قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْبَيْعِ وَالابْتِيَاعِ، وَعَنْ تَنَاشُدِ الْأَشْعَارِ فِي الْمَسَاجِدِ.
===
(قال) عبد الله بن عمرو: (نهى رسول الله ﷺ عن البيع) وهو تمليك بعوض مالي بصيغة البيع (و) عن (الابتياع) أي: عن الشراء، وهو تملك بعوض مالي بصيغة الشراء، (وعن تناشد الأشعار) جمع شعر وهو ضد النثر؛ وهو أن يُنشد كلّ واحد صاحبه شعرًا لنفسه أو غيره؛ افتخارًا أو مباهاة أو مزاحًا، وبالجملة: فما كان منه لغرض صحيح ومنه شعر حسان .. فجائز، وما لا .. فغير جائز؛ كهجو من لا يجوز هجوه؛ أي: نهى عن فعلها (في المساجد) لأنهما غير لائق بها؛ لأنَّها إنما بُنيت للصلاة والأذكار والتلاوة والاعتكاف والعبادة، لا للتلاعب وأشغال الدنيا، والنهي فيهما يحتمل الكراهة إن خف؛ كالبيع، أو التحريم؛ كالتشاعر فيها.
قوله: (وعن البيع والابتياع) والابتياع هو افتعال بمعنى الشراء، كما مر، قال الشوكاني في "النيل": ذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهية، قال العراقي: وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، وهكذا قال الماوردي، وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم وهو الحق، وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم، فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد، والأحاديث ترد عليه. انتهى، انتهى من "التحفة".
قوله: (وعن تناشد الأشعار) قال في "القاموس": أنشد: قرأ، وبهم: هجاهم، وتناشدوا: أنشد بعضهم بعضًا، والنشدة - بالكسر -: الصوت، والنشيد: رفع الصوت، والشعر المتناشد كالأنشودة. انتهى.
стр. 2172
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في "المجمع": هو أن يُنشِد كلّ واحد صاحبه نشيدًا لنفسه أو غيره افتخارًا أو مباهاة، وعلى وجه التفكه بما يُستطاب منه، وأما ما كان في مدح حق وأهله، وذم باطل وأهله، أو تمهيد قواعد دينية، أو إرغامًا للمخالفين .. فهو حق خارج عن الذم وإن خالطه تثبيب. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة، رقم (١٠٧٩)، والترمذي في كتاب الصلاة (٢٤٠)، باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر في المسجد، رقم (٣٢١)، قال: وفي الباب عن بريدة وجابر وأنس، قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص حديث حسن (وعمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص) مرجع هو شعيب، فمحمد بن عبد الله هو والد شعيب وجد عمرو، وعبد الله بن عمرو هو جد شعيب والد عمرو. انتهى "تحفة".
قال محمد بن إسماعيل: رأيت أحمد وإسحاق - وذكر غيرهما - يحتجون بحديث عمرو بن شعيب، قال: وقد سمع شعيب بن محمد من جده عبد الله بن عمرو.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لأن عمرو بن شعيب مختلف فيه، ضعّفه يحيى القطان، وقوّاه البخاري وأحمد وإسحاق، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا للترجمة بحديث واثلة بن الأسقع ﵁، فقال:
стр. 2173
(٨١) - ٧٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ نَبْهَانَ، حَدَّثَنَا عُتْبَةُ بْنُ يَقْظَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ
===
(٨١) - ٧٣٧ - (٣) (حدثنا أحمد بن يوسف) بن خالد (السلمي) أبو الحسن المعروف بحمدان النيسابوري، الحافظ، وثقه مسلم والدارقطني، وقال: ثقة نبيل. يروي عنه: (م د س ق)، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، كذا في "التهذيب".
(حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي البصري، ثقة مأمون، من صغار التاسعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الحارث بن نبهان) الجرمي -بفتح الجيم- أبو محمد البصري، متروك، من الثامنة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا عتبة بن يقظان) الراسبي أبو عمرو البصري، ويقال له: أبو زحّارة - بفتح الزاي وتشديد المهملة - ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي سعيد) الشامي، قال في "التهذيب": أبو سعيد الشامي عن مكحول عن واثلة مجهول، وقال في "التقريب": مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن مكحول) أبي عبد الله الشامي، ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن واثلة بن الأسقع) - بالقاف - ابن كعب الليثي الصحابي المشهور ﵁، نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ)، وله مئة وخمس سنين. يروي عنه: (ع).
стр. 2174
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينَكُمْ وَشِرَاءَكُمْ، وَبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ وَرَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ، وَإِقَامَةَ حُدُودِكُمْ وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبْوَابِهَا الْمَطَاهِرَ
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا، قال أحمد: أبو سعيد هذا هو محمد بن سعيد، كان يضع الحديث عمدًا، وقال البخاري: تركوه، وقال النسائي: كذاب، والحارث بن نبهان الجرمي ضعّفوه.
(أن النبي ﷺ قال: جنّبوا) من التجنيب؛ أي: بعّدوا (مساجدنا) أي: مساجد المسلمين؛ أي: بعّدوا هذه الأشياء اللاتي ستذكر عن مساجدنا؛ إذ كلها لا تليق بالمساجد؛ أي: بعّدوا عنها (صبيانكم) الذين لا تمييز لهم، وكذا الصبيات لعدم تحفظهم على الطهارة، (و) كذا بعّدوا (مجانينكم) عن مساجدنا، جمع مجنون، وكذا المجنونات؛ لعدم عقلهم المستلزم لعدم الطهارة، (وشراءكم) للأموال (وبيعكم) لها لغيركم؛ أي: لا تعقدوا عقود الشراء والبيع في المسجد؛ لأنهما من اكتساب المال والتجارة فيه، فهما لا يليقان بالمساجد، وفي بعض النسخ: (وشراركم) بدل شراءكم، وهو تحريف من النساخ.
(وخصوماتكم) في الأموال وغيرها، (ورفع أصواتكم) لأنَّها تخرج صاحبها عن أدب المجلس، ولأنها تشوش المصلين والقارئين، (و) جنبوها (إقامة حدودكم) واستيفائها ممن وجبت عليه؛ كحد الزنا والشرب (و) جنبوها (سل سيوفكم) فيها من أغمادها؛ لأنَّها معبد المسلمين لا معركة الكفار والمشركين، (واتخذوا) أي: واجعلوا لأنفسكم (على) قرب (أبوابها المطاهر) أي: الميضاءات؛ أي: مواضع وضوئكم؛ أي: مواضع يتوضأ فيها المحتاج إلى الوضوء ويقضي حاجته فيها. انتهى "سندي".
стр. 2175
وَجَمِّرُوهَا فِي الْجُمَعِ".
===
(وجمروها) أي: بخروا مساجدكم في جميع الأوقات خصوصًا (في) أيام (الجمع) والأعياد؛ لكثرة اجتماع الناس فيها؛ من التجمير وهو التبخير بالألوة والأعواد واللبان فيها؛ وذلك لأن الجمعة يوم الاجتماع، فربما يُؤدِّيَ بعضهم بعضًا برائحته من كثرة الزحام، وبالبخور يندفع ذلك، فهو أحسن، وأيضًا فتحضر الملائكة يوم الجمعة لاستماع الذكر، وهم يحبون الرائحة الطيبة، وقد جاء التبخير في وقتها عن الصحابة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولا شاهد له، فدرجته: أنه ضعيف (١٠)(١٠٥)؛ لضعف سنده كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول والثالث للاستئناس، والثاني للاستدلال.
والله أعلم
стр. 2176
(٢٦) - (١٨٩) - بَابُ النَّوْمِ فِي الْمَسْجِدِ
(٨٢) - ٧٣٨ - (١) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَنَامُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
===
(٢٦) - (١٨٩) - (باب) حكم (النوم في المسجد) هل هو جائز أم لا؟
* * *
(٨٢) - ٧٣٨ - (١) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) -مصغرًا- الهمداني أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث، من أهل السنة، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ)، وله أربع وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أبو عثمان المدني، ثقة ثبت، قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدّمه ابن معين في القاسم عن عائشة، على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (كنا) معاشر الصحابة (ننام في المسجد) النبوي (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته، وفي رواية الترمذي زيادة: (ونحن شباب) على وزن سحاب جمع شاب، ولا يُجمع فاعل على
стр. 2177
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فعال غيره، قال السندي: قوله: (كنا ننام ... ) إلى آخره .. هذا دال على أنه كان يقررهم على ذلك، وقد جاء فيمن كره النوم في المسجد أحاديث كثيرة في الصحاح لا يرتاب المسلم في عدم كراهته، فلعل قول الفقهاء بالكراهة على حسب وقتهم. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، وأخرجه البخاري مختصرًا ومطولًا، وأخرجه ابن ماجه مختصرًا، وقد رخص قوم من أهل العلم في النوم في المسجد، وقال ابن عباس: لا يتخذه مبيتًا ومقيلًا، وذهب قوم من أهل العلم إلى قول ابن عباس، قال الحافظ في "الفتح": ذهب الجمهور إلى جواز النوم في المسجد، ورُوي عن ابن عباس كراهيته إلا لمن يريد الصلاة، وعن ابن مسعود مطلقًا، وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيُكره، وبين من لا مسكن له فيُباح. انتهى.
وقال العيني في "عمدة القاري": وقد اختلف العلماء في ذلك، فممَّن رخص النوم فيه ابن عمر، وقال: كنا نبيت فيه ونقيل على عهد رسول الله ﷺ ، وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري وعطاء ومحمد بن سيرين مثله، وهو أحد قولي الشافعي، واختُلف عن ابن عباس: فرُوي عنه أنه قال: لا يتخذ المسجد مرقدًا، ورُوي أنه قال: إن كنت تنام فيه لصلاة .. لا بأس، وقال مالك: لا أحب لمن له منزل أن يبيت في المسجد ويقيل فيه، وبه قال أحمد وإسحاق، وقال مالك: وقد كان أصحاب النبي ﷺ يبيتون في المسجد، وكره النوم فيه ابن مسعود وطاووس ومجاهد وهو قول الأوزاعي، وقد سئل سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار عن النوم فيه، فقالا: كيف تسألون عنها، وقد كان أهل الصُّفة ينامون فيه؛ وهم قوم كان مسكنهم المسجد؟ ! وذكر
стр. 2178
(٨٣) - ٧٣٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ،
===
الطبري عن الحسن، قال: رأيت عثمان بن عفان نائمًا فيه، وليس حوله أحد وهو أمير المؤمنين، قال: وقد نام في المسجد جماعة من السلف بغير محذور للانتفاع به فيما يحل؛ كالأكل والشرب والجلوس وشبه النوم من الأعمال، والله أعلم. انتهى "تحفة الأحوذي".
وهذا الحديث حديث تقريري، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولما تقدم من مشاركة الترمذي والبخاري له، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث طخفة بن قيس ﵃، فقال:
(٨٣) - ٧٣٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسن بن موسى) الأشيب -بمعجمة ثم تحتانية- أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع أو عشر ومئتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شيبان بن عبد الرحمن) التميمي مولاهم النحوي أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوٍ؛ بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
стр. 2179
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ أَنَّ يَعِيشَ بْنَ قَيْسِ بْنِ طِخْفَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصفَّةِ- قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْطَلِقُوا"، فَانْطَلَقْنَا إِلَى بَيْتِ عَائِشَةَ وَأَكَلْنَا وَشَرِبْنَا، فَقَالَ لَنَا
===
(عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، أو أربع ومئة (١٠٤ هـ).
يروي عنه: (ع)، وكان مولده سنة بضع وعشرين. انتهى "تقريب".
(أن يعيش بن قيس بن طخفة) الصواب: أن يعيش بن طخفة بن قيس، قوله: طخفة -بكسر أوله وسكون الخاء المعجمة ثم فاء، ويقال: طهفة بدل الخاء، ويقال: طغفة بالغين المعجمة، وقيل غير ذلك- ابن قيس الغفاري، ويقال: قيس بن طخفة، ويقال: يعيش بن طخفة أبو طغفة، له حديث واحد في النهي عن النوم على البطن، رواه يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن يعيش بن طخفة عن أبيه، ولعله ثقة، من الثانية. يروي عنه: (د س ق).
(حدثه عن أبيه) طخفة بن قيس الغفاري ﵁، (وكان) أبوه طخفة (من أصحاب الصُّفة) أي: صفة مسجد النبي ﷺ ، والصُّفة: مظلة قدام المسجد النبوي ينام فيها فقراء المهاجرين والغرباء.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة، إلا أن يحيى بن أبي كثير كان يُدلّس ويُرسل.
(قال) طخفة بن قيس: (قال لنا) معاشر الصُّفة (رسول الله ﷺ ونحن جالسون في الصُّفة: (انطلقوا) بنا إلى بيت عائشة لتأكلوا العشاء، (فانطلقنا) معه؛ أي: ذهبنا (إلى بيت عائشة، وأكلنا) العشاء، (وشربنا) عليه الشراب، (فـ) ـبعدما أكلنا وشربنا (قال لنا
стр. 2180
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ شِئْتُمْ نِمْتُمْ هَا هُنَا، وَإِنْ شِئْتُمُ انْطَلَقْتُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ"، قَالَ: فَقُلْنَا: بَلْ نَنْطَلِقُ إِلَى الْمَسْجِدِ.
===
رسول الله ﷺ : إن شئتم) أن تناموا ها هنا .. (نمتم ها هنا) أي: معنا في بيتنا، وقوله: نمتم بكسر النون من النوم؛ لأنه يقال فيه: نام ينام من باب خاف يخاف، كما يقال فيه: نام ينوم، (وإن شئتم) الرجوع إلى المسجد والنوم فيه .. (انطلقتم) أي: رجعتم (إلى المسجد) لتناموا فيه، فهذا صريح في جواز النوم في المسجد، (قال) طخفة بن قيس: (فقلنا) له ﷺ : لا ننام ها هنا، (بل ننطلق) ونرجع (إلى المسجد) لننام فيه، فرجعنا إلى المسجد، فنمنا فيه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود رواه بأطول مما هنا في كتاب الأدب (١٠٣)، باب في الرجل ينبطح على بطنه، رقم (٥٠٣٠).
ولفظه: (قال) يعيش: (كان أبي من أصحاب الصُّفة، فقال) لنا (رسول الله ﷺ : انطلقوا بنا إلى بيت عائشة، فانطلقنا، فقال: يا عائشة؛ أطعمينا، فجاءت بحيسة) وهي طعام يُصنع من حنطة، (فأكلنا، ثم قال: أطعمينا، فجاءت بحيسة) طعام يُتخذ من تمر وسويق وأقط وسمن (مثل القطاة، فأكلنا، ثم قال: يا عائشة؛ اسقينا، فجاءت بعُس من اللبن، فشربنا، ثم قال: يا عائشة؛ اسقينا فجاءت بقدح صغير، فشربنا، ثم قال: إن شئتم .. نمتم ها هنا، وإن شئتم .. انطلقتم إلى المسجد) فانطلقنا، فنمنا في المسجد، (قال: فبينما أنا مضطجع في المسجد من السحر) أي: من وجع الرئة (على بطني؛ إذا رجل يحركني برجله، فقال: إن هذه ضجعة يبغضها الله، قال: فنظرت، فإذا رسول الله ﷺ . ورواه ابن حبان أيضًا في كتاب الأدب (١٨)، باب الاضطجاع، رقم (١٩٦٠)، وسيأتي لابن ماجه في كتاب الأدب.
стр. 2181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالحديث: صحيح المتن، وإن كان في اسم الراوي اضطراب، والاضطراب في اسمه لا يقدح بعدما علم أنه صحابي، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2182
(٢٧) - (١٩٠) - بَابٌ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ ؟
(٨٤) - ٧٤٠ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ،
===
(٢٧) - (١٩٠) - (باب: أي مسجد وُضِع أوّل؟ )
(٨٤) - ٧٤٠ - (١) (حدثنا علي بن ميمون الرقي) العطّار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ) يروي عنه (س ق).
(حدثنا محمد بن عبيد) بن أبي أمية الكوفي، الأحدب، ثقة يحفظ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع). وروى عن: الأعمش.
(ح وحدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) الكوفي، ثقة، من الخامسة إلا أنه يُدلس ويُرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وتسعين (٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 2183
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ؛ أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّل؟ قَال: "الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ"، قَال: قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَال: "ثُمَّ الْمَسْجِدُ الْأَقْصي"، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟
===
(عن أبيه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقة، من الثانية، قيل: إنه أدرك الجاهلية، مات في خلافة عبد الملك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي ذر الغفاري) الربذي جندب بن جنادة ﵁.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) أبو ذر: (قلت) لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ أي مسجد) من مساجد الأرض (وُضِع) أي: جُعل في الأرض، كما في رواية مسلم (أوّل) بالبناء على الضم؛ لقطعه من الإضافة وافتقاره إلى المضاف إليه المحذوف؛ أي: وُضع أوّل كل شيء من المساجد؟ (قال) رسول الله ﷺ : أول مسجد وُضع على الأرض (المسجد الحرام)، وهو مسجد مكة.
(قال) أبو ذر: (قلت) لرسول الله ﷺ : (ثم) بعد المسجد الحرام (أي) أي: ثم أي المساجد وُضع أوّل؟ (قال) رسول الله ﷺ : (ثم) أول مسجد وُضع بعد المسجد الحرام (المسجد الأقصى)، وهو مسجد بيت المقدس، وسُمي بالأقصى؛ لبُعده عن الحجاز أو لبُعده عن الأقذار والخبائث والأوثان؛ فإنه مقدس عن عبادة الأوثان حوله كالمسجد الحرام والمقدّس المُطهر ومنه القدس، وهو السطل الذي يُستقى به الماء، قال أبو ذر: (قلت) لرسول الله ﷺ : (كم) المدة التي كانت (بينهما) أي: بين وضعهما؟
стр. 2184
قَالَ: "أَرْبَعُونَ عَامًا،
===
(قال) رسول الله ﷺ : المدة التي كانت بين وضعيهما (أربعون عامًا) أي: سنة، وفي هذا الجواب إشكال؛ وذلك أن مسجد مكة بناه إبراهيم ﵇ بنص القرآن؛ إذ قال: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ (١)، والمسجد الأقصى بناه سليمان ﵇، كما أخرجه النسائي بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ : "إن سليمان بن داوود لما بنى بيت المقدس .. سأل الله تعالى خلالًا ثلاثة؛ سأل الله تعالى حُكمًا يُصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بناء المسجد ألا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه أن يخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه"، رواه النسائي، وبين إبراهيم وسليمان آماد طويلة، قال أهل التاريخ: أكثر من ألف سنة.
قلت: يرتفع الإشكال بأن يقال: الآية والحديث لا يدلان على أن بناء إبراهيم وسليمان حين بنياهما ابتداء وضعهما لهما، بل ذلك تجديد لما كان أسسه غيرهما وبدأه، رُوي أن أول من بنى البيت آدم ﵇، فعلى هذا يجوز أن يكون غيره وضع بيت المقدس بعده بأربعين عامًا، والله تعالى أعلم. انتهى "قرطبي".
وأجاب عنه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" بأن الوضع غير البناء، والسؤال عن مدة ما بين وضعهما، لا عن مدة ما بين بناءيهما، فيُحتمل أن يكون واضع الأقصى بعض الأنبياء قبل سليمان، ثم بناه بعد ذلك، قال: ولا بد من تأويله بهذا، ذكره العلامة الخفاجي في "حاشية تفسير البيضاوي". انتهى من "الكوكب".
стр. 2185
ثُمَّ الْأَرْضُ لَكَ مُصَلّىً فَصَلِّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ".
===
قال الأبي: سؤاله عن ذلك يُحتمل أنه لحفظ تاريخ أيهما أقدم، والأظهر أنه لبيان فضيلته على المسجد الأقصى؛ لأن التقدم في البناء لا أثر به إلا أن يقال: والتقدم بالزمان أيضًا أحد موجبات الشرف، والحديث على الأول موافق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاس﴾ (١)؛ لأنهم ذكروا في التفسير أن البيت خُلق قبل السماوات والأرض، وأنها كانت زبدًا في الماء، ثم دُحيت الأرض من تحتها، ولذا سُميت مكة أم القرى، وكون مسجد الأقصى بعدها بأربعين يُحتمل أنه كان كذلك في علم الله تعالى، ولا يُستشكل كون ما بينهما أربعين بأن البيت بناه إبراهيم ﵇ وسليمان ﵇ بنى المسجد الأقصى، وبينهما من مئي السنين ما عُلم؛ لأن بناءهما إنما كان تجديدًا لما تقدم، لا ابتكارًا للبناء، ولا يُستشكل الثاني بأن يقال: التفضيل راجع لحكم الله تعالى، وحكمه تعالى لا يتقيد بزمان؛ لأنا نقول: التقييد بالزمان إنما لظهور متعلق الحكم، لا للحكم، والمسجد الحرام هو ما دار بالبيت، وليست الكعبة منه؛ لأنها ليست محل الصلاة، بل يُصلى إليها. انتهى منه.
وكلمة (ثم) في قوله: (ثم الأرض لك مصلىً) للترتيب الذكري أو الإخباري، لا للمعنوي؛ أي: ثم بعدما أجبت لك عن سؤالك أقول لك: الأرض كلها مصلىً؛ أي: موضع صلاة لك ومسجد لك ما دامت على الحالة الأصلية التي خُلقت عليها، وأما إذا تنجست .. فلا، (فـ) إذا دخل عليك وقت الصلاة .. فـ (صلِّ حيثما) أي: في أي مكان (أدركتك) أي: لحقتك (الصلاة) أي: دخل عليك وقتها في ذلك المكان، قال السندي: ذكره لبيان أنه لا يؤخر الصلاة لإدراك فضل هذه المساجد. انتهى.
стр. 2186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والمعنى: وأي موضع من الأرض أدركتك الصلاة فيه ودخل عليك وقتها .. فصلِّ في ذلك الموضع؛ يعني: بلا حائل، قال القاضي: وهذا العموم مخصوص بالأماكن التي جاء النهي عن الصلاة فيها؛ كالمجزرة ونظائرها. انتهى "أبي"، وفي رواية مسلم زيادة: (فهو مسجد) أي: فذلك الموضع مسجد لك؛ أي: موضع سجود وصلاة لك، ولا تطلب موضعًا معينًا للصلاة فيه من المساجد؛ فإن الصلاة لا تختص بموضع منها دون آخر. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب الأنبياء، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، والنسائي في كتاب المساجد.
وحكمه: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 2187
(٢٨) - (١٩١) - بَابُ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ
(٨٥) - ٧٤١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ -وَكَانَ قَدْ عَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
(٢٨) - (١٩١) - (باب المساجد في الدُّور)
أي: بيان حكم اتخاذ المساجد في البيوت هل يجوز أم لا؟
* * *
(٨٥) - ٧٤١ - (١) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي العثماني المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أبو إسحاق البغدادي، ثقة حجة، من الثامنة. يروي عنه: (ع)، ط ت سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ).
(عن ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن محمود بن الربيع) بن سراقة بن عمرو (الأنصاري) الخزرجي أبي نعيم المدني الصحابي الصغير ﵁، وجُلُّ روايته عن الصحابة. يروي عنه: (ع)، وأنس وهو أكبر منه، والزهري، ورجاء بن حيوة، وغيرهم. مات سنة (٩٩ هـ) تسع وتسعين، وله ثلاث وتسعون سنة.
(وكان) محمود مع صغره (قد عقل) وعرف (مجة) أي: بزقة ماء (مجها) أي: مج تلك البزقة (رسول الله ﷺ في وجهه ملاعبة معه،
стр. 2188
مِنْ دَلْوٍ فِي بِئْرٍ لَهُمْ-، عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ السَّالِمِيِّ وَكَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ بَنِي سَالِمٍ وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي قَدْ أَنْكَرْتُ مِنْ بَصَرِي، وَإنَّ السَّيْلَ يَأْتِينِي فَيَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ
===
آخذًا تلك المجة (من) ماء (دلو) أي: إناء كائن (في) ماء (بئر) كائن (لهم) في دارهم، وهو ابن خمس سنين، ذكر ذلك إشارة إلى أنه مميز يصلح لتحمل الحديث.
وجملة قوله: (وكان قد عقل ... ) إلى آخره، جملة معترضة بين خلال سلسلة السند إشارة إلى ما ذكر.
(عن عتبان) بكسر المهملة وسكون المثناة فوق (بن مالك) بن عمرو بن عجلان الأنصاري الخزرجي (السالمي) بالألف بعد المهملة، وفي هامش "التقريب": كذا في النسخ المحفوظة، وفي بعض النسخ المطبوعة: السلمي بلا ألف، ولعلها مخالفة لما يذكر بعد، الصحابي المدني المشهور ﵁، (وكان) مالك أعمى، ومع ذلك كان (إمام قومه) أي: عشيرته وجيرانه (بني سالم، وكان) مالك (شهد بدرًا) أي: غزوتها (مع رسول الله ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) مالك: (جئت رسول الله ﷺ يومًا، (فقلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ إني قد أنكرت) وكرهت (من بصري) وعيني شيئًا من النقص، وفي الرواية السابقة في كتاب الإيمان زيادة: (بعض الشيء)، (وإن السيل) أي: سيل الأمطار (يأتيني) ويسيل في وادينا أيام الأمطار، (فـ) خفت أن (يحول) أي: يحجز ذلك السيل (بيني وبين
стр. 2189
مَسْجِدِ قَوْمِي، وَيَشُقُّ عَلَيَّ اجْتِيَازُهُ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْتِيَنِي فَتُصلِّيَ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلّىً فَأفْعَلْ، قَالَ: "أَفْعَلُ"، فَغَدَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَمَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، وَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنْتُ لَهُ، وَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ
===
مسجد قومي، ويشق عليّ اجتيازه) أي: اجتياز ذلك السيل ومجاوزته إلى المسجد.
(فإن رأيت) يا رسول الله؛ أي: بدا وظهر لك في رأيك، وفيه تفويض الأمر إلى رسول الله ﷺ ، وهو الأحسن والأدب عند العظماء في طلب الحاجة منهم، لكن لا يجوز مثله في الدعاء من الله تعالى (أن تأتيني) إليّ في بيتي (فتصلي في بيتي) أي: تُعين لي من بيتي (مكانًا أتخذه) أي: اجعله (مصلىً) لنفسي إذا عجزت عن الخروج لليل .. (فافعل) ذلك الإتيان يا رسول الله، جواب إن الشرطية في قوله: فإن رأيت.
فـ (قال) رسول الله ﷺ لعتبان: سـ (أفعل) ذلك الإتيان إليك إن شاء الله تعالى، (فغدا) أي: بكّر (رسول الله ﷺ إلى بيتي غدوًا (و) معه (أبو بكر) الصديق؛ أي: جاء أول النهار عندي ومعه أبو بكر، وقد ورد أنه قد كان معه عمر أيضًا وغيره، فلعل الاقتصار على ذكر أبي بكر؛ لأنه الرفيق الأول من البيت وغيرهم لحقوه في الطريق، كذا قيل. انتهى "سندي".
وقوله: (بعدما اشتد) حر (النهار) وارتفعت الشمس متعلق بغدا، فجاء رسول الله ﷺ إلى منزلي، (و) لما وصل إليه .. (استأذن) أي: طلب الإذن مني في الدخول عليّ، (فأذنت له) في الدخول عليّ (و) لما دخل منزلي .. (لم يجلس حتى قال: أين تحب) أي: أي مكان تحب
стр. 2190
أَنْ أُصَلِّيَ لَكَ مِنْ بَيْتِكَ؟ "، فَأَشَرْتُ لَهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ احْتَبَسْتُهُ عَلَى خَزِيرَةٍ تُصنَعُ لَهُمْ.
===
(أن أصلي لك) فيه (من بيتك؟ فأشرت له) ﷺ (إلى المكان الذي أُحب أن أُصلي فيه) إذا كنت عاجزًا عن الخروج إلى المسجد، قال مالك: (فقام رسول الله ﷺ في المكان الذي أشرت له، (وصففنا) أي: جعلنا صفوفًا (خلفه) ﷺ للصلاة، وفيه أن فعل النافلة في النهار جماعة مشروع، وقد جاء كثرة الجماعة في هذه الصلاة، فعدُّ بعضِ العلماء إياها بدعة .. لا يخلو عن إشكال.
(فصلى بنا) رسول الله ﷺ (ركعتين)، قال مالك: (ثم) بعدما فرغ من الصلاة .. (احتبسته) أي: منعته من الخروج والرجوع حتى يأكلوا ضيافتنا (على خزيرة) أي: لأجل أن يأكلوا من خزيرة (تُصنع لهم) أي: صُنعت لهم، والخزيرة -بفتح الخاء المعجمة-: طعام يُتخذ من لحم يُقطّع صغارًا، ثم يُطبخ ويُجعل عليه دقيق. انتهى "سندي".
ورواية ابن ماجه في هذا الحديث: (فقام رسول الله، وصففنا خلفه، فصلى بنا ركعتين) معارضة لرواية مسلم: (فدخل وهو يصلي في منزلي، وأصحابه يتحدثون فيما بينهم ... ) الحديث.
قلت: لا معارضة؛ لأن رواية مسلم التي نفت صلاة أصحابه معه هي في غير الركعتين، أما هما .. فصلوهما معه، ثم شرعوا في الحديث والنبي ﷺ يصلي ما بعدهما وحده.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث، البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: في كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، رقم (٤٢٥)، ومسلم في كتاب
стр. 2191
(٨٦) - ٧٤٢ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْفَضْلِ الْمُقْرِئُ،
===
المساجد ومواضع الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة (٢٦٣)، والنسائي في كتاب الإمامة، ومالك في "الموطأ".
ودرجة هذا الحديث: أنه في أعلى الدرجات؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال القاضي عياض: وفي الحديث اتخاذ المساجد في الدّور، قيل: وفيه إمامة الزائر، لكن بإذن رب المنزل، فلا يعارض حديث النهي عن ذلك، وليس فيه ذلك؛ لأنه ﷺ أحق بالإمامة حيث حلَّ، وقد قالوا: إن الأمير أحق من رب المنزل إذا حضر، فكيف به ﷺ وهو حق لصاحب المنزل مع غيره ﷺ ، فإذا قدّم غيره .. جاز، قال النووي: في الحديث التزام الصلاة بموضع معين، وإنما يُكره ذلك في المسجد عند خوف الرياء، وفيه أنه لا بأس أن يجعل الرجل في بيته مسجدًا يُصلي فيه، قال ابن رشد: ويُحترم احترام المسجد، وقال ابن عرفة: ليست له حرمة المسجد. انتهى من "الأبي"، وفيه أنه أباح له الصلاة في بيته؛ لتحقق عذره، ولأن مثل هذا لا يقدر على الوصول إلى المسجد مع الأمطار وسيل الوادي وكونه أعمى. انتهى من "الكوكب".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عتبان بن مالك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٦) - ٧٤٢ - (٢) (حدثنا يحيى بن الفضل) بن يحيى بن كيسان بن عبد الله العنزي -بفتح المهملة والنون ثم زاي- أبو زكرياء البصري (المقرئ) المعروف بالخرقي- بكسر المعجمة وفتح الراء ثم قاف- صدوق، من الحادية
стр. 2192
حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنْ تَعَالَ فَخُطَّ لِي مَسْجِدًا فِي دَارِي أُصَلِّي فِيهِ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا عَمِيَ،
===
عشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ)، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (د ق).
(حدثنا أبو عامر) العقدي -بفتح العين والقاف- عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عاصم) بن سليمان الأحول البصري، ثقة، من الرابعة، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) السمان ذكوان القيسي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(أن رجلًا من الأنصار) والرجل المبهم في هذا الحديث هو عتبان بن مالك الأنصاري، وهو في "الصحيحين" و"النسائي" من حديث عتبان بن مالك (أرسل إلي رسول الله ﷺ بـ (أن تعال) وأقبل إلى بيتي (فخُطّ) أي: عيّن (لي مسجدًا في داري) أي: مكان صلاة (أُصلي فيه) إذا عجزت عن الخروج إلى مسجد قومي، (وذلك) أي: طلب الرجل من النبي ﷺ الإقبال إليه وتعيين موضع الصلاة له (بعدما عمي) ذلك
стр. 2193
فَجَاءَ فَفَعَلَ.
(٨٧) -٧٤٣ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ،
===
الرجل وفقد بصره، (فجاء) النبي ﷺ إلى بيته، (ففعل) النبي ﷺ ما طلب الرجل منه من تخطيط موضع الصلاة له وتعيينه بالصلاة فيه.
قال السندي: قوله: (فخُطّ لي) أي: عيّن لي بالصلاة فيه، وقوله: (أُصلي فيه) صفة مسجدًا.
واعلم: أن هذا الحديث في "الصحيحين" وغيرهما من حديث عتبان بن مالك، والرجل المبهم هو عتبان، وإنما أورده المؤلف؛ لكونه من طريق أبي هريرة.
قلت: ولا يشكل بما في حديث عتبان أنه جاء إليه ﷺ ، وفي هذا الحديث أنه أرسل إليه لاحتمال أنه جاء إليه أولًا، ثم أرسل إليه ثانيًا، أو بالعكس لزيادة التأكيد، كيف وقد جاء في روايات حديث عتبان أنه أرسل إليه؟ ! فتأمل.
وحديث أبي هريرة هذا انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وله شاهد في "الصحيحين"، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عتبان.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عتبان بن مالك بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٧) -٧٤٣ - (٣) (حدثنا يحيى بن حكيم) المقوّمي -بضم الميم وتشديد الواو المكسورة على صيغة اسم الفاعل- أبو سعيد البصري، ثقة حافظ
стр. 2194
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِي، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْجَارُودِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَنَعَ بَعْضُ عُمُومَتِي
===
عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد يُنسب لجده، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان أبي عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي موسى البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة، وقيل: سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود) العبدي البصري. روى عن: أنس بن مالك، ويروي عنه: (ق)، وأنس بن سيرين.
قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في السؤال عن صلاة الضحى، وقال في "التقريب": ثقة، من الخامسة.
(عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (صنع بعض عمومتي) أي: صنع بعض أقاربي من أصحاب
стр. 2195
لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعَامًا، فَقَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْكُلَ فِي بَيْتِي وَتُصَلِّيَ فِيهِ، قَالَ: فَأَتَاهُ، وَفِي الْبَيْتِ فَحْلٌ مِنْ هَذِهِ الْفُحُولِ، فَأَمَرَ بِنَاحِيَةٍ مِنْهُ فَكُنِسَ وَرُشَّ، فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ،
===
عمومتي، لم أر من عيّن ذلك البعض؛ أي: هيأ وطبخ (للنبي ﷺ أي: لأجل دعوة النبي ﷺ إلى بيته (طعامًا) أي: طعام عزومة، (فقال) ذلك البعض (للنبي ﷺ : إني أُحب) وأتمنى (أن) تأتي وتحضر إلى بيتي، و (تأكل) طعام العزومة (في بيتي، وتُصلي) لي صلاة (فيه) أي: في بيتي؛ لأتخذ ذلك المكان مصلىً ومسجدًا لنفسي إذا عجزت عن الخروج إلى المسجد ولم أتمكن منه.
(قال) أنس: (فأتاه) أي: فأتى ذلك البعض النبي ﷺ في بيته (وفي البيت) أي: والحال أن في بيت ذلك البعض (فحل) أي: حصير نسج من ورق النخل الذكر، والفحل -بفتح الفاء وسكون الحاء المهملة- هو الذكر ضد الأنثى، أُريد به ها هنا: الحصير المتخذ من بعض ذكر النخل، فجاز فيه التذكير؛ أي: والحال أن في بيته حصيرًا نُسج من سعف النخل الذكر (من هذه الفحول) أي: حصير من هذه الحصر المنسوجة من خوص النخل الذكر، خصّه بالذكر لقوته وصفاقته على غيره.
(فأمر) ذلك البعض لبعض خدمه (بناحية منه) أي: بكنس ناحية وجانب من بيته وتنظيفه من القمامة؛ ليُصلي فيه النبي ﷺ ، (فكُنس) ذلك الجانب (ورُشّ) ماءً ليُبرد بالبناء للمفعول في الفعلين؛ أي: صُفِّي ذلك الموضع من القمامة ورُش ماءً وفُرش فيه حصير الفحل، (فصلى) في ذلك الموضع رسول الله ﷺ ، (وصلينا معه) ﷺ .
стр. 2196
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ مَاجَهْ: الْفَحْلُ: هُوَ الْحَصِيرُ الَّذِي قَدِ اسْوَدَّ.
===
(قال أبو عبد الله) بالسند السابق محمد بن يزيد (بن ماجه) رحمه الله تعالى؛ يعني: المؤلف: (الفحل) هنا (هو الحصير الذي قد اسودَّ) لطول عهده، وهو من كلام أبي الحسن القطان راوية المؤلف وتلميذه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2197
(٢٩) - (١٩٢) - بَابُ تَطْهِيرِ الْمَسَاجِدِ وَتَطْيِيبِهَا
(٨٨) - ٧٤٤ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْجَوْنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ،
===
(٢٩) - (١٩٢) - (باب تطهير المساجد وتطييبها)
أي: تطهيرها عن القاذورات الحسية وتطييبها من الرائحة الكريهة كالثوم والبصل.
* * *
(٨٨) - ٧٤٤ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون) -بفتح الجيم العنسي بالنون- أبو سليمان الداراني، صدوق يخطئ، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن صالح المدني) الأزرق مولى بني فهر، روى عن مسلم بن أبي مريم وابن المنكدر، ويروي عنه: (د س ق)، وعبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجون.
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من السابعة.
(حدثنا مسلم بن أبي مريم) اسمه يسار السلولي المدني مولى الأنصار.
روى عن: أبي سعيد الخدري، وابن عمر، وعطاء بن يسار، وغيرهم، ويروي عنه: (خ م د س ق)، ومحمد بن صالح الأزرق، والسفيانان، وغيرهم. وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
стр. 2198
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَخْرَجَ أَذىً مِنَ الْمَسْجِدِ .. بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ".
===
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن مسلم بن أبي مريم لم يسمع من أبي سعيد الخدري، ففيه انقطاع، ومحمد بن صالح فيه لين.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : من أخرج أذىً من المسجد) أي: قذرًا، والمراد به: كل ما لا يليق وجوده في المسجد؛ كالبصاق، والمخاط، والنخاعة، والنخامة، وكل قمامة عفنة، أو غير عفنة، وحشرات ماتت فيه .. (بنى الله) سبحانه (له) أي: لذلك المُخرج (بيتًا في الجنة) مجازاة له على تنظيف بيته.
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح لغيره؛ لأنه يشهد له حديث عثمان ﵁ المتفق عليه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا لله .. بنى له بيتًا في الجنة" لأن تنظيفه مثل بنائه، ومثل هذا لا يقال بالرأي، ويعتضد هذا بأن أجور الأعمال مضاعفة، وأن الحسنة بعشر أمثالها، ويشهد له أيضًا حديث عائشة المذكور بعده.
ودرجة الحديث: أنه صحيح المتن، ضعيف السند، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي سعيد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 2199
(٨٩) - ٧٤٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْحَكَمِ وَأَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِالْمَسَاجِدِ أَنْ تُبْنَى فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَهَّرَ وَتُطَيَّبَ.
===
(٨٩) - ٧٤٥ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن بشر بن الحكم) العبدي أبو محمد النيسابوري، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م د ق).
(وأحمد بن الأزهر) بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(قالا: حدثنا مالك بن سعير) -مصغرًا آخره راء- ابن الخمس -بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة- لا بأس به، من التاسعة، مات على رأس المئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(أنبأنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن مالك بن سعير لا بأس به.
(أن رسول الله ﷺ أمر بالمساجد) بـ (أن تُبنى في الدُّور) والقبائل والحوار، وجملة أن المصدرية في تأويل مصدر مجرور على أنه بدل اشتمال من المساجد، كما أشرنا إليه في حلنا؛ أي: أمر ببناء المساجد في المواضع التي اجتمع فيها الناس مستوطنين؛ لأن الجمعة والجماعة واجبة عليهم، والجمعة لا تصح إلا في المسجد الجامع، (و) أمر أيضًا بـ (أن تُطهر) وتُتنظّف من النجاسات والقاذورات، (و) بأن (تُطيّب) وتُعطر من الروائح
стр. 2200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الكريهة، والفعلان بالبناء للمفعول، وإنما أمر بذلك، لكونها محالًا لحضور الملائكة. انتهى "سندي".
قوله: (أمر ببناء المساجد في الدور) قال البغوي في "شرح السنة": يريد بها المحال التي فيها الدور، ومنه قوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ (١) لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبائل دارًا، ومنه الحديث: ما بقيت دار إلا بُني فيها مسجد، قال سفيان: بناء المساجد في الدور؛ يعني: القبائل؛ أي: من العرب يَصِلُ بعضها ببعض وهم بنو أب واحد يُبنى لكل قبيلة مسجد، هذا ظاهر معنى تفسير سفيان الدّور، قال أهل اللغة: الأصل في إطلاق الدّور على المواضع، وقد تُطلق على القبائل مجازًا، قاله الشوكاني في "النيل".
وقال علي القاري في "المرقاة": الدّور جمع دار؛ وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة، والمراد بها: المحلات؛ فإنهم كان يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارًا، أو محمول على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يُصلي فيه أهل البيت، قاله ابن الملك، والأوّل هو المعوّل وعليه العمل، وحكمة أمره لأهل كل محلة ببناء مسجد فيها أنه قد يتعذر أو يشق على أهل محلة الذهاب إلى الأخرى، فيُحرمون أجر المسجد وفضل إقامة الجماعة فيه، فأُمروا بذلك؛ ليتيسر لأهل كل محلة العبادة في مسجدهم من غير مشقة تلحقهم. انتهى من "العون".
قوله: (وأن تطهر) أي: تُنظف، كما في رواية أبي داوود، والمراد: تنظيفها من الوسخ والدنس وبإزالة النتن والعذرات والتراب، (و) أن (تُطيب) بالرش أو العطر، قال ابن رسلان: بطيب الرجال وهو ما خفي لونه وظهر ريحه؛
стр. 2201
(٨٩) - ٧٤٥ - (م) حَدَّثَنَا رِزْقُ اللهِ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيُّ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ،
===
فإن اللون ربما شغل بصر المصلي، والأولى في تطييب المسجد مواضع المصلين، ومواضع سجودهم أولى، ويجوز أن يحمل التطييب على التجمير في المسجد بالبخور. انتهى، والظاهر أن الأمر ببناء المساجد للوجوب. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في باب المساجد، رقم (٤٥١)، والترمذي أخرجه مرسلًا.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وله شاهد أيضًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٨٩) - ٧٤٥ - (م) (حدثنا رزق الله بن موسى) الناجي البغدادي الإسكافي، قيل: اسمه عبد الأكرم، صدوق يهم، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا يعقوب بن إسحاق) بن زيد (الحضرمي) مولاهم أبو محمد المقرئ النحوي، صدوق، من صغار التاسعة، مات سنة خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا زائدة بن قدامة) الثقفي أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 2202
عَنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُتَّخَذَ الْمَسَاجِدُ فِي الدُّورِ، وَأَنْ تُطَهَّرَ وَتُطَيَّبَ.
(٩٠) - ٧٤٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
===
(عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، غرضه بسوقه: بيان متابعة زائدة بن قدامة لمالك بن سعير، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول.
(قالت) عائشة: (أمر رسول الله ﷺ أن تُتخذ) وتُبنى (المساجد في الدّور، وأن تُطهر) من الأوساخ والأدناس، (و) أن (تُطيّب) وتُعطّر وتُبخر بالمجامير؛ لحضور الملائكة لها.
فهذا الحديث تقدم في الحديث الذي قبله بيان من خرّجه، فهو صحيح، غرضه: بيان المتابعة لما قبله، والله أعلم.
* * *
ثم استأنس واستطرد المؤلف للترجمة بحديث أبي سعيد الخدري ﵁، فقال:
(٩٠) - ٧٤٦ - (٣) (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان -بكسر المهملة بعدها موحدة- أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 2203
عَنْ خَالِدِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْرَجَ فِي الْمَسَاجِدِ تَمِيم الدَّارِيُّ.
===
(عن خالد بن إياس) أو إلياس بن صخر بن أبي الجهم بن حذيفة أبي الهيثم العدوي المدني إمام المسجد النبوي، متروك الحديث، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة أبي محمد المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد الخدري) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن في إسناده خالد بن إياس، وقد اتفقوا على ضعفه، وقال البخاري: منكر الحديث ليس بشيء، قال أبو داوود: كان يؤم في المسجد النبوي نحوًا مَن ثلاثين سنة، وقال النسائي: متروك، وقال مرة: ليس بثقة، ولا يُكتب حديثه.
(قال) أبو سعيد الخدري: (أول من أسرج) وأوقد المصابيح (في المساجد تميم) بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة بن وداع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب بن نمارة بن لخم أبو رقية -بقاف وتحتانية مصغرًا- (الداري) انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان، ونزل بيت المقدس، وكان إسلامه سنة تسع، قيل: وُجد على قبره أنه مات سنة أربعين (٤٠ هـ) - ولم يكن له ولد ذكر، بل ابنة تُسمى رقية. يروي عنه ﵁: (م عم)، هكذا رواه ابن ماجه موقوفًا.
وانفرد به ابن ماجه، ولا شاهد له، فالحديث: ضعيف جدًّا (١١)(١٠٦)، غرضه بسوقه: الاستئناس به؛ لضعفه، أو الاستطراد؛ لعدم موافقته للترجمة، والله أعلم.
* * *
стр. 2204
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث أبي سعيد، ذكره للاستدلال.
والثاني حديث عائشة، ذكره للاستشهاد.
والثالث: حديث عائشة أيضًا، ذكره للمتابعة.
والرابع: حديث أبي سعيد الخدري، ذكره للاستئناس أو للاستطراد.
والله سبحانه وتعالى
стр. 2205
(٣٠) - (١٩٣) - بَابُ كَرَاهِيَةِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ
(٩١) - ٧٤٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ أَبُو مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
(٣٠) - (١٩٣) - (باب كراهية) رمي (النخامة في المسجد)
* * *
(٩١) - ٧٤٧ - (١) (حدثنا محمد بن عثمان) بن خالد (العثماني) أي: المنسوب إلى عثمان بن عفان (أبو مروان) الأموي المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني، ثقة، من الثانية، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ) على الصحيح، وقيل: إن روايته عن عمر مرسلة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 2206
أَنَّهُمَا أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا ثُمَّ قَالَ: "إِذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ .. فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَبْزُقْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى".
===
(أنهما أخبراه) أي: أخبرا حُميد (أن رسول الله ﷺ رأى نخامة في جدار المسجد) القبلي، وفي "القسطلاني": النخامة هي ما يخرج من الصدر، أو من الرأس انتهى، وقال السندي: النخامة هي ما يخرج من الصدر، وقيل: النخامة بالعين من الصدر، وبالميم من الرأس. انتهى، وفي رواية مسلم: "في قبلة المسجد" أي: في جدار المسجد الذي في جهة القبلة، (فتناول) ﷺ ؛ أي: أخذ (حصاة) أي: حجرًا صغيرًا (فحكّها) أي: فحك تلك النخامة بالحصاة وأزالها عن الجدار.
(ثم) بعدما حكها (قال) ﷺ : (إذا تنخم) أي: أراد (أحدكم) أي: يخرج النخامة من صدره .. (فلا يتنخمن) أي: فلا يخرجن نخامته (قِبل وجهه) أي: قدام وجهه وجهة قبلته؛ تعظيمًا لجهة المناجاة معه تعالى، (ولا عن يمينه) مراعاة لملك اليمين، إما لأنه كاتب الحسنات وهو محسن إليه بكتابة حسناته ظاهرًا، سيما في حالة الصلاة؛ فإنها من أعظم الحسنات، فينبغي مراعاته، أو لأنه أعظم رتبة، فيستحق من التأدب فوق ما يستحق الآخر، ويحتمل أن يكون هناك ملك آخر مخصوص حضوره بحالة المناجاة.
(وليبزق) من باب نصر؛ أي: وليرمين بزاقه (عن شماله، أو تحت قدمه اليسرى) والبزاق والبصاق بمعنىً؛ وهو ما يسيل من الفم؛ أي: فليبزق عن شماله؛ لعدم شرفها، ولأن كاتب السيئات يفارقه في حالة الصلاة، وليست له كتابة تحت قدمه على ما قالوا، هذا إذا لم يكن في المسجد، فإن كان فيه .. فليبزق في ثوبه؛ لقوله ﷺ : "البزاق في المسجد
стр. 2207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خطيئة، فكفارتها دفنها"، كما سيأتي. انتهى من "المبارق".
قال القرطبي: قوله: "أو تحت قدمه اليسرى" بإثبات (أو)، وفي الآخر: "عن شماله تحت قدمه" بغير (أو) هكذا الرواية، والظاهر من معنى (أو) الإباحة أو التخيير، ففي أيهما بصق .. لم يكن به بأس، وإليه يرجع معنى قوله: "عن شماله تحت قدمه" فقد سمعنا من بعض أفواه مشايخنا: ومحل جواز ذلك في المسجد إذا لم يكن في المسجد إلا التراب أو الرمل، كما كانت مساجدهم كذلك في الصدر الأول، فأما إذا كان في المسجد بُسط، أوماله بال من الحصر مما يُفسده البصاق ويُقذره .. فلا يجوز ذلك فيه احترامًا للمالية، والله أعلم. انتهى.
قوله: "وليبزق" قال الفيومي: يقال: بزق يبزق من باب قتل بزاقًا بمعنى يبصق، وهو إبدال منه، قال المجد: البصاق كغراب، والبساق والبزاق ماء الفم إذا خرج منه، وما دام فيه فهو ريق. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع منها في كتاب الصلاة، باب حك المخاط بالحصى من المسجد، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن البصاق في المسجد، رقم (٥٤٨)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في كراهية البزاق في المسجد، رقم (٤٨٠)، والنسائي في كتاب المساجد، باب ذكر نهي النبي ﷺ أن يبصق الرجل بين يديه أو عن يمينه وهو في الصلاة، رقم (٧٢٤)، والدارمي، وأحمد.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
стр. 2208
(٩٢) - ٧٤٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَحَكَّتْهَا
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة وأبي سعيد بحديث أنس بن مالك ﵃، فقال:
(٩٢) -٧٤٨ - (٢) (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا عائذ بن حبيب) بن الملاح -بفتح الميم وتشديد اللام وبمهملة- أبو أحمد الكوفي، بياع الهروي؛ أي: بياع القماش الهروية، صدوق، رُمي بالتشيع، من التاسعة. يروي عنه: (س ق).
(عن حميد) بن أبي حميد الطويل أبي عبيدة البصري، ثقة مدلس، من الخامسة، عابه زائدة بن قدامة لدخوله في شيء من أمر الأمراء، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ)، وقيل: ثلاث وأربعين ومئة وهو قائم يصلي، وله خمس وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك ﵁.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة.
(أن النبي ﷺ رأى نخامة في) جدار (قبلة المسجد) النبوي، (فغضب) لأجل رؤيتها (حتى) ظهر عليه أثر الغضب، فـ (احمر وجهه) الشريف؛ أي: تغير من البياض إلى الحمرة، (فجاءته) ﷺ ؛ أي: جاءت إلى ما رآه من النخامة (امرأة من الأنصار) لم أر من ذكر اسمها، (فحكتها) أي: فحكت المرأة تلك النخامة من جدار المسجد
стр. 2209
وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَحْسَنَ هَذَا! ".
(٩٣) - ٧٤٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
(وجعلت) أي: جعلت المرأة (مكانها) أي: مكان النخامة؛ أي: جعلت في موضع النخامة بعدما حكتها (خلوقًا) وهو بفتح الخاء وضم اللام المخففة: طيب مركب من زعفران وغيره من أنواع الطيب، (فقال رسول الله ﷺ : ما أحسن هذا) العمل الذي عملته بالنخامة والمسجد من حكها ولطخه بالخلوق مكانها!
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المساجد، باب تخليق المساجد، رقم (٧٢٧)، وابن خزيمة في "صحيحه"، باب تطييب المساجد (١٢٩٦) وإسناده جيد.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة وأبي سعيد بحديث ابن عمر ﵃، فقال:
(٩٣) - ٧٤٩ - (٣) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي (المصري) ثقة، من العاشرة، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ) على الأصح، ما أخطأ في حديث قط. يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) الفهمي المصري، ثقة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 2210
عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، فَحَتَّهَا، ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الصَّلَاةِ: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ .. كَانَ اللهُ قِبَلَ وَجْهِهِ، فَلَا يَتَنَخَّمَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ وَجْهِهِ فِي الصَّلَاةِ".
===
(عن نافع، عن عبد الله بن عمر) ﵄.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (رأى رسول الله ﷺ نخامة) قال القسطلاني: النخامة هي ما يخرج من الصدر أو من الرأس. انتهى (في قبلة المسجد) أي: في جدار المسجد الذي من جهة القبلة (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يصلي بين يدي الناس) أي: قدامهم إمامًا لهم، (فحتها) أي: فحت تلك النخامة بيده الشريفة؛ أي: حكها وأزال أثرها من الجدار، كأنه حصل بعمل يسير.
(ثم) بعدما حكها (قال) للناس (حين انصرف) وفرغ (من الصلاة) وأقبل عليهم: (إن أحدكم) أيها الناس (إذا كان) قائمًا (في الصلاة .. كان الله) سبحانه (قِبل) -بكسر القاف وفتح الباء- أي: قدّام (وجهه، فلا يتنخمن أحدكم) أي: لا يلقين النخامة (قِبل وجهه في الصلاة) قال السندي: إنه يناجيه ويُقبل عليه تعالى في تلك الجهة، وهو تعالى من هذه الحيثية كأنه في تلك الجهة، فلا يليق به إلقاء النخامة فيها. انتهى.
وهذا الحديث من أحاديث الصفات نُمرّه على ظاهره؛ أي: نثبته ونعتقده لا نمثله ولا نكيّفه، وهذا مذهب السلف الذي هو الأسلم من تأويلات الخلف حيث يؤولونه بأن في الكلام مجاز الحذف؛ والتقدير: فإن قبلة الله التي شرفها قدّام وجهه وقت صلاته، فلا يُقابل هذه الجهة المشرفة بالنخامة؛ لأن في إلقائها في جهتها استخفافًا بها عادة، قال بعضهم: