أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، فَمَضْمَضَ وَغَسَلَ يَدَيْهِ وَصَلَّى.
===
(أن رسول الله ﷺ أكل كتف شاة) مطبوخًا، (فمضمض) فمه من دسومته، (وغسل يديه) أي: كفيه من مرقه، (وصلى) بالناس بلا وضوء.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
ولكن أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب الطهارة، باب من كان لا يتوضأ مما مست النار، وعبد الرزاق في "مصنفه" في الطهارة، باب من قال: لا يتوضأ مما مست النار، وأحمد في "مسنده".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث، كلها صحيحة:
الأول منها: حديث ابن عباس، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث جابر، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث عمرو بن أمية، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث أم سلمة، ذكره للاستشهاد.
والخامس: حديث سويد بن النعمان، ذكره للاستشهاد.
والسادس: حديث أبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1472
(١٢) - (٩١) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ
(٣٩) - ٤٩٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ،
===
(١٢) - (٩١) - (باب ما جاء في الوضوء من) أكل (لحوم الإبل)
* * *
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى له بحديث البراء ﵁، فقال:
(٣٩) - ٤٩٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي أبو محمد الكوفي، ثقة ثقة، من الثامنة. يروي عنه: (ع)، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ)، وله بضع وسبعون سنة.
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير، عمي وهو صغير التميمي الكوفي، من كبار التاسعة، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ)، وله اثنتان وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا) سليمان بن مهران الكاهلي (الأعمش) أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت حافظ قارئ، من الخامسة، مات في ربيع الأول سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ)، وله أربع وثمانون سنة.
(عن عبد الله بن عبد الله) الهاشمي مولاهم أبي جعفر الرازي، قاضي الري، أصله كوفي. روى عن: عبد الرحمن بن أبي ليلى، وجابر بن سمرة، وسعيد بن جبير، وغيرهم، ويروي عنه: (د ت ق)، والأعمش، والحكم بن عتيبة، وحجاج بن أرطاة.
стр. 1473
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوُضُوءِ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ فَقَالَ: "تَوَضَّؤُوا مِنْهَا".
===
وثقه أحمد بن حنبل، وقال في "التقريب": صدوق، من الرابعة.
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، أدرك مئة وعشرين من الصحابة الأنصاريين، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي أبي عمارة الكوفي ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) البراء: (سُئل رسول الله ﷺ عن) حكم (الوضوء من) أكل (لحوم الإبل) هل هو واجب أم لا؟ (فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائلين: (توضؤوا) أيها المسلمون (منها) أي: من أكل لحوم الإبل نيئة كانت أو مطبوخة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في الطهارة (٧٢)، باب الوضوء من لحوم الإبل، رقم (١٨١)، والترمذي في الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، رقم (٨١)، وأحمد بن حنبل في "مسنده" (٤/ ٢٨٨ - ٣٠٣).
قال السندي: قوله: (توضؤوا منها) حمل الجمهور الوضوء في هذا الحديث على غسل اليد، والأمر فيه لتأكيد الاستحباب، وما جاء في هذا الحديث من قوله: "ولا توضؤوا من لحوم الغنم" على إفادة عدم التوكيد لاستحباب غسل اليد بعد أكل لحم الغنم؛ وذلك لما في لحم الإبل من الرائحة الكريهة والدسومة الغليظة، بخلاف لحم الغنم، وكان الداعي لهم إلى التأويل .. أن هذا الحديث
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ورد بعد نسخ الأمر بالوضوء مما مسته النار، وإلا .. وجب الوضوء بعد لحم الغنم أيضًا، ولم يُعلم استحباب الوضوء الشرعي من بعض ما مسته النار بعد أن نُسخ وجوبه حتى يُحمل الحديث عليه، فوجب حمله على غسل اليدين.
قال الترمذي: وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر: (كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما غيرت النار). ولكن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام. انتهى.
تنبيه
قال صاحب "بذل المجهود": أخرج ابن ماجه عن أسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو يرفعانه: "توضؤوا من ألبان الإبل" وهذا محمول عند جميع الأمة على شربها؛ بأن يستحب له أن يمضمض ويزيل الدسومة عن فمه، كذلك يستحب له إذا أكل لحم الجزور أن يغسل يده وفمه ويزيل الدسومة والزهومة. انتهى كلامه.
تنبيه آخر
قال صاحب "بذل المجهود": ولما كان لحوم الإبل داخلة فيما مست النار، وكان فردًا من أفراده، ونُسخ وجوب الوضوء بجميع أفرادها؛ يعني: بحديث جابر أنه قال: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .. ترك الوضوء مما مست النار) .. استلزم نسخ الوجوب عن هذا الفرد أيضًا. انتهى كلامه.
وهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولعدم الانفراد به، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 1475
(٤٠) - ٤٩١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ وَإِسْرَائِيلُ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَبِي الشَّعْثَاءِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ،
===
ولكن قد عرفت ما فيه من تأويل الجمهور.
* * *
ثم استشهد له بحديث جابر بن سمرة ﵁، فقال:
(٤٠) - ٤٩١ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا زائدة) بن قدامة الثقفي الكوفي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة ستين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(وإسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي أبو يوسف الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). كلاهما رويا:
(عن أشعث بن أبي الشعثاء) سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر بن أبي ثور) واسم أبيه: عكرمة، وقيل: مسلمة السوائي الكوفي. روى عن: جده جابر بن سمرة في الوضوء من لحوم الإبل وغير ذلك، وهو جده من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه، وذكر البخاري في "التاريخ" الاختلاف في نسبه، وصدر كلامه بقوله: قال سفيان وزكرياء وزائدة عن سماك عن جعفر بن أبي ثور بن جابر عن جابر بن سمرة، فكأنه عنده أرجح، وصحح
стр. 1476
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَتَوَضَّأَ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ، وَلَا نَتَوَضَّأَ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ.
===
حديثه في لحوم الإبل مسلم وابن خزيمة وابن حبان. انتهى من "التهذيب"، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (م ق).
(عن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الكوفي، الصحابي بن الصحابي المشهور ﵁، له مئة وستة وأربعون حديثًا. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(قال) جابر: (أمرنا رسول الله ﷺ أن نتوضأ من لحوم الإبل، ولا نتوضأ من لحوم الغنم).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم؛ أخرجه في كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل، رقم (٩٧)، وأحمد في "مسنده".
قال النووي: أما أحكام هذا الباب .. فاختلف العلماء في أكل لحم الجزور: فذهب الأكثر إلى أنه لا ينقض الوضوء، وممن ذهب إليه الخلفاء الراشدون الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وابن مسعود وأُبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة، وجماهير التابعين، ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة، واختاره البيهقي، واحتج هؤلاء بحديث الباب؛ يعني: حديث البراء، وحديث جابر بن سمرة.
قال أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: صح عن النبي ﷺ في هذا الباب حديثان: حديث البراء بن عازب، وحديث جابر بن سمرة، وهذا المذهب أقوى دليلًا، وإن كان الجمهور على خلافه، وقد أجاب الجمهور
стр. 1477
(٤١) - ٤٩٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَرَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ،
===
عن هذين الحديثين بحديث جابر بن عبد الله: (كان آخر الأمرين من رسول الله ﷺ .. ترك الوضوء مما مست النار)، ولكن هذا الحديث عام، وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص، والخاص مقدم على العام. انتهى.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة على سبيل الاستطراد بحديث أُسيد بن حضير ﵁، فقال:
(٤١) - ٤٩٢ - (٣) (حدثنا أبو إسحاق الهروي) -بفتحتين- نسبة إلى هراة؛ مدينة بخراسان (إبراهيم بن عبد الله بن حاتم) نزيل بغداد. روى عن: عبّاد بن العوام، وهشيم، وابن أبي الزناد، وابن علية، وغيرهم، ويروي عنه: (ت ق)، وأبو زرعة، وأبو حاتم.
قال ابن معين: لا بأس به، وقال صالح جزرة وأبو زرعة الرازي: صدوق، وقال الدارقطني: ثقة ثبت، وقال إبراهيم الحربي: كان حافظًا متقنًا تقيًا ما كان ها هنا أحد مثله، وقال أبو داوود: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال في "التقريب": صدوق حافظ، تُكلم فيه بسبب القرآن، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ)، وله ست وستون سنة.
(حدثنا عبّاد بن العوام) بن عمر بن عبد الله بن المنذر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي. روى عن: حجاج بن أرطاة، ويحيى بن إسحاق الحضرمي، ويروي عنه: (ع)، وأحمد بن حنبل، وأحمد بن منيع.
قال في "التقريب": ثقة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة، وقيل بعدها.
стр. 1478
عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَكَانَ ثِقَةً، وَكَانَ الْحَكَمُ يَأْخُذُ عَنْهُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ
===
(عن حجاج) بن أرطاة النخعي أبي أرطاة الكوفي، قاضي البصرة، صدوق، من السابعة كثير الخطأ والتدليس، مات سنة خمس، أو سبع وأربعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن عبد الله) الهاشمي (مولى بني هاشم) أبي جعفر الرازي، أصله كوفي، (وكان ثقة، وكان الحكم) بن عتيبة (يأخذ) ويروي (عنه) أي: عن عبد الله بن عبد الله الحديث. يروي عنه: (د ت ق)، والأعمش، وحجاج بن أرطاة.
وقال في "التقريب": صدوق، من الرابعة.
(حدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن أُسيد بن حضير) -بالتصغير فيهما- ابن سماك بن عتيك -بفتح المهملة، وكسر المثناة الفوقية، وسكون التحتانية- الأنصاري الأشهلي أبي يحيى المدني الصحابي الشهير ﵁، له ثمانية عشر حديثًا. يروي عنه: (ع)، مات سنة عشرين (٢٠ هـ)، أو إحدى وعشرين.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف حجاج بن أرطاة وتدليسه لا سيما وقد خالف غيره، فخالف الحجاج الأعمش؛ فإن الأعمش قال: عن البراء بن عازب، وقال الحجاج: عن أسيد بن حضير، والصحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب؛ فإن الأعمش الراوي عن عبد الله بن عبد الله .. أوثق وأحفظ من الحجاج، قال الحافظ في "التلخيص": قال ابن خزيمة في "صحيحه": لم أر خلافًا بين علماء الحديث أن هذا الخبر؛
стр. 1479
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، وَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ".
===
يعني: حديث البراء .. صحيح من جهة النقل؛ لعدالة ناقليه، ونقل الترمذي الخلاف فيه على ابن أبي ليلى هل هو عن البراء، أو عن ذي الغُرة أو عن أسيد بن حضير؟ وصحح أنه عن البراء، وكذا ذكره ابن أبي حاتم في "العلل" عن أبيه. انتهى.
قال إسحاق: صح في هذا الباب؛ أي: في باب الوضوء من لحوم الإبل .. حديثان عن رسول الله ﷺ فقط: الأول: حديث البراء الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب، وأخرجه أيضًا أبو داوود وابن حبان وابن الجارود وابن خزيمة، والثاني: حديث جابر بن سمرة، أخرجه مسلم وابن ماجه.
(قال) أُسيد بن حضير: (قال رسول الله ﷺ : لا توضؤوا من ألبان الغنم) لأنه لا دسومة لها، والمراد بالوضوء المنفي: غسل الفم بعد شربها، (وتوضؤوا من ألبان الإبل) والمراد بالوضوء منها: أن يمضمض ويزيل الدسومة من فمه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فهو ضعيف، قال ابن قدامة: وفي شرب لبن الإبل روايتان: إحداهما: ينقض الوضوء؛ لما روى أُسيد بن حضير، والثانية: لا وضوء فيه؛ لأن الحديث إنما ورد في اللحم، وقولهم: فيه حديثان صحيحان حديث البراء وحديث جابر بن سمرة .. يدل على أنه لا صحيح في هذا الباب سواهما، والحكم ها هنا؛ يعني: في لبن الإبل غير معقول، فيجب الاقتصار على مورد النص؛ وهو اللحم. انتهى كلام ابن قدامة.
على أن استحباب المضمضة من شرب لبن الإبل ليس لحديث أُسيد بن
стр. 1480
(٤٢) -٤٩٣ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ،
===
حضير، بل لحديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ شرب لبنًا، فمضمض وقال: "إن له دسمًا".
فهذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (٤)(٧٦)، فالحديث: ضعيف استطرادي، كما أنه ضعيف استئناسي.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للترجمة بحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٤٢) -٤٩٣ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا يزيد بن عبد ربه) الزبيدي -بالضم- أبو الفضل الحمصي المؤذن الجرجسي- بجيمين مضمومتين بينهما راء ساكنة، ثم سين مهملة- نسبة إلى جرجس؛ اسم محلة من حمص. روى عن: بقية بن الوليد، ووكيع، والوليد بن مسلم، وغيرهم، ويروي عنه: (م د س ق)، بواسطة الذهلي، والكوسج.
قال ابن معين: ثقة صاحب حديث، وقال أبو بكر بن أبي داوود: حمصي ثقة، أوثق من روى عن بقية، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين ومئتين (٢٢٤ هـ)، وله ست وخمسون سنة.
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يُحمد -بضم
стр. 1481
عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَارِبَ بْنَ دِثَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ
===
التحتية وسكون المهملة وكسر الميم- صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ)، وله سبع وثمانون سنة. يروي عنه: (م عم).
(عن خالد بن يزيد بن عمر بن هبيرة الفزاري) الكوفي، قال في "التقريب": مجهول الحال معروف النسب، من الثامنة. روى عن: عطاء بن السائب، ويروي عنه: بقية، له في ابن ماجه حديث واحد في الوضوء من لحوم الإبل.
قال الذهبي: فيه جهالة؛ لأنه لم يرو عنه غير بقية.
(عن عطاء بن السائب) أبي محمد الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(قال) عطاء: (سمعت محارب) بضم الميم وكسر الراء (ابن دثار) -بكسر المهملة وتخفيف المثلثة- السدوسي الكوفي، القاضي ثقة إمام زاهد، من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(يقول) محارب: (سمعت عبد الله بن عمر) بن الخطاب -رضي الله تعالى عنهما-.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه بقية بن الوليد، وهو ضعيف مدلس، روى بالعنعنة، وشيخه خالد بن يزيد وهو مجهول الحال .. لم يرو عنه إلا بقية بن الوليد.
(يقول) عبد الله بن عمرو: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: توضؤوا من) أكل (لحوم الإبل) أي: اغسلوا أيديكم إذا أكلتم لحمها؛ لما فيه
стр. 1482
وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ، وَتَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَا تَوَضَّؤُوا مِنْ أَلْبَانِ الْغَنَمِ، وَصَلُّوا فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ".
===
من الدسومة الغليظة، (ولا توضؤوا) أي: لا تغسلوا أيديكم (من) أكل (لحوم الغنم) لخفة دسومتها، وهذا التفسير على مذهب الجمهور الذي يؤولون الوضوء بغسل الأيدي، والراجح دليلًا عدم التأويل؛ كما هو مذهب أحمد وإسحاق ومن وافقهما، كما مر بسط الكلام فيه.
(وتوضؤوا) أي: مضمضوا فمكم (من) شرب (ألبان الإبل) لغلظ دسومتها، (ولا توضؤوا) أي: لا تمضمضوا فمكم (من) شرب (ألبان الغنم) لخفة دسومتها، (وصلوا في مراح الغنم) أي: مأواها في الليل؛ لأنها هادئة لا تشوش المصلي، (ولا تصلوا في معاطن الإبل) لشدة نفارها وكثرة صياحها؛ فقد يؤدي ذلك إلى بطلان الصلاة، أو قطع الخشوع.
قال السندي: ومراح الغنم: مأواها ليلًا، ومرابض الغنم: مباركها عند الماء، وكلاهما تجوز الصلاة فيه بلا كراهة، ومرابض الغنم: جمع مربض - بفتح الميم وكسر الباء الموحدة آخرها ضاد معجمة - قال الجوهري: المرابض كالمعاطن للإبل، قال: ورُبوض الغنم والبقر والفرس مثل بروك الإبل وجثوم الطير، والمعاطن جمع معطن؛ وهو مبرك الإبل حول الماء، يقال: برك الإبل بروكًا إذا وقع على بركه وهو صدره، كذا في "المصباح"، قال الجوهري: برك الإبل يبرك بروكًا من باب (قعد) إذا استناخ، والنهي عن الصلاة في معاطنها .. للكراهة، وكُرهت فيها؛ لما لا يؤمن من نفارها، فيلحق المصلي ضرر من صدمته وغيرها، فلا يكون له حضور القلب.
ومعنى الحديث: أن الغنم ليس فيها تمرد ولا شرود، بل هي ضعيفة، وفيها سكينة، فلا تؤذي المصلي، ولا تقطع صلاته؛ فهي ذات بركة وسكينة، فصلوا
стр. 1483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في مرابضها، والحديث يدل على عدم جواز الصلاة في مبارك الإبل، وعلى جوازها في مرابض الغنم، قال أحمد بن حنبل: لا تصح الصلاة في مبارك الإبل بحال، قال: ومن صلى فيها .. أعاد أبدًا، وسُئل مالك: عمن لا يجد إلا عطن الإبل، قال: لا يصلي، قيل: فإن بسط عليه ثوبًا، قال: لا. انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٥)(٧٧)؛ لضعف سنده مع انفراده به، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث البراء بن عازب، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث جابر بن سمرة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث أُسيد بن حضير، ذكره للاستئناس.
والرابع: حديث عبد الله بن عمرو، ذكره للاستئناس.
والله أعلم
стр. 1484
(١٣) - (٩٢) - بَابُ الْمَضْمَضَةِ مِنْ شُرْبِ اللَّبَنِ
(٤٣) - ٤٩٤ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(١٣) - (٩٢) - (باب المضمضة من شرب اللبن)
(٤٣) - ٤٩٤ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد الملقب بدحيم -مصغرًا- ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، من الثالثة، مات دون المئة سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) -رضي الله تعالى عنهما-.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
стр. 1485
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَضْمِضُوا مِنَ اللَّبَنِ؛ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا".
(٤٤) - ٤٩٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ،
===
(أن النبي ﷺ قال: مضمضوا) فمكم بالماء (من) شرب (اللبن) إذا أردتم الصلاة .. (فإن له دسمًا) أي: ودكًا، والأمر فيه للندب؛ لأنه قد جاء تركه أحيانًا.
قال السندي: والدسم -بفتحتين-: الودك، ويحتمل أن تكون الفاء تعليلية للمضمضة من اللبن، فتجب المضمضة من كل ما له دسم لهذه العلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الوضوء، باب هل يمضمض من اللبن؟ رقم (٢١١)، ومسلم في كتاب الحيض، باب نسخ الوضوء مما مست النار، رقم (٩٥)، وأبو داوود في الطهارة، باب الوضوء من اللبن، رقم (١٩٦)، والترمذي في الطهارة، باب (٦٦) في المضمضة من اللبن، رقم (٨٩) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رأى بعض أهل العلم المضمضة من اللبن، وهذا عندنا على الاستحباب، ولم ير بعضهم المضمضة من اللبن، والنسائي في الطهارة، باب من قال: يتوضأ في اللبن يُشرب، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وابن الأعرابي في "معجمه"، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث: من المتفق عليه، فهو في أعلى درجات الصحة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث أم سلمة -رضي الله تعالى عنها-، فقال:
(٤٤) - ٤٩٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد) القطواني -بفتح القاف والطاء- نسبة إلى قطوان؛ اسم موضع بالكوفة،
стр. 1486
عَنْ مُوسَى بْنِ يَعْقُوبَ، حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمَعَةَ،
===
أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي. روى عن: موسى بن يعقوب، وسليمان بن بلال، ومالك، وآخرين، ويروي عنه: (خ م ت س ق)، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب، وابن نمير.
قال العجلي: ثقة فيه قليل تشيع، قال عثمان ابن أبي شيبة: هو ثقة صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها، وزعم الباجي أن قطوان قرية بالقرب من الكوفة، وكان يكره أن يقال له: القطواني.
(عن موسى بن يعقوب) بن عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الأسدي الزمعي أبي محمد المدني. روى عن: أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة، ومهاجر بن مسمار، وأبي حازم بن دينار، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، وخالد بن مخلد، وابن مهدي، وآخرون.
قال علي بن المديني: ضعيف الحديث منكره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال ابن القطان: ثقة، وقال في "التقريب": صدوق سيئ الحفظ، من السابعة، مات بعد الأربعين ومئة، قال:
(حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة) بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي. روى عن: أبيه عبد الله بن زمعة، وأمه: زينب بنت أبي سلمة، وجدته أم سلمة زوج النبي ﷺ ، ويروي عنه: (م د س ق)، وموسى بن يعقوب، والزهري، ومحمد بن إسحاق.
قال أبو زرعة: لا أعرف أحدًا ذكر اسمه، له عند مسلم حديث عن أمه زينب عن أمها أم سلمة في الرضاعة، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة، وأبوه عبد الله بن زمعة صحابي مشهور.
стр. 1487
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا شَرِبْتُمُ اللَّبَنَ .. فَمَضْمِضُوا؛ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا".
===
(عن أبيه) عبد الله بن زمعة ﵁ -بفتح الزاي والميم- ابن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي الأسدي، صحابي مشهور. يروي عنه: (ع)، استشهد يوم الدار مع عثمان -رضي الله تعالى عنهما-.
(عن أم سلمة زوج النبي ﷺ ).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، وفي "الزوائد": إسناد رجاله ثقات.
(قالت) أم سلمة: (قال رسول الله ﷺ : إذا شربتم اللبن)، وأردتم الصلاة .. (فمضمضوا) فمكم؛ (فإن له دسمًا) أي: ودكًا يعلق ويبقى في الفم، فيصل إلى الجوف في الصلاة.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" و"مسنده"، كما رواه ابن ماجه عنه، وهو في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عباس، قال المناوي في "فيض القدير": قال الحافظ مغلطاي في "شرح ابن ماجه": إسناده صحيح، وأطال في تقريره وبيان رجاله واحدًا واحدًا، وأنهم موثقون، ورواه مسلم في حديث ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ شرب لبنًا، ثم دعا بماء فتمضمض، وقال: "إن له دسمًا"، رقم (٩٥) - (٣٥٨)، والحديث في "البخاري" باب هل يمضمض من اللبن، رقم (٢١١)، والأمر فيه للاستحباب، والدليل على ذلك ما رواه الشافعي عن ابن عباس راوي الحديث أنه شرب لبنًا فمضمض، ثم قال: "لو لم أتمضمض .. ما باليت"، وروى أبو داوود بإسناد حسن في كتاب الطهارة (٧٨)، باب الرخصة
стр. 1488
(٤٥) - ٤٩٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمُهَيْمِنِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ، عَنْ أَبِيهِ،
===
في ذلك (١٩٧) عن أنس: (أن النبي ﷺ شرب لبنًا، فلم يتمضمض ولم يتوضأ). قاله ابن حجر في "الفتح".
وهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لكون رجاله ثقات؛ ولأن له شواهد، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
* * *
ثم استشهد له ثانيًا بحديث سهل بن سعد الساعدي ﵁، فقال:
(٤٥) - ٤٩٦ - (٣) (حدثنا) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف (أبو مصعب) الزهري المدني. روى عن: مالك "الموطأ"، وعن الدراوردي، وابن أبي حازم، ويروي عنه: (ع)، وأبو إسحاق الهاشمي راوية "الموطأ" عنه، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وغيرهم.
قال الحاكم: كان فقيهًا متقشفًا عالمًا بمذاهب أهل المدينة غير مدافع، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقد نيف على التسعين.
(حدثنا عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي) المدني، ضعيف، من الثامنة، مات بعد السبعين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبيه) عباس بن سهل بن سعد الساعدي، أدرك زمن عثمان. روى عن: أبيه سهل بن سعد، وأبي أُسيد، وأبي حميد الساعديين، وأبي هريرة، وغيرهم، ويروي عنه: (خ م د ت ق)، وابناه: عبد المهيمن وأُبي، وعمرو بن يحيى بن عمارة، وعمارة بن غزية.
стр. 1489
عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَضْمِضُوا مِنَ اللَّبَنِ؛ فَإِنَّ لَهُ دَسَمًا".
===
قال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبل ذلك.
(عن جده) أي: عن جد عبد المهيمن أبي العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي الساعدي، له ولأبيه سعد صحبة -رضي الله تعالى عنهما-، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها، وقد جاوز المئة. روى عن: النبي ﷺ ، وعن أبي بن كعب، وعاصم بن عدي، ويروي عنه: (ع)، وابنه عباس، والزهري، وأبو حازم بن دينار، وغيرهم.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف عبد المهيمن، قال البخاري: فيه منكر الحديث.
(أن رسول الله ﷺ قال: "مضمضوا من اللبن؛ فإن له دسمًا").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكنه صحيح المتن؛ لأن له شواهد من حديث ابن عباس وأم سلمة.
فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن؛ فقد رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" من حديث جابر، قال المناوي في "فيض القدير" (٥/ ٥٢٣): قال مغلطاي: وهذا الحديث أخرجه الأئمة الستة بغير لفظ الأمر، وقال ابن جرير: هذا الحديث صحيح عندنا، وفي "الفردوس": حديث صحيح.
* * *
стр. 1490
(٤٦) - ٤٩٧ - (٤) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدِ، حَدَّثَنَا زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ،
===
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس بن مالك ﵁، فقال:
(٤٦) - ٤٩٧ - (٤) (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) بن داوود (السوّاق) البصري، صدوق، من الحادية عشرة. روى عن: الضحاك بن مخلد، وابن مهدي، ويحيى القطان، وأبي عاصم، ويروي عنه: (ق)، وعبد الرحمن بن محمد بن حماد الطهراني، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا الضحاك بن مخلد) بن الضحاك بن مسلم بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري. روى عن: زمعة بن صالح، وسليمان التيمي، وابن عون، وابن عجلان، ويروي عنه: (ع)، وجرير بن حازم وهو من شيوخه، والكوسج، وآخرون.
قال ابن معين: ثقة، وقال العجلي: ثقة كثير الحديث، وكان له فقه، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ) أو بعدها.
(حدثنا زمعة) بسكون الميم (ابن صالح) الجندي -بفتح الجيم والنون- اليماني نزيل مكة أبو وهب. روى عن: الزهري، وابن طاووس، وعمرو بن دينار، ويروي عنه: (م ت س ق)، والضحاك بن مخلد، وابنه وهب، وابن جريج، والسفيانان.
قال أحمد: ضعيف، وقال النسائي: ليس بالقوي كثير الغلط عن الزهري، وقال في "التقريب": ضعيف، من السادسة، وحديثه عند مسلم مقرون.
стр. 1491
عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: حَلَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَاةً وَشَرِبَ مِنْ لَبَنِهَا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَمَضْمَضَ فَاهُ وَقَالَ: "إِنَّ لَهُ دَسَمًا".
===
(عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف زمعة بن صالح، ضعّفه الجمهور.
(قال) أنس: (حلب رسول الله ﷺ شاة، وشرب من لبنها، تم دعا) وطلب (بماء) فأُتي به، (فمضمض) أي: غسل (فاه) من دسومة اللبن، (وقال: إن له دسمًا) أي: ودكًا، ثم صلى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وروى أبو داوود في "سننه" من طريق توبة عن أنس ما يخالفه: (أن النبي ﷺ شرب لبنًا، فلم يمضمض، ولم يتوضأ وصلى)، وقال المزي في "تحفة الأشراف" رقم (١٤٨٣): ورواه غير واحد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، وهو المحفوظ، ورواه أصحاب الكتب الستة وابن أبي شيبة أيضًا من طريق محمد بن سيرين عن أنس بن مالك والحارث الهمداني موقوفًا عليهما.
وزمعة بن صالح الجندي ضعّفه أحمد وابن معين، وقال ابن معين مرة: صويلح الحديث، وقال أبو زرعة: لين واهي الحديث، فاتفق الجمهور على ضعفه، فهو ضعيف.
فهذا الحديث: ضعيف سندًا؛ لضعف سنده، وانفرد به ابن ماجه، ومتنًا؛ لانفراد ابن ماجه به، ولا شاهد له، فهو ضعيف متنًا وسندًا (٦)(٧٨)، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
стр. 1492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث ابن عباس، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أم سلمة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث سهل بن سعد، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث أنس بن مالك، ذكره للاستئناس.
والله أعلم
стр. 1493
(١٤) - (٩٣) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْقُبْلَةِ
(٤٧) - ٤٩٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبَّلَ بَعْضَ نِسَائِهِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ،
===
(١٤) - (٩٣) - (باب الوضوء من القُبلة)
أي: باب ترك الوضوء من القُبلة.
* * *
(٤٧) - ٤٩٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا وكيع، حدثنا الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت) قيس بن دينار الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق ثقة، وقال في "التقريب": ثقة فقيه جليل، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عروة بن الزبير، عن عائشة) -رضي الله تعالى عنها-.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لانقطاعه؛ لأن حبيبًا لم يسمع من عروة.
(أن رسول الله ﷺ قبّل بعض نسائه) أي: بعض أزواجه، (ثم خرج إلى) المسجد لـ (الصلاة، و) الحال أنه (لم يتوضأ) بعد القُبلة للصلاة؛ أي: فصلى بالوضوء السابق ولم يتوضأ وضوءًا جديدًا من
стр. 1494
قُلْتُ: مَا هِيَ إِلَّا أَنْتِ، فَضَحِكَتْ.
===
التقبيل، وفيه دليل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء. انتهى "تحفة".
قال عروة: (قلت) لعائشة: (ما هي) أي: ما المرأة التي قبّلها (إلا أنت) يا خالتي، وما هنا تميمية أو حجازية، بطل عملها؛ لانتقاض نفيها بإلا، (فضحكت) عائشة تصديقًا لكلامي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٦٩)، باب الوضوء من القُبلة، رقم (١٧٩)، والترمذي في الطهارة (٦٣)، باب ترك الوضوء من القبلة، رقم (٦٩)، قال أبو عيسى: وقد رُوي نحو هذا من غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن التابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، قالوا: ليس في القُبلة وضوء. انتهى.
قال في "التحفة": وإليه ذهب علي وابن عباس وعطاء وطاووس وأبو حنيفة، واستدل لهم بحديث عائشة المذكور في الباب، وهو حديث ضعيف؛ لضعف سنده بالانقطاع، ولكنه مروي من طرق كثيرة يقوّي بعضها بعضًا، وبحديث أبي سلمة عن عائشة، قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد .. غمزني فقبضت رجليّ، فإذا قام .. بسطتها، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح). أخرجه البخاري ومسلم، وفي لفظ: (فإذا أراد أن يسجد .. غمز رجلي، فضممتها إليّ، ثم سجد)، وبحديثها قالت: (إن كان رسول الله ﷺ ليصلِّي وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر .. مسني برجله). أخرجه النسائي، قال الحافظ في "التلخيص": إسناده صحيح، وقال الزيلعي: إسناده على شرط الصحيح، وبحديثها قالت: (فقدت رسول الله ﷺ ليلة من الفراش، فالتمسته، فوضعت يدي على باطن قدميه وهو في المسجد وهما
стр. 1495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
منصوبتان ... ) الحديث، أخرجه مسلم والترمذي. انتهى من "التحفة".
قال أبو عيسى أيضًا: وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: في القُبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين، وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري، واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (١)، قالوا: هذه الآية صرّحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة في لمس اليد، ويؤيد بقاءه على معناه الحقيقي قراءة حمزة والكسائي: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ (٢)؛ فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع، وروى مالك في "الموطأ" عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: قُبلة الرجل امرأته وجسُّها بيده .. من الملامسة، فمن قبّل امرأته أو جسّها بيده .. فعليه الوضوء.
وقال أبو عيسى أيضًا: (إنما ترك أصحابنا) يعني: أهل الحديث، أو الشافعية، لكن الظاهر هو الأول (حديث عائشة عن النبي ﷺ في هذا الباب؛ لأنه لا يصح عندهم؛ لحال الإسناد) فهو حديث ضعيف، لكن قال الشوكاني في "النيل": ضعفه منجبر بكثرة رواياته، وبحديث لمس عائشة لبطن قدم رسول الله ﷺ ، والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه ﷺ بما ذكره ابن حجر في "الفتح" من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل، أو على أن ذلك خاص به .. تكلف ومخالفة للظاهر. انتهى كلامه.
قال أبو عيسى: (سمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني
стр. 1496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال: ضعّف يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث جدًّا، وقال: هو شبه لا شيء؛ يعني: أنه ضعيف).
قال أبو عيسى: (وسمعت محمد بن إسماعيل يضعّف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة)، وكذلك قال أحمد: لم يسمع حبيب من عروة، فهو منقطع، (وقد روي هذا الحديث عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي ﷺ قبّلها ولم يتوضأ. وهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة) ولا من حفصة، ولا أدرك زمانهما.
قال أبو عيسى: (وليس يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء) أي: في ترك الوضوء من القُبلة.
قال في "تحفة الأحوذي": لكن حديث الباب مروي من طرق كثيرة، والضعف منجبر بكثرة الطرق، ويؤيده أحاديث عائشة، كما قد عرفت، وقال أيضًا صاحب "التحفة": قلت: قول من قال: إن مس المرأة لا ينقض الوضوء .. هو الأقوى والأرجح عندي، والله تعالى أعلم.
قوله: (قبّل بعض نسائه) قال السندي: من التقبيل، وهذا لا يخلو عن مس شهوة عادة، فهذا التقبيل على أن المس بشهوة لا ينقض الوضوء، وهذا الحديث قد رواه أبو داوود والنسائي بإسناد فيه إرسال، والإرسال لا يضر عندنا وعند الجمهور في الاحتجاج، وقد جاء بذلك الإسناد موصولًا، ذكره الدارقطني، وقد رواه البزار بإسناد حسن، ورواه المصنف بإسنادين، فالحديث حجة بالاتفاق، ويوافقه حديث مس عائشة رجل النبي ﷺ في السجود، رواه مسلم وغيره، ولذلك حمله الشافعي أن عدم نقض الوضوء بالمس من خصائصه ﷺ ، لكن الأصل هو العموم.
стр. 1497
(٤٨) - ٤٩٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حَجَّاجٍ،
===
وأما قول البغوي في "شرح السنة": ضعّف يحيى القطان هذا الحديث، وقال: هو يشبه لا شيء، وضعّفه محمد بن إسماعيل، وقال حبيب بن أبي ثابت: لم يسمع من عروة، ولا يصح في هذا الباب شيء. انتهى .. فقد علمت دفعه بما ذكرنا ضرورة أن مرسل أبي داوود والنسائي ثابت، وهو يكفي في الباب عند الكل، ومع ذلك فقد رواه البزار بإسناد حسن، فقد تم الاحتجاج بذلك، ورواية مسلم في باب المس كافية في الاحتجاج؛ ففي إسناد ابن ماجه الأول الذي تكلم فيه سعيد ومحمد بن إسماعيل .. كفاية، قد عرفت أن أمر الاحتجاج لا يتوقف على ثبوت السماع، على أن أبا داوود أورد كلام سعيد، ومال إلى إثبات سماع حبيب عن عروة، فصار هذا الإسناد أيضًا حجة، وقد تمت الحجة بوجود السماع بحمد الله، فلله الحجة البالغة. انتهى منه.
قلت: فالحديث صحيح؛ لانجبار ضعف سنده بالانقطاع بكثرة طرقه، كما قاله الشوكاني، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، فيقال: الحديث ضعيف السند، صحيح المتن.
* * *
ثم استأنس للترجمة بحديث آخر لعائشة -رضي الله تعالى عنها-، فقال:
(٤٨) - ٤٩٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من التاسعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ).
(عن حجاج) بن أرطاة النخعي الكوفي، صدوق، من السابعة. يروي
стр. 1498
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُقَبِّلُ وَيُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ، وَرُبَّمَا فَعَلَهُ بِي.
===
عنه: (م عم)، كثير الخطأ والتدليس، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي، صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (عم)، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ).
(عن) عمته (زينب) بنت محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص (السهمية) أي: المنسوبة إلى بني سهم.
قال في "التقريب": لا يعرف حالها، من الثالثة، وقال في "التهذيب": روت عن: عائشة أم المؤمنين في القُبلة، ويروي عنها: (ق)، وأخوها، وابن أخيها عمرو بن شعيب.
قلت: وذكرها ابن حبان في "الثقات"، ولكن قال الدارقطني: زينب السهمية هذه مجهولة، ولا تقوم بها حجة، وحجاج بن أرطاة الذي نسبها لا يُحتج به لأنه مدلس، وقال ابن عبد البر نحوه. انتهى.
(عن عائشة) -رضي الله تعالى عنها-.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حجاج بن أرطاة وهو مدلس، روى بالعنعنة، وزينب السهمية، قال الدارقطني: هي مجهولة لا تقوم بها حجة؛ وهي عمة عمرو بن شعيب، تفرد بالرواية عنها.
(أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ، ثم) بعد الوضوء (يقبّل) بعض زوجاته، (ويصلي و) الحال أنه (لا يتوضأ، وربما فعله) أي: فعل ذلك التقبيل والصلاة بعده بلا وضوء (بي) أي: بنفسي.
стр. 1499
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وهذا الحديث درجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده ولا شاهد له، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
فنقول: الحديث ضعيف السند والمتن (٧)(٧٩).
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: حديثان:
الأول: حديث عائشة الأول، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث عائشة الثاني، ذكره للاستئناس.
والله أعلم
стр. 1500
(١٥) - (٩٤) - بَابُ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَذْيِ
(٤٩) - ٥٠٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ،
===
(١٥) - (٩٤) - (باب) وجوب (الوضوء من) خروج (المذي) لا الغُسل
والمذي فيه لغات؛ أفصحها: بفتح الميم، وسكون الذال المعجمة، وتخفيف الياء، ثم بكسر الذال، وتشديد الياء؛ وهو: ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة والتقبيل عادة أو تذكر الجماع وإرادته، وقد لا يحس بخروجه. كذا في "الفتح". انتهى من "العون".
* * *
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث علي بن أبي طالب ﵁، فقال:
(٤٩) - ٥٠٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم) -مصغرًا- ابن بشير -مكبرًا- ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم -بمعجمتين- الواسطي، نزيل بغداد، ثقة ثبت، كثير التدليس، من السابعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ)، وقد قارب الثمانين، وليس عندهم هشيم إلا هذا.
(عن يزيد بن أبي زياد) القرشي الهاشمي مولاهم أبي عبد الله الكوفي، رأى أنسًا. روى عن: عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومولاه عبد الله بن الحارث بن نوفل، وإبراهيم النخعي، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، وهشيم، وأبو عوانة، وشعبة، وزائدة، وآخرون.
ضعّفه ابن معين وابن سعد وابن قانع، وقال أبو حاتم والدارقطني: ليس
стр. 1501
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ، وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ".
===
بالقوي، وقال في "التقريب": ضعيف، كبُر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ).
(عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني ثم الكوفي، ثقة، من الثانية، مات بوقعة الجماجم سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف.
(قال) علي: (سُئل رسول الله ﷺ عن المذي) أي: عن حكمه هل يوجب الوضوء أو الغسل؟ والسائل هو المقداد بن الأسود بأمر علي؛ لأنه استحيا من سؤاله بنفسه؛ لمكانة فاطمة عنده، كما في "صحيح مسلم"، (فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (فيه) أي: في خروج المذي (الوضوء، وفي) خروج (المني الغُسل) ففي الحديث دليل على أن خروج المذي لا يوجب الغُسل، وإنما يجب به الوضوء.
وشارك في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في الطهارة، باب (٨٣) ما جاء في المني والمذي، رقم (١١٤).
قال أبو عيسى: وهذا الحديث حسن صحيح، وفي الباب عن المقداد بن الأسود وأُبي بن كعب، وأخرجه أحمد وأبو داوود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه البخاري ومسلم مختصرًا، وفي إسناد الترمذي وابن ماجه يزيد بن أبي زياد، وقد عرفت ما فيه من الكلام، وقد صحح الترمذي حديث يزيد هذا في مواضع،
стр. 1502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحسّنه في موضع، كما عرفت في المقدمة، فلعل تصحيحه وتحسينه بمشاركة الأمور الخارجة عن نفس السند؛ من اشتهار المتون، ونحو ذلك، وإلا .. فيزيد ليس من رجال الحسن، فكيف الصحيح؟ ! وأيضًا الحديث من رواية ابن أبي ليلى عن علي، وقد قيل: إنه لم يسمع منه. انتهى "تحفة الأحوذي".
قلت: الحديث صحيح؛ لأن له شاهدًا في "صحيح مسلم"، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
أخرجه مسلم بسند صحيح في كتاب الحيض، باب المذي، رقم (١٨)، لفظه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع وأبو معاوية وهشيم عن الأعمش عن منذر بن يعلي عن ابن الحنفية عن علي قال: (كنت رجلًا مذاءً، وكنت أستحيي أن أسأل النبي ﷺ ؛ لمكانة ابنته، فأمرت المقداد بن الأسود ... ) الحديث، وأخرجه أبو داوود أيضًا، والنسائي، فالحديث: صحيح المتن والسند، فلا غبار عليه.
ولكن في رواية الترمذي عن ابن أبي ليلى عن علي قال: (سألت النبي ﷺ )، فأضاف السؤال إلى نفسه، وفي رواية مالك والبخاري ومسلم أنه قال: (فأمرت المقداد بن الأسود)، وفي رواية النسائي أن عليًّا قال: (أمرت عمار بن ياسر)، فبين هذه الرواية معارضة، وجمع ابن حبان بين هذا الاختلاف: بأن عليًّا أمر عمارًا أن يسأل، ثم سأل بنفسه، قال الحافظ: وهو جمع جيد إلا بالنسبة إلى آخره؛ لكونه مغايرًا لقوله: إنه استحيا عن السؤال بنفسه؛ لأجل فاطمة، فيتعين حمله على المجاز؛ بأن بعض الرواة أطلق أنه سأل؛ لكونه الآمر بذلك، وبهذا جزم الإسماعيلي ثم النووي. انتهى "تحفة الأحوذي".
стр. 1503
(٥٠) - ٥٠١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ
===
قلت: وأما كون المأمور المقداد في رواية الشيخين ومالك، وكونه عمارًا في رواية النسائي .. فالجمع بينهما بترجيح رواية الشيخين. انتهى من الفهم السقيم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي بحديث المقداد -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٥٠) - ٥٠١ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي أبو محمد البخاري نزيل البصرة، ثقة. يروى عنه: (ع)، قيل: كان يحيى القطان لا يرضاه، من التاسعة، مات سنة تسع ومئتين (٢٠٩ هـ).
(حدثنا مالك بن أنس) الأصبحي المدني إمام الفروع، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سالم) بن أبي أمية (أبي النضر) بدل من سالم، أو عطف بيان له، التيمي مولاهم؛ مولى عمر بن عبيد الله المدني. يروى عنه: (ع)، ثقة ثبت، وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ).
(عن سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم؛ مولى ميمونة أم المؤمنين. يروي عنه: (ع)، ثقة فاضل، أحد الفقهاء السبعة في المدينة، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها.
(عن المقداد بن الأسود) الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من سداسياته وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
стр. 1504
أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَدْنُو مِنِ امْرَأَتِهِ فَلَا يُنْزِلُ قَالَ: "إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ .. فَلْيَنْضِحْ فَرْجَهُ" يَعْنِي: لِيَغْسِلْهُ وَيَتَوَضَّأْ.
===
(أنه) أي: أن المقداد (سأل النبي ﷺ عن) حكم (الرجل يدنو) ويقرب (من امرأته) وزوجته ويلاعب معها بلا جماع، ويخرج منه المذي، (فلا يُنزل) المني، فماذا عليه، هل يجب عليه الاغتسال، أو الوضوء؟ فـ (قال) له النبي ﷺ في جواب سؤاله: (إذا وجد) ورأى (أحدكم ذلك) الماء الرقيق المسمى بالمذي .. (فلينضح فرجه) من ذلك الخارج، من النضح؛ وهو: الرش؛ أراد به الغسل الخفيف، كما أشار إليه الراوي بقوله: (يعني) النبي ﷺ بقوله: فلينضح فرجه: (ليغسله) أي: ليغسل فرجه من الخارج الذي هو المذي؛ لنجاسته، (ويتوضأ) منه؛ لأنه ينقض الوضوء؛ لأنه خارج من أحد السبيلين.
والمعنى: إذا أمذى أحدكم .. يغسل ذكره، وكذا المرأة قبلها، وثوبه إذا أصابه؛ لأنه نجس ويتوضأ؛ لأنه خارج من أحد السبيلين، فينقض الوضوء كالبول، واستفيد منه أن المذي نجس، وأنه ينقض الوضوء، ولا يوجب الغسل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في الطهارة (٨٣)، باب في المذي، رقم (٢٠٨)، والنسائي في الطهارة (١١٢)، باب ما ينقض الوضوء وما لا ينقض الوضوء من المذي، رقم (١٥٦).
فدرجته: أنه صحيح؛ لكون سنده صحيحًا، ولأن له شواهد، فغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث علي ﵁.
فائدة
واعلم: أن ها هنا ثلاثة مياه:
الأول: المني؛ وهو يوجب الغسل سواءً كان من الرجل أو المرأة، وله خواص
стр. 1505
(٥١) - ٥٠٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
===
يُعرف بها: إحداها: الخروج بشهوة مع الفتور عقبه، الثانية: الرائحة كرائحة الطلع، الثالثة: الخروج بتدفق وتدفع، هذا كله في مني الرجل، وأما المرأة .. فمنيها أصفر رقيق، كذا في "النووي".
وثانيها: المذي؛ وهو الماء الرقيق الذي يخرج عند الشهوة الضعيفة والملاعبة ونحوها؛ كالقبلة من غير تدفق.
وثالثها: الودي؛ وهوماء أبيض كدر لا رائحة له، فيخرج بعد البول، أو عند الحمل بحمل ثقيل، فهذان الأخيران موجبان للوضوء لا للغُسل؛ لأنهما خرجا من أحد السبيلين كالبول. انتهى من "التحفة" بتصرف وزيادة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث على بحديث سهل بن حنيف ﵃، فقال:
(٥١) - ٥٠٢ - (٣) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي.
(حدثنا عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، قال في التقريب: ثقة ثبت، فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، من الثامنة. يروي عنه (ع)، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ).
(وعبدة بن سليمان) الكلابي -بكسر الكاف- يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع)، كلاهما رويا:
стр. 1506
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: كُنْتُ أَلْقَى مِنَ الْمَذْيِ شِدَّةً فَأُكْثِرُ مِنْهُ الاغْتِسَالَ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا
===
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم أبي عبد الله المدني. يروي عنه: (م عم)، صدوق، يدلس، ورُمي بالتشيع والقدر، إمام في المغازي، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها.
(حدثنا سعيد بن عبيد) مصغرًا بلا إضافة (بن السباق) على صيغة المبالغة الثقفي أبو السبّاق المدني، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) عبيد بن السباق الثقفي بن سعيد المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن حنيف) بن واهب الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور ﵁، من أهل بدر، واستخلفه علي على البصرة، ومات في خلافته. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وهو صدوق مدلس رُمي بالتشيع والقدر.
(قال) سهل بن حنيف: (كنت) دائمًا (ألقى) مضارع المتكلم من لقي يلقى من باب رضي يرضى؛ أي: أجد (من المذي شدة) أي: كثرة، (فأكثر منه) أي: من المذي؛ أي: من خروجه متعلق بما بعده (الاغتسال) أي: غسل جميع البدن كالجنابة، فتعبت لذلك، (فسألت رسول الله ﷺ ) عن حكمه هل يوجب الغسل أو الوضوء؟
(فقال) لي رسول الله ﷺ في جواب سؤالي: (إنما
стр. 1507
يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي؟ قَالَ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ كَفٌّ مِنْ مَاءٍ تَنْضِحُ بِهِ مِنْ ثَوْبِكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ".
===
يُجزيك) -بضم الياء- من الإجزاء؛ أي: إنما يكفيك (من) خروج (ذلك) المذي .. (الوضوء) ولأنه ينقض الوضوء فلا يُوجب الغسل، فـ (قلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ كيف) أفعل (بما يصيب ثوبي) منه؛ أي: من المذي هل أغسله أو أمسحه؟
(قال) لي ﷺ : (إنما يكفيك) ويجزيك في تطهير ثوبك منه (كف من ماء) أي: ماء قليل، فتغسل به ما أصابه من الثوب، وظاهره: أن الغُسل مرة واحدة يكفي، (تنضح به) أي: ترش بذلك الكف (من ثوبك حيث ترى)، وتظن (أنه) أي: أن المذي (أصابـ) ـه؛ يعني: تغسله غسلًا خفيفًا مرة واحدة حيث أصابه من الثوب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٨٣)، باب في المذي، رقم (٢١٠)، والترمذي في الطهارة، باب (٨٤) ما جاء في المذي، رقم (١١٥)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرفه إلا من حديث محمد بن إسحاق في المذي مثل هذا، قال في "التحفة": ومعنى هذا الكلام: لا نعرف مثل هذا الحديث في باب المذي من نضح الثوب إذا أصابه المذي في حديث إلا في حديث محمد بن إسحاق، والحاصل: أن محمد بن إسحاق متفرد بهذا عن سعيد بن عبيد. انتهى "تحفة الأحوذي".
وقد اختلف أهل العلم في المذي يصيب الثوب: فقال بعضهم: لا يجزئ إلا الغُسل؛ وهو قول الشافعي وإسحاق، وقال بعضهم: يجزئه النضح، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه النضح بالماء.
стр. 1508
(٥٢) - ٥٠٣ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي حَبِيبِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ،
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث علي بحديث أُبي بن كعب -رضي الله تعالى عنهما-، فقال:
(٥٢) -٥٠٣ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي أبو سلمة الكوفي، قال في "التقريب": ثقة ثبت فاضل، من السابعة، قال محمد بن بشر: كان عنده ألف حديث، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ) أو خمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة العبدري الحجبي المكي. روى عن: أبي حبيب بن يعلى، وأبيه، وعمة أبيه صفية بنت شيبة، ويروي عنه: (م عم)، ومسعر بن كدام، وابن جريج، وزكرياء بن أبي زائدة، وآخرون.
وثقه العجلي وابن معين، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال في "التقريب": لين الحديث، من الخامسة.
(عن أبي حبيب بن يعلى بن منية) لم أر من ذكر اسمه، التميمي. روى
стр. 1509
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ أَتَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَمَعَهُ عُمَرُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ مَذْيًا، فَغَسَلْتُ ذَكَرِي وَتَوَضَّأْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَ يُجْزِئُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ.
===
عن: ابن عباس عن أُبي بن كعب في غُسل المذي، وغير ذلك، ويروي عنه: (ق)، ومصعب بن شيبة.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مجهول، من الرابعة.
(عن ابن عباس) -رضي الله تعالى عنهما- (أنه) أي: أن ابن عباس (أتى) أي: جاء (أُبي بن كعب) ﵁ في بيته، (ومعه) أي: والحال أن مع ابن عباس (عمر) بن الخطاب ﵁، فنادياه وأُبي في بيته، (فخرج) أُبي من البيت (عليهما) أي: على ابن عباس وعمر، (فقال) أُبي بن كعب اعتذارًا عن تأخر خروجه عليهما: (إني وجدت) على ذكري أي: رأيت عليه (مذيًا، فغسلت ذكري) من المذي، (وتوضأت) لأنه ينقض الوضوء، فخرجت إليكما.
(فقال عمر) لأُبي بن كعب: (أ) تفعل ذلك الذي ذكرته من غسل الذكر والوضوء، (ويجزئ ذلك) الذي ذكرت في خروج المذي منه، ولم تغسل جميع بدنك؟ (قال) أُبي بن كعب لعمر: (نعم) يجزئ ذلك الذي فعلت في خروج المذي، (قال) عمر لأُبي: (أسمعته) أي: هل سمعت ذلك الذي ذكرت من غسل الذكر والوضوء؛ أي: هل سمعت إجزاءه في خروج المذي (من رسول الله ﷺ ؟ قال) أُبي بن كعب: (نعم)، سمعت إجزاءه في خروج المذي من رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويين مختلفًا فيهما؛ وهما مصعب بن شيبة، وأبو حبيب.
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجة الحديث: أنه صحيح لغيره، وغرضه: الاستشهاد به؛ لأن أصله في "الصحيحين" من حديث علي بن أبي طالب والمقداد بن الأسود، ونصه عن علي بن أبي طالب قال: (كنت رجلًا مذاءً، فاستحييت أن أسأل رسول الله ﷺ ، فأمرت المقداد بن الأسود، فسأله، فقال: "فيه الوضوء"، ولمسلم: "يغسل ذكره ويتوضأ"، ولأحمد وأبي داوود: "يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ".
* * *
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث علي بن أبي طالب، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث المقداد بن الأسود، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث سهل بن حنيف، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث أبي بن كعب، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم