ثُمَّ أُمِرْنَا بِالْغُسْلِ بَعْدُ.
===
وبدايته، (ثم) نُهي عنها؛ أي: عن هذه الرخصة، كما في رواية الترمذي، و (أُمرنا بالغُسل) بمجرد الإيلاج (بعد) أي: بعدما شرعت تلك الرخصة وعُمل بها.
قال السندي: الظاهر أن هذا الحكم كان في الأول، أُطلق عليه اسم الرخصة لما فيه من التخفيف والتيسير (ثم أُمرنا بالغُسل) من الجماع مطلقًا (بعد) أي: بعدما نُسخ هذا الحكم، وفي رواية أبي داوود: (إن الفُتيا التي كانوا يُفتون أن الماء من الماء كان رخصة رخصها رسول الله ﷺ في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد)، وفي رواية الحازمي في كتاب "الاعتبار" قال: (كان الماء من الماء شيئًا في أول الإسلام، ثم تُرك ذلك بعد، وأُمروا بالغُسل إذا مس الختان).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٨٤)، باب في الإكسال، رقم (٢١٥)، والترمذي في الطهارة (٨١)، باب ما جاء في أن الماء من الماء، رقم (١١٠). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد وأبو داوود والدارمي، وقال الحافظ في "الفتح": هو إسناد صالح لأن يُحتج به، وقال فيه: صححه ابن خزيمة وابن حبان، ولاشك في أن حديث أُبي بن كعب المذكور صريح في النسخ. انتهى "تحفة الأحوذي".
وهذا الحديث درجته: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد رحمه الله تعالى له ثانيًا بحديث أبي هريرة ﵁، فقال:
стр. 1787
(١٥٠) - ٦٠١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
(١٥٠) - ٦٠١ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الفضل بن دكين) الكوفي، واسم دكين عمرو بن حماد بن زهير التيمي، مولاهم الأحول، أبو نعيم الملائي -بضم الميم- مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثماني عشرة، وقيل: تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن أبي عبد الله - سنبر بوزن جعفر - (الدستوائي) -بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم مد- نسبة إلى دستواء من كور الأهواز، وكان يبيع الثياب التي تُجلب منها فنُسب إليها، أبي بكر البصري، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن، اسمه يسار، أبي سعيد البصري الأنصاري مولاهم، ثقة، من رأس الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي رافع) نفيع بن رافع الصائغ المدني، العدوي مولاهم، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لكون رجاله ثقات.
стр. 1788
قَالَ: "إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا .. فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ".
(١٥١) - ٦٠٢ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
===
(قال) رسول الله ﷺ : (إذا جلس الرجل) أي: الواطئ (بين شعبها الأربع) أي: بين شعب المرأة؛ أي: نواحيها، قيل: بين يديها ورجليها، وقيل: نواحي الفرج الأربع، (ثم جهدها) أي: جامعها ووطئها .. (فقد وجب) عليهما (الغُسل) والأولى أن يقال: (ثم جهد) لأنه بمعنى بلغ جهده في العمل فيها، والجهد الطاقة، والحديث يدل على أن الإنزال غير شرط في وجوب الغُسل، بل المدار على الإيلاج. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الغسل، باب إذا التقى الختانان (٢٩١)، ومسلم في الحيض (٢٢)، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغُسل بالتقاء الختانين، رقم (٨٧ - ٢٤٨)، وأبو داوود في الطهارة (٨٤)، باب في الإكسال، رقم (٢١٦)، والنسائي في الطهارة (١٢٩)، باب وجوب الغسل إذا التقى الختانان، رقم (١٩١)، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث: في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عائشة بحديث عبد الله بن عمرو ﵃، فقال:
(١٥١) - ٦٠٢ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 1789
عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتِ الْحَشَفَةُ .. فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ".
===
(عن حجاج) بن أرطاة -بفتح الهمزة- ابن ثور بن هبيرة النخعي أبي أرطاة الكوفي، القاضي أحد الفقهاء، صدوق، كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله بن عمرو، من الثالثة. يروي عنه: (عم)، شعيب روى:
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حجاج بن أرطاة، وهو متفق على ضعفه.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : إذا التقى الختانان) أي: تحاذى وتقابل محل الختانين من الرجل والمرأة، وهو كناية عن الجماع، (وتوارت) أي: غابت (الحشفة) وهو رأس الذكر في فرج المرأة .. (فقد وجب الغُسل) على كل منهما وإن لم ينزل؛ لحصول الجماع.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما قبله من حديث عائشة وحديث أبي هريرة الذي هو من المتفق عليه، فالحديث: صحيح المتن، ضعيف السند.
стр. 1790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث عائشة، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أُبي بن كعب، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث أبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث عبد الله بن عمرو، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1791
(٥٧) - (١٣٦) - بَابُ مَنِ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا
(١٥٢) - ٦٠٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ الْعُمَرِيِّ،
===
(٥٧) - (١٣٦) - (باب من احتلم ولم ير بللًا)
أي: رطوبة من الماء، هل يجب عليه الغُسل أم لا؟
والاحتلام: افتعال من الحُلم -بضم المهملة وسكون اللام- وهو ما يراه النائم في نومه، يقال: منه حلم - بالفتح - واحتلم، والمراد به ها هنا: أمر خاص وهو الجماع؛ أي: باب من جامع في المنام، ولم ير رطوبة من الماء، هل يجب عليه الغُسل أم لا؟ .
* * *
(١٥٢) -٦٠٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حماد بن خالد) الخيّاط - بالخاء المعجمة - القرشي أبو عبد الله البصري، نزيل بغداد، ثقة أمي، من التاسعة. يروي عنه: (م عم).
(عن) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (العمري) أبي عبد الرحمن المدني أخي عبيد الله بن عمر.
قال في "التقريب": ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل بعدها. روى عن: أخيه عبيد الله بن عمر بن حفص، ونافع، وزيد بن أسلم، ويروي عنه: (م عم)، وحماد بن خالد، وابن مهدي، والليث بن سعد، وابن وهب، وعبد الرزاق، وغيرهم.
قال النسائي: ضعيف الحديث، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب، وقال علي بن المديني: ضعيف، وكان يحيى بن سعيد لا
стр. 1792
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَرَأَى بَلَلًا وَلَمْ يَرَ أَنَّهُ احْتَلَمَ .. اغْتَسَلَ،
===
يُحدّث عنه ويضعّفه، وقال ابن عمار الموصلي: لم يتركه أحد إلا يحيى بن سعيد، وزعموا أنه أخذ كتب أخيه عبيد الله فرواها، وقال الخليلي: ثقة غير أن الحفّاظ لم يرضوا حفظه، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صالح ثقة، وبالجملة: إنه مختلف فيه.
(عن) أخيه (عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري أبي عثمان المدني، ثقة ثبت، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري عن عروة، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء في المدينة، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة على الصحيح (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه وهو العمري.
(قال) النبي ﷺ : (إذا استيقظ) وانتبه (أحدكم من نومه، فرأى بللًا) أي: رطوبة ماء في ثوبه أو جسده، (ولم ير) أي: ولم يتذكر (أنه احتلم) أي: جامع في النوم .. (اغتسل) هو خبر بمعنى الأمر، وهو للوجوب، أي: فليغتسل وجوبًا؛ لأن البلل علامة ودليل على احتلامه ولا عبرة بالنوم، فالمدار على البلل سواء تذكر الاحتلام أم لا. انتهى "تحفة الأحوذي"،
стр. 1793
وَإِذَا رَأَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَمْ يَرَ بَلَلًا .. فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ".
===
قال السندي: قوله: "فرأى بللًا" إطلاقه يمنعه ما إذا اعتقده مذيًا؛ فإنه يغسله، وبه صرح كثير من علمائنا. انتهى منه.
(وإذا رأى) أي: ظن (أنه قد احتلم) أي: جامع في نومه (ولم ير بللًا) أي: رطوبة .. (فلا غُسل) واجب (عليه) لأن البلل علامة، ودليل على احتلامه وهو مفقود، وقال في "النيل": رجال هذا الحديث رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري، وقد اختُلف فيه، ثم ذكر أقوال الجرح والتعديل فيه، ثم قال: هكذا رواه أحمد وابن أبي شيبة من طريقه، فالحديث معلول بعلتين: الأولى: العمري المذكور، والثانية: التفرد وعدم المتابعة، فقصر عن درجة الحسن والصحة. انتهى شوكاني انتهى "تحفة".
ومقتضى كلام الشوكاني: أنه حديث جيد يصح الاحتجاج به.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٩٥)، باب في الرجل يجد البلة في منامه، رقم (٢٣٦)، والترمذي في الطهارة (٨٢)، باب فيمن يستيقظ فيرى بللًا ولا يذكر احتلامه، رقم (١١٣)، وأحمد (٦/ ٢٥٦).
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، كما مر، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
قال الخطابي في "معالم السنن": ظاهر هذا الحديث يوجب الاغتسال إذا رأى بلة وإن لم يتيقن أنها الماء الدافق، ورُوي هذا القول عن جماعة من التابعين منهم عطاء والشعبي والنخعي، وقال أحمد بن حنبل: أعجب إليّ أن يغتسل، إلا رجلًا به أبردة، وقال أكثر أهل العلم: لا يجب عليه الاغتسال حتى يعلم أنها الماء الدافق، واستحبوا أن يغتسل من طريق الاحتياط، ولم يختلفوا
стр. 1794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنه إذا لم ير الماء، وإن كان رأى في النوم أنه قد احتلم .. فإنه لا يجب عليه الاغتسال. انتهى كلامه. انتهى من "العون".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا، ذكره للاستدلال به على الترجمة.
والله أعلم
стр. 1795
(٥٨) - (١٣٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِتَارِ عِنْدَ الْغُسْلِ
(١٥٣) - ٦٠٤ - (١) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْوَلِيدِ،
===
(٥٨) - (١٣٧) - (باب ما جاء في الاستتار عند الغُسل)
(١٥٣) - ٦٠٤ - (١) (حدثنا العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل (العنبري) أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(وأبو حفص عمرو بن علي) بن بحر بن كنيز - بنون وزاي - (الفلاس) الصيرفي الباهلي البصري، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومجاهد بن موسى) الخوارزمي، وهو الخُتَّلي -بضم المعجمة وتشديد المثناة الفوقية المفتوحة - أبو علي نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ)، وله ست وثمانون سنة. يروي عنه: (م عم).
(قالوا) أي: قال كل من الثلاثة:
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يحيى بن الوليد) الطائي أبو الزعراء -بفتح الزاي وسكون العين المهملة- الكوفي، لا بأس به، من السابعة. روى عن: مُحلّ بن خليفة، وسعيد بن عمر بن أشوع، ويروي عنه: (د س ق)، وابن مهدي، وعصام بن عمرو، ويحيى بن المتوكل الباهلي، وأبو عاصم.
стр. 1796
أَخْبَرَنِي مُحِلُّ بْنُ خَلِيفَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّمْحِ قَالَ: كُنْتُ أَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْتَسِلَ .. قَالَ:
===
قال النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(أخبرني مُحل) بضم أوله وكسر ثانيه وتشديد اللام (ابن خليفة) الطائي الكوفي. روى عن: أبي السمح، وجده عدي بن حاتم، وملحان بن زياد، ويروي عنه: (خ د س ق)، وأبو الزعراء يحيى بن الوليد الطائي، وشعبة، والثوري.
قال ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه ابن خزيمة والدارقطني، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
(حدثني أبو السمح) مولى رسول الله ﷺ وخادمه ﵁، قيل: اسمه إياد. روى عن: النبي ﷺ ، ويروي عنه: (د س ق)، ومُحلّ بن خليفة الطائي.
قال أبو زرعة: لا أعرف اسمه، ولا أعرف له غير هذا الحديث؛ يعني: "كان إذا أراد أن يبول .. قال: ولّني ظهرك" وقد روى له النسائي حديثًا آخر في بول الغلام والجارية.
قلت: هما حديث واحد قطعه النسائي، وروى أبو داوود وابن ماجه منه الجملة الأولى، وقد رواه مجموعًا ابن خزيمة في "صحيحه" والبزار، وقال: لا نعلم حديث أبي السمح بغير هذا الحديث ولا له إسنادًا إلا هذا. انتهى من "التهذيب".
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو السمح: (كنت) أنا (أخدم) من باب نصر (النبي ﷺ ، فكان) النبي ﷺ (إذا أراد أن يغتسل .. قال)
стр. 1797
"وَلِّنِي"، فَأُوَلِّيهِ قَفَايَ، وَأَنْشُرُ الثَّوْبَ فَأَسْتُرُهُ بِهِ.
===
النبي ﷺ : (ولّني) ظهرك؛ أي: اجعل ظهرك موليًا مدبرًا إليّ؛ لئلا يقع نظرك عليّ، وهو بتشديد اللام المكسورة، أمر من التولية، وتكون التولية انصرافًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١)، وكذلك قوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٢)، وهي ها هنا: انصراف عن الشيء، يقال: تولى عنه إذا أعرض، وتولى هاربًا؛ أي: أدبر، والتولي يكون بمعنى الإعراض، قال أبو معاذ النحوي: قد تكون التولية بمعنى التولي، يقال: وليت وتوليت بمعنى واحد. انتهى.
فمعنى قوله: "ولّني" أي: اصرف عني وجهك وحوّله إلى الجانب الآخر، (فأوليه) بصيغة المتكلم (قفاي) أي: ظهري؛ أي: أصرف عنه وجهي وأجعل ظهري إلى جهة النبي ﷺ ، (وأنشر الثوب) أي: أبسط ثوبي وأمد وراء ظهره، (فأستره) ﷺ بصيغة المتكلم أيضًا بما ذُكر من القفا والثوب أو بالثوب من الناس، قوله: "فأستره" أي: فأستر النبي ﷺ (به) أي: بانصراف ظهري إليه عن أعين الناس.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٣٣٦)، باب بول الصبي يصيب الثوب، رقم (٣٧٢)، والنسائي في الطهارة (١٤٣)، باب ذكر الاستتار عند الاغتسال، رقم (٢٤٤)، والبيهقي والدارقطني.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 1798
(١٥٤) - ٦٠٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَوْفَلٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَبَّحَ فِي سَفَرٍ؟
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي السمح بحديث أم هانئ رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٤) - ٦٠٥ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر (المصري) التجيبي.
(أنبأنا الليث بن سعد) الفهمي المصري.
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني.
(عن عبد الله) ويقال: عبيد الله بالتصغير، كما في "النسائي" (بن عبد الله) بن الحارث (بن نوفل) بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبي يحيى المدني، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة سنة تسع وتسعين (٩٩ هـ). قال أبو حاتم: يقال فيه: عبيد الله، وعبد الله أصح عندي. روى عن: أم هانئ بنت أبي طالب على خلاف فيه، وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعبد الله بن خباب بن الأرت، وغيرهم، ويروي عنه: (خ م د س ق)، والزهري.
قال النسائي: ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(أنه قال) عبد الله: (سألت) الناس (أن رسول الله ﷺ هل (سبّح) وصلى النافلة (في سفر) من أسفاره؟ والتسبيح صلاة النافلة مطلقًا أو صلاة الضحى بخصوصها، ولا يلزم منه أنه ﷺ ما يصلي النوافل في السفر، وهو ظاهر، وقد ثبت أنه كان يصليها في السفر،
стр. 1799
فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يُخْبِرُنِي، حَتَّى أَخْبَرَتْنِي أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَدِمَ عَامَ الْفَتْحِ فَأَمَرَ بِسِتْرٍ فَسُتِرَ عَلَيْهِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ سَبَّحَ ثَمَانِ رَكَعَاتٍ.
===
قال عبد الله: (فلم أجد) أنا (أحدًا) من الصحابة (يخبرني) ويجيبني عن سؤالي (حتى أخبرتني أم هانئ) فاختة (بنت أبي طالب) رضي الله تعالى عنها (أنه) ﷺ (قدم) مكة (عام) غزوة (الفتح) حتى دخل بيتي، (فأمر) بعض خدمه (بستر) أي: بأن يجعلوا له سترًا يستره عن أعين الناس، (فسُتر عليه) أي: فجعل الستر عليه، وهذا موضع الترجمة، (فاغتسل، ثم) خرج من مغتسله، و (سبّح) أي: صلى صلاة الضحى (ثمان ركعات).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد (٣١)، باب صلاة الضحى في السفر، رقم (١١٧٦)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها (١٣)، باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات، أو ست، والحث على المحافظة عليها، رقم (٨٠)، وأبو داوود في كتاب التطوع (١٢)، باب صلاة الضحى، رقم (١٢٩١)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الضحى، رقم (٤٧٤)، والنسائي (٢/ ٢٠١) كتاب الغسل في قصعة العجين، وأخرجه ابن خزيمة والدارمي.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من الحديث المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي السمح.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي السمح بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 1800
(١٥٥) - ٦٠٦ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو،
===
(١٥٥) -٦٠٦ - (٣) (حدثنا محمد بن عبيد) بن محمد (بن ثعلبة) العامري الكوفي المعروف بـ (الحمَّاني) - بكسر المهملة وتشديد الميم - لقبه الجرب - بالجيم والراء المفتوحتين - وهو الصواب، وقيل: الحوت. روى عن: عبد الحميد الحماني، وإبراهيم بن محمد الضبي، ويروي عنه: (ق)، ويحيى بن محمد بن صاعد، وأحمد بن يحيى التستري.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الحادية عشرة.
(حدثنا عبد الحميد) بن عبد الرحمن (أبو يحيى الحمَّاني) - بكسر المهملة وتشديد الميم الكوفي - لقبه بشمين -بفتح الموحدة وسكون المعجمة وكسر الميم بعدها تحتانية ساكنة ثم نون - يروي عنه: (خ م د ت ق).
صدوق يخطئ ورُمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة اثنتين ومئتين (٢٠٢ هـ)، قال النسائي: ليس بقوي، وقال في موضع آخر: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد وأحمد: كان ضعيفًا، وقال العجلي: كوفي ضعيف الحديث، قال ابن معين: كان ثقة، ولكنه ضعيف العقل.
(حدثنا الحسن بن عمارة) البجلي مولاهم أبو محمد الكوفي، قاضي بغداد، متروك، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن المنهال بن عمرو) الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق ربما وهم، من الخامسة. يروي عنه: (خ عم).
стр. 1801
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلَنَّ أَحَدُكُمْ بِأَرْضِ فَلَاةٍ وَلَا فَوْقَ سَطْحٍ لَا يُوَارِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى فَإِنَّهُ يُرَى".
===
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود، مشهور بكنيته، والأشهر أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات قبل المئة بعد سنة ثمانين، ويروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن الحسن بن عمارة مجمع على ترك حديثه، قال الساجي والسهيلي: وأبو عبيدة قيل: لم يسمع من أبيه، وهو الراجح.
(قال) عبد الله بن مسعود: (قال رسول الله ﷺ : لا يغتسلن أحدكم) أيها المسلمون (بأرض فلاة) -بفتح الفاء- أي: بمفازة لا سترة فيها، (ولا) يغتسلن أحدكم أيضًا (فوق سطح) دار (لا يواريه) ولا يستره ذلك السطح؛ أي: ليس في ذلك السطح ما يستره عن أعين الناس، (فإن لم يكن) ذلك المغتسل (يرى) بالبناء للفاعل، أي: يرى ويبصر ما تحته من الأراضي والأبنية .. (فإنه) أي: فإن ذلك المغتسل (يُرى) بالبناء للمجهول؛ أي: يراه من تحته في الأرض والبُنيان.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وهو ضعيف السند جدًّا؛ لما مر آنفًا، صحيح المتن؛ لأن له شاهدًا من حديث أم هانئ المذكور قبله الذي أخرجه الشيخان؛ البخاري في كتاب الكسوف، باب صلاة الضحى، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب صلاة الضحى، وغرضه بسوقه:
стр. 1802
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الاستشهاد به لحديث أبي السمح، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بما قبله.
* * *
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث أبي السمح، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أم هانئ، ذكره للاستشهاد.
والثالث حديث ابن مسعود، ذكره للاستشهاد أيضًا.
والله أعلم
стр. 1803
(٥٩) - (١٣٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ لِلْحَاقِنِ أَنْ يُصَلِّيَ
(١٥٦) - ٦٠٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ
===
(٥٩) - (١٣٨) - (باب ما جاء في النهي للحاقن أن يصلي)
والحاقن: من يحبس بوله أو غائطه ويمنعه من الخروج، يقال: حقن الرجل بوله أو غائطه إذا حبسه وجمعه في جوفه فهو حاقن، وقال ابن فارس: يقال لما جمع من لبن وشد: حقين، ولذلك سُمي حابس البول حاقنًا. وأراد المؤلف بلفظ الحقن المعنى الأعم؛ يعني: حبس الغائط والبول، ولذا أورد في الباب أحاديث من القسمين، أو أراد به المعنى الخاص وهو حبس البول، وأراد بلفظ الغائط الخارج من الدبر، والله أعلم. انتهى من "العون".
* * *
(١٥٦) - ٦٠٧ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي.
(أنبأنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير.
(عن عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة القرشي الزهري، الصحابي المشهور ﵁ ولاه عمر بيت المال، ومات في خلافة عثمان، ويروي عنه: (ع هـ)، وليس له عندهم إلا هذا الحديث الواحد.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لكون رجاله ثقات.
(قال) عبد الله بن أرقم: (قال رسول الله ﷺ : إذا أراد أحدكم الغائط) أي: قضاء الحاجة، وفي رواية أبي داوود: "الخلاء" والغائط
стр. 1804
وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ .. فَلْيَبْدَأْ بِهِ".
(١٥٧) - ٦٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ،
===
في الأصل: الموضع المنخفض المطمئن الذي تُقضى فيه حاجة الإنسان، والمراد به: ما يعم البول والغائط، أي: أراد قضاء حاجة الإنسان لمدافعته إياه، (وأقيمت الصلاة) المفروضة .. (فليبدأ به) أي: بقضاء حاجته ولو فاتته الجماعة؛ لئلا يشوشه في الصلاة فيذهب خشوعه؛ أي: فليفرغ نفسه، ثم يرجع فيصلي؛ لأنه إذا صلى قبل ذلك .. تشوش خشوعه واختل حضور قلبه، والحديث فيه دليل على أنه لا يقوم إلى الصلاة وهو يجد شيئًا من البول والغائط والريح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٤٣)، باب أيصلي الرجل وهو حاقن؛ رقم (٨٨)، والترمذي في الطهارة (١٠٨)، باب ما جاء إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء .. فليبدأ بالخلاء، رقم (١٤٢)، قال: وفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وثوبان وأبي أمامة، قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الإمامة (٥١)، باب العذر في ترك الجماعة، رقم (٨٥١).
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن الأرقم بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٧) - ٦٠٨ - (٢) (حدثنا بشر بن آدم) بن يزيد البصري أبو عبد الرحمن ابن بنت أزهر السمّان، صدوق فيه لين، من العاشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (٢٥٤ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
стр. 1805
حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ السَّفْرِ بْنِ نُسَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ
===
(حدثنا زيد بن الحباب) أبو الحسين العكلي الكوفي، صدوق، يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا معاوية بن صالح) بن حُدير - مصغرًا - الحضرمي أبو عمرو الحمصي، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: بعد السبعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن السفر) بفتح السين المهملة وسكون الفاء (ابن نُسير) -بضم النون وفتح السين المهملة مصغرًا- الأزدي الحمصي، أرسل عن أبي الدرداء، وهو ضعيف، من السادسة. روى عن: يزيد بن شريح، وضمرة بن حبيب، ويروي عنه: (ق)، ومعاوية بن صالح الحضرمي، وعبد الله بن رجاء الشيباني.
قال الدارقطني: لا يُعتبر به، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في الطهارة.
(عن يزيد بن شريح) الحضرمي الحمصي. روى عن: أبي أمامة، وثوبان، وعائشة، ويروي عنه: (د ت ق)، والسفر بن نُسير، وثور بن يزيد، وحبيب بن صالح، وغيرهم.
قال يعقوب بن سفيان: هو صالح أهل الشام، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الدارقطني: يُعتبر به، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة.
(عن أبي أمامة) صُدي بن عجلان بن وهب الباهلي المدني الصحابي المشهور ﵁. روى عن: النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ويروى عنه: (ع)، ويزيد بن شريح، مات سنة ست وثمانين (٨٦ هـ).
стр. 1806
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ وَهُوَ حَاقِن.
(١٥٨) - ٦٠٩ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه السفر بن نُسير وهو ضعيف، وبشر بن آدم ضعيف أيضًا.
(أن رسول الله ﷺ نهى) عن (أن يصلي الرجل) وكذا المرأة (وهو) أي: والحال أنه (حاقن) وحابس للبول والغائط مانع له عن الخروج مُدافع له.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ثوبان الآتي، فهو صحيح بغيره، وغرضه: الاستشهاد به، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عبد الله بن الأرقم بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٨) - ٦٠٩ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن (الأودي) الزعافري -بفتح الزاي والمهملة وكسر الفاء وراء- نسبة إلى الزعافر؛ بطن من الأود، أبي عبد الله بن إدريس، وأخو داوود بن يزيد. روى عن: أبيه، وعمرو بن مرة، ويروي عنه: (ع)، وابنه عبد الله، وأبو أسامة، والثوري، ووكيع.
стр. 1807
عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَبِهِ أَذى".
===
قال ابن معين والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من السابعة.
(عن أبيه) يزيد بن عبد الرحمن بن الأسود الزعافري أبي داوود الأودي. روى عن: أبي هريرة، وعلي، وعدي بن حاتم، وجابر بن سمرة، ويروي عنه: (ت ق)، وابناه إدريس وداوود، ذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة.
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا يقوم أحدكم) برفع الفعل خبر بمعنى النهي (إلى) فعل (الصلاة) وشغلها (وبه) أي: والحال أن بذلك الأحد (أذىً) أي: ما يؤذيه ويدافعه ويشوشه من حاجة بول وغائط، وكذا كل ما يشوش القلب كالريح، لكن هذا إن أمكن زواله، والوقت باق، وإلا .. فيصلي مع مدافعته حذرًا من إخراج الصلاة عن وقتها.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن الأرقم، رواه الترمذي في "سننه" في الطهارة، وقال: حديث حسن صحيح، وابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب الصلاة، باب في مدافعة البول والغائط في الصلاة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 1808
(١٥٩) - ٦١٠ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ أَبِي حَيٍّ الْمُؤَذِّنِ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَقُومُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عبد الله بن الأرقم بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٩) - ٦١٠ - (٤) (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول القرشي (الحمصي) صدوق له أوهام، وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يُحمد -بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم- الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن حبيب بن صالح) الطائي أبي موسى الحمصي، ثقة، من السابعة، مات سنة سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي حي) شداد بن حي (المؤذن) الحمصي، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن ثوبان) الهاشمي مولاهم، مولى رسول الله ﷺ ، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ) ﵁. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن بقية روى هنا عن ثقة، وهو ثقة فيما روى عن ثقة، ومن لطائف هذا السند أن رجاله كلهم شاميون.
(عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يقوم أحد من المسلمين)
стр. 1809
وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ".
===
إلى الصلاة فرض عين كانت كالصلوات الخمس، أو كفاية كالجنازة، أو سنة كالنوافل (وهو حاقن) أي: حابس للبول أو الغائط، وفي رواية أبي داوود: "وهو حقن"، قال ابن الأثير: الحقن، والحاقن بمعنىً واحد (حتى يتخفف) بمثناة تحتية مفتوحة ففوقية؛ أي: حتى يُخفّف نفسه بخروج الفضلة. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (٤٣)، باب أيصلي الرجل وهو حاقن، رقم (٩٠)، والترمذي في كتاب الصلاة (٢٦٥)، باب ما جاء في كراهية أن يخص الإمام نفسه بالدعاء، رقم (٣٥٧). وقال أبو عيسى: حديث ثوبان حديث حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث عبد الله بن الأرقم، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أبي أمامة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث أبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث ثوبان، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 1810
(٦٠) - (١٣٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي قَدْ عَدَّتْ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا قَبْلَ أَنْ يَسْتَمِرَّ بِهَا الدَّمُ
(١٦٠) - ٦١١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُغِيرَةِ،
===
(٦٠) - (١٣٩) - (باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم)
أي: قد استكملت عدد أيام حيضها المعتاد، وجاوز دمها أيام حيضها المعتاد، فما حكمها؛ فهل تترك الصلاة في أيام الدم الزائد؛ نظرًا لظاهر الدم، أم تصلي في تلك الأيام الزائدة؛ نظرًا إلى أن أصلها الطهر، والدم دم فساد وعلة، فليس له حكم الحيض في منعه من الصلاة؛ والمستحاضة: من زاد دمها على قدر حيضها المعتاد لمرض.
* * *
(١٦٠) - ٦١١ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر المصري.
(أنبأنا الليث بن سعد) الفهمي المصري.
(عن يزيد بن أبي حبيب) المصري - اسم أبي حبيب: سويد - أبي رجاء، واختُلف في ولائه، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بكير بن عبد الله) بن الأشج المخزومي مولاهم أبي عبد الله المدني، نزيل مصر، ثقة، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن المنذر بن المغيرة) الحجازي. روى عن: عروة بن الزبير، ويروي عنه: (د س ق)، وبكير بن عبد الله بن الأشج.
стр. 1811
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ،
===
قال أبو حاتم: مجهول ليس بمشهور، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال المزي: يحتمل أن يكون جد المنذر بن عبد الله الحزامي، وقال في "التقريب": مقبول، من السادسة.
(عن عروة بن الزبير أن فاطمة بنت أبى حُبيش) - بمهملة وموحدة ومعجمة مع التصغير، واسمه: قيس بن المطلب - الأسدية الصحابية رضي الله تعالى عنها، لها حديث واحد في الاستحاضة. يروي عنها: (د س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، قال المنذري: وفي إسناده المنذر بن المغيرة، سئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال: هو مجهول ليس بمشهور، فيكون حكمه: الحسن، لأن فيه رجلًا مختلفًا فيه.
(حدثته) أي: حدثت لعروة (أنها أتت رسول الله ﷺ أي: جاءته، (فشكت إليه) ﷺ ؛ أي: أخبرت له ﷺ (الدم) أي: كثرة دمها على سبيل الشكوى والفتوى واتصاله بلا فترة في أيام حيضتها المعتادة، (فقال) لها (رسول الله ﷺ : إنما ذلك) - بكسر الكاف خطابًا للمؤنث - أي: إنما ذلك الدم الذي تشتكي (عرق) أي: دم يجري من عرق يسمى بالعاذل لفساد ذلك العرق وضعفه، فليس دم حيض يجري لطبيعة، فلا يضرك، قوله: "عرق" بكسر العين وسكون الراء هو المسمى بالعاذل، قال الخطابي في "المعالم": يريد أن ذلك علة حدثت بها من تصدع العروق فاتصل الدم، وليس بدم الحيض الذي يقذفه الرحم لميقات معلوم فيجري مجرى سائر الأثقال والفضول التي تستغني عنها الطبيعة فتقذفها عن البدن، فتجد النفس راحة لمفارقتها. انتهى.
стр. 1812
فَانْظُرِي إِذَا أَتَى قَرْؤُكِ .. فَلَا تُصَلِّي، فَإِذَا مَرَّ الْقَرْءُ .. فَتَطَهَرِي ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ".
===
قال الشيخ الدهلوي في "المصفى" بعد نقل قول الخطابي: والأمر المحقق في ذلك أن دم الحيض ودم الاستحاضة هما يخرجان من محل واحد، لكن دم الحيض هو مطابق لعادة النساء التي جُبلن عليها، ودم الاستحاضة يجري على خلاف عادتهن لفساد أوعية الدم والرطوبة الحاصلة فيها، وعُبّر عن هذا بتصدع العروق.
(فانظري) أي: فاصبري وواظبي على صلاتك مع جريان دم الاستحاضة، (حتى إذا أتى قرؤك) بفتح القاف وسكون الراء يُجمع على قروء وأقراء، قال الخطابي: يريد بالقرء هنا الحيض، وحقيقة القرء الوقت الذي يعود فيه الحيض أو الطهر، ولذلك قيل للطهر: قرء كما قيل للحيض قرء. انتهى.
أي: واظبي على عبادتك مع جريان الدم حتى (إذا أتى) وجاء (قرؤك) أي: وقت حيضك المعتاد في أيام الصحة .. (فـ) اتركي الصلاة و (لا تصلي) فيه؛ لأنه وقت حيضك تحكيمًا لعادتك في أيام الصحة، (فإذا مر) ومضى هذا (القرء) والحيض؛ أي: تلك المدة التي جعلته قرءًا وحيضًا بتحكيم عادتك، (فتطهَّري) أي: فاغتسلي واستثفري فرجك لكل صلاة، (ثم صلي ما بين) هذا (القرء) والحيض الذي مر عليك (إلى) مجيء وقت (القرء) والحيض المستقبل، بجعل ما بين القرأين أيام طهرك تحكيمًا لعادتك في أيام الصحة، والمعنى: أي صلي من انقطاع الحيض الذي في الشهر الحاضر إلى الحيض الذي في شهر يليه. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (١٠٨)، باب المرأة تستحاض ومن قال: تدع الصلاة في عدد الأيام التي كانت تحيض فيه،
стр. 1813
(١٦١) - ٦١٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا:
===
رقم (٢٨٠)، والنسائي في الطهارة (١٣٥)، باب ذكر الإقراء، رقم (٢١١)، والدارقطني وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح بما بعده من حديث عائشة، وإن كان سنده حسنًا، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث فاطمة بنت أبي حُبيش بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦١) - ٦١٢ - (٢) (حدثنا عبد الله بن الجراح) بن سعيد التميمي أبو محمد القهستاني: - بضم القاف والهاء وسكون المهملة وفوقانية - نسبة إلى قهستان؛ ناحية بخراسان بين هراة ونيسابور، وهي قوهستان. انتهى "لب اللباب"، سكن نيسابور. روى عن: حماد بن زيد، ومالك، وحفص بن غياث، ويروي عنه: (د ق)، وأبو حاتم، وأبو زرعة، ومحمد بن إسحاق السرّاج.
قال أبو زرعة: صدوق، وقال أبو حاتم: كان كثير الخطأ، ومحله الصدق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم: محدّث كبير، سكن نيسابور، وبها انتشر علمه، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة اثنتين، ويقال: سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي (قالا) أي: قال كل من أبي بكر وعلي بن محمد:
стр. 1814
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ
===
(حدثنا وكيع) كلاهما، أي: كل من حماد بن زيد ووكيع بن الجراح رويا (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قالت) عائشة: (جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش) - اسمه قيس بن المطلب - القرشية الأسدية الصحابية رضي الله تعالى عنها (إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة) ذات دم مستمر، لأني (أُستحاض) -بضم الهمزة على صيغة المضارع المبني للمجهول- أي: أُصبت بالاستحاضة وابتليت بها، والاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه وأوقاته لمرض (فلا أطهر) من باب نصر؛ أي: فلا أجد الطهارة والنقاء من الدم في جميع أوقاتي ليلًا ونهارًا، (أ) يرخص لي في ترك الصلاة (فأدع الصلاة) وأتركها لعدم طهارتي ونقائي من الدم؛ فالهمزة للاستفهام الاستفتائي داخلة على محذوف معطوف عليه ما بعد الفاء، والفاء عاطفة على ذلك المحذوف، كما هو مذهب الزمخشري، وهو الراجح كما بسطنا الكلام عليه في "الحدائق".
فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (لا) تدعي الصلاة ولا تتركيها مرة، (إنما ذلك) - بكسر الكاف لخطاب المؤنث - أي: إنما ذلك الدم الجاري منك على الدوام (عرق) أي: دم عرق يسمى بالعاذل - بالذال
стр. 1815
وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ .. فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ .. فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي" هَذَا حَدِيثُ وَكيعٍ.
===
المعجمة - أي: دم عرق انقطع فسال؛ أي: هو دم علة لا دم جبلة، فلا يمنع من العبادات والاستمتاع، والعاذل بالذال المعجمة وباللام، وحكى ابن سيده فيه العادل - بالدال المهملة مع اللام - وفي الصحاح: بذال معجمة وراء: العاذر؛ وهو عرق في أدنى رحم المرأة في أسفله وأقربه، وأما الحيض .. فهو دم يخرج من عرق في أقصى رحمها وأبعده وأعلاه على سبيل الصحة في أوانه.
(وليس) ذلك الدم الجاري منك على الاستمرار (بالحيضة) أي: بدم الحيضة الذي يخرج من أقصى رحم المرأة في أوانه على سبيل الصحة، قال النووي: يجوز في حاء الحيضة كسرها على معنى الهيئة والحالة، وفتحها، وهو الأظهر على معنى الحيض، (فإذا أقبلت) وجاءت (الحيضة) المعتادة لك قبل استمرار الدم بك؛ أي: جاء وقتها سواء كان من أول الشهر أو آخره أو وسطه .. (فدعي الصلاة) أي: اتركيها؛ أي: اتركي الصلاة وجميع ما يحرم بالحيض من الطواف والاستمتاع وغير ذلك، (وإذا أدبرت) أي: مضت وانقطعت حيضتك المعتادة قبل استمرار الدم؛ أي: مضى وقتها مطلقًا؛ أي: طهرًا وحيضًا .. (فاغسلي عنك الدم) أي: اغتسلي غُسل انقطاع الحيض (وصلي) في أيام استحاضتك حتى يقبل وقت حيضك المعتاد؛ أي: لا تتركي الصلاة في كل الأوقات، ولكن اتركيها في مقدار الحيض المعتاد، ويوكل ذلك إلى أمانتها وردها إلى عادتها، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص، وفي الحديث دلالة على أن فاطمة كانت معتادة (هذا حديث وكيع).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحيض (٨)، باب الاستحاضة، رقم (٣٠٦)، ومسلم في الحيض (١٤)، باب الاستحاضة،
стр. 1816
(١٦٢) - ٦١٣ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ إِمْلَاءً عَلَيَّ مِنْ كِتَابِهِ وَكَانَ السَّائِلُ غَيْرِي، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ،
===
رقم (٦٢)، وأبو داوود في الطهارة (١٠٩)، باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة، رقم (٢٨٢)، والترمذي في الطهارة (٩٣)، باب ما جاء في المستحاضة، رقم (١٢٥)، قال أبو عيسى: حديث عائشة حسن صحيح، والنسائي في الطهارة (١٣٨)، باب الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة، رقم (٢١٨)، ومالك، وابن أبي شيبة.
فهذا الحديث: في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث فاطمة بنت أبي حبيش بحديث أم حبيبة بنت جحش رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٢) -٦١٣ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري.
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، قال محمد بن يحيى: حدثنا عبد الرزاق (إملاء) أي: قراءة لحديثه (عليّ من كتابه) لا من حفظه، قال محمد بن يحيى: (وكان السائل) له عن الحديث (غيري)، فقال عبد الرزاق في إملائه عليّ:
(أنبأنا ابن جريج عن عبد الله بن محمد بن عقيل) بن أبي طالب القرشي الهاشمي المدني، قال في "التقريب": صدوق في حديثه لين، من الرابعة. يروي عنه: (د ت ق).
стр. 1817
عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً طَوِيلَةً قَالَتْ: فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهُ
===
(عن إبراهيم بن محمد بن طلحة) التيمي أبي إسحاق المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم)، مات سنة عشرة ومئة (١١٠ هـ).
(عن عمران بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني، له رؤية، ذكره العجلي في ثقات التابعين. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أم حبيبة) حمنة -بفتح المهملة وسكون الميم وبالنون- انتهى "تحفة" (بنت جحش) الأسدية، أخت زينب أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، كانت تحت مصعب بن عمير ثم طلحة، وكانت تستحاض، ولها صحبة، وهي أم ولدي طلحة؛ عمران ومحمد. يروي عنها: (د ت ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف فيه.
(قالت) أم حبيبة: (كنت أستحاض) وهو من الأفعال الملازمة للبناء للمجهول، أي: أصب وأسيل وأفرغ (حيضة كثيرة) الصب (طويلة) المدة مستمرة لا انقطاع لها، (قالت) أم حبيبة: (فجئت إلى النبي ﷺ حالة كوني (أستفتيه) ﷺ وأسأله عن حكم حيضتي هل تمنع الصلاة أم لا؟ (و) حالة كوني (أخبره) ﷺ بكثرتها واستمرارها، والواو فيه لمطلق الجمع، وإلا كان حقها أن تقول: أخبره وأستفتيه. انتهى "تحفة".
(قالت) أم حبيبة: (فوجدته) ﷺ ، أي: وافقته
стр. 1818
عِنْدَ أُخْتِي زَيْنَبَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً قَالَ: "وَمَا هِيَ أَيْ هَنْتَاهْ؟ "، قُلْتُ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً طَوِيلَةً كَبِيرَةً وَقَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصَّوْمَ فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟
===
وهو (عند أختي زينب) بنت جحش في نوبتها، (قالت) أم حبيبة: فـ (قلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ إن لي إليك حاجة) ضرورية أستفتيك فيها، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (وما هي) أي: وما تلك الحاجة (أي هنتاه؛ ) أي: يا هذه -بفتح النون وسكونها وضم الهاء الأخيرة وسكونها، قال الجوهري: هذه اللفظة تختص بنداء القريب، وإعرابه: أي: حرف نداء مختص بالنداء القريب مبني على السكون، هنتاه: اسم إشارة يُشار به للمفردة المؤنثة القريبة في محل النصب، منادىً مفرد علم مبني على الضم؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا لتضمنه معنى حرف الخطاب، أو على ضم مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بسكون الوقف، وجملة النداء جواب الاستفهام لا محل لها من الإعراب.
فـ (قلت) له ﷺ : (إني أُستحاض) من الأفعال الملازمة لصيغة المجهول مع أنه في المعنى مبني للمعلوم؛ أي: إني أُفرغ وأصب وأُجري (حيضة طويلة) من حيث المدة (كبيرة) من حيث ذات الدم، (وقد منعتني) تلك الحيضة (الصلاة والصوم) أي: على زعمها، (فما تأمرني) أي: فبأي شيء تأمرني يا رسول الله (فيها) أي: في حيضتي؛ أي: في حال وجودها، هل أترك الصلاة فيها أم أصليها؛ قال المباركفوري: قوله: (كنت أستحاض حيضة) بفتح الحاء وهو مصدر أستحاض، على حد قولهم: أنبته الله نباتًا، ولا يضره الفرق في اصطلاح الفقهاء بين الحيض والاستحاضة؛ إذ الكلام وارد على أصل اللغة، قوله: (كبيرة) وفي بعض النسخ: (كثيرة)، وكذا في رواية
стр. 1819
قَالَ: "أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ"، قُلْتُ: هُوَ أَكْثَرُ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ شَرِيكٍ.
===
أبي داوود: (شديدة)، قال القاري: كثيرة في الكمية شديدة في الكيفية. انتهى من "التحفة".
فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (أنعت) مضارع مسند للمتكلم من باب فتح يفتح من النعت؛ وهو ذكر الشيء ووصفه بما فيه الك) بكسر الكاف خطابًا للمؤنث (الكرسف) -بضم الكاف وسكون الراء وضم السين-: القطن؛ أي: فإني أذكر لك الكرسف في علاج دمك؛ (فإنه) أي: فإن الكرسف (يُذهب الدم) ويقطعه، فاستعمليه من الإذهاب؛ أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج، أو المعنى: فاستعمليه في علاج دمك، لعل دمك ينقطع بذلك.
قالت أم حبيبة: (قلت) له ﷺ في جواب أمره إياي باستعمال الكرسف: (هو) أي: دمي (أكثر) من ذلك، كما في رواية الترمذي؛ أي: أكثر وأشد من أن ينقطع بالكرسف؛ لاشتداده وفوره، قال عبد الرزاق: (فذكر) لنا ابن جريج عن عبد الله بن محمد بن عقيل (نحو حديث شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، ولم يذكر المؤلف هنا رواية شريك بن عبد الله عن عبد الله بن محمد بن عقيل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة (١١٠)، باب من قال: إذا أقبلت الحيضة .. تضع الصلاة، رقم (٢٨٧)، والترمذي في الطهارة (٩٥)، باب ما جاء في المستحاضة، رقم (١٢٨)، وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم في "المستدرك" في الطهارة مطولًا، قال: وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث الاستحاضة من حديث الزهري وهشام بن عروة عن عائشة، وأخرجه البيهقي (١/ ١٣٨) في كتاب الحيض، وأحمد والدارقطني.
стр. 1820
(١٦٣) -٦١٤ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ،
===
قال المنذري في "تلخيصه": قال الخطابي: قد ترك بعض العلماء القول بهذا الحديث؛ لأن ابن عقيل راويه ليس بذلك، وقال البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به، هذا آخر كلامه، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال أيضًا: وسألت محمدًا - يعني: البخاري - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال أحمد: هو حديث حسن صحيح. انتهى.
قال صاحب "سبل السلام" بعد نقل كلام المنذري هذا: فعرفت أن القول بأنه حديث غير صحيح .. غير صحيح، بل قد صححه الأئمة. انتهى.
قلت: إن هذا الحديث حسن سنده، لكون ابن عقيل من رجاله، وهو مختلف فيه، صحيح بما قبله من حديث عائشة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث فاطمة بنت أبي حبيش، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث فاطمة بنت أبي حُبيش بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٣) -٦١٤ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن زيد الهاشمي الكوفي.
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني.
(عن نافع) مولى ابن عمر.
стр. 1821
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَأَلَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؛ قَالَ: "لَا، وَلكِنْ دَعِي قَدْرَ الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي ألَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "وَقَدْرَهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي
===
(عن سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم؛ مولى ميمونة زوج النبي ﷺ .
(عن أم سلمة) زوج النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) أم سلمة: (سألت امرأة) ولعلها فاطمة بنت أبي حُبيش كما في "العون" (النبي ﷺ عن استحاضتها، فـ (قالت) المرأة في سؤالها: (إني) يا رسول الله (أُستحاض) -بضم الهمزة وفتح التاء- وهذه الكلمة ترد على صيغة المبني للمفعول مع أن المعنى للفاعل، يقال: استُحيضت المرأة فهي مستحاضة؛ إذا استمر بها الدم بعد أيام حيضها ونفاسها، (فلا أطهر) أي: مدة مديدة (أفأدع) بهمزة الاستفهام؛ أي: أفأترك (الصلاة) ما دامت الاستحاضة معي ولو طالت المدة؟
فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (لا) تتركي الصلاة ولا تدعيها، (ولكن دعي) الصلاة في المدة التي كانت (قدر الأيام والليالي التي كنت تحيضين) فيها أيام صحتك من كل شهر، سواء كان من غالب الحيض من ستة، أو سبع، أو أكثر من خمسة عشر، أو أقله من يوم وليلة.
(قال أبو بكر) ابن أبي شيبة (في حديثه: و) لكن دعي الصلاة (قدرهن) أي: قدر الأيام والليالي التي كنت تحيضين فيهن في أيام صحتك (من الشهر) أي: من كل شهر، (ثم) بعدما مضت تلك الأيام والليالي (اغتسلي) اغتسالًا
стр. 1822
وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَصَلِّي".
(١٦٤) - ٦١٥ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ،
===
مثل اغتسالك من الحيض، (واستثفري) أي: واربطي فرجك (بثوب) أي: بخرقة، (وصلي) كل صلاة من الصلوات الخمس كذلك، والاستثفار: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قطنًا وتوثق طرفيها في شيء تشده على وسطها كالتكة؛ ليمنع سيلان الدم، مأخوذ من ثفر الدابة الذي يجعل تحت ذنبها، والحاصل: أن المعتادة إذا استمر بها الدم ترد الحيض إلى العادة المعلومة لها في حال الصحة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطهارة، باب المرأة تُستحاض، رقم (٢٧٤)، والنسائي في الطهارة، باب ذكر الاغتسال من الحيض، رقم (٢٠٨).
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث فاطمة بنت أبي حبيش بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٤) - ٦١٥ - (٥) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي.
(وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا: حدثنا وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي، ثقة، فقيه فاضل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 1823
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: "لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ، اجْتَنِبِي الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِكِ،
===
(عن عروة بن الزبير، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش) قيس بن المطلب (إلى النبي ﷺ ، فقالت: يا رسول الله؛ إني امرأة أُستحاض) أي: أصبت وابتليت بدم الفساد، (فلا أطهر) أي: فلا أجد الطهر والنقاء من الدم، (أفأدع الصلاة؟ ) أي: فهل أترك الصلاة لأجل دمي أم أصليها مع الدم؛ فالهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف؛ والتقدير: (أ) يرخص لي في ترك الصلاة (فأدع) وأترك (الصلاة) مرة لعدم طهارتي؟
فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (لا) أي: لا تدعي الصلاة ولا تتركيها مرة، (إنما ذلك) الدم الجاري منك على الدوام (عرق) أي: دم عرق يُسمى بالعاذل، انشق لمرض وانفجر منه الدم؛ أي: دم عرق انقطع فسال منه الدم؛ أي: هو دم علة ومرض لا دم جبلة وطبيعة فلا يمنع من العبادات والاستمتاع، (وليست) تلك الاستحاضة التي تجري منك لعلة (بالحيضة) التي تخرج لطبيعة وصحة، فلا تمنع تلك الاستحاضة من الصلاة ونحوها، وفي رواية مسلم: (وليس) ذلك الدم الجاري منك على الدوام بحذف تاء التأنيث، وهو أوضح (بالحيضة) التي تخرج من أقصى رحم المرأة في أوانه على سبيل الصحة.
(اجتنبي الصلاة) أي: ابتعدي عن فعل الصلاة واتركيها (أيام محيضك)
стр. 1824
ثُمَّ اغْتَسِلِي وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنْ قَطَرَ الدَّمُ عَلَى الْحَصيرِ".
===
أي: في أيام حيضك المعتاد لك قبل استمرار هذا الدم الجاري منك. وعبارة السندي: (إنما ذلك) - بكسر الكاف على خطاب المرأة - أي: إنما ذلك الدم الزائد على العادة السابقة (عرق) أي: دم عرق انقطع في أدنى رحم المرأة؛ أي: في أسفله وأقربه إلى فم الفرج، لا دم حيض يخرج من أعلى رحم المرأة وأبعده من فم الفرج، بل من عرق تحت الترائب وأقربه إليه وليس بالحيضة.
(ثم) بعدما مر عليك أيام حيضك المعتاد قبل هذا الدم المستمر بك (اغتسلي) غسل جنابة الحيض مرة؛ أي: اغتسلي غسل انقطاع الحيض مرة، (وتوضئي) بعده في أيام استحاضتك (لكل صلاة) إذا دخل وقتها كالمعذور، سواء بسواء كسلس البول وسلس المذي حتى يقبل وقت حيضك المعتاد، ولا عليك غسل انقطاع الحيض بعد تلك المرة، (وإن قطر) وانصب (الدم على الحصير) الذي تنام فيه؛ أي: توضئي وصلي في أيام استحاضتك كلها في جميع الأوقات حتى يقبل وقت حيضك المعتاد؛ أي: لا تتركي الصلاة في كل الأوقات، ولكن اتركيها في مقدار أيام حيضك المعتاد، وفيه دلالة على أن فاطمة كانت معتادة لا مبتدأة. انتهى "كوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في الحيض (٨)، باب الاستحاضة، باب إقبال المحيض، ومسلم في الحيض (١٤)، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم (٦٢) دون ذكر قوله: "وإن قطر الدم على الحصير"، وأبو داوود في الطهارة (١١٢)، باب من قال: تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، رقم (٢٩٦)، وباب من قال: تغتسل من طهر إلى طهر، رقم (٢٩٨) مختصرًا، والنسائي في الطهارة (١٣٨)، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والحميدي، ومالك.
стр. 1825
(١٦٥) - ٦١٦ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ،
===
فهذا الحديث: في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث فاطمة بنت أبي حبيش بحديث عبد الله بن يزيد الخطمي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٥) - ٦١٦ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي. روى عن: شريك بن عبد الله، ومالك، وإبراهيم بن سعد، وابن عيينة، وآخرين، ويروي عنه: (د ت ق)، وابن خزيمة، والساجي، ومطين، وطائفة.
قال أبو حاتم ومطين: كان صدوقًا، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، رُمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ).
(قالا: حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي اليقظان) عثمان بن عمير بالتصغير.
قلت: ونسبه أحمد بن حنبل، فقال: هو عثمان بن عمير بن عمرو بن قيس البجلي الكوفي الأعمى. روى عن: عدي بن ثابت، وأبي وائل، وأبي الطفيل، وجماعة، ويروي عنه: (د ت ق)، وشريك، وشعبة، والأعمش، والثوري، وآخرون.