مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللهِ .. بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
===
مسجدًا) ولو صغيرًا (يُذكر فيه اسم الله) تعالى على صيغة المبني للمفعول، والجملة صفة لمسجدًا، ولكنها في حكم التعليل، كأنه قيل: بنى ليُذكر اسم الله تعالى فيه، فهذا في معنى ما ورد: (يبتغي وجه الله) .. (بنى الله) تعالى (له بيتًا في الجَنَّة) مجازاة على عمله الصالح، وفيه مجازاة له بجنس عمله.
وقوله: (بيتًا) التنكير فيه للتعظيم؛ أي: بيتًا عظيمًا، وإسناد البناء إلى الله تعالى مجاز عقلي من إسناد ما للمأمور إلى الآمر؛ أي: أمر الملائكة ببنائه، أو البناء مجاز عن الخلق والإسناد حينئذ حقيقة، قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي بناه .. كان بعيدًا عن الإخلاص. انتهى سندي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة به، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الله بن عبد الحكم.
وشعيب بن الليث بن سعد أبو عبد الملك روى عن أبيه وغيره، وروى عنه ابنه عبد الملك وابن عبد الحكم، وكلاهما؛ أي: كلّ من الليث وغيره رويا عن ابن الهاد به، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" عن الحاكم به، ورواه ابن أبي عمر في "مسنده" عن عبد العزيز عن يزيد بن الهاد به، فالحديث في "الصحيحين" من حديث عثمان بن عفان ﵁.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وإن كان في إسناده إرسال؛ لأن له شواهد، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، فهو صحيح بما بعده.
* * *
стр. 2137
(٦٧) - ٧٢٣ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عمر بحديث عثمان بن عفان ﵃، فقال:
(٦٧) - ٧٢٣ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري الملقب ببندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو بكر الحنفي) عبد الكبير بن عبد المجيد بن عبيد الله بن شريك بن زهير بن سارية المصري. روى عن: عبد الحميد بن جعفر، ومالك، والثوري، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن بشار، وأحمد، وإسحاق، وعلي بن المديني، وخلق، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ).
(حدثنا عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق، رُمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والد عبد الحميد، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي أبي نعيم المدني، الصحابي الصغير ﵁ وجُل روايته عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين (٩٧ هـ)، وله تسع وتسعون سنة.
(عن عثمان بن عفان) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 2138
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى لِلّهِ مَسْجِدًا .. بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ".
===
(قال) عثمان ردًا على الناس حين أراد توسعة مسجد النبي ﷺ وهدمه، وأرادوا تركه على هيئته الأول، فقال معتذرًا إليهم: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من بنى) مخلصًا (لله) تعالى لا رياء ولا محمدة ولا سمعة (مسجدًا) صغيرًا أو كبيرًا .. (بنى الله) الله) أي: لذلك الباني بناء (مثله في الجَنَّة) أي: بيتًا يماثل ذلك المسجد في الشرف والفضل والتوقير؛ لأنه جزاء المسجد، فيكون مثلًا له في صفات الشرف، ولا يلزم أن يكون جهة الشرف متحدة. انتهى من "المبارق".
قال القرطبي: هذه المثلية ليست على ظاهرها، ولا من كلّ الوجوه، وإنما يعني: أنه بنى له بثوابه بناء أشرف وأعظم وأرفع؛ لأنه مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكذلك في الرواية الأخرى: (بنى الله له بيتًا في الجَنَّة)، ولم يسمه مسجدًا، وهذا البيت هو - والله أعلم - مثل بيت خديجة الذي قال فيه: "إنه من قصب لا صخب فيه ولا نصب"، رواه البخاري، يريد من قصب الزمرد والياقوت، ويعتفحد هذا بأن أجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، وهذا كما قال في المتصدق بالتمرة أنَّها تُربّى حتى تصير مثل الجبل، رواه أحمد والبخاري، ولكن هذا التضعيف هو بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص والإتقان والإحسان، ولما فهم عثمان هذا المعنى .. تأنق في بناء المسجد وحسنه وأتقنه وأخلص له فيه؛ رجاء أن يُبنى له قصر متقن مشرف مرفع، وقد فعل الله تعالى له ذلك وزيادة ﵁. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة (٦٥)،
стр. 2139
(٦٨) - ٧٢٤ - (٣) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَسْوَدِ،
===
باب من بنى لله مسجدًا، رقم (٤٥٠)، ومسلم في كتاب المساجد، باب فضل بناء المساجد والحث عليها، رقم (٢٥)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في بنيان المسجد، والنسائي، وأحمد.
فالحديث من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر ﵁.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عمر بحديث علي ﵄، فقال:
(٦٨) - ٧٢٤ - (٣) (حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلّم، صدوق يخطيء، من كبار الحادية عشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ)، وله ثلاث وستون سنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) الدمشقي أبو العباس القرشي مولاهم، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (ابن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ)، ناف على الثمانين. يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثني أبو الأسود) محمد بن عبد الرَّحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي المدني، يتيم عروة، ثقة، من السادسة. روى عن: عروة، ويروي عنه: (ع)، وابن لهيعة. مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ).
стр. 2140
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا مِنْ مَالِهِ .. بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
===
(عن عروة) بن الزبير (عن علي بن أبي طالب) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ابن لهيعة وهو ضعيف، والوليد بن مسلم مدلس روى عن ابن لهيعة بالعنعنة.
(قال) على: (قال رسول الله ﷺ : من بنى مسجدًا من ماله) قال السندي: يخرج من باشر البناء لغيره. انتهى؛ أي: من بنى المسجد بمال الغير .. فالفضل لصاحب المال .. (بنى الله له بيتًا في الجَنَّة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث عثمان المذكور في "الصحيحين".
فالحديث: صحيح بما قبله من حديث عثمان، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
قال أبو عيسى: وفي الباب حديث عن أبي بكر وعمر وعلي وعبد الله بن عمرو وأنس وابن عباس وعائشة وأم حبيبة وأبي ذر وعمرو بن عبسة ووائلة وأبي هريرة وجابر، وأخرجه الترمذي في كتاب الصلاة، في باب فضل بنيان المسجد، رقم (٣١٨) عن عثمان بن عفان دون ذكر (من ماله)، قال أبو عيسى: حديث عثمان حسن صحيح.
فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عمر بحديث جابر ﵄، فقال:
стр. 2141
(٦٩) - ٧٢٥ - (٤) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَشِيطٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ النَّوْفَلِي، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلّهِ
===
(٦٩) - ٧٢٥ - (٤) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله ست وتسعون سنة. يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن نشيط) -بفتح النون وكسر الشين الوعلاني بالمهملة- المصري، يُكنى أبا بكر، ثقة، من الخامسة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(عن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبي حسين) بن الحارث بن عامر بن نوفل المكي (النوفلي) ثقة عالم بالمناسك، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن أبي رباح) -بفتح الراء والموحدة- واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: من بنى مسجدًا) مخلصًا (لله)
стр. 2142
كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ .. بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
===
تعالى، ولو كان ذلك المسجد (كمفحص قطاة أو أصغر) أي: قدر مخيم حمام .. (بنى الله له بيتًا) أي: قصرًا (في الجَنَّة) مجازاة له على عمله.
قال السندي قوله: (كمفحص قطاة أو أصغر) منها؛ المفحص بفتح الميم وسكون الفاء، والقطاة: الحمام، ومفحصها: الموضع الذي تُحشّش فيه؛ أي: تجمع الحشيش والنبات فيه لتخيمه لها وتبيض فيه، سُمي بذلك؛ لأنَّها تفحص عنه التراب وتزيله عنه، وهذا مذكور على سبيل المبالغة في الصغر، وإلا .. فأقل المسجد أن يكون موضعًا واسعًا لصلاة رجل واحد.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "معجمه الأوسط" عن أبي ذر، ولفظه: "من بنى لله مسجدًا قدر مفحص قطاة .. بنى الله له بيتًا في الجَنَّة"، وله شاهد من حديث ابن عباس رواه أحمد (١/ ٢٤١)، والبزار في "مسنديهما"، ولفظه: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص قطاة .. بنى الله له بيتًا في الجَنَّة"، ورواه أبو داوود الطيالسي وأبو يعلى الموصلي وابن حبان والطبراني.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح متنًا؛ لأن له شواهد، وسندًا؛ لأن رجاله ثقات، قال البوصيري في "الزوائد": إسناده صحيح، ورجاله ثقات، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث عمر.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثلاثة الأخيرة للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2143
(٢٢) - (١٨٥) - بَابُ تَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ
(٧٠) - ٧٢٦ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
(٢٢) - (١٨٥) - (باب تشييد المساجد)
أي: تزيينها برفع بنائها وإحكامها بأنواع البلائط والجُصص، والكتابة عليها بأنواع النقوش التي تشغل المصلي عن صلاته" مثل ما تفعله اليهود والنصارى في كنائسهم وبيعهم. قال الخطابي: التشييد: رفع البناء وتطويله. انتهى "عون".
* * *
(٧٠) - ٧٢٦ - (١) (حدثنا عبد الله بن معاوية) بن موسى (الجمحي) أبو جعفر البصري، ثقة معمّر، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ)، وقد زاد على المئة. يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي، مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه (م عم).
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني العنزي البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
стр. 2144
قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ".
===
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يتباهى) ويتفاخر (الناس في) تشييد (المساجد) وتزيينها وإحكام بنائها ورفعه وتنقيشها والكتابة عليها بالكتابة الملهية لمن يصلي فيها، قال السندي: (يتباهى) أي: يتفاخر (في المساجد) أي: في بنائها، أو يأتون بهذا الفعل الشنيع؛ وهي المباهاة بما لا ينبغي وهم جالسون في المساجد. انتهى.
فائدة
وأول من زخرف المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان؛ وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفًا من الفتنة. انتهى من "العون".
قوله: "حتى يتباهى الناس في المساجد" أي: يتفاخروا في شأنها أو بنائها؛ يعني: يتفاخر كلّ أحد بمسجده، ويقول: مسجدي أرفع أو أزين أو أوسع أو أحسن؛ رياءً وسمعة واجتلابًا للمدحة، قال ابن رسلان: هذا الحديث فيه معجزة ظاهرة؛ لإخباره ﷺ عما يقع بعده؛ فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس؛ بأخذهم أموال الناس ظلمًا وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع، نسال السلامة والعافية. انتهى، انتهى من "العون"، والناس الآن على قدمهم حذوًا بحذو، والعياذ بالله تعالى من كلّ شر وفتنة وظلمة، آمين.
ويؤيد هذا الحديث ما نقله الحافظ من "مسند أبي يعلى" و"صحيح ابن خزيمة" من طريق أبي قلابة أن أنسًا قال: سمعته صلى الله عليه وسلم
стр. 2145
(٧١) - ٧٢٧ - (٢) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْبَجَلِيُّ، عَنْ لَيْثٍ،
===
يقول: "يأتي على أمتي زمان يتباهون بالمساجد، ثم لا يعمرونها إلَّا قليلًا" وعند أبي نعيم: "يتباهون بكثرة المساجد". انتهى من "البذل".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في بناء المساجد، رقم (٤٤٩)، والنسائي (٢/ ٣٢) في كتاب المساجد، باب المباهاة في المساجد، رقم (٦٩٠)، والدارمي، وأحمد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لأن إسناده صحيح، وله شاهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧١) - ٧٢٧ - (٢) (حدثنا جبارة) بضم الجيم ثم موحدة مخففة (ابن المغلس) - بمعجمة بعدها لام مشددة مكسورة ثم مهملة - الحمّاني - بكسر المهملة وتشديد الميم - أبو محمد الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الكريم بن عبد الرَّحمن البجلي) الكوفي، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم - بالزاي والنون مصغرًا - واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل: غير ذلك، صدوق، اختلط جدًّا، ولم يتميز حديثه فتُرك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 2146
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَاكُمْ سَتُشَرِّفُونَ مَسَاجِدَكُمْ بَعْدِي كَمَا شَرَّفَتِ الْيَهُودُ كَنَائِسَهَا، وَكَمَا شَرَّفَتِ النَّصَارَى بِيَعَهَا".
===
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم مولى ابن عباس أبي عبد الله المكي، ثقة ثبت مفسر، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جبارة بن المغلس، وهو كذاب، وفيه أيضًا ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : أراكم) أيَّتُها الأمة المحمدية (ستشَرِّفون) وترفعون بناء (مساجدكم) وتجعلونها عاليًا مرتفعًا (بعدي كما شرفت) ورفعت (اليهود كلنائسها) جمع كنيسة وهي معبدها، (وكما شرفت) ورفعت (النصارى بيعها) جمع بيعة وهي معبدها، قال السندي: قوله (ستشرفون) ضبط بتشديد الراء المكسورة على أنه من التشريف، ولعل المراد: ستجعلون بناءها عاليًا مرتفعًا، وستزخرفونها بالذهب والفضة، كما زخرفت اليهود والنصارى معبدهم؛ اقتداءً بهم وإعراضًا عن سنتي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وقد أخرجه أبو داوود بسنده عن ابن عباس مرفوعًا بغير هذا السياق، ولفظه: "ما أمرت بتشييد المساجد" أي: برفع بنائها وإحكامها، قال الخطابي: التشييد: رفع البناء وتطويله، قال ابن عباس: (لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى)، قال الخطابي: معنى قوله: (لتزخرفنها) أي: لتزيننها، أصل الزخرف الذهب؛ يريد تمويه المساجد بالذهب ونحوه، ومنه قولهم: زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه
стр. 2147
(٧٢) - ٧٢٨ - (٣) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ،
===
بالباطل، والمعنى: أن اليهود والنصارى إنما زخرفوا المساجد عندما حرّفوا وبدّلوا وتركوا العمل بما في كتبهم، يقول: فأنتم تصيرون إلى مثل حالها إذا طلبتم الدنيا بالدين، وتركتم الإخلاص في العمل، وصار أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة في تشييدها وتزيينها، كما زخرفت اليهود والنصارى. قال علي القاري: وهذا بدعة؛ لأنه لَمْ يفعله ﷺ ، وفيه موافقة أهل الكتاب، وفي "النهاية" الزخرف: النقوش والتصاوير بالذهب. انتهى من "العون".
ودرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٥)(١٠٠)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة ثانيًا بحديث عمر بن الخطاب ﵁، فقال:
(٧٢) - ٧٢٨ - (٣) (حدثنا جبارة بن المغلّس، حدثنا عبد الكريم بن عبد الرَّحمن) البجلي.
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني الكوفي، وُلد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، قاله شريك عنه، ثقة مشهور، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله الكوفي، أدرك الجاهلية، ولم يلق النبي ﷺ . روى عن: عمر، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وأبو إسحاق السبيعي.
стр. 2148
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ".
===
ثقة مخضرم مشهور عابد، من الثانية، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ)، وقيل بعدها.
(عن عمر بن الخطاب) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه الضعف؛ لأن فيه جبارة بن المغلّس.
(قال) عمر: (قال رسول الله ﷺ : ما ساء) وقبح (عمل قوم) بالإعراض عن الدين والانهماك في الدنيا والشهوات (قط) أي: في زمن من الأزمنة الماضية، ولفظ (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان (إلَّا زخرفوا) وزينوا (مساجدهم) بتمويهها بالزخرف وهو المذهب، ولعل المعنى: إذا ساء عملهم بأن تعلق همتهم بعمارة البيوت وتزيينها وتطويلها يفضيهم ذلك إلى تزيين المساجد أيضًا؛ لكراهتهم أن تكون بيوتهم معمرة منقشة رفيعة البناء ومساجدهم على خلاف ذلك. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (٦)(١٠١)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وفي "الزوائد": هذا الإسناد ضعيف جدًّا؛ لأن فيه أبا إسحاق كان يدلّس، وجبارة كذاب.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها: صحيح، ذكره للاستدلال.
والأخيران: ضعيفان، ذكرهما للاستئناس للترجمة.
والله أعلم
стр. 2149
(٢٣) - (١٨٦) - بَاب: أَيْنَ يَجُوزُ بِنَاءُ الْمَسَاجِدِ ؟
(٧٣) - ٧٢٩ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبي التَّيَّاحِ الضُّبَعِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(٢٣) - (١٨٦) - (باب: أين يجوز بناء المساجد؟ )
أي: هذا باب معقود في بيان حديث يكون جوابًا لهذا الاستفهام المذكور في الترجمة.
* * *
(٧٣) - ٧٢٩ - (١) حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي -بفتح الطاء المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء ثم مهملة- ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجرّاح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي التيّاح) - بمثناة ثم تحتية مشددة - يزيد بن حميد (الضبعي) -بضم المعجمة وفتح الموحدة البصري مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) البصري ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) أنس: (كان موضع مسجد النبي ﷺ بستانًا
стр. 2150
لِبَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَمَقَابِرُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "ثَامِنُونِي بِهِ"، قَالُوا: لَا نَأْخُذُ لَهُ ثَمَنًا أَبَدًا،
===
(لبني النجار) اسم قبيلة من الأنصار، (وكان فيه) أي: في ذلك الموضع (نخل) لهم (ومقابر للمشركين) من الجاهلية، (فقال لهم) أي: لبني النجار (النبي ﷺ : ثامنوني) يا بني النجار (به) أي: بهذا الموضع؛ أي: اذكروا لي ثمنه وقيمته؛ أي: خذوا مني الثمن في مقابلته وأعطوني به. انتهى من "النهاية" أي: بيعونيه بالثمن، قال الحافظ: هو بالمثلثة؛ أي: اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي اختاره؛ قال ذلك على سبيل المساومة، فكأنه قال: ساوموني في الثمن. انتهى من "العون".
(قالوا) أي: قال بنو النجار: (لا نأخذ له) أي: لأجل هذا الموضع وفي مقابلته (ثمنًا) قليلًا ولا كثيرًا (أبدًا) أي: أصلًا، ولفظ الأبد ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان؛ أي: في زمن من الأزمنة المستقبلة، والمعنى: أي نعطيه تقربًا به إلى الله تعالى.
وظاهر رواية "الصحيحين" أنهم أخذوا ثمنه، لكن أهل السير ذكروا أنه أخذ منهم بالثمن، وأبو بكر أعطاه. انتهى "سندي"، وفي رواية مسلم: "ثامنوني بحائطكم هذا" أي: اذكروا لي ثمن حائطكم هذا، فأدفعه لكم، فأبتني فيه مسجدًا، وفي "النهاية": أي: قرروا معي ثمنه وبيعونيه بالثمن، يقال: ثامنت الرجل في البيع أثامنه؛ إذا قاولته في ثمنه وساومته على بيعه واشترائه. انتهى.
والمعنى: سموا لي ثمن بستانكم هذا، وبينوا لي كم تريدون وبيعوني به، قال الخطابي: فيه أن البائع أحق بتعيين الثمن، قال المازري: وقيل: بل فيه أن المشتري هو الذي يبدأ بذكره، وفيه نظر؛ لأنه ﷺ لَمْ يعين ثمنًا، وإنما ذكر مجملًا.
стр. 2151
قَالَ: فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْنِيهِ وَهُمْ يُنَاوِلُونَهُ،
===
(قالوا) أي: قال بنو النجار: (لا) نطلب (والله) ثمنه إلى أحد، والله (لا نطلب ثمنه إلَّا إلى الله) بل ندخر أجره عند الله ؛ أي: لا نطلب رغبة إلى شيء إلَّا إلى ثواب الله تعالى، كذا في "المبارق"، وفي "القسطلاني" أي: إلَّا من الله تعالى، كما وقع للإسماعيلي. انتهى.
قال ابن الملك: هذا الحديث يدلُّ على أنهم لَمْ يأخذوه، ولكن ذكر أن النبي ﷺ اشتراه منهم بعشرة دنانير دفعها عنه أبو بكر، ولعل التوفيق بينهما: بأن يكون الشراء بها واقعًا، والتزم دفعها أبو بكر، ولم يقبلوه منه. انتهى من شرحه على "المشارق".
وفيه اتخاذ المساجد، وهو فرض على قوم استوطنوا موضعًا؛ لأن الجمعة فرض عليهم وشرطها الجامع على المشهور، وصلاة الجماعة سنة، وسنتها الجامع وإقامة السنن الظاهرة واجبة على أهل المصر؛ لأنَّها لو تركت .. ماتت، والمخاطب بنصب المسجد الإمام وعليه يدلُّ الحديث، وإلا .. فعلى الجماعة، وكذا على الإمام أن يجري الرزق لإمام المسجد، وإلا .. فعلى الجماعة، والواجب اتخاذ مسجد واحد، فإن كفى للجماعة والجمعة .. فذاك، وإن لَمْ يكف .. فالظاهر أن اتخاذ مسجد ثان مندوب إليه؛ لأن فرض إقامة السنة تسقط بالأول، وهو في ذلك كالأذان فرض على أهل المصر، سنة في مساجد الجماعات، وفي "المدونة": والمسجد وقف لا يورث إذا كان صاحبه قد وقفه للناس، وأكره أن يبنى فوقه بيتًا لا تحته. انتهى من "الأبي" "كوكب".
(قال) أنس: (فكان النبي ﷺ يبنيه) أي: يبني المسجد بنفسه، ظاهره أنه كان مباشرًا للبناء بيده الشريفة، (وهم) أي الأصحاب (يناولونه) ﷺ ؛ أي: يعطون النبي ﷺ أداة
стр. 2152
وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ:
"أَلَا إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ"
قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْجِدَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ.
===
البناء من الحجر والطين، (والنبي ﷺ يقول) مرتجزًا؛ تنشيطًا لهم على العمل، وتسهيلًا للعمل عليهم، وتبشيرًا لهم بما أعد الله لهم من الخير في مقابلة ما هم فيه من صالح الأعمال ﵃:
(ألا إن العيش عيش الآخره ... فاغفر للأنصار والمهاجره
قال) أنس: (وكان النبي ﷺ يصلي) الصلاة المفروضة وغيرها (قبل أن يبني المسجد) النبوي (حيث أدركته الصلاة) أي: في أي مكان دخل عليه وقتها، ولو في مرابض الغنم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: في كتاب الصلاة، باب هل تُنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد، رقم (٤٣٨)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي ﷺ ، رقم (٥٢٤)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في بناء المسجد، رقم (٤٥٣)، والنسائي في كتاب المساجد، باب نبش القبور واتخاذ أرضها مسجدًا (٧٠١).
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث عثمان بن أبي العاص ﵃، فقال:
стр. 2153
(٧٤) -٧٣٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الدَّلَّالُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطَّائِفِ حَيْثُ كَانَ طَاغِيَتُهُمْ.
===
(٧٤) -٧٣٠ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ)، وله ست وثمانون سنة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو همّام الدلال) محمد بن محبب - بموحدتين بعد المهملة على وزن محمد - ابن إسحاق القرشي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومئتين (٢٢١ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا سعيد بن السائب) بن يسار الثقفي الطائفي، وهو ابن أبي يسار، ثقة عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(عن محمد بن عبد الله بن عياض) الطائفي، مقبول، من الثالثة، روى عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، ويروي عنه: (د ق)، وسعيد بن السائب الثقفي الطائفي، ذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عثمان بن أبي العاص) الثقفي الطائفي أبي عبد الله، الصحابي المشهور، استعمله النبي ﷺ على الطائف، ومات في خلافة معاوية بالبصرة. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ أمره أن يجعل مسجد الطائف) ويبنيه (حيث كان طاغيتهم) معبودًا فيه؛ أي: صنمهم، والطاغية مبالغة الطاغي،
стр. 2154
(٧٥) - ٧٣١ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى،
===
كالراوية مبالغة الراوي، قال السندي: الطاغية: هي ما كانوا يعبدونه من دون الله تعالى من الأصنام وغيرها.
وفي "العون": قوله: (حيث كان طواغيتهم) جمع طاغوت؛ وهو بيت الصنم الذي كانوا يتعبدون فيه لله تعالى ويتقربون إليه بالأصنام على زعمهم، وعثمان بن أبي العاص المذكور هو الثقفي، أمره النبي ﷺ بذلك حين استعمله على الطائف.
والحديث يدلُّ على جواز جعل الكنائس والبيع وأمكنة الأصنام مساجد، وكذلك فعل كثير من الصحابة حين فتحوا البلاد، جعلوا متعبداتهم متعبدات للمسلمين وغيّروا محاريبها، وإنما صُنع ذلك لانتهاك الكفر وإيذاء الكفار حيث عبدوا غير الله هناك، وقد عمل على هذه السنة ملك الهند السلطان العادل عالم كبير ﵀ حيث بنى عدة مساجد في معبد الكفار، خذلهم الله تعالى. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب بناء المسجد، رقم (٤٤٧).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به، ولا تغتر بما كتبوا في تقارير ابن ماجة من ضعفه.
* * *
ثم استطرد المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٥) - ٧٣١ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم)، كما مر في السند قبل هذا.
стр. 2155
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَسُئِلَ عَنِ الْحِيطَانِ تُلْقَى فِيهَا الْعَذِرَاتُ
===
(حدثنا عمرو بن عثمان) بن سيّار الكلابي أبو سعيد الرقي. روى عن: موسى بن أعين، وإسماعيل بن عياش، ويروي عنه: (ق)، والذهلي، وعمرو الناقد، ضعيف، وكان قد عمي، من كبار العاشرة، مات سنة سبع عشرة أو تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). انتهى "تقريب".
قال النسائي والأزدي: متروك الحديث، وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عن زهير وغيره، وقد روى عنه ناس من الثقات، وهو ممن يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات". انتهى "تهذيب".
(حدثنا موسى بن أعين) الجزري أبو سعيد القرشي مولاهم، ثقة عابد، من الثامنة، مات سنة خمس أو سبع وسبعين (١٧٧ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم أبو بكر المدني نزيل العراق إمام المغازي، صدوق يدّلس، ورُمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن نافع) مولى ابن عمر العدوي.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن إسحاق وهو مختلف فيه.
(و) قد (سئل) ابن عمر، ولم أر من ذكر اسم السائل (عن) حكم (الحيطان) والبساتين التي (تُلقى) وتُرمى (فيها العذرات) -بفتح العين وكسر المعجمة- جمع عذرة -بفتح العين وسكون المعجمة- وهي روث الإنسان؛ أي: ترمى فيها العذرات والسراجين والسمادات لإصلاحها؛ أي: سئل
стр. 2156
فَقَالَ: "إِذَا سُقِيَتْ مِرَارًا .. فَصَلُّوا فِيهَا"، يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
===
عن حكمها هل هي نجسة أم طاهرة؟ (فقال) ابن عمر في جواب السائل: (إذا سُقيت) تلك الحيطان والبساتين؛ أي: سُقي ما فيها من الأشجار والزروع بماء الأمطار أو بماء الأنهار والآبار (مرارًا) أي: مرات كثيرة بحيث يظن انعدام العذرات فيها وتأكلها بالتراب .. (فصلوا فيها) أي: في تلك الحيطان بلا حائل؛ لأنَّها طاهرة؛ لغلبة ظن الطهارة فيها مع أن الأصل في كلّ شيء الطهارة، ولضرورة احتياج الفلاحين إلى الصلاة فيها إذا أدركهم وقت الصلاة وهم مشغولون فيها؛ أي: فقال ابن عمر: صلوا فيها حالة كونه (يرفعه) أي: يرفع هذا الحكم (إلى النبي ﷺ ويسنده إليه ﷺ .
قوله: (عن الحيطان) قال السندي: الحيطان جمع حائط؛ أي: عن البساتين، قوله: (إذا سُقيت) على صيغة البناء للمفعول (مرارًا) أي: بحيث يظن أنه ما بقي فيها أثر النجاسة؛ من لونه وريحه وطعمه، من كثرة ما مر عليها من المياه. انتهى.
قيل: وكذلك إذا مرت عليها سنون، بحيث يظن انعدام أثر النجاسة لتأكل الأرض لها؛ لأن التراب أحد الطهورين، كذا قال بعض الفقهاء.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وقد روى هذا الحديث ابن إسحاق عن عطاء والزهري، ويروي عنه شعبة والسفيانان والحمادان ويونس بن بكير، وأحمد بن خالد كان صدوقًا، ومن بحور العلم، وله غرائب في سعة ما روى تُستنكر، واختلف في الاحتجاج به، وحديثه حسن، وقد صححه جماعة، مات سنة (١٥١ هـ) قال الذهبي في "الكاشف" (١٨/ ٣)، رقم (٤٧٨٩): وثقه غير
стр. 2157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحد، ووهّاه آخرون؛ كالدارقطني، وهو صالح الحديث ما له عندي ذنب إلَّا ما قد حشاه في السيرة من الأشياء المنكرة المنقطعة والأخبار المكذوبة.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لأن محمد بن إسحاق مختلف فيه، وغرضه بسوقه: الاستطراد للترجمة، فهو حديث استطرادي، وعليه جرى أكثر الفقهاء؛ لضرورة احتياج الفلاحين إلى الصلاة فيها، خصوصًا عند كثرة الأمطار.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستطراد، وكلها صحاح.
والله أعلم
стр. 2158
(٢٤) - (١٨٧) - بَابُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ
(٧٦) - ٧٣٢ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ،
===
(٢٤) - (١٨٧) - (باب المواضع التي تُكره فيها الصلاة)
(٧٦) - ٧٣٢ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
قال يزيد: (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني، ثقة، من السادسة، مات بعد الثلاثين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) يحيى بن عمارة المازني المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
وقوله: (وحماد بن سلمة) معطوف على سفيان؛ أي: قال يزيد: وحدثنا أيضًا حماد بن سلمة بن دينار الربعي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن يحيى) بن عمارة.
(عن أبيه) يحيى بن عمارة.
стр. 2159
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبُرَةَ وَالْحَمَّامَ".
===
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : الأرض كلها مسجد) أي: موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويجوز أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها .. كانت كالمسجد في ذلك، قاله الحافظ في "الفتح"، وعموم ذكر الأرض مخصوص بغير ما نهى الشارع عن الصلاة فيه، وبه تحصل مطابقة الحديث للترجمة. انتهى من "العون".
(إلَّا المقبرة) -بضم الباء وقد تُفتح- موضع دفن الموتى، وفي "القاموس": المقبرة - مثلثة الباء كمكنسة -: موضع القبور؛ وذلك لاختلاط ترابها بصديد الموتى ونجاساتهم، فإن صلى في مكان طاهر منها .. صحت الصلاة، وقال جماعة بظاهره: تكره الصلاة فيها مطلقًا، (والحمام) قيل: هذا في المكان النجس منه، وإن صلى في مكان نظيف .. فلا بأس، والمراد من الحديث: إلَّا المقبرة والحمام وما في معناهما، فلا يشكل الحصر بما سيجئ. انتهى من "السندي".
والنهي عن الصلاة في الحمام؛ لأنه محل النجاسة والشيطان، قال القاري: اختلفوا في أن النهي من الصلاة في المقبرة هل هي للتنزيه أو للتحريم؟ قال ابن حجر: ومذهبنا الأول ومذهب أحمد التحريم، بل وعدم انعقاد الصلاة، لأن النهي عنده في الأمكنة يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة، وقال
стр. 2160
(٧٧) - ٧٣٣ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ،
===
شارح "المنية": وفي "الفتاوى": لا بأس بالصلاة في المقبرة إذا كان فيها موضع أُعد للصلاة، وليس فيه قبر ولا نجاسة ولا استقبال إلى قبر. انتهى من "البذل".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، رقم (٤٩٢)، والترمذي في أبواب الصلاة، باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلَّا المقبرة والحمام، رقم (٣١٧)، والدارمي، وأحمد. قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وأبي هريرة وجابر وابن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر، قالوا: إن النبي ﷺ قال: "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٧) - ٧٣٣ - (٢) (حدثنا محمد بن إبراهيم) بن العلاء (الدمشقي) أبو عبد الله الزاهد، نزيل عبادان، منكر الحديث، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن يزيد) المكي أبو عبد الرَّحمن المقريء، أصله من البصرة أو الأهواز، ثقة فاضل، أقرأ القرآن نيفًا وسبعين سنة، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أيوب) الغافقي - بمعجمة ثم فاء وقاف - أبي العباس
стр. 2161
عَنْ زَيْدِ بْنِ جَبيرَةَ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعِ مَوَاطِنَ: فِي الْمَزْبَلَةِ،
===
المصري، صدوق ربما أخطأ، من السابعة، مات سنة ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زيد بن جبيرة) -بفتح الجيم وكسر الموحدة- ابن محمود بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أبي جبيرة المدني، متروك، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن داوود بن الحصين) الأموي مولاهم أبي سليمان المدني، ثقة إلَّا في عكرمة، ورُمي برأي الخوارج، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا، أما محمد بن إبراهيم .. فقال الدارقطني فيه: كداب، وقال ابن حبان: يضع الحديث لا تحل الرواية عنه إلَّا عند الاعتبار، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وعبد الله بن يزيد ثقة فاضل، ويحيى بن أيوب قال ابن حجر: صدوق ربما أخطأ، وأما زيد بن جبيرة .. فمتروك، قاله ابن حجر، وأما داوود بن الحصين .. فقد رُمي برأي الخوارج، فهذا الإسناد ضعيف جدًّا لا قوائم له.
(قال) ابن عمر: (نهى رسول الله ﷺ أن يُصلى) بالبناء للمجهول؛ أي: أن يُصلي الشخص (في سبع مواطن) أي: في سبع مواضع، وقوله: (في المزبلة) بدل من الجار والمجرور قبله، بدل تفصيل من مجمل، والمزبلة -بفتح الميم وتثليث الموحدة-: موضع يطرح فيه
стр. 2162
وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبُرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالْحَمَّامِ، وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ، وَفَوْقَ الْكَعْبَةِ.
===
الزبل والسرجين والقمامة، (و) في "المجزرة) -بفتحتين بينهما جيم ساكنة- الموضع الذي ينحر فيه الإبل ويُذبح فيه البقر والشاة، نهى عنه لأجل النجاسة التي فيها من دماء الذبائح وأرواثها وجيفها المجاورة لها، (و) في (المقبرة) لما تقدم.
(و) في (قارعة الطريق) أي: في الموضع الذي يُقرع بالأقدام والنعال من الطريق؛ يعني: وسطه لا جوانبه؛ وذلك لأن اختلاف المارة يشغله عن الصلاة، وأيضًا قل ما يأمن مرورهم بين يديه، (و) في (الحمام) لما تقدم، (و) في (معاطن الإبل) أي؛ في مباركها حول الماء؛ لأنه يُخاف نفار الإبل وشرودها فربما يؤدي ذلك إلى إفساد الصلاة، (وفوق الكعبة) المشرفة شرفها الله تعالى؛ تشريفًا لها وتكريمًا من أن يرتفع أحد فوقها، والنهي للكراهة في البعض، وعدم الصحة في البعض الآخر، وهومانعة نجاسته. انتهى "سندي".
وفي "تحفة الأحوذي": قوله: (وفي ظهر بيت الله) لأنه إذا لَمْ يكن سترة ثابتة تستره .. لَمْ تصح صلاته؛ لأنه مُصل على البيت لا إلى البيت، وذهب الشافعي إلى الصحة بشرط أن يستقبل من بنائها قدر ثلثي ذراع، وعند أبي حنيفة لا يشترط ذلك، وكذا قال ابن السريج، قال: لأنه كمستقبل العرصة لو هُدم البيت عياذًا بالله عن ذلك، كذا في "النيل".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يُصلّى إليه، الحديث (٣٤٤) الحديث (٣٤٥).
فالحديث: ضعيف (٧)(١٠٢)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
стр. 2163
(٧٨) - ٧٣٤ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُودَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "سَبْعُ مَوَاطِنَ
===
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للترجمة بحديث عمر بن الخطاب ﵁، فقال:
(٧٨) - ٧٣٤ - (٣) (حدثنا علي بن داوود) بن يزيد القنطري -بفتح القاف وسكون النون- الأُدمي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وسبعين ومئتين (٢٧٢ هـ). يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن أبي الحسين) جعفر السمناني - بكسر السين المهملة وسكون الميم ونونين - القومسي، أبو جعفر بن أبي الحسين، ثقة، من الحادية عشرة، مات قبل العشرين ومئتين. يروي عنه: (خ ت ق).
(قالا) أي: قال علي ومحمد: (حدثنا أبو صالح) كاتب الليث اسمه عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ)، وله خمس وثمانون سنة. يروي عنه: (خ د ت ق).
(حدثني الليث) بن سعد بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري، ثقة، إمام عالم مصر وفقيهها، قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا صالح كاتب الليث؛ وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ قال: سبع مواطن) أي: سبع أماكن
стр. 2164
لَا تَجُوزُ فِيهَا الصَّلَاةُ: ظَاهِرُ بَيْتِ اللهِ، وَالْمَقْبُرَةُ، وَالْمَزْبَلَةُ، وَالْمَجْزَرَةُ، وَالْحَمَّامُ، وَعَطَنُ الْإِبِلِ، وَمَحَجَّةُ الطَّرِيقِ".
===
(لا تجوز فيها الصلاة) نفي الجواز يحتمل الكراهة في بعضها، والحرمة وعدم الصحة في البعض الآخر (ظاهر بيت الله) تعالى؛ أي: سطحه، وفي نسخة: (ظهر بيت الله)، (والمقبرة، والمزبلة، والمجزرة، والحمام، وعطن الإبل) -بفتحتين- هي مبرك الإبل حول الماء، (ومحجة الطريق) -بفتح الميم وتشديد الجيم- جادة الطريق، هو بمعنى قارعة الطريق، وقيل: هو من الحجة بمعنى البرهان، بمعنى واضح الطريق المسلوك للناس. انتهى "سندي" بزيادة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي أخرجه في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية ما يُصلّى فيه، رقم الحديث (٣٤٥).
ودرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٨)(١٠٣)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث صحيح، ذكره للاستدلال.
والأخيران: ضعيفان، ذكرهما للاستئناس.
فائدة
قال القاضي أبو بكر ابن العربي في "شرح الترمذي": والمواضع التي لا يُصلى فيها ثلاثة عشر: فذكر السبعة المذكورة في حديث الباب، وزاد؛ والثامن الصلاة إلى المقبرة، والتاسع إلى جدار مرحاض عليه نجاسة، والعاشر الكنيسة،
стр. 2165
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحادي عشر البيعة، والثاني عشر إلى التماثيل، والثالث عشر في دار العذاب، وزاد العراقي: والرابع عشر الصلاة في الدار المغصوبة، والخامس عشر الصلاة إلى النائم والمتحدث، والسادس عشر الصلاة في بطن الوادي، والسابع عشر الصلاة في الأرض المغصوبة، والثامن عشر الصلاة في مسجد الضرار، والتاسع عشر الصلاة إلى التنور، فصار تسعة عشر موضعًا.
ودليل المنع من الصلاة في هذه المواطن؛ أما السبعة الأول .. فلما تقدم من الأحاديث، وأما الصلاة إلى المقبرة .. فلحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وأما الصلاة إلى جدار مرحاض .. فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ: (نُهي عن الصلاة في المسجد تجاهه حُش)، أخرجه ابن عدي، قال العراقي: ولم يصح إسناده، وروى ابن أبي شيبة في "المصنّف" عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير، وقد رويت الكراهة عن الحسن، ولم ير الشعبي وعطاء بن أبي رباح بالصلاة في الكنيسة والبيعة بأسًا، ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسًا، وصلى أبو موسى الأشعري وعمر بن عبد العزيز في كنيسة، ولعل وجه الكراهة اتخاذهم لقبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد؛ لأنَّها تصير البيع والمساجد مظنة لذلك.
وأما الصلاة إلى التماثيل .. فلحديث عائشة الصحيح أنه قال لها ﷺ : "أزيلي عني قرامك هذا؛ فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي"، وكان لها ستر فيه تماثيل، وأما الصلاة في دار العذاب .. فلما عند أبي داوود من حديث علي قال: (نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل؛ لأنَّها ملعونة) وفي إسناده ضعف، وأما إلى النائم والمتحدث .. فهو في حديث ابن عباس عند أبي داوود وعند ابن ماجة، وفي إسناده من لَمْ يسم، وأما الصلاة
стр. 2166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الأرض المغصوبة .. فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه، وأما الصلاة في مسجد الضرار .. فقال ابن حزم: إنه لا يجزئ أحدًا الصلاة فيه؛ لقصة مسجد الضرار، وقوله: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (١)، فصح أنه ليس موضع صلاة.
وأما الصلاة إلى التنور .. فكرهها محمد بن سيرين، وقال: بيت النار، رواه ابن أبي شيبة في "المصنّف"، وزاد بعضهم مواطن أخرى، ذكرها الشوكاني في "النيل" قال: واعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن أو في أكثرها تمسكوا في المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث: "أينما أدركتك الصلاة .. فصل" ونحوها، وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل القاضية بعدم الصحة، وقد عرفناك أن أحاديث النهي عن المقبرة والحمام ونحوهما خاصة، فتبنى العامة عليها، وتمسكوا في المواطن التي لَمْ تصح أحاديثها بالقدح فيها؛ لعدم التعبد بما لَمْ يصح، وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها، لا سيما بعد ورود عمومات قاضية بأن كلّ موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه، وهذا متمسك صحيح لا بد منه. انتهى كلام الشوكاني، انتهى من "تحفة الأحوذي".
والله أعلم
стр. 2167
(٢٥) - (١٨٨) - بَابُ مَا يُكْرَهُ فِي الْمَسَاجِدِ
(٧٩) - ٧٣٥ - (١) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حِمْيَرَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
===
(٢٥) - (١٨٨) - (باب ما يكره في المساجد)
(٧٩) - ٧٣٥ - (١) حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي) القرشي، صدوق عابد، من العاشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا محمد بن حمير) بن أنيس السليحي -بفتح أوله وبمهملتين- الحمصي، صدوق، من التاسعة. يروي عنه: (خ س ق)، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ).
(حدثنا زيد بن جبيرة) -بفتح الجيم وكسر الموحدة- ابن محمود بن أبي جبيرة بن الضحاك (الأنصاري) المدني، متروك، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن داوود بن الحصين) الأموي مولاهم أبي سليمان المدني، ثقة، إلَّا في عكرمة، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه زيد بن جبيرة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على ضعفه، وقال ابن عدي في "الكامل" (١/ ١٤٥): عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد، وقال ابن حبان: تجنب رواية زيد وداوود
стр. 2168
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "خِصَالٌ لَا تَنْبَغِي فِي الْمَسْجِدِ: لَا يُتَّخَذُ طَرِيقًا، وَلَا يُشْهَرُ فِيهِ سِلَاحٌ، وَلَا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ،
===
جميعًا؛ يروي زيد المناكير عن المشاهير، فاستحق التنكب عن روايته، وكذالك داوود حدّث عن الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، تجب مجانبة روايته.
(عن رسول الله ﷺ أنه (قال: خصال) أي: أمور ثمان (لا تنبغي) هي ولا يليق فعلها (في المسجد) لأنَّها من الأمور الدنيوية، والمسجد إنما بُني للعبادة، وفي بعض النسخ: (لا ينبغين) بإسناده إلى ضمير جمع الإناث الغائبات من الانبغاء، إما على سبيل الندب، أو الوجوب، أو المعنى: خصال لا تنبغي في المسجد ثمان؛ أحدها ... إلى آخره، بجعل جملة ينبغي صفة للمبتدأ، أحدها: أنه (لا) ينبغي أن (يُتخذ) المسجد (طريقًا) أي: ممرًا لمرور الناس والدواب والأنعام، وقوله: "يتخذ " بصيغة البناء للمجهول (و) ثانيها: أنه (لا يُشهر) ولا يسل من غمده (فيه) أي: في المسجد (سلاح) أي: آلة حرب، كالسيف والخنجرة والسهام من كنانته وغلافه، ولا يشد ولا يربط على جسده، من شهر من باب منع؛ إذا سل من غمده وكنانته وأظهره.
وقد جاء في الحديث الصحيح قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، وكذا جاء لعب الحبشة بحرابهم في المسجد النبوي، فينبغي تقييد هذا الحديث بما إذا لَمْ يكن داع صالح إلى ذ الك، أو بما إذا كان سْهره للفتنة، أو نحوها. انتهى "سندي".
(و) ثالثها: أنه (لا) ينبغي أن (يُنبض) ويشدد (فيه) أي: في المسجد (بقوس) والباء فيه زائدة؛ أي: أن يشدد قوس ويربط بوتره على هيئة من يريد أن يرمي به، هكذا هو في بعض الأصول المعتمدة بنون ثم موحدة ثم ضاد
стр. 2169
وَلَا يُنْشَرُ فِيهِ نَبْلٌ، وَلَا يُمَرُّ فِيهِ بِلَحْمٍ نِيءٍ، وَلَا يُضْرَبُ فِيهِ حَدٌّ، وَلَا يُقْتَصُّ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، وَلَا يُتَّخَذُ سُوقًا".
===
معجمة، من أنبضت القوس وأنبضت بالوتر؛ إذا شددته ثم أرسلته ورميت به، وفي بعض النسخ: (وَلَا يُقبض) من القبض بالقاف موضع النون، أي: لا يُقبض ولا يحمل قوس في المسجد باليد على هيئة من يريد الرمي به، (و) رابعها: أنه (لا) ينبغي أن (يُنشر) ويستنشر (فيه) أي: في المسجد (نبل) أي: سهم من كنانته، والنبل: سهم العرب، يُجمع على نبال، والسهم للعجم.
(و) خامسها: أنه (لا) ينبغي أن (يُمر فيه) أي: في المسجد (بلحم نيء) أي: غير مطبوخ؛ لأنه ربما يقطر منه دم فيصيب المسجد، أما المطبوخ .. فلا بأس به إذا مر به ليأكله أو ليوزعه للمحتاجين مثل التمور يُوزع في المسجد، وعبارة السندي: قوله: نيء - بكسر النون ثم ياء مثناة ثم همز - أي: غير مطبوخ؛ وذلك لأن الأكل فيه جائز عند الحاجة، فيجوز إدخال المطبوخ فيه لذلك، بخلاف غيره. انتهى.
(و) سادسها: أنه (لا) ينبغي أن (يضرب فيه) أي: في المسجد (حد) أي: لاستيفائه ممن وجب عليه؛ كحد الزنا والقذف والشرب، أو استيفاء تعزير ممن استحقه، (و) سابعها: أنه (لا) ينبغي أن (يُقتص فيه) أي: في المسجد (من أحد) وجب عليه القصاص؛ من قتل، أو قطع طرف، أو جرح من الجروح التي يقتص فيها؛ صونًا له من إصابة الدم له، (و) ثامنها: أنه (لا) ينبغي أن (يُتخذ) المسجد (سوقًا) أي: محل بيع وشراء، وكذا كلّ معاملة من إجازة ومسالمة ومخالعة ومناكحة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، فهو ضعيف (٩)(١٠٤)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
стр. 2170
(٨٠) - ٧٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ
===
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث عبد الله بن عمرو ﵄، فقال:
(٨٠) - ٧٣٦ - (٢) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين (الكندي) أبو سعيد الكوفي الأشج، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو خالد) سليمان بن حيان - بتحتانية - (الأحمر) الكوفي الأزدي، صدوق، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن عجلان) المدني القرشي مولاهم، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنهما: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الثالثة، ثبت سماعه من جده عبد الله بن عمرو. يروي عنه: (عم).
(عن جده) أي: عن جد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمرو بن شعيب وهو مختلف فيه.
стр. 2171
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبَيْعِ وَالابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ.
===
(قال) عبد الله بن عمرو: (نهى رسول الله ﷺ عن البيع) وهو تمليك بعوض مالي بصيغة البيع (و) عن (الابتياع) أي: عن الشراء، وهو تملك بعوض مالي بصيغة الشراء، (وعن تناشد الأشعار) جمع شعر وهو ضد النثر؛ وهو أن يُنشد كلّ واحد صاحبه شعرًا لنفسه أو غيره؛ افتخارًا أو مباهاة أو مزاحًا، وبالجملة: فما كان منه لغرض صحيح ومنه شعر حسان .. فجائز، وما لا .. فغير جائز؛ كهجو من لا يجوز هجوه؛ أي: نهى عن فعلها (في المساجد) لأنهما غير لائق بها؛ لأنَّها إنما بُنيت للصلاة والأذكار والتلاوة والاعتكاف والعبادة، لا للتلاعب وأشغال الدنيا، والنهي فيهما يحتمل الكراهة إن خف؛ كالبيع، أو التحريم؛ كالتشاعر فيها.
قوله: (وعن البيع والابتياع) والابتياع هو افتعال بمعنى الشراء، كما مر، قال الشوكاني في "النيل": ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهية، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي، وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترد عليه. انتهى، انتهى من "التحفة".
قوله: (وعن تناشد الأشعار) قال في "القاموس": أنشد: قرأ، وبهم: هجاهم، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضًا، والنشدة - بالكسر -: الصوت، والنشيد: رفع الصوت، والشعر المتناشد كالأنشودة. انتهى.
стр. 2172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "المجمع": هو أن يُنشِد كلّ واحد صاحبه نشيدًا لنفسه أو غيره افتخارًا أو مباهاة، وعلى وجه التفكه بما يُستطاب منه، وأما ما كان في مدح حق وأهله، وذم باطل وأهله، أو تمهيد قواعد دينية، أو إرغامًا للمخالفين .. فهو حق خارج عن الذم وإن خالطه تثبيب. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، رقم (١٠٧٩)، والترمذي في كتاب الصلاة (٢٤٠)، باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر في المسجد، رقم (٣٢١)، قال: وفي الباب عن بريدة وجابر وأنس، قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن (وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص) مرجع هو شعيب، فمحمد بن عبد الله هو والد شعيب وجد عمرو، وعبد الله بن عمرو هو جد شعيب والد عمرو. انتهى "تحفة".
قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق - وذكر غيرهما - يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، قال: وقد سمع شعيب بن محمد من جده عبد الله بن عمرو.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لأن عمرو بن شعيب مختلف فيه، ضعّفه يحيى القطان، وقوّاه البخاري وأحمد وإسحاق، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للترجمة بحديث واثلة بن الأسقع ﵁، فقال:
стр. 2173
(٨١) - ٧٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ يَقْظَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ
===
(٨١) - ٧٣٧ - (٣) (حدثنا أحمد بن يوسف) بن خالد (السلمي) أبو الحسن المعروف بحمدان النيسابوري، الحافظ، وثقه مسلم والدارقطني، وقال: ثقة نبيل. يروي عنه: (م د س ق)، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، كذا في "التهذيب".
(حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي البصري، ثقة مأمون، من صغار التاسعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الحارث بن نبهان) الجرمي -بفتح الجيم- أبو محمد البصري، متروك، من الثامنة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا عتبة بن يقظان) الراسبي أبو عمرو البصري، ويقال له: أبو زحّارة - بفتح الزاي وتشديد المهملة - ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي سعيد) الشامي، قال في "التهذيب": أبو سعيد الشامي عن مكحول عن واثلة مجهول، وقال في "التقريب": مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن مكحول) أبي عبد الله الشامي، ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن واثلة بن الأسقع) - بالقاف - ابن كعب الليثي الصحابي المشهور ﵁، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ)، وله مئة وخمس سنين. يروي عنه: (ع).
стр. 2174
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا، قال أحمد: أبو سعيد هذا هو محمد بن سعيد، كان يضع الحديث عمدًا، وقال البخاري: تركوه، وقال النسائي: كذاب، والحارث بن نبهان الجرمي ضعّفوه.
(أن النبي ﷺ قال: جنّبوا) من التجنيب؛ أي: بعّدوا (مساجدنا) أي: مساجد المسلمين؛ أي: بعّدوا هذه الأشياء اللاتي ستذكر عن مساجدنا؛ إذ كلها لا تليق بالمساجد؛ أي: بعّدوا عنها (صبيانكم) الذين لا تمييز لهم، وكذا الصبيات لعدم تحفظهم على الطهارة، (و) كذا بعّدوا (مجانينكم) عن مساجدنا، جمع مجنون، وكذا المجنونات؛ لعدم عقلهم المستلزم لعدم الطهارة، (وشراءكم) للأموال (وبيعكم) لها لغيركم؛ أي: لا تعقدوا عقود الشراء والبيع في المسجد؛ لأنهما من اكتساب المال والتجارة فيه، فهما لا يليقان بالمساجد، وفي بعض النسخ: (وشراركم) بدل شراءكم، وهو تحريف من النساخ.
(وخصوماتكم) في الأموال وغيرها، (ورفع أصواتكم) لأنَّها تخرج صاحبها عن أدب المجلس، ولأنها تشوش المصلين والقارئين، (و) جنبوها (إقامة حدودكم) واستيفائها ممن وجبت عليه؛ كحد الزنا والشرب (و) جنبوها (سل سيوفكم) فيها من أغمادها؛ لأنَّها معبد المسلمين لا معركة الكفار والمشركين، (واتخذوا) أي: واجعلوا لأنفسكم (على) قرب (أبوابها المطاهر) أي: الميضاءات؛ أي: مواضع وضوئكم؛ أي: مواضع يتوضأ فيها المحتاج إلى الوضوء ويقضي حاجته فيها. انتهى "سندي".
стр. 2175
وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ".
===
(وجمروها) أي: بخروا مساجدكم في جميع الأوقات خصوصًا (في) أيام (الجمع) والأعياد؛ لكثرة اجتماع الناس فيها؛ من التجمير وهو التبخير بالألوة والأعواد واللبان فيها؛ وذلك لأن الجمعة يوم الاجتماع، فربما يُؤدِّيَ بعضهم بعضًا برائحته من كثرة الزحام، وبالبخور يندفع ذلك، فهو أحسن، وأيضًا فتحضر الملائكة يوم الجمعة لاستماع الذكر، وهم يحبون الرائحة الطيبة، وقد جاء التبخير في وقتها عن الصحابة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولا شاهد له، فدرجته: أنه ضعيف (١٠)(١٠٥)؛ لضعف سنده كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول والثالث للاستئناس، والثاني للاستدلال.
والله أعلم