الاستئناس به.
وفي بعض نسخ ابن ماجه بعد تخريج الحديث: قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان: هذا حديث ضعيف، وأمر أن يضرب عليه، وقال أبو إسحاق: محمد بن سعيد بن حسان زنديق، سمعت أبا حاتم يقول: حضرت أحمد بن عبد الله بن يونس وهو يحدث عن أبي بكر بن عياش عن محمد بن سعيد، فقلت: إن محمد بن سعيد زنديق، فغضب، وقال: وكان أبو بكر يحدث عن زنديق؟ ! كان يقول -أي: أبو حاتم-: إن أحمد ابن يونس كان لين الجانب لم يعرف مثل هذه الأشياء، أو كما قال. انتهى.
قلت: وهو أيضًا معارض بالحديث المشهور على الألسنة؛ أي: أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: "كيف تقضي؟ " قال: بكتاب الله، قال: "فإن لم تجد فيه؟ " قال: فبسنة رسول الله ﷺ ، قال: "فإن لم تجد فيها ولا في كتاب الله؟ " قال: أجتهد، فقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما هو من رسوله". وقد أخرجه أبو داوود والترمذي، وفي سنده مجاهيل، وقد أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، قال السيوطي: هو موقوف، وبالجملة: فذلك أحسن من هذا. انتهى من "السندي".
* * *
стр. 202
(٥٤) - ٥٤ - (٥) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أبْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍ والْأَوْزَاعِيِّ،
===.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٤) - ٥٤ - (٥) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الحدثاني، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (حدثنا) عبد الرحمن (بن أبي الرجال) محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان بن نفيع بن زيد بن عبيد بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن النجار، الأنصاري النجاري المدني، كان ينزل بعض ثغور الشام. روى عن: أبيه، وأخيه حارثة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب، وغيرهم، ويروي عنه: سويد بن سعيد، وأبو نعيم، وعبد الله بن يوسف، وغيرهم.
قال أحمد وابن معين والمفضل الغلابي والدارقطني: ثقة، وقال ابن معين أيضًا وأبو داوود: ليس به باس، وذكره ابن حبان في"الثقات"، وقال: ربما أخطأ، وقال البرذعي: سألت أبا زرعة عن عبد الرحمن وأخيه حارثة، فقال: عبد الرحمن أشبه، وحارثة واهي الحديث، وقال أبو حاتم: صالح هو مثل عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. انتهى من "التهذيب".
وقال في "التقريب": صدوق ربما أخطأ، من الثامنة. يروي عنه: (عم) انتهى، فلا تغتر بما ذكره السندي هنا، فهو سبق قلم أو سهو منه؛ لأن الذي يروي عن الأوزاعي ويروي عنه سويدُ بن سعيد هو عبد الرحمن بن أبي الرجال لا أخوه حارثة بن أبي الرجال؛ لأنه متفق على ضعفه، والله أعلم.
(عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي) أبي عمرو الشامي الإمام العلم الفقيه.
стр. 203
عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَمْ يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُعْتَدِلًا حَتَّى نَشَأَ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُونَ؛
===
قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا كثير الحديث والعلم والفقه، وقال في "التقريب": ثقة جليل، من السابعة، مات في الحمام سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبدة بن أبي لبابة) الأسدي مولاهم -ويقال: مولى قريش- أبي القاسم البزاز الكوفي الفقيه، نزيل دمشق. روى عن: عبد الله بن عمرو، وابن عمر، وزر بن حُبيش، وأبي وائل، ومجاهد، وغيرهم، وأرسل عن عمر في (م)، ويروي عنه: (خ م ت س ق)، والأوزاعي، والأعمش، وابن جريج، وشعبة، والسفيانان، وغيرهم.
وثقه أبو حاتم، والنسائي، وابن خراش، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال يعقوب بن سفيان: من ثقات أهل الكوفة، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
(عن عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل السهمي أبي محمد المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ اثنان منهم مدنيان، وواحد كوفي، وواحد شامي، وواحد حَدَثاني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: لم يزل أمر بني إسرائيل) وشأنهم في الدين والدنيا (معتدلًا) أي: مستقيمًا (حتى نشأ) وولد، وفي بعض النسخ: (حتى فشا) وكثر (فيهم المولدون) - بضم الميم وفتح الواو واللام المشددة على صيغة اسم المفعول -أي الأولاد الذين
стр. 204
أَبْنَاءُ سَبَايَا الْأُمَمِ، فَقَالُوا بِالرَّأْيِ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
===
ولدوهم من بنات غيرهم، وقوله: (أبناء سبايا الأمم) أي: القبائل غيرهم .. بدل من المولدون، أو عطف بيان له، والمولدون جمع مولد، والمولد: الذي ولد من غير جنسك وقبيلتك؛ كالعرب من الحبشة، والحبشة من العرب مثلًا، كما هو معروف الآن بين الناس، والسبايا جمع سبية كالهدايا جمع هدية؛ وهي المرأة المنهوبة من الأعداء فعيلة بمعنى مفعولة.
(فـ) لما كثر فيهم المولدون (قالوا) أي: قال المولدون (بالرأي) والظن بلا مستند لهم من كتابهم ما شاؤوا، (فضلوا) في أنفسهم عن شريعتهم، (وأضلوا) غيرهم من الأتباع عن دينهم، وفي بعض النسخ: إسقاط هذا الحديث مع سنده.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ولا تغتر بما قاله السندي وما قاله الألباني؛ لأنهما أخطأ افي اسم ابن أبي الرجال، والله أعلم، وهو الهادي إلى الصواب.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والرابع للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 205
(٩) - (٩) - بَابٌ: فِي الْإِيمَانِ
(٥٥) - ٥٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثنَا سُفْيَان،
===
(٩) - (٩) - (باب: في الإيمان)
أي: هذا باب معقود في بيان شعب الإيمان وخصاله وأموره التي تتشعب منه.
* * *
(٥٥) - ٥٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق (الطنافسي) -بفتح المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء ثم مهملة- أبو الحسن الكوفي مولى آل الخطاب، سكن الري وقزوين. روى عن: وكيع، وحفص بن غياث، وأبي معاوية، وابن عيينة، وابن نمير، وخلق، ويروي عنه: (ق)، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وآخرون.
قال أبو حاتم: كان ثقة صدوقًا، وهو أحب إليَّ من أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح، وأبو بكر أكثر حديثًا وأفهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ).
(حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ إمام، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 206
عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْإِيمَان بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ
===
(عن سهيل بن أبي صالح) السمان، صدوق مدني، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم أبو عبد الرحمن المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) السمان ذكوان مولى جويرية بنت الحارث القيسية المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) الدوسي المدني رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله أربعة منهم مدنيون، وثلاثة منهم كوفيون، وحكمه: الصحة.
(قال: قال رسول الله ﷺ : الإيمان) أي: أبواب الإيمان وشعبه وخصاله (بضع وستون) بابًا؛ أي: ستون وزيادة، والبضع والبضعة -بكسر الباء فيهما وحكي فتحها-: القطعة من الشيء، قال الفراء: هو خاص بالعشرات إلى التسعين، فلا يقال: بضع ومئة ولا بضع وألف، وفي "القاموس": هو ما بين الثلاث إلى التسع، أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى أربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوز العشر .. ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال ذلك انتهى.
ويكون مع المذكر بهاء، ومع المؤنث بغير هاء، فتقول: بضعة وعشرون رجلًا، وبضع وعشرون امرأة، ولا تحكس. انتهى "ق".
(أو) قال النبي ﷺ ، أو أبو هريرة، أو من دونه: الإيمان
стр. 207
سَبْعُونَ بَابًا؛ أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ،
===
بضع و (سبعون بابًا) أي: خصالًا، والشك من الراوي أو ممن دونه، وقد وقع عند مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار: (بضع وستون أو بعض وسبعون) على الشك، وعند أصحاب "السنن الثلاثة" من طريقه: (بضع وسبعون) من غير شك، وعند البخاري من طريق سليمان بن بلال: (الإيمان بضع وستون) بلا شك، ورجح البيهقي رواية البخاري بعدم شك سليمان، وعورض بوقوع الشك عنه عند أبي عوانة، ورجح، لأنه المتيقن، وما عداه مشكوك فيه، لا يقال بترجيح رواية (بضع وسبعون) لكونها زيادة ثقة؛ لأنا نقول الذي زادها لم يستمر على الجزم، لا سيما مع اتحاد المخرج.
وهل المراد حقيقة العدد أم المبالغة؟ قال الطيبي: الأظهر معنى التكثير، ويكون ذكر البضع للترقي؛ يعني: أن شعب الإيمان أعداد مبهمة لا نهاية لكثرتها، ولو أراد التحديد .. لم يبهم، وقال آخرون: المراد حقيقة العدد، ويكون النص وقع أولًا على البضع والستين، لكونه الواقع، ثم تجددت العشر الزائدة فنص عليها، وقد حاول جماعة عدها بطريقة الاجتهاد. انتهى "ق".
والمراد من الأبواب: الخصال، وهي كناية عن كثرتها (أدناها) أي: دونها مقدارًا؛ أي: أقلها أجرًا (إماطة الأذى) وإماطة الشيء عن الشيء: إزالته عنه وإذهابه، أي: إزالة ما يؤذي الإنسان؛ كالشوك والحجر (عن الطريق) المسلوك للناس؛ أي: إماطته عن أرضه أو عن هوائه؛ كالشوك النابت في هواء الطريق، (وأرفعها) أي: أكثرها أجرًا، وأساسها (قول لا إله إلا الله) محمد رسول الله ﷺ .
والمراد: مجموع الشهادتين؛ أي: قولهما عن صدق قلب، أو المراد:
стр. 208
وَالْحَيَاءُ شُعْبَة مِنَ الْإِيمَانِ".
===
الشهادة بالتوحيد فقط، كما هو ظاهر اللفظ، لكن عن صدق على أن الشهادة بالرسالة باب آخر.
(والحياء) بالمد لغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وشرعًا: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، والمراد هنا: استعمال هذا الخلق على قاعدة الشرع، وهو هنا مبتدأ خبره (شعبة)، و (من الإيمان) صفة لشعبة، وإنما خصه هنا بالذكر؛ لأنه كالداعي إلى باقي الشعب؛ لأنه يبعث على الخوف من فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، ومن تأمل معنى الحياء، ونظر في قوله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء"، قالوا: إنا لنستحيي من الله يا رسول الله، والحمد لله، قال: "ليس ذلك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء: أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة .. ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى، فمن يعمل ذلك .. فقد استحيا من الله حق الحياء". ورأى العجب العجاب.
وقيل: الحياء نوعان: نفسانيٌّ وإيمانيٌّ؛ فالنفساني الجبلي الذي خلقه الله في النفوس؛ كالحياء من كشف العورة، ومباشرة المرأة بين الناس حتى نفوس الكفرة، والإيماني ما يمنع الشخص من فعل القبيح بسبب الإيمان؛ كالزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من القبائح، وهذا هو المراد في الحديث.
والشعبة في الأصل: غصن الشجرة، وفرع كل أصل، والتنكير فيها -في قوله: "والحياء شعبة من الإيمان"- للتعظيم؛ أي: شعبة عظيمة؛ لأنه يمنع تمام المعاصي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب
стр. 209
(٥٥) - ٥٥ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ
===
أمور الإيمان، الحديث (٩)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان، الحديث (١٥١)، والحديث (١٥٢)، وأبو داوود في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء، الحديث (٤٦٧٦) بنحوه، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه، الحديث (٢٦١٤) بنحوه، والنسائي في كتاب الإيمان، باب ذكر شعب الإيمان، الحديث (٥٠١٩) مطولًا، والحديث (٥٠٢١) مختصرًا.
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٥) - ٥٥ - (م) (حدثنا أبو بكر) عبد الله بن محمد (بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
قال: (حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان -تحتانية- الأزدي الكوفي.
وثقه ابن معين، وابن المديني، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن عجلان) المدني أبي عبد الله القرشي مولاهم، قال في
стр. 210
ح وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ سُهَيْل جَمِيعًا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَه.
===
"التقريب": صدوق، من الخامسة، ووثقه أحمد وابن معين، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(ح وحدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الكوفي.
قال في "التقريب": ثقة صحيح الكتاب، قيل: كان في آخر عمره يهم، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سهيل) -التصغير- ابن أبي حزم، اسمه مهران، وقيل: عبد الله القطيعي -بضم أوله وفتح ثانيه- نسبة إلى قطيعة؛ بطن من زبيد، أبي بكر البصري. روى عن: عبد الله بن دينار، ويروي عنه: جرير.
وثقه العجلي، وقال في "التقريب": ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (عم).
حالة كون كل من محمد بن عجلان وسهيل بن أبي حزم (جميعًا) أي: مجتمعين في الرواية (عن عبد الله بن دينار عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ نحوه) أي: نحو ما روى سهيل بن أبي صالح عن عبد الله بن دينار، وغرضه بيان متابعة ابن عجلان وسهيل بن أبي حزم لسهيل بن أبي صالح في الرواية عن عبد الله بن دينار، فالمتابعة تامة، ويحتمل عود الضمير في نحوه إلى علي بن محمد الطنافسي، وكون جميعًا تأكيدًا لأبي بكر وعمرو بن رافع، وغرضه حينئذ: بيان متابعة أبي بكر وعمرو بن رافع لمحمد بن علي، ولكنها متابعة ناقصة.
стр. 211
(٥٦) - ٥٦ - (٢) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْل وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ،
===
والنحو في قوله: (نحوه) عبارة عن الحديث اللاحق الموافق للسابق في بعض ألفاظه ومعناه، كما بسطنا الكلام عليه وعلى نظائره في "الكوكب الوهاج على مسلم بن الحجاج".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن عمر ﵁ تعالى عنهم، فقال:
(٥٦) - ٥٦ - (٢) (حدثنا سهل بن) زنجلة -بفتح فسكون ففتح- المكني بـ (أبي سهل) بن أبي الصُّغْدِي -بضم فسكون- نسبة إلى الصُّغْدِ؛ موضع بسمرقند، ويقال: بالسين بدل الصاد، أبو عمرو الرازي الخياط الأمير الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن عبد الله بن يزيد) القرشي العدوي مولى آل عمر، أبو يحيى المقرئ المكي. روى عن: أبيه، وابن عيينة.
قال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال النسائي: ثقة، وقال الخليلي: ثقة متفق عليه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي أبو محمد الأعور الكوفي، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم المدني.
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي المدني.
стр. 212
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ: "إِنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ".
(٥٧) - ٥٧ - (٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
===
(عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المكي ﵄.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مكيون، واثنان مدنيان، أو مكيان ومدنيان ورازي، وحكمه: الصحة.
(قال) عبد الله بن عمر: (سمع النبي ﷺ رجلًا يعظ أخاه في) شأن (الحياء) أي: عاتب عليه في شأنه ويحثه على تركه، (فقال) النبي ﷺ للرجل الواعظ: دعه واتركه على حيائه؛ فـ (إن الحياء شعبة) عظيمة كائنة (من) بعض شعب (الإيمان)، فلا تمنعه منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب (١٣)، الحديث (١٥٣)، والترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء إن الحياء من الإيمان، الحديث (٢٦١٥).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به، كما مر آنفًا، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٧) - ٥٧ - (٣) (حدثنا سويد بن سعيد) الهروي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (حدثنا علي بن مسهر) القرشي أبو الحسن الكوفي قاضي الموصل، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 213
عَنِ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبي محمد الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا علي بن ميمون الرقي) أبو الحسن العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا سعيد بن مسلمة) بن هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي نزيل الجزيرة.
قال الدارقطني: ضعيف يعتبر به، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، قلت: وذكره في "الضعفاء " فقال: فاحش الخطأ منكر الحديث جدًّا، وقال الساجي: صدوق منكر الحديث، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثامنة، مات بعد التسعين والمئة. يروي عنه: (ت ق)، ولكن ذكره على سبيل المقارنة، فلا يقدح في السند.
(عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي أبي شبل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين، قيل: عن تسعين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سداسياته؛ رجال الأول منهما: كلهم كوفيون، إلا سويد بن سعيد؛ فإنه هروي، والثاني منهما: أربعة منهم كوفيون، وواحد جزري، وواحد رقي، وحكمهما: الصحة.
стр. 214
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ".
===
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة) دخولًا أوليًا حتى يعذب على كبره إن لم يعف الله عنه إن لم يستحله، وإلا .. فلا يدخل أصلًا؛ لأنه خرج عن الملة باستحلاله (من كان في قلبه مثقال ذرة) أي: وزن نملة صغيرة (من خردل) والذرة -بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء-: واحدة الذر؛ وهو النمل الأحمر الصغير، وسئل ثعلبة عنها، فقال: إن مئة نملة وزن حبة من خردل، وقيل: الذرة لا وزن لها، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس الداخل في الكوة النافذة، ذكره السيوطي.
وفي بعض النسخ: (مثال حبة من خردل) وهو الصواب؛ لأن الذرة لا تكون من خردل، وهو المحفوظ في رواية غيره، وفي رواية مسلم: (مثال ذرة من كبر)، بإسقاط خردل، والخردل: حب معروف من الأبازير.
وقوله: (من كبر) تمييز ذات لمثقال، والكبر -بكسر الكاف وسكون الباء-: دفع الحق وإنكاره ترفعًا عنه مع علمه، قال السندي: ظاهره يوافق قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (١) ولعل المراد: لا يدخل الجنة أولًا، وقيل: المراد بالكبر: الترفع والإباء عن قبول الحق والإيمان، فيكون كفرًا، فلذلك قوبل بالإيمان المذكور في قوله: (ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان) والمراد: أنه لا يخلَّد في النار ومآله إلى الجنة، وقيل: المراد بالحديث أن من يدخل الجنة يخرج
стр. 215
(٥٨) - ٥٨ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ،
===
من قلبه الكبر حينئذ؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ (١) وقيل: يحتمل أنه مبالغة في التثبيت على الإيمان والتشديد على الكبر. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب (٣٩)، الحديث (١٤٨)، والترمذي في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الكبر، الحديث (١٩٩٨)، وأخرجه ابن ماجه أيضًا في كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع، الحديث (٤١١٦).
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به، والله سبحانه وتعالن أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٨) - ٥٨ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري.
قال النسائي: ثقة ثبت أحد الأئمة في الحديث، وقال ابن خزيمة: محمد بن يحيى الذهلي إمام أهل عصره بلا مدافعة، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين والثقات المأمونين، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح، وله ست وثمانون سنة. يروي عنه: (خ عم).
قال: (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).