قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: وَهُوَ عِنْدَنَا ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ
===
وقال البخاري: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: يروي عن أبي المليح عجائب، وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف ضعيف، وبالجملة: أجمعوا على ضعفه وتركه.
(قال محمد بن يحيى) الذهلي (وهو) أي: عبيد الله الهذلي (عندنا) أي: معروف عندنا بـ (ابن أبي حميد).
قال عبيد الله الهذلي: (أنبأنا أبو المليح) بن أسامة (الهذلي) قيل: اسمه عامر، وقيل: زيد بن أسامة بن عمير، وقيل: ابن عامر بن عمير بن حنيف بن ناجية بن عمرو بن الحارث بن كثير بن هند بن طابخة بن لحيان بن هذيل، وقيل غير ذلك. روى عن: واثلة بن الأسقع، وعوف بن مالك، وعائشة، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وجماعة، ويروي عنه: (ع)، وعبيد الله بن أبي حميد الهذلي، وأيوب، وخالد الحذاء، وأبو قلابة الجرمي، وقتادة بن دعامة، وخلق.
وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: ثمان ومئة (١٠٨ هـ)، وقيل بعد ذلك.
(عن واثلة بن الأسقع) -بالقاف- ابن كعب الليثي، الصحابي المشهور ﵁، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ)، وله مئة وخمس سنين. يروي عنه: (ع)، له ستة وخمسون حديثًا (٥٦)، كان من أهل الصفة، أسلم قبل تبوك وشهدها، وليس عندهم من اسمه واثلة إلا هذا الصحابي الجليل ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله عبيد الله بن
стр. 1577
قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اللهُمَّ؛ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِكَ إِيَّانَا أَحَدًا، فَقَالَ: "لَقَدْ حَظَرْتَ وَاسِعًا، وَيْحَكَ أَوْ وَيْلَكَ"، قَالَ: فَشَجَ يَبُولُ، فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ"، ثُمَّ دَعَا بِسَجْلٍ مِنْ مَاءٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ.
===
أبي حميد الهذلي، وهم أجمعوا على تركه، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا عن أبي المليح عن واثلة استشهادًا.
(قال) واثلة: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: اللهم؛ ارحمني ومحمدًا، ولا تشرك في رحمتك إيانا أحدًا) من الناس، (فقال) له رسول الله ﷺ : والله؛ (لقد حظرت) ومنعت ربًا (واسعًا) رحمته لجميع الخلائق، (ويحك) أي: ألزمك الله الويح والرحمة؛ وهي كلمة تقال لمن استحق الاسترحام له؛ لوقوعه في هلكة، (أو) قال له النبي ﷺ : (ويلك) أي: ألزمك الله الويل والهلاك؛ وهي كلمة تقال لمن استحق الهلاك؛ لإساءته الأدب، والشك من الراوي أو ممن دونه.
(قال) واثلة بن الأسقع: ثم (فشج) الأعرابي؛ أي: فرّج بين رجليه، وفرّق بينهما حالة كونه (يبول) أي: يُخرج البول في المسجد، (فقال) له (أصحاب النبي ﷺ : مه) أي: اكفف عن التبول في المسجد أيها الأعرابي وانزجر عنه، (فقال) لهم (رسول الله ﷺ : دعوه) أي: اتركوه على حاله، فليكمل بوله خوفًا من انتشار بوله في المسجد، (ثم) بعد فراغه من بوله (دعا) رسول الله ﷺ وطلب (بسجل) أي: بدلو عظيم مملوء (من ماء)، فأُتي به (فصب) النبي ﷺ ذلك السجل؛ أي: أمر بصبه (عليه) أي: على ما أصابه بوله من المسجد.
стр. 1578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وسنده: ضعيف؛ لضعف عبيد الله الهذلي، ولكن المتن صحيح؛ لأن له شواهد من حديث أنس وأبي هريرة، وغرضه: الاستشهاد به.
فالحديث: ضعيف المسند، صحيح المتن.
قال الشوكاني في "النيل": استدل به -يعني: بحديث الباب- على أن تطهير الأرض المتنجسة يكون بصب الماء عليها، لا بالجفاف بالريح أو الشمس؛ لأنه لو كفى ذلك. . لما حصل التكليف بطلب الماء، وهو مذهب العترة والشافعي ومالك وزفر، وهذا القول هو أصح الأقوال وأقواها من حيث الدليل، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: هما مطهران؛ لأنهما يحيلان الشيء، ثم قول من قال: إنها تطهر بالجفاف بالشمس أو الهواء إن كان لفظ (تبول) في حديث ابن عمر المذكور محفوظًا؛ يعني به: قول ابن عمر: (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله ﷺ ، وكنت فتىً شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتُقبل وتُدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون في ذلك الماء. . .). أخرجه أبو داوود، وبوّب عليه بقوله: باب في طهور الأرض إذا يبست.
وأما قول من قال: إنها لا تطهَّر إلا بالحفر ونقل التراب. . فمستنده الروايات التي وقع فيها ذكر الحفر، وقد عرفت ما في تلك الروايات من المقال، ثم هي إن دلت على أن الأرض النجسة لا تطهر إلا بالحفر ونقل التراب. . فهي معارضة بحديث ابن عمر المذكور وحديث الباب، هذا ما عندي، والله أعلم. انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
стр. 1579
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أنس، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث واثلة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1580
(٢٤) - (١٠٣) - بَاب: الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا
(٧٥) - ٥٢٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
===
(٢٤) - (١٠٣) - (باب: الأرض يطهِّر بعضها بعضًا)
(٧٥) - ٥٢٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -بنون مصغرًا- السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق، مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مالك بن أنس) بن أبي عامر الأصبحي المدني، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا محمد بن عمارة بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني، صدوق يخطئ، من السابعة. يروي عنه: (عم).
(عن محمد بن إبراهيم بن الحارث) بن خالد (التيمي) أبي عبد الله المدني، ثقة، له إفراد، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف) قال الزرقاني: اسمها حميدة، تابعية صغيرة، مقبولة.
وقال الحافظ في "التقريب": حميدة عن أم سلمة، يقال: هي أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، مقبولة، من الرابعة.
стр. 1581
أَنَّهَا سَأَلَتْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي فَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ".
===
(أنها سألت أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية (زوج النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
فـ (قالت) حميدة في سؤالها لأم سلمة: (إني امرأة أطيل) من الإطالة (ذيلي) أي: طرف ثوبي، والذيل -بفتح الذال-: هو طرف الثوب الذي يلي الأرض وإن لم يمسها، (فأمشي في المكان القذر) -بكسر الذال- أي: في مكان ذي قذر؛ أي: في المكان النجس جارة ذيلي عليه، فما حكم ذيلي: هل لا بد من غسله، أم هو معفو عنه؟
(فقالت) أم سلمة في جواب سؤالها: (قال) لنا (رسول الله ﷺ حين سألناه عنه: (يطهره) أي: يطهر الذيل الذي أصابه القذر أولًا (ما بعده) في محل الرفع فاعل (يطهِر) أي: يطهِر القذر الذي أصابه في المكان الأول ما بعده؛ أي: المكان الذي بعد المكان القذر بإزالة ما يتشبث ويتعلق بالذيل من القذر.
قال الخطابي: كان الشافعي يقول: إنما هو فيما جر على ما كان يابسًا لا يعلق بالثوب منه شيء، فأما إذا جر على رطب. . فلا يطهره إلا الغسل، وقال أحمد: ليس معناه إذا أصابه بول، ثم مر به على الأرض. . أنها تطهِّره، ولكنه يمر بالمكان، فيقذّره، ثم يمر بمكان أطيب منه، فيكون هذا بذاك، لا على أن يصيبه منه شيء، وقال مالك فيما رُوي عنه: إن الأرض يطهر بعضها بعضًا؛ إنما هو أن يطأ الأرض القذرة، ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة؛ فإن بعضها يطهر
стр. 1582
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بعضًا، فأما النجاسة؛ مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو بعض الجسد. . فإن ذلك لا يطهره إلا الغسل، قال: وهذا إجماع الأمة. انتهى كلامه.
قال الزرقاني: وذهب بعض العلماء إلى حمل القذر في الحديث على النجاسة ولو رطبة، وقالوا: يطهره الأرض اليابسة؛ لأن الذيل للمرأة كالخُف والنعل للرجل، ويؤيده ما في "ابن ماجه" عن أبي هريرة، قيل: يا رسول الله؛ إنا نريد المسجد، فنطأ الطريقة النجسة، فقال ﷺ : "الأرض يُطهر بعضها بعضًا"، لكنه حديث ضعيف، كما قاله البيهقي وغيره. انتهى.
وقال الشيخ المحدّث الدهلوي في "المسَوَّى شرح الموطأ" تحت حديث أم سلمة المذكور هنا: إن أصاب الذيل نجاسة الطريق، ثم مر بمكان آخر، واختلط به طين الطريق وغبار الأرض وتراب ذلك المكان، ويبست النجاسة المتعلقة. . فيُطهّر الذيل النجس بالتناثر، أو الفرك، وذلك معفو عنه عند الشارع بسبب الحرج والضيق؛ كما أن غسل العضو والثوب من دم الجراحة معفو عنه عند المالكية، وكما أن النجاسة الرطبة التي أصابت الخف تزول بالدلك، ويطهر الخف عند الحنفية والمالكية بسبب الحرج، وكما أن الماء المستنقع الواقع في الطريق، وإن وقع فيه النجاسة. . معفو عنه عند المالكية بسبب الحرج، وإني لا أجد الفرق بين الثوب الذي أصاب دم الجراحة والثوب الذي أصابه الماء المستنقع، والذيل الذي تعلقت به نجاسة رطبة، ثم اختلط به غبار الأرض وترابها وطين الطريق فتناثرت به النجاسة، أو زالت بالفرك، فإن حكم هذه المذكورات واحد في كونها معفوًا عنها.
وما قال البغوي: إن هذا الحديث محمول على النجاسة اليابسة التي أصابت
стр. 1583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الثوب، ثم تناثرت منه بعد ذلك. . ففيه نظر؛ لأن النجاسة التي تتعلق بالذيل في المشي في المكان القذر تكون رطبة في غالب الأحوال، وهو معلوم بالقطع في عادة الناس، فإخراج الشيء الذي تحقق وجوده قطعًا أو غالبًا عن حالته الأصلية. . بعيد، وأما طين الشارع يطهره ما بعده. . ففيه نوع من التوسع في الكلام؛ لأن المقام يقتضي أن يقال: هو معفو عنه أو لا بأس به، لكن عدل عنه بإسناد التطهير إلى شيء لا يصلح أن يكون مطهرًا للنجاسة، فعُلم أنه معفو عنه، وهذا أبلغ من الأول. انتهى.
وقد قال الإمام محمد في "موطئه" بعد رواية حديث الباب ما لفظه: قال محمد: لا بأس بذلك ما لم يعلق بالذيل قذر فيكون أكثر من قدر الدرهم الكبير المثقال، فإذا كان كذلك. . فلا يصلين فيه حتى يغسلنه، وهو قول أبي حنيفة.
قلت: وأقرب هذه الأقوال عندي قول الشيخ الدهلوي، والله أعلم. انتهى "تحفة الأحوذي".
قال السندي: قوله: (فأمشي في المكان القذر) -بفتح فكسر- حمله النووي وغيره على النجاسة اليابسة.
قوله: (يطهِّره) أي: ذلك الذيل (ما بعده) أي: المكان الذي بعده يزيل عن الذيل ما تعلق به من النجس اليابس؛ للإجماع على أن الثوب النجس لا يطهر إلا بالغسل. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في الطهارة، باب (١٤٠) في الأذى يصيب الثوب، برقم (٣٨٣)، ولكن ضعف الحديث بجهالة أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وقد عرفت ما قال فيها الحافظ ابن حجر في "التقريب" من أنها تابعية صغيرة، مقبولة، من الرابعة،
стр. 1584
(٧٦) - ٥٢٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْيَشْكُرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ،
===
كما ذكرناه عند ترجمتها، فلا اعتبار بتضعيفه، ورواه الترمذي أيضًا في الطهارة، (١٠٩) باب ما جاء في الوضوء من الموطِئ برقم (١٤٣)، وصححه أبو عيسى.
قلت: وهذا الحديث درجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أم سلمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٦) -٥٢٧ - (٢) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إبراهيم بن إسماعيل اليشكري) -بفتح أوله وسكون المعجمة وضم الكاف وراء- نسبة إلى يشكر بن وائل، ويقال له: البكري -بفتح الموحدة وسكون الكاف- روى عن: إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، ويروي عنه: (د ق)، وأبو غريب، ومعمر بن سهل الأهوازي، وروى أبو بكر بن عبد الملك بن شيبة عن إبراهيم بن إسماعيل بن نصر التبان حديثًا عن إبراهيم بن أبي حبيبة، فيحتمل أن يكون هو هذا الحديث. انتهى "تهذيب".
وقال في "التقريب": مجهول الحال، من الثامنة.
(عن) إبراهيم بن إسماعيل (بن أبي حبيبة) الأنصاري الأشهلي مولاهم أبي إسماعيل المدني. روى عن: داوود بن الحصين، وموسى بن عقبة، وابن
стр. 1585
عَنْ دَاوُودَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا نُرِيدُ الْمَسْجِدَ فَنَطَأُ
===
جريج، وابن عجلان، وغيرهم، ويروي عنه: (ت ق)، وإبراهيم بن إسماعيل اليشكري، وابن أبي فديك.
قال أحمد: ثقة، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي يكتب حديثه، ولا يُحتج به منكر الحديث، وقال البخاري: منكر الحديث، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه، وقال في "التقريب": ضعيف، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ) وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
(عن داوود بن الحصين) -مصغرًا- مولى عمرو بن عثمان الأموي أبي سليمان المدني، وثقه ابن معين والنسائي، وقال في "التقريب": ثقة إلا في عكرمة، رمي برأي الخوارج، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سفيان) الأسدي مولاهم مولى عبد الله بن أحمد، اسمه وهب، وقيل: قزمان، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن من رجاله إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة وهو متفق على ضعفه، وإبراهيم اليشكري الراوي عنه مجهول الحال.
(قال) أبو هريرة: (قيل) لم أر من ذكر اسم هذا القائل، وفي الحديث الآتي بعد هذا: عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: سألت النبي ﷺ ، فقلت: إن بيني وبين المسجد طريقًا قذرة ... الحديث، ولعلها القائلة: (يا رسول الله؛ إنا نريد) المشي إلى (المسجد فنطأ) بأقدامنا
стр. 1586
الطَّرِيقَ النَّجِسَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْأَرْضُ يُطَهِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا".
===
(الطريق النجسة) أي: المتنجسة بأنواع النجاسة، (فقال رسول الله ﷺ : الأرض) المطروقة للناس (يُطهر بعضها) أي: يزيل بعضها الطاهر وهو الموضع الطاهر الذي مشى عليه أخيرًا (بعضًا) أي: ما أصاب المار من النجاسة في بعضها الأول المتنجس الذي مشى فيه أولًا.
قال السندي: قوله: (فنطأ الطريق النجسة) أي: التي فيها النجاسة اليابسة فيتعلق من تلك النجاسة بالتراب أو بالرجل شيء منها، قوله: "يطهر بعضها بعضًا" أي: يزيل بعضها أثر بعض. انتهى.
وفي "الزوائد": إسناده ضعيف؛ فإن اليشكري مجهول، قال الذهبي: وشيخه ممن اتفقوا على ضعفه. انتهى.
ولكن الحديث صحيح بما قبله وبما بعده، وله شواهد أخرى.
فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، غرضه: الاستشهاد به.
فقد رواه ابن خزيمة في "صحيحه"، رقم (٢٩٢)، وأبو داوود في "سننه" من هذا الوجه، برقم (٣٨٥)، إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى .. فإن التراب له طهور، وفي رواية أخرى لأبي داوود في "سننه" (٣٨٦) أيضًا عن أبي هريرة عن النبي ﷺ بمعناه قال: "إذا وطئ الأذى بخفيه .. فطهورهما التراب"، ورواه ابن عدي من غير طريق ابن ماجه، ورواه البيهقي من طريق ابن عدي (٢/ ٤٣٠)، ورواه مالك في "الموطأ" (١/ ٢٦٦) في الطهارة، باب ما لا يجب منه الوضوء، رقم (١٦)، وأحمد (٦/ ٢٩٠/ ٣١٦).
وعلق الخطابي على حديث ابن ماجه هذا في "المعالم" (١/ ١٩١) ما
стр. 1587
(٧٧) - ٥٢٨ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ،
===
لفظه: كان الأوزاعي رحمه الله تعالى يستعمل هذا الحديث على ظاهره، وقال؛ يجزئه أن يمسح القذر على نعله أو خفه بالتراب ويصلي فيه، وكان النخعي يمسح الخف والنعل إذا مسحهما بالأرض حتى لا يجد له ريحًا ولا أثرًا، رجوت أن يجزئه ويصلي بالقوم، وقال البغوي في "شرح السنة" (٢/ ٢٣): ذهب أكثر أهل العلم إلى ظاهر هذا الحديث، وقالوا: إذا أصاب أكثر الخف أو النعل نجاسة، فدلكه بالأرض حتى ذهب أكثرها .. فهو طاهر، وجازت الصلاة فيها، وبه قال الشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا بد من الغسل بالماء. انتهى.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أم سلمة بحديث امرأة صحابية من بني عبد الأشهل ﵃، فقال:
(٧٧) - ٥٢٨ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي القاضي أبو عبد الله الكوفي، صدوق، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئتين. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبي محمد الكوفي، ثقة فيه تشيّع، من السادسة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ).
(عن موسى بن عبد الله بن يزيد) الخطمي -بفتح المعجمة وسكون المهملة- الكوفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (م د ق).
стр. 1588
عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ طَرِيقًا قَذِرَةً، قَالَ: "فَبَعْدَهَا طَرِيقٌ أَنْظَفُ مِنْهَا" قُلْتُ: نَعَمْ،
===
(عن امرأة) صحابية (من بني عبد الأشهل) بطن من الأنصار رضي الله تعالى عنها، ولم أر من ذكر اسمها، وجهالة الاسم لا يضر في كونها صحابية، كما سيأتي قريبًا.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، قال على القاري في "المرقاة": إن هذه المرأة مجهولة لا يُعرف حالها في الثقة والعدالة، فلا يصح الاستدلال بحديثها، وقال أيضًا: لو ثبت أنها صحابية .. لما قيل: إنها مجهولة.
قلت: قول القاري هذا عجيب جدًّا؛ فإن كون امرأة من بني عبد الأشهل صحابية .. ظاهر من نفس الحديث، ألا ترى أنها شافهت رسول الله ﷺ ، وسألته بلا واسطة، وقالت: قلت: يا رسول الله؛ إن لنا ... إلى آخره؟ ! ولكن لما لم يطلعوا على اسمها ونسبها .. قالوا: إنها مجهولة، فهذا لا يقدح في كونها صحابية، ولا يلزم من كونها صحابية أن يُعلم اسمها ورسمها. انتهى من "تحفة الأحوذي".
(قالت: سألت النبي ﷺ ، فقلت) له: (إن بيني) أي: بين بيتي (وبين المسجد طريقًا قذرة) -بفتح القاف وكسر الذال- أي: متنجسة ذات وسخ، فـ (قال) لي النبي ﷺ : (فـ) هل (بعدها) أي: بعد الطريقة القذرة يستقبلك (طريق أنظف) أي: أكثر نظافة (منها) أي من تلك القذرة؟ قالت الأشهلية: (قلت) له ﷺ : (نعم) بعد الطريقة القذرة طريق أنظف منها يزيل ما علق بي من الأول من الوسخ،
стр. 1589
قَالَ: "فَهَذِهِ بِهَذِهِ".
===
فـ (قال) النبي ﷺ : (فهذه) أي: فما علق بك وحصل من النجس من تلك الطريق القذرة .. مدفوع مزال (بـ) تراب (هذه) الطريقة الطيبة، فلا بأس ولا حرج عليك.
وعبارة البغوي: قوله: "فهذه بهذه" أي: ما حصل من التنجس بتلك يطهره انسحابه على تراب هذه الطيبة. انتهى.
فهذا الحديث: صحيح متنًا وسندًا، وغرضه: بسوقه الاستشهاد به.
* * *
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أم سلمة، ذكره للاستدلال به.
والثاني: حديث أبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث الأشهلية، ذكره أيضًا للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1590
(٢٥) - (١٠٤) - بَابُ مُصَافَحَةِ الْجُنُبِ
(٧٨) - ٥٢٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ
===
(٢٥) - (١٠٤) - (باب مصافحة الجنب)
أي: جواز مصافحته لغيره.
* * *
(٧٨) - ٥٢٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حميد) الطويل ابن أبي حميد، اسمه تير، أبي عبيدة البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن بكر بن عبد الله) بن عمرو بن هلال المزني البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي رافع) الصائغ نفيع بن رافع المدني العدوي مولاهم؛ مولى ابنة عمر بن الخطاب نزيل البصرة، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(أنه) أي: أن أبا هريرة (لقيه النبي ﷺ ، واستقبله
стр. 1591
فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ فَانْسَلَّ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ .. قَالَ: "أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ "، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؟ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ".
===
(في طريق من طرق المدينة) أي: في زقاق من زقاق المدينة (وهو) أي: والحال أن أبا هريرة (جنب، فانسل) أبو هريرة -بتشديد اللام- من باب (انفعل)، وبناؤه للزوم؛ أي: ذهب عنه خفية وغاب، (ففقده النبي ﷺ ؛ أي: فطن لغيبته، فطلبه فلم يجده، ثم رجع إليه بعدما اغتسل.
(فلما جاء) أبو هريرة .. (قال) له النبي ﷺ : (أين كنت؟ ) أي: أين ذهبت وكنت فيه إلى الآن؟ فأين اسم استفهام، يُستفهم به عن المكان في محل النصب على الظرفية المكانية .. خبر كان مقدم عليها وجوبًا للزومه الصدارة؛ أي: أين شردت وكنت فيه إلى الآن؟ (يا أبا هريرة، قال) أبو هريرة: (يا رسول الله؛ لقيتني) أنت؛ أي: استقبلتني (وأنا) أي: والحال أني (جنب) أي: محدث حدثًا أكبر، (فكرهت أن أجالسك) أي: أن أجلس معك (حتى أغتسل، فقال رسول الله ﷺ : المؤمن لا ينجس) -بفتح الجيم وضمها- أي: لا يصير نجسًا بما يصيبه من الحدث أو الجنابة.
والحاصل: أن الحدث ليس بنجاسة فيمنع من المصاحبة والمصافحة للغير، وإنما هو أمر تعبدي، يمنع عما جُعل مانعًا منه، ولا يُقاس عليه غيره. انتهى "سندي".
وقوله: "لا ينجس" يقال: بضم الجيم وفتحها لغتان، وفي ماضيه لغتان؛ نجس من باب (فرح)، وضمها من باب (كرم) فمن كسرها في الماضي .. فتحها في المضارع، ومن ضمها في الماضي .. ضمها في المضارع أيضًا. قاله
стр. 1592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النووي، ومعنى قوله: "لا ينجس" أي: بالحدث سواء كان أصغر أو أكبر، ويدل عليه المقام؛ إذ المقام مقام الحدث، فلا يرد أنه يتنجس بالنجاسة، وقد يقال: إن المراد نفسه لا يصير نجسًا؛ لأنه إن صحبه شيء من النجاسة .. فنجاسته بسبب صحبته بذلك، لا أن ذاته صار نجسًا، فإذا زال ما كان معه من النجاسة .. فالمؤمن على حاله من الطهارة، فصدق أن المؤمن لا ينجس أصلًا.
والحاصل: أن مقتضى ما فعله أبو هريرة أن المؤمن يصير نجسًا بحيث يحترز عن صحبته ومصافحته حالة الجنابة، فرده ﷺ بأن المؤمن لا يصير كذلك أصلًا، وذلك لا ينافي أن المؤمن قد يحترز عنه بالنظر إلى ما يصحبه من بعض الأنجاس؛ لأنه أمر معلوم من خارج. قاله الفاضل السندي في "حواشي الترمذي".
قال الحافظ: والحديث فيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه، وبوّب عليه ابن حبان: الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر، فنوى الاغتسال .. أن ماء البئر ينجس، واستدل به البخاري على طهارة عرق الجنب؛ لأن بدنه لا ينجس بالجنابة، فكذلك ما تحلب منه. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي، وفي لفظ البخاري والترمذي: (فانسللت)، وفي لفظ للبخاري: (فانخنست)، وفي لفظ مسلم والنسائي وابن ماجه: (فانسل). انتهى من "المنذري".
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى الدرجات؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
стр. 1593
(٧٩) - ٥٣٠ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ وَاصِل الْأَحْدَبِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَنِي
===
ثم استشهد له بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٩) - ٥٣٠ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع ح وحدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي النيسابوري.
(أنبأنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري.
(جميعًا) أي: كل من وكيع، ويحيى رويا:
(عن مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي أبي سلمة الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن واصل) بن حيان (الأحدب) الأسدي الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي وائل) الأسدي شقيق بن سلمة الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي حليف الأنصار ﵁.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما كلهم ثقات.
(قال) حذيفة: (خرج النبي ﷺ من منزله، (فلقيني)
стр. 1594
وَأَنَا جُنُبٌ، فَحِدْتُ عَنْهُ، فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ فَقَالَ: "مَا لَكَ"، قُلْتُ: كُنْتُ جُنُبًا، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ".
===
أي: رآني (وأنا جنب) أي: استقبلني والحال أني جنب، (فحدت عنه) أي: ملت عن قبالته، من حاد يحيد إذا مال عن جادة الطريق ووسطه، (فاغتسلت) من جنابتي، (ثم جئتـ) ـه، (فقال) لي: (ما لك) يا حذيفة، أين تغيبت؟ (قلت) له: (كنت جنبًا) فتغيبت للاغتسال، (قال) لي (رسول الله ﷺ : إن المسلم) وكذا المسلمة (لا ينجس)، ففي الحديث دليل على أن عرق الجنب طاهر؛ لأن المسلم لا ينجس، وإذا كان لا ينجس .. فعرقه لا ينجس.
وهذا الحديث أصل عظيم في طهارة المسلم حيًا وميتًا، فأما الحي .. فطاهر بإجماع المسلمين حتى الجنين، وكذلك الصبيان أبدانهم وثيابهم محمولة على الطهارة حتى تتيقن النجاسة، فيجوز الصلاة في ثيابهم، والأكل معهم من المائع إذا غمسوا أيديهم فيه، ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة، وأما الميت .. ففيه خلاف للعلماء، وذكر البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس تعليقًا: "المسلم لا ينجس حيًا ولا ميتًا". انتهى.
وتمسك بمفهوم الحديث بعض أهل الظاهر، فقال: إن الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (١) وأجاب الجمهور عن الحديث بأن المراد: أن المؤمن طاهر الأعضاء؛ لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك؛ لعدم تحفظه عن النجاسة، وعن الآية بأن المراد: أنهم نجس في الاعتقاد والاستقذار، وحجتهم أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يأمن منه من يضاجعهن ومع ذلك، فلم يجب عليه من غسل الكتابية
стр. 1595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إلا مثل ما يجب من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين؛ إذ لا فرق بين النساء والرجال. كذا في "فتح الباري".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم وأبو داوود والنسائي.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: حديثان:
الأول: حديث أبي هريرة ﵁، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث حذيفة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1596
(٢٦) - (١٠٥) - بَابُ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ
(٨٠) - ٥٣١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنِ الثَّوْبِ يُصِيبُهُ الْمَنِيُّ أَنَغْسِلُهُ أَوْ نَغْسِلُ الثَّوْبَ كُلَّهُ؟ قَالَ سُلَيْمَانُ: قَالَتْ عَائِشَةُ:
===
(٢٦) - (١٠٥) - (باب) حكم (المني يصيب الثوب)
مثلًا هل يُغسل أم يُمسح؟
* * *
(٨٠) - ٥٣١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت. يروي عنه: (ع)، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها.
(عن عمرو بن ميمون) بن مهران الجزري الرقي أبي عبد الله، سبط سعيد بن جبير، ثقة فاضل، من السادسة. يروي عنه: (ع)، مات سنة سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ)، وقيل غير ذلك.
(قال) عمرو: (سألت سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة أم المؤمنين المدني، أحد الفقهاء السبعة، ثقة فاضل، من كبار الثالثة. يروي عنه: (ع)، مات بعد المئة، وقيل قبلها.
(عن) حكم (الثوب) الذي (يصيبه المني أنغسله) أي: هل نغسل المني فقط؛ يعني: موضعه، (أو نغسل الثوب) الذي أصابه المني (كله) أي: كل الثوب وجميعه؛ يعني: الموضع الذي أصابه وباقيه جميعًا؛ (قال) لي (سليمان) بن يسار في جواب سؤالي: (قالت عائشة) أم المؤمنين ﵂.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
стр. 1597
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصِيبُ ثَوْبَهُ فَيَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فِي ثَوْبِهِ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَنَا أَرَى أَثَرَ الْغُسْلِ فِيهِ.
===
(كان النبي ﷺ يصيب) المني (ثوبه) ولا يتوقف على الاحتلام؛ فإنه يصيب عند الجماع أيضًا، وقد يخرج من غير رؤية ولا جماع. انتهى "سندي"، (فيغسله) أي: فيغسل النبي ﷺ المني فقط (من ثوبه) أي: يأمرها بغسله؛ لأنه الظاهر من حاله؛ فإن الوارد في الصحيح أن عائشة كانت تغسله. انتهى "سندي"، دون باقي الثوب (ثم) بعد غسل المني منه (يخرج) مشتملًا (في ثوبه) الذي غسل منه المني (إلى) المسجد لـ (الصلاة) بالناس، (وأنا) أي: والحال أني (أرى) وأبصر (أثر الغسل) وعلامته (فيه) أي: في ثوبه؛ لأنه خرج مبادرًا للوقت، ولم يكن له ثياب يتداولها. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الوضوء (٦٢)، باب غسل المني وفركه، رقم (٢٢٩)، ومسلم في كتاب الإيمان (٣٢)، باب حكم المني، رقم (١٠٨)، وأبو داوود في الطهارة (١٣٦)، باب المني يصيب الثوب (٣٧٣)، والنسائي في الطهارة (١٨٨)، باب فرك المني من الثوب، رقم (٢٩٧) بنحوه، والترمذي في الطهارة (٨٦)، باب غسل المني من الثوب، رقم (١١٧)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فغرض المؤلف: الاستدلال به على الترجمة؛ لأنه حديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه.
تتمة
قال النووي في "شرح مسلم": اختلف العلماء في طهارة مني الآدمي: فذهب مالك وأبو حنيفة إلى نجاسته؛ لاستقذاره، إلا أن أبا حنيفة قال: يكفي في
стр. 1598
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تطهيره فركه إذا كان يابسًا، وهو رواية عن أحمد، وقال مالك: لا بد من غسله رطبًا ويابسًا، وقال الليث: هو نجس، ولا تعاد الصلاة منه، وقال الحسن: لا تعاد الصلاة من المني في الثوب وإن كان كثيرًا، وتعاد منه في الجسد وإن قل.
وذهب كثيرون إلى أن المني طاهر؛ روي ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة وداوود وأحمد في أصح الروايتين، وهو مذهب الشافعي وأصحاب الحديث، وقد غلط من أوهم أن الشافعي منفرد بطهارته، ودليل القائلين بالنجاسة رواية الغسل، ودليل القائلين بالطهارة رواية الفرك، فلو كان نجسًا لم يكف فركه كالدم وغيره من سائر النجاسة، قالوا: ورواية الغسل محمولة على الاستحباب والتنزه واختيار النظافة. انتهى كلام النووي.
وقال الطحاوي بعد ذكر الآثار التي تدل على طهارة المني: فذهب الذاهبون إلى أن المني طاهر قال العيني: أراد بهؤلاء الذاهبين الشافعي وأحمد وإسحاق وداوود انتهى. وقال الشوكاني في النيل: قالوا الأصل الطهارة فلا تُنتقل عنها إلا بدليل، وأجيب بأن التعبد بالإزالة غسلًا أو فركًا أو حتًا أو سلتًا أو حكًا .. ثابت، ولا معنى لكون المني نجسًا إلا أنه مأمور بإزالته بما أحال عليه الشارع، فالصواب أن المني يجوز تطهيره بأحد الأمور الواردة انتهى. قلت: كلام الشوكاني هذا حسن جيد انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذه الترجمة إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 1599
(٢٧) - (١٠٦) - بَابٌ: فِي فَرْكِ الْمَنِيِّ مِنَ الثَّوْبِ
(٨١) - ٥٣٢ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ،
===
(٢٧) - (١٠٦) - (باب: في فرك المني من الثوب)
وفركه: دلكه يابسًا بأصابعه حتى يذهب الأثر من الثوب. انتهى "تحفة".
* * *
(٨١) - ٥٣٢ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن طريف) بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق. يروي عنه: (م د ت ق)، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك.
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من أبي معاوية، وعبدة بن سليمان رويا:
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات دون المئة سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 1600
عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا فَرَكْتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِيَدِي.
===
(عن همام بن الحارث) بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، ثقة عابد، من الثانية، مات سنة خمس وستين (٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما كلهم ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (ربما فركته) قال السندي: الفرك: دلك الشيء حتى ينقطع، وهو من باب نصر وضرب، وهذا محمول على المني اليابس؛ إذ الرطب لا يزول بالفرك. انتهى "سندي". أي: قليلًا من الأحيان فركته ودلكته بأصابعي إذا كان يابسًا، قال الطيبي: الفرك: الدلك حتى يذهب الأثر من الثوب، وفي "المصباح": فركته مثل حتته؛ وهو أن تحكه بيدك بلا ماء حتى يتفتت ويتقشر. انتهى من "العون"، أي: أحيانًا فركته (من ثوب رسول الله ﷺ بيدي) أي: بأصابعي بلا ماء إذا كان يابسًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحد من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء؛ مثل: سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم.
وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث آخر لها ﵂، فقال:
стр. 1601
(٨٢) - ٥٣٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: نَزَلَ بِعَائِشَةَ ضَيْفٌ، فَأَمَرَتْ لَهُ بِمِلْحَفَةٍ لَهَا صَفْرَاءَ، فَأحْتَلَمَ فِيهَا، فَاسْتَحْيَا أَنْ يُرْسِلَ بِهَا وَفِيهَا أَثَرُ الاحْتِلَامِ، فَغَمَسَهَا فِي الْمَاءِ ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا،
===
(٨٢) -٥٣٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الكوفي.
(عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي.
(عن همام بن الحارث) النخعي الكوفي.
(قال) همام: (نزل بعائشة) أم المؤمنين ﵂.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
أي: نزل وضاف عندها (ضيف) لم أر من ذكر اسم هذا الضيف؛ أي: بات عندها ضيف، (فأمرت) عائشة (له) لأجل ذلك الضيف من عندها من الخدم أن يعطوا له (بملحفة) أي: بلحاف (لها صفراء) اللون ليلبسه عند النوم، قال في "القاموس": اللحاف ككتاب وزنًا: ما يلتحف به، واللباس يلبس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه كالملحفة، (فاحتلم) الضيف ليلًا (فيها) أي: في الملحفة، (فاستحيا) الضيف (أن يرسل) ويرد (بها) أي: بالملحفة إلى عائشة (وفيها) أي: والحال أن في الملحفة (أثر الاحتلام) ومنيه، (فغمسها) أي: فغمس الضيف الملحفة (في الماء) ليزيل أثر الاحتلام عنها، (ثم) بعدما غمسها في الماء (أرسل) الضيف (بها) أي: بالملحفة إلى عائشة.
стр. 1602
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ أَفْسَدَ عَلَيْنَا ثَوْبَنَا؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَفْرُكَهُ بِإِصْبَعِهِ، رُبَّمَا فَرَكْتُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِإِصْبَعِي.
(٨٣) - ٥٣٤ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ،
===
(فقالت عائشة) لمن عندها حين رأت الملحفة مغموسة في الماء قد تغيرت بذهاب صبغها عنها: (لم أفسد) هذا الضيف (علينا ثوبنا؟ ) أي: ملحفتنا بغمسها في الماء؛ لأنه زال عنها بعض صبغها بغمسها في الماء؛ أي: لأي غرض غمسها في الماء؛ لأنه لا حاجة إلى غمسها في الماء في إزالة أثر الاحتلام عنها؟ بل (إنما كان يكفيه) ويغنيه عن الغمس في الماء في إزالة أثر الاحتلام عنها (أن يفركه) من بابي نصر وضرب، كما مر؛ أي: أن يدلكه ويمرخه (بإصبعه) عن الملحفة بلا ماء، (ربما فركته) أي: كثيرًا فركت المني وحككته (من ثوب رسول الله ﷺ بإصبعي) بلا ماء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في الطهارة، باب (٨٥) ما جاء في المني يصيب الثوب، برقم (١١٦)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ودرجة الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به للأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديثها الأول بحديث آخر لها، فقال:
(٨٣) - ٥٣٤ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم) -مصغرًا- ابن بشير -مكبرًا- السلمي الواسطي، ثقة، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 1603
عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَجِدُهُ فِي ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَحُتُّهُ عَنْهُ.
===
(عن مغيرة) بن مقسم الضبي الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي.
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) ﵂.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(قالت) عائشة: والله؛ (لقد رأيتني أجده) أي: لقد رأيت نفسي واجدة المني (في ثوب رسول الله ﷺ ، فأحته) أي: فأحت المني، وأحكه بإصبعي وهو يابس (عنه) أي: عن ثوب رسول الله ﷺ .
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم والنسائي.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد، وكلهم لعائشة ﵂.
والله أعلم
стр. 1604
(٢٨) - (١٠٧) - بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ
(٨٤) - ٥٣٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ،
===
(٢٨) - (١٠٧) - (باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه)
(٨٤) - ٥٣٥ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري.
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقة إمام حجة، قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه: سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي أبي رجاء المصري، عالمها، ثقة فقيه كثير الحديث، من الخامسة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ).
(عن سويد بن قيس) التجيبي -بضم المثناة وكسر الجيم ثم تحتانية ثم موحدة- المصري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن معاوية بن حديج) -بمهملة ثم جيم مصغرًا- ابن جفنة بن قتيرة بن حارثة بن عبد شمس الكندي التجيبي أبي عبد الرحمن المصري، مختلف في صحبته. روى عن: النبي ﷺ ، ومعاوية بن أبي سفيان، وعمر، وأبي ذر، وعبد الله بن عمرو، ويروي عنه: (د س ق)، وسويد بن قيس، وعبد الرحمن بن شماسة.
ذكره ابن سعد في تسمية من نزل مصر من الصحابة، وأثبت صحبته البخاري وأبو حاتم وابن البرقي، وقال ابن يونس: وفد على رسول الله ﷺ ، وشهد فتح مصر، وقد ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال في
стр. 1605
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ سَأَلَ أُخْتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي يُجَامِعُ فِيهِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَذىً.
===
"التقريب": صحابي صغير، وقد ذكره سفيان بن يعقوب في التابعين. (عن معاوية بن أبي سفيان) صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس ﵄ أمير المؤمنين الأموي الشامي.
(أنه) أي: أن معاوية (سأل أخته أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان (زوج النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، فقال معاوية في سؤال أخته: (هل كان رسول الله ﷺ يصلي في الثوب الذي يجامع فيه) أهله؟ (قالت) أم حبيبة: (نعم) كان يصلي فيه (إذا لم يكن فيه) أي: في ذلك الثوب (أذىً) أي: أثر المني.
وقد استدل بهذا الحديث على عدم طهارة المني، لكن يشكل بطهارة فضلاته إلا أن يقال: إنه يراعي في الأحكام حال الأمة؛ ليستدلوا به ولا يجهلوا الأحكام. انتهى "سندي".
وفي "العون": قوله: (إذا لم يكن فيه أذىً) أي: مستقذر أو نجاسة؛ أي: إذا لم يكن في الثوب أثر المني أو المذي أو رطوبة فرج المرأة، ويستدل بهذا الحديث على نجاسة المني، قال الحافظ ابن حجر تحت حديث ميمونة في غسل النبي ﷺ من الجنابة، وفيه: وغسل فرجه من الأذى، وقوله: وما أصابه من أذىً .. ليس بظاهر في النجاسة، وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على نجاسة رطوبة الفرج؛ لأن الغسل ليس مقصورًا على إزالة النجاسة. انتهى.
стр. 1606
(٨٥) - ٥٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ،
===
قلت: قولها: (من أذىً) هو ظاهر في النجاسة لا غير، قال الحافظ: وفيه بعد، كما لا يخفى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (١٣٣)، باب الصلاة في الثوب الذي يصيب فيه أهله، رقم (٣٦٦)، والنسائي في الطهارة (١٨٦)، باب المني يصيب الثوب، رقم (٢٩٤).
ودرجته: أنه صحيح؛ لكون سنده صحيحًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أم حبيبة بحديث أبي الدرداء ﵄، فقال:
(٨٥) - ٥٣٦ - (٢) (حدثنا هشام بن خالد) بن زيد بن مروان (الأزرق) أبو مروان الدمشقي الأموي مولاهم. روى عن: الوليد بن مسلم، والحسن بن يحيى الخشني، ومروان بن معاوية، ويروي عنه: (د ق)، وأبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وآخرون.
وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ).
(حدثنا الحسن بن يحيى الخشني) -بمعجمتين أولاهما مضمومة وثانيتهما مفتوحة ثم نون -الدمشقي البلاطي -بالفتح والكسر- نسبة إلى بيت البلاط من قرية دمشق، أصله من خراسان، صدوق كثير الغلط، من الثامنة، مات بعد التسعين ومئة. روى عنه: زيد بن واقد، والأوزاعي، وهشام بن عروة، وابن
стр. 1607
حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ
===
جريج، ويروي عنه: (ق)، وهشام بن خالد، وهشام بن عمار، والوليد بن مسلم وهو من أقرانه، وغيرهم.
قال أبو حاتم: صدوق سيئ الحفظ، وقال الدراقطني: متروك، وقال ابن حبان: منكر الحديث جدًّا.
(حدثنا زيد بن واقد) القرشي أبو عمر الدمشقي. روى عن: بسر بن عبيد الله، وحزام بن حكيم، ومكحول، ونافع مولى ابن عمر، وآخرين، ويروي عنه: (خ د س ق)، والحسن الخشني، ويحيى بن حمزة، والوليد بن مسلم، وصدقة بن خالد، وغيرهم.
قال أحمد وابن معين ودحيم والعجلي والدارقطني: ثقة، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة.
(عن بسر بن عبيد الله) الحضرمي الشامي، ثقة حافظ، من الرابعة. روى عن: أبي إدريس الخولاني، ويروي عنه: (ع)، وزيد بن واقد.
(عن أبي إدريس) عائذ الله بن عبد الله بن عمرو (الخولاني) العوذي -بفتح المهملة آخره معجمة - الشامي أحد الأئمة الأعلام ولد في حياة النبي ﷺ يوم حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ) ثقة، من الثانية. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد الأنصاري الشامي ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن في رجاله الحسن بن يحيى الخشني، اتفق الجمهور على ضعفه، وقال دحيم وغيره: لا بأس به، وللمتن شاهد من حديث أم حبيبة.
стр. 1608
قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَصَلَّى بِنَا فِي ثَوْب وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ قَدْ خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ .. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ تُصَلِّي بِنَا فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، أُصَلِّي فِيهِ وَفِيهِ" أَيْ: قَدْ جَامَعْتُ فِيهِ.
(٨٦) -٥٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى،
===
(قال) أبو الدرداء: (خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا من منزله (ورأسه يقطر) أي: والحال أن رأسه يقطر ويسيل (ماء) الغسل من الجنابة، (فصلى بنا) الصلاة المفروضة (في ثوب واحد) حالة كونه (متوشحًا) أي: ملتحفًا ومتغطيًا (به) أي: بذلك الثوب الواحد، حالة كونه (قد خالف) وعاكس (بين طرفيه) في توشحه إياه، فجعل أحد طرفيه على المنكب الأيمن، والآخر على الأيسر، (فلما انصرف)، وفرغ من صلاته .. (قال) له (عمر بن الخطاب: يا رسول الله) أ (تصلي بنا في ثوب واحد؟ ) فـ (قال) له النبي ﷺ : (نعم، أصلي) بكم (فيه) أي: في ثوب واحد، (و) قد جامعت (فيه) أي: في هذا الثوب الواحد، وهذا موضع الترجمة، وقوله: (أي: قد جامعت فيه) تفسير من بعض الرواة وبيان منه لمتعلق الجار والمجرور الثاني.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا.
وله شاهد من حديث أم حبيبة رواه أبو داوود والترمذي والنسائي، ورواه الترمذي والنسائي من حديث أنس.
* * *
ثم استشهد له ثانيًا بحديث جابر بن سمرة ﵄، فقال:
(٨٦) - ٥٣٧ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري.
стр. 1609
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ الزِّمِّيُّ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
===
(حدثنا يحيى بن يوسف الزمي) -بكسر الزاي والميم المشددة- الخراساني، نزيل بغداد، ويقال له: ابن أبي كريمة، ثقة. يروي عنه: (خ ق)، من كبار العاشرة، مات سنة بضع وعشرين ومئتين.
(ح وحدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم) الأودي أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من الحادية عشرة. يروي عنه: (خ م س ق)، مات سنة إحدى وستين ومئتين (٢٦١ هـ)، وقيل قبلها.
(حدثنا سليمان بن عبيد الله) الأنصاري أبو أيوب (الرقي) الحطاب، صدوق، ليس بالقوي، من العاشرة. يروي عنه: (ت ق).
(قالا) أي: قال الزمي، والرقي:
(حدثنا عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الرقي أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم، من الثامنة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ) عن ثمانين إلا سنة.
(عن عبد الملك بن عمير) بن سويد اللخمي، حليف بني عدي الكوفي، ثقة، فصيح عالم، تغير حفظه، وربما دلس، من الثالثة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ)، وله مئة وثلاث سنين.
(عن جابر بن سمرة) بن جنادة -بضم الجيم بعدها نون -السوائي -بضم المهملة والمد- الصحابي بن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، ومات بها بعد سنة سبعين. يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
стр. 1610
قَالَ: سَأَلَ رَجُل النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّى فِي الثَّوْبِ الَّذِي يَأْتِي فِيهِ أَهْلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِلَّا أَنْ يَرَى فِيهِ شَيْئًا فَيَغْسِلَهُ".
===
(قال) جابر: (سأل رجل) لم أر من ذكر اسمه؛ أي: سأل رجل من المسلمين (النبي ﷺ هل (يصلي) الرجل منا (في الثوب الذي يأتي) ويجامع (فيه أهله) أي: زوجته؟ أي: هل يجوز له ذلك أم لا؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (نعم) له أن يصلي في ذلك الثوب (إلا أن يرى فيه) أي: في ذلك الثوب (شيئًا) من المني (فيغسله) أي: فيغسل ذلك المني الذي رأى فيه، فيصلي فيه.
وهذا الحديث ظاهر في نجاسة المني إلا أن يقال: يمكن القول بكراهة الصلاة في الثوب الذي فيه المني، وإن قلنا بطهارته .. فالغسل للاحتراز عن الكراهة، فليتأمل، والله أعلم، انتهى "سندي".
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لكون سنده صحيحًا، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أم حبيبة، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أبي الدرداء، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث جابر بن سمرة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1611
(٢٩) - (١٠٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ
(٨٧) -٥٣٨ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: بَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: أَتَفْعَلُ هَذَا؟ ! قَالَ: وَمَا يَمْنَعُنِي وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَفْعَلُهُ،
===
(٢٩) - (١٠٨) - (باب ما جاء في المسح على الخفين)
(٨٧) - ٥٣٨ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي.
(عن همام بن الحارث) بن قيس بن عمرو النخعي الكوفي، ثقة عابد، من الثانية، مات سنة (٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) همام: (بال جرير بن عبد الله) بن جابر البجلي اليماني ﵁، مات سنة إحدى وخمسين (٥١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
أي: أخرج جرير حدث البول، (ثم توضأ) جرير في الأعضاء الثلاثة؛ الوجه واليدين والرأس، (ومسح على خفيه) بدلًا عن غسل الرجلين، (فقيل له) أي: لجرير؛ أي: سئل عن مسح الخفين بدلًا عن غسل الرجلين، فقيل له: (أتفعل هذا) المسح مع أنه لم يذكر في آية الوضوء، وأن المذكور فيها غسل الرجلين؟ (قال) جرير في جواب الاعتراض عليه: (وما يمنعني) أي: وأي مانع يمنعني عن فعله (و) الحال أني (قد رأيت رسول الله ﷺ يفعله؟ ) أي: يفعل المسح بدلًا عن غسل الرجلين في الوضوء، فلي أسوة برسول الله ﷺ ، فأنا متبع لا مبتدع.
стр. 1612
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ جَرِيرٍ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ (الْمَائِدَةِ).
===
قال الأعمش: (قال) لنا (إبراهيم) النخعي بالسند المذكور: (كان يعجبهم) أي: يعجب أصحاب ابن مسعود ويحبهم ويبشرهم (حديث جرير) بن عبد الله، في رواية البخاري: قال إبراهيم: فكان يعجبهم، وفي رواية لمسلم: فكان أصحاب عبد الله بن مسعود يعجبهم حديث جرير؛ (لأن إسلامه) أي: إسلام جرير (كان) في السنة العاشرة (بعد نزول المائدة) أي: وقد رآه بعد الإسلام يمسح على الخفين، ولو لم يتحقق أنه رآه بعد إسلامه يمسح على الخفين .. لما تم الاستدلال به؛ لاحتمال أنه رآه في حالة كفره.
ومعنى هذا الكلام: أن الله تعالى قال في سورة المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١)، فلو كان إسلام جرير متقدمًا على نزول المائدة .. لاحتمل كون حديثه في مسح الخفين منسوخًا بآية المائدة، فلما كان إسلامه متأخرًا عن نزول المائدة .. علمنا أن حديثه يعمل به، وهو مبين أن المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، فتكون السنَّة مخصصة للآية. قاله النووي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الصلاة، باب الصلاة في الخفاف، ومسلم في الطهارة، باب المسح على الخفين، وأبو داوود في الطهارة، باب المسح على الخفين، والترمذي في الطهارة، باب المسح على الخفين، قال أبو عيسى: وحديث جرير حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة، باب المسح على الخفين، وأحمد بن حنبل.
стр. 1613
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالحديث: في أعلى درجات الصحة، وغرض المؤلف بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
والمراد بقوله: (بعد نزول المائدة) أي: بعد نزول الآية التي فيها ذكر الوضوء، وليس المراد جميع (المائدة) فإن منها ما تأخر نزوله عن إسلامه كآية: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ. . .﴾ الآية (١)؛ فإنها نزلت في حجة الوداع، وإسلام جرير كان في شهر رمضان سنة عشر من الهجرة، وآية الوضوء نزلت في غزوة بني المصطلق سنة خمس، أو أربع، وهذا من باب الاستدلال بالتاريخ، ومن الاستدلال بالتاريخ قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ ... ﴾ إلى قولى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ. . .﴾ الآية (٢).
لا يقال: غالب أحاديث الباب ليس فيها ذكر التاريخ، فيحتمل التقدم على نزول (المائدة)، فلا يتم بها الاستدلال على بقاء المسح على الخفين بعد نزول (المائدة) وأنى يتم بحديث جرير، وحديث جرير من أخبار الآحاد فلا يعارض الكتاب؛ لأنا نقول: الكتاب يحتمل على قراءة الجر، فيحمل على مسح الخفين توفيقًا وتطبيقًا بين الأدلة، أويقال: تواتر مسح الصحابة بعده ﷺ ؛ فإن كثيرًا منهم صلوا به، ومثله يكفي في إفادة التواتر، ونسخ الغسل في حق لابس الخفين. انتهى "سندي".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جرير بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 1614
(٨٨) -٥٣٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيع ح وحَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعِ بْنِ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا أَبِي وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، جَمِيعًا عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
===
(٨٨) - ٥٣٩ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا وكيع ح وحدثنا أبو همام الوليد بن شجاع بن الوليد) بن قيس السكوني أبو همام بن أبي بدر الكوفي، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا أبي) شجاع بن الوليد بن قيس السكوني، أبو بدر الكوفي، صدوق ورع له أوهام. يروي عنه: (ع)، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ).
(و) سفيان (بن عيينة و) يحيى بن زكريا (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي، مولاهم أبو سعيد الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة. روى عن: الأعمش، وأبيه زكرياء، وابن عون، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، والوليد بن شجاع، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
(جميعًا) أي: كل من الأربعة؛ يعني: وكيعًا، وشجاع بن الوليد، وابن عيينة، ويحيى بن زكريا، رووا:
(عن الأعمش عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
стр. 1615
عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
(٨٩) - ٥٤٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الكوفي رضي الله تعالى عنهما، وأبوه صحابي استشهد يوم أحد، ومات حذيفة في أول خلافة على سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذه الأسانيد كلها من خماسياته، وحكمها: الصحة؛ لأن رجالها كلهم ثقات.
(أن رسول الله ﷺ توضأ ومسح على خفيه) بدلًا عن غسل الرجلين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الوضوء، باب البول عند صاحبه والتستر، ومسلم؛ أخرجه في الطهارة (٢٢)، باب ما جاء في المسح على الخفين، رقم (٧٢)، وأبو داوود في الطهارة، باب البول قائمًا، والنسائي في الطهارة، باب ترك الإبعاد باب الرخصة في البول، وأحمد بن حنبل (٥/ ٤٠٢).
والحديث: في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جرير بحديث المغيرة ﵄، فقال:
(٨٩) - ٥٤٠ - (٣) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري.
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري.