(٣٧) - (٢٠٠) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعَةِ
(١٢١) - ٧٧٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ".
===
(٣٧) - (٢٠٠) - (باب التغليظ في التخلف عن الجماعة)
(١٢١) - ٧٧٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أقسمت لكم بالإله الذي لا إله غيره (لقد هممت) وقصدت (أن آمر) المؤذن (بـ) إقامة (الصلاة فتُقام) الصلاة؛ أي: فيُنادى لها بألفاظ الإقامة، (ثم آمر رجلًا) من المؤمنين أن يُصلي بالناس، (فيُصلي) الرجل (بالناس) إمامًا لهم، (ثم أنطلق) أنا بنفسي وأذهب مصحوبًا معي (برجال معهم حزم) أي: مجموعة (من حطب) جمع حزمة، على وزان غرف وغرفة، والحزمة: مجموعة من الحطب كصبرة من الطعام (إلى) بيوت (قوم لا يشهدون الصلاة) أي: لا يحضرون جماعة الصلاة (فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) عقوبة لهم وتنكيلًا لغيرهم.
وفيه أن الإمام إذا عرض له شغل .. يستخلف من يُصلي بالناس، وإنما
стр. 2277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
همّ بإتيانهم بعد إقامة الصلاة؛ لأن بذلك الوقت يتحقق مخالفتهم وتخلفهم، فيتوجه اللوم عليهم، وفيه جواز الانصراف بعد إقامة الصلاة لعذر. انتهى "نووي".
وفيه دليل على أن العقوبة في أول الأمر بالمال؛ لأن تحريق البيوت عقوبة مالية، وقد أجمع العلماء على منع العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الجماعة، والغال من الغنيمة، واختلف السلف فيهما، والجمهور على منع تحريق متاعهما، ثم إنه جاء في رواية أن هذه الصلاة التي همّ بتحريقهم للتخلف عنها هي العشاء، وفي رواية أنها الجمعة، وفي رواية يتخلفون عن الصلاة مطلقًا، وكله صحيح ولا منافاة بين ذلك.
واعلم: أن ثقل صلاة العشاء والفجر على المنافقين للمشقة اللاحقة من المحافظة عليهما؛ لأنهما في وقت نوم وركون إلى الراحة، ولمشقة الخروج إليهما في الظلمة إلى غير ذلك، فلا يتجشم هذه المشاق إلا من تيقن ثواب الله ورجاه وخاف عذاب الله واتقاه، وذلك هو المؤمن، وأما المنافق .. فكما قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، رقم (٦٤٤)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة وبيان التشديد في التخلف عنها، رقم (٢٥١)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة، رقم (٨٤٨)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب (٤٨) ما جاء فيمن يسمع
стр. 2278
(١٢٢) - ٧٧٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ، عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ
===
النداء فلا يجيب، رقم (٢١٧)، والنسائي في كتاب الإمامة، باب التشديد في التخلف عن الجماعة، رقم (٨٤٨)، والبيهقي ومالك وأحمد وعبد الرزاق، وغيرهم.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى الدرجات؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ابن أم مكتوم ﵄، فقال:
(١٢٢) - ٧٧٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن بهدلة وهو ابن أبي النجود الأسدي الكوفي المقرئ، صدوق، له أوهام، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي رزين) مسعود بن مالك الأسدي الكوفي، ثقة فاضل، من الثانية، مات سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ابن أم مكتوم) اسمه عمرو بن زائدة أو عمرو بن قيس بن زائدة القرشي العامري الأعمى الصحابي المشهور ﵁ قديم الإسلام، ويقال: اسمه
стр. 2279
قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنِّي كَبِيرٌ ضَرِيرٌ شَاسِعُ الدَّارِ، وَلَيْسَ لِي قَائِدٌ يُلَايِمُنِي، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ قَالَ: "هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ"، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "مَا أَجِدُ لَكَ رُخْصَةً".
===
عبد الله، ويقال: الحصين، كان النبي ﷺ يستخلفه على المدينة، مات في آخر خلافة عمر. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن أم مكتوم: (قلت للنبي ﷺ : إني) رجل (كبير) السن (ضرير) البصر؛ أي: مكفوفه وفاقده (شاسع الدار) أي: بعيدها عن المسجد بعدًا نسبيًا، ولذلك قال: أسمع النداء (وليس لي قائد) أي: رجل آخذ بيدي يقودني إلى المسجد و (يلايمني) أي: يوافقني في كل وقت عند حاجتي إلى الخروج إلى المسجد، وفي أكثر نسخ ابن ماجه وأبي داوود: (يلاومني) بالواو بدل الياء من اللوم، وهو خطأ، أو تحريف من النساخ؛ إذ الملاومة من اللوم بمعنى العتاب لا معنى له ها هنا، والصواب من الملائمة بمعنى المناسبة والموافقة، لا من الملاومة من اللوم.
(فهل تجد لي) يا رسول الله (من رخصة) أي: رخصة وتجويزًا وتسهيلًا في التخلف عن جماعة الصلاة، فأُصلي في بيتي؟ فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (هل تسمع النداء) والأذان من المسجد في بيتك؟ (قلت) له: (نعم) أسمع في بيتي النداء من المسجد، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (ما أجد لك رخصة) وتجويزًا ومسامحة في التخلف عن الجماعة، بل يجب عليك حضور جماعة المسجد إذا سمعت النداء من المسجد، وإنما لم يعذره ولم يُرخّص له كما رخص لعتبان بن مالك؛ لأنه علم أنه لا يشق عليه حضور المسجد مع عماه لقرب المسجد إليه قربًا يمكن له معه الحضور، ولعدم عارض السيل بينه وبين المسجد، والله أعلم.
стр. 2280
(١٢٣) - ٧٧٩ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، أَنْبَأَنَا هُشَيْمٌ,
===
قوله: "ما أجد لك رخصة" قال علي القاري: معناه: لا أجد لك رخصة تحصل لك فضيلة الجماعة من غير حضورها، لا الإيجاب على الأعمى؛ فإنه ﷺ رخص لعتبان بن مالك في تركها، ويؤيد ما قلناه حديث: "من سمع النداء فلم يأته .. فلا صلاة له، إلا من عذر". انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة؛ أخرجه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة (٥٥٢)، والنسائي والحاكم والبيهقي وعبد الرزاق، وغيرهم.
ودرجة الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(١٢٣) - ٧٧٩ - (٣) (حدثنا عبد الحميد بن بيان) بن زكريا (الواسطي) أبو الحسن السكري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ) يروي عنه: (م د ق).
(أنبأنا هشيم) بن بشير -بوزن عظيم- ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ)، وقد قارب الثمانين سنة. يروي عنه: (ع).
стр. 2281
عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ .. فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ".
===
(عن شعبة) بن الحجاج العتكي البصري.
(عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة رُمي بالتشيع، من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قُتل بين يدي الحجاج، دون المئة سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، ولم يكمل الخمسين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: من سمع النداء) والأذان من المسجد وهو في بيته، (فلم يأته) أي: فلم يأت ذلك النداء؛ أي: لم يجبه بالحضور .. (فلا صلاة) كاملة (له، إلا) إن تخلف عن الإجابة بالحضور (من عذر) أي: لأجل عذر يمنعه من الحضور؛ كمرض، وعمى بصر ليس معه قائد متبرع، أو بأجرة وهو قادر عليها، وفي رواية أبي داوود زيادة في هذا الحديث؛ وهي قوله: قالوا: وما العذر؟ قال: "خوف أو مرض"، وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندبًا .. لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم.
وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر والقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة جماعة، وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات، سمع النداء أولم يسمع، وكان أبو ثور يوجب
стр. 2282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حضور الجماعة، واحتج هو وغيره بأن الله أمر رسول الله ﷺ أن يصلي جماعة في صلاة الخوف، ولم يعذر في تركها، فعُقل أنها في حال الأمن أوجب. انتهى من "العون".
وأكثر أصحاب الشافعي على أن الجماعة فرض على الكفاية لا على الأعيان، وتأولوا حديث ابن أم مكتوم على أنه لا رخصة لك إن طلبت فضيلة الجماعة، وأنك لا تحرز أجرها مع التخلف عنها بحال، واحتجوا بقوله ﷺ : "صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". انتهى، انتهى من "العون".
قال السندي: قوله: "من سمع النداء" أي: وعليه ما نُودي لها من الصلاة، وإلا .. فلو صلاها قبل .. لم يلزمه الحضور، قوله: "فلم يأته" أي: محل النداء لأداء تلك الصلاة التي نُودي له، قوله: "فلا صلاة له" أي: فليس له تلك الصلاة لو صلاها في غير محل النداء، وإنما أتى بنفي الجنس للدلالة على عموم الحكم لكل صلاة ترك فيها إجابة الأذان بالحضور، وإلا .. فليس المراد أنه بطلت صلاته كلها بترك الإجابة مرة.
وظاهر هذا الحديث: أن الجماعة في المسجد الذي سمع النداء منه فرض لصحة الصلاة حتى لو تركها .. بطلت صلاته، وهو خلاف ما عليه أهل الفقه، فلا بد لهم من حمل الحديث على نقصان تلك الصلاة. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب التشديد في ترك الجماعة، رقم (٥٩)، والطبراني والدارقطني والحاكم والبيهقي وابن حبان.
стр. 2283
(١٢٤) - ٧٨٠ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِينَاءَ، أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ
===
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس وابن عمر ﵃، فقال:
(١٢٤) - ٧٨٠ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الحكم بن ميناء) -بكسر الميم بعدها تحتانية ثم نون ثم مد- الأنصاري المدني، صدوق من أولاد الصحابة، من الثانية. يروي عنه: (م س ق).
قال الحكم: (أخبرني ابن عباس وابن عمر) ﵃.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
стр. 2284
أَنَّهُمَا سَمِعَا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِهِ: "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجَمَاعَاتِ،
===
(أنهما سمعا النبي ﷺ يقول) حالة كونه ﷺ قائمًا (على أعواد) منبر (هـ) ﷺ .
واعلم: أنه لم يختلف في أن المنبر سنة للخطيب الخليفة، وأما غير الخليفة .. فمخير بين المنبر والأرض، قال مالك: ومن لم يرق .. فجلهم يقف عن يساره، وبعضهم يقف عن يمينه، والكل واسع.
قلت: رجح ابن يونس اليمين لمن يمسك العصا، واليسار لتاركها؛ ليضع يمينه على عود المنبر؛ لأن المشهور استحباب توكؤ الخطيب على عصاه، والمنبر مستحب، ومحله في الوضع يمين المحراب. انتهى من "الأبي".
والمعنى: حالة كونه يقول على المنبر الذي اتخذه من الأعواد؛ جمع عود، والمراد به هنا: الخشب المنحوت، واللام في قوله: (لينتهين) موطئة لقسم محذوف؛ تقديره: والله؛ لينزجرن (أقوام) أخفاء الأحلام لا يعتنون بدينهم (عن ودعهم) أي: عن تركهم (الجماعات) جمع جماعة، وفي رواية مسلم: (الجمعات) جمع جمعة، وهو المحفوظ، قال شمر: هذا الحديث يرد على النحاة في دعواهم أن العرب أماتت مصدر يدع وماضيه؛ فإنه ﷺ أفصح الخلق، وقد نطق بالمصدر في هذا الحديث، وبالماضي في حديث: "إذا لم ينكر الناس المنكر .. فقد تودع منهم" أي: تركوا وما استوجبوه من العقوبة.
وقد قرأ ابن أبي عبلة: (ما وَدَعَكَ ربك وما قلى) (١) بتخفيف الدال؛ أي: ما تركك، والأكثر في كلامهم ما ذكره شمر عن النحويين، قال السندي: فيحمل
стр. 2285
أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قلُوبِهِمْ ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ".
===
قول النحاة على قلة استعمالها، وقيل: قولهم مردود، والحديث حجة عليهم، قال السيوطي في "حاشية النسائي": والظاهر أن استعمالها ها هنا من الرواة المولدين الذين لا يحسنون العربية.
قلت: لا يخفى على من تتبع أن كتب العربية مبنية على الاستقراء الناقص دون التام عادة، وهي مع ذلك أكثريات لا كليات، فلا يناسب تغليط الرواة.
(أو ليختمن الله) ؛ أي: ليغطين الله (على قلوبهم) حتى لا تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، ولا تعي خيرًا؛ لأن من خالف أمرًا من أوامر الله تعالى .. يظهر في قلبه نكتة سوداء، فإذا تكررت المخالفة .. تكررت النكتات، فيسود قلبه ويغلب عليه الغفلة والبعد من الله تعالى، ولهذا قال ﷺ : (ثم ليكونن من الغافلين) أي: يكونن معدودين من جملتهم.
قال السنوسي: والمعنى: إن أحد الأمرين كائن لا محالة، إما الانتهاء عن ترك الجماعات، أو ختم الله تعالى على قلوبهم، وذلك يؤدي بهم إلى أن يكونوا من الغافلين؛ فإن اعتياد ترك الجماعات يغلب الرين على القلب ويزهد النفس في العبادات، وأُدخلت (ثم) في قوله: "ثم ليكونن من الغافلين" للتراخي في الرتبة؛ فإن كونهم من جملة الغافلين المشهود فيهم بالغفلة .. أدعى لشقائهم وأنطق لخسرانهم من مطلق كونهم مختومًا عليهم. انتهى.
والختم: هو الطبع والتغطية، وأصله من ختمت الكتاب إذا طبعته بطابعه؛ وهو في الحقيقة عبارة عما يخلقه الله في قلوبهم من الجهل والجفاء والقسوة، وهذا مذهب أهل السنة، والمراد به هنا: إعدام اللطف وأسباب الخير في حقه. انتهى "كوكب".
стр. 2286
(١٢٥) - ٧٨١ - (٥) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهُذَلِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزِّبْرِقَانِ بْنِ عَمْرٍو الضَّمْرِيِّ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الجمعة، باب التغليظ في ترك الجمعة، رقم (٨٦٥)، وأبو داوود في كتاب الجمعة، باب (١٢)، والنسائي في كتاب الجمعة، باب التشديد في التخلف عن الجمعة، وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث أسامة بن زيد ﵃، فقال:
(١٢٥) - ٧٨١ - (٥) (حدثنا عثمان بن إسماعيل) بن عمران (الهذلي) أبو محمد (الدمشقي) مقبول، صغار العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن (بن أبي ذئب) المغيرة بن الحارث القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين، وقيل: تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزبرقان بن عمرو) بن أمية (الضمري) ثقة، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(عن أسامة بن زيد) بن حارثة الكلبي ﵄، أبي محمد، حب
стр. 2287
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ عَنْ تَرْكِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ بُيُوتَهُمْ".
===
رسول الله ﷺ ومولاه وابن حاضنته أم أيمن، له مئة وثمانية وعشرون حديثًا، مات سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لتدليس الوليد بن مسلم، والزبرقان بن عمرو لم يسمع من أسامة بن زيد، وعثمان لا يُعرف حاله، قاله البوصيري.
(قال) أسامة: (قال رسول الله ﷺ : والله (لينتهين رجال) أخفاء الأحلام قليلو الاعتناء بدينهم (عن ترك الجماعة) في الصلوات الخمس، (أو لأحرقن) عليهم من التحريق (بيوتهم) حين تخلفوا فيها عن الجماعات، عقوبة لهم وتنكيلًا لغيرهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكنه في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، وفي "مسلم" من حديث ابن مسعود، وقال الترمذي: وفي الباب عن ابن مسعود وأبي الدرداء ومعاذ وأنس وجابر ﵃.
فدرجة الحديث: أنه صحيح المتن، ضعيف السند، غرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2288
(٣٨) - (٢٠١) - بَابُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالْفَجْرِ فِي جَمَاعَةٍ
(١٢٦) - ٧٨٢ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ،
===
(٣٨) - (٢٠١) - (باب صلاة العشاء والفجر في جماعة)
(١٢٦) - ٧٨٢ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم -بمهملتين مصغرًا- ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ)، وله خمس وسبعون سنة. يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي ثقة، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الفقيه الدمشقي، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي) أبو عبد الله المدني، ثقة، له أفراد، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(حدثني عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي أبو محمد المدني، ثقة فاضل، من كبار الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 2289
حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الْفَجْرِ .. لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا".
===
(حدثتني عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : لو يعلم الناس ما في) جماعة (صلاة العشاء، و) ما في جماعة (صلاة الفجر) من الأجر العظيم .. (لأتوهما) أي: لأتوا جماعة صلاة العشاء والفجر وجاءوهما، (ولو) لم يمكن حضورهما إلا بكلفة ومشقة، كأن حضروهما (حبوًا) والحبو -بفتح الحاء وسكون الموحدة-: المشي على البطن، يقال: حبا الولد إذا زحف على يديه وبطنه. انتهى م ج.
قوله: "لأتوهما" أي: لحضروا لأجلهما ولو مع كلفة، وفيه تنزيل من لا يأتي ولا يعمل بعلمه منزلة من يعلم، وإلا .. فكم ممن يعلم ذلك بخبر الشارع ولا يحضر بلا كلفة؟ ! انتهى من "السندي".
قال الطيبي: قوله: "ولو حبوًا" خبر لكان المحذوفة؛ أي: ولو كان الإتيان حبوًا؛ وهو أن يمشي على يديه وركبتيه أو استه، ويجوز أن يكون التقدير: ولو أتيتموها حبوًا؛ أي: حابين، تسمية بالمصدر مبالغة. انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عائشة بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
стр. 2290
(١٢٧) - ٧٨٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، أَنْبَأَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَثْقَلَ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ .. صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا .. لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا".
===
(١٢٧) - ٧٨٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، أنبأنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح) السمان.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن أثقل الصلاة على المنافقين) جماعة في المسجد (صلاة العشاء وصلاة الفجر) أي: حضورهما في المسجد، (ولو يعلمون) أي: ولو يعلم الناس (ما فيهما) أي: ما في جماعتهما من الأجر الجزيل .. (لأتوهما) أي: لأتوا جماعتهما في المسجد، (ولو) كان الإتيان إليهما (حبوًا) والحبو: مشي الصبي الصغير على يديه ورجليه، والمعنى: لو يعلمون ما فيهما من الأجر والخير، ثم لم يستطيعوا الإتيان إليهما إلا حبوا .. لحبوا إليهما، ولم يفوتوا جماعتهما في المسجد، ففي الحديث الحث البليغ على حضورهما.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، باب فضل الجماعة في العشاء (٧٥٦)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة ... إلى آخره (٢٥٢)، والدارمي في كتاب الصلاة.
فالحديث من المتفق عليه، فدرجته: أنه في أعلى الدرجات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
стр. 2291
(١٢٨) - ٧٨٤ - (٣) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ،
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٨) - ٧٨٤ - (٣) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، أكبر بسنتين من أبي بكر، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي -بالنون الساكنة- أبو عتبة الحمصي -بكسر المهملة وسكون الميم- صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ)، وله بضع وسبعون سنة. يروي عنه: (عم).
(عن عمارة بن غزية) -بفتح المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية ثقيلة- ابن الحارث الأنصاري المازني المدني، لا بأس به، وروايته عن أنس مرسلة، من السادسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أنس بن مالك) الأنصاري خادم رسول الله ﷺ ، ﵁.
(عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنه منقطع، قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال؛ لأن عمارة لم يدرك أنسًا ولم يلقه، قاله الترمذي والدارقطني.
стр. 2292
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَةً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَا تَفُوتُهُ الرَّكْعَةُ الْأُولَى مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ .. كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا عِتْقًا مِنَ النَّارِ".
===
(عن النبي ﷺ أنه كان يقول: من صلى) مخلصًا لله تعالى، كما في رواية الترمذي (في مسجد) أي: مسجد كان (جماعة) أي: في جماعة (أربعين ليلة) أي: ويومًا حالة كونه (لا تفوته الركعة الأولى) أي: لا تفوته تكبيرة الإحرام في الركعة الأولى، قال في "التحفة": وظاهره تكبيرة الإحرام مع الإمام (من صلاة العشاء .. كتب الله له) أي: لذلك المصلي (بها) أي: بتلك الجماعة (عتقًا) ونجاة وسلامة (من النار) الأخروية.
قال علي القاري: ويحتمل إرادة تكبيرة الإحرام للمقتدي عند لحوق الركوع، فيكون المراد: إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى، كذا قاله القاري في "المرقاة".
قلت: هذا الاحتمال بعيد، والظاهر الراجح هو الأول؛ يعني: إدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، كما يدل عليه رواية أبي الدرداء مرفوعًا: "لكل شيء أنف، وإن أنف الصلاة التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها" أخرجه ابن أبي شيبة. انتهى من "تحفة الأحوذي" بتصرف.
قوله: "كتب الله له عتقًا من النار" ولا يكون العتق منها إلا بمغفرة الصغائر والكبائر جميعًا. انتهى "سندي".
قال أبو عيسى: قد روي هذا الحديث موقوفًا على أنس، ولا أعلم أحدًا رفعه، قال القاري: ومثل هذا ما يقال من قبل الرأي، فموقوفه في حكم المرفوع، قال ابن حجر: رواه الترمذي بسند منقطع، ومع ذلك يعمل به في فضائل الأعمال، وروى البزار وأبو داوود خبر: "لكل شيء صفوة، وصفوة
стр. 2293
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصلاة التكبيرة الأولى، فحافظوا عليها"، ومن ثم كان إدراكها سنة مؤكدة، وكان السلف إذا فاتتهم .. عزوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة .. عزوا أنفسهم سبعة أيام. انتهى من "التحفة".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه مرفوعًا، ودرجته: أنه حسن وإن كان سنده منقطعًا؛ لأن له شواهد وإن كانت ضعافًا، ولأن مثل هذا لا يقال بالرأي، فهو في حكم المرفوع، كما قاله القاري، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2294
(٣٩) - (٢٠٢) - بَابُ لُزُومِ الْمَسَاجِدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ
(١٢٩) - ٧٨٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ .. كَانَ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ؛ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ؛ تُبْ عَلَيْهِ،
===
(٣٩) - (٢٠٢) - (باب لزوم المساجد وانتظار الصلاة)
(١٢٩) - ٧٨٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن أحدكم إذا دخل المسجد .. كان في) ثواب (صلاة) أي: في حكم المصلي من جهة الثواب. انتهى "مبارق"، (ما كانت الصلاة تحبسه) أي: مدة كونها حابسة مانعة له من الخروج، لا يمنعه من الخروج إلا انتظارها، (والملائكة يصلون على أحدكم) أي: يدعون لأحدكم ويستغفرون له (ما دام في مجلسه) وموضعه (الذي صلى فيه) أي: أوقع الصلاة فيه من المسجد، وكذا إذا قام إلى موضع آخر من المسجد مع دوام نية انتظاره للصلاة، فالأول خرج مخرج الغالب.
وجملة قوله: (يقولون) حال من فاعل (يصلون) أي: لم تزل الملائكة تصلي عليه حال كونهم قائلين في الصلاة عليه: (اللهم؛ اغفر له) مغفرة شاملة لجميع ذنوبه، (اللهم) أي: يا إلهنا (ارحمه) رحمة عامة في الدنيا والآخرة، (اللهم؛ تب عليه) أي: وفقه توبة معروضة على جميع ذنوبه
стр. 2295
مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ".
===
(ما لم يحدث) أي: ما لم يخرج حدثه، أولم ينقض وضوءه (فيه) أي: في المسجد، وقوله: (ما لم يؤذ) أي: ما لم يدخل الإذاية (فيه) أي: في المسجد على أحد من مخلوق الله .. بدل من قوله: "ما لم يحدث" بدل كل من بعض؛ أي: لم يصدر منه ما يتأذى به بنو آدم من قول أو فعل، أو تتأذى به الملائكة كالريح الخارج من الدبر، ويحتمل أن يكون معنى قوله: "ما لم يحدث" ما لم يفعل في مجلسه أمرًا محدثًا ومبتدعًا، ويحتمل أن يكون معناه: ما لم يصر فيه ذا حدث؛ أي: ما لم يبطل وضوءه. انتهى من "المبارق".
واستنبط من هذا الحديث أفضلية الصلاة على سائر العبادات وصالحي البشر على الملائكة، كما لا يخفى، وهذا الحديث يفهم منه أن فضل الصلاة لم يكن لأجل الجماعة فقط، بل فضل الجماعة لما يلازمها من الأحوال؛ كقصد الجماعة، ونقل الخطا، وانتظار الصلاة، وصلاة الملائكة عليه، وغير ذلك، ويعتضد مالك بهذا الحديث لمذهبه في قوله: لا تفضل جماعة جماعة؛ لاشتراكهم في تلك الأمور. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة، باب الحدث في المسجد وفي مواضع كثيرة فيه، ومسلم في كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، رقم (٢٧٦)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، والترمذي وغيرهم.
فالحديث متفق عليه، فهو في أعلى درجات الصحة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث آخر لأبي هريرة أيضًا ﵁، فقال:
стр. 2296
(١٣٠) - ٧٨٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا تَوَطَّنَ رَجُلٌ مُسْلِمٌ الْمَسَاجِدَ لِلصَّلَاةِ
===
(١٣٠) - ٧٨٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة) بن سوار المدائني، أصله من خراسان، اسمه مروان، مولى بني فزارة، ثقة حافظ، رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع، أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) اسمه هشام بن عبد الله القرشي العامري أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع. يروي عنه: (ع).
(عن المقبري) سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، وروايته عن عائشة وأم سلمة مرسلة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن يسار) أبي الحباب مولى ميمونة المدني، ثقة متقن، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ)، وقيل قبلها بسنة. روى عن: أبي هريرة، وعائشة، ويروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: ما توطن) والتزم (رجل مسلم المساجد) أي: حضورها في أوقات الصلوات الخمس (للصلاة) فيها جماعة
стр. 2297
وَالذِّكْرِ .. إِلَّا تَبَشْبَشَ اللهُ لَهُ؛ كَمَا يَتَبَشْبَشُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِغَائِبِهِمْ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ".
===
(والذكر) أي: ولذكر الله فيه، ومنه تلاوة القرآن، وهو أفضل الأذكار .. (إلا تبشبش الله) سبحانه؛ أي: فرح الله (له) أي: لحضوره المسجد؛ (كما يتبشبش) ويفرح (أهل) الشخص (الغائب) المسافر (بـ) حضور (غائبهم) ورجوعه من السفر (إذا قدم عليهم) ورجع من سفره، وبشبشة الله وفرحه بعبده صفة ثابتة له تعالى، نثبتها ونعتقدها، لا نكيفها ولا نمثلها ولا نؤولها، ونصرفها عن المعنى الظاهر المستحيل في حقه ؛ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، أثرها الإقبال عليه بإحسانه واللطف به في أموره وتقريبه إليه ورفع منزلته عنده، والله أعلم.
قوله: "ما توطن" أي: ما التزم حضورها "إلا تبشبش" التبشبش: فرح الصديق بمجيء صديقه، واللطف في المسألة والإقبال، والمراد به هنا: تلقيه ببره وإحسانه وتقريبه إليه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ورواه ابن حبان في "صحيحه" عن عبد الله بن محمد، أنبأنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عثمان بن عمر، أنبأنا ابن أبي ذئب ... فذكره بإسناده ومتنه، ورواه الحاكم عن عبدان بن يزيد عن إبراهيم بن الحسين عن آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب به كذلك، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٣٧٩) حديث (١٥٠٣)، وقال: إسناده صحيح، وكذا ابن أبي شيبة، ورواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن ابن أبي ذئب بإسناده ومتنه سواء، ورواه مسدد في "مسنده" من طريق سعيد بن يسار، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده" عن يعقوب عن ابن أبي ذئب به.
стр. 2298
(١٣١) - ٧٨٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ،
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وأيضًا له طرق صحيحة، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣١) - ٧٨٧ - (٣) (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) أبو جعفر السرخسي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا النضر بن شميل) المازني أبو الحسن النحوي البصري، نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، وله اثنتان وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ثابت) بن أسلم البناني أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي أيوب) المراغي الأزدي العتكي البصري، اسمه يحيى، ويقال: حبيب بن مالك، ويقال: إن المراغي قبيلة من الأزد، وقيل: موضع بناحية عمان. روى عن: عبد الله بن عمرو بن العاص، ويروي عنه: (خ م د س ق)،
стр. 2299
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَغْرِبَ، فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ وقَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: "أَبْشِرُوا؛ هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى".
===
وثابت البناني، ثقة، من الثالثة، مات قبل المئة بعد الثمانين. انتهى "تهذيب" و"تقريب".
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (صلينا مع رسول الله ﷺ المغرب، فرجع) بعد الصلاة إلى منزله (من رجع) أي: من أراد الرجوع له، (وعقب) أي: بقي في المسجد (من عقب) أي: من أراد البقاء فيه لانتظار العشاء، (فجاء رسول الله ﷺ من بيته بعدما رجع (مسرعًا) في مشيته، و (قد حفزه) أي: غلبه (النفس) أي: النفس لسرعته، (وقد حسر) أي: كشف (عن ركبتيه) لسرعته.
(فقال: أبشروا) أيها المعقبون في المسجد، (هذا) الحاضر الذي يخاطبكم (ربكم) الذي خلقكم (قد فتح بابًا من أبواب السماء) حالة كونه (يباهي) ويتفاخر (بكم الملائكة، يقول) في مفاخرته بكم على الملائكة: (انظروا) يا ملائكتي (إلى عبادي) هؤلاء (قد قضوا) وأدوا (فريضة) من فرائضي اللاتي أوجبتها عليهم (وهم ينتظرون) الآن فريضة (أخرى) ليصلوها.
وقوله: (وعقب من عقب) التعقيب في الصلاة الجلوس بعد أن يقضيها لدعاء أو مسألة، وفي الحديث: "من عقب في الصلاة .. فهو في الصلاة"،
стр. 2300
(١٣٢) - ٧٨٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ،
===
وقال السيوطي: التعقيب في المساجد: انتظار الصلوات بعد الصلاة، قوله: (قد حفزه) -بحاء مهملة وفاء وزاي- أي: أعجله وشاقه وأتعبه من شدة سعيه (النفس) -بفتحتين- الهواء الخارج من الرئة والداخل إليها، به حياة كل حيوان بري، فإذا انقطع .. مات (قد حسر) أي: كشف، وفي الحديث دليل على أن الركبة ليست بعورة.
وهذا الحديث قد انفرد به ابن ماجه، وفي "الزوائد": إسناده صحيح ورجاله ثقات، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" من هذا الوجه، قال عبد العظيم المنذري: وأبو أيوب هو المراغي العتكي ثقة، ما أراه سمع عبد الله بن عمرو، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" بزيادة طويلة في أوله، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح على شرط الشيخين.
قلت: فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٢) -٧٨٨ - (٤) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني (حدثنا رشدين) بكسر الراء وسكون المعجمة (ابن سعد) بن مفلح المهري -بفتح الميم وسكون الهاء- أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة، قال ابن يونس: كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ)، وله ثمان وسبعون سنة. يروي عنه: (ت ق).
стр. 2301
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ
===
(عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب بن عبد الله الأنصاري مولاهم المصري أبي أمية، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ع)، ويروي عن: دراج أبي السمح.
(عن دراج) -بتشديد الراء آخره جيم- ابن سمعان أبي السمح -بفتح السين وسكون الميم- قيل: اسمه عبد الرحمن، ودراج لقبه، السهمي مولاهم المصري القاص، صدوق، وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي الهيثم) سليمان بن عمرو بن عبد، ويقال: عبيد، الليثي العتواري -بضم العين المهملة وسكون المثناة وراء آخره- نسبة إلى عتوارة؛ بطن من كنانة المصري. روى عن: أبي سعيد الخدري وكان في حجره، وأبي هريرة، وأبي بصرة. يروي عنه: (عم)، ودراج أبو السمح، وكعب بن علقمة.
وثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: تابعي ثقة، وذكره الفسوي في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة.
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه (عن رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه دراج بن سمعان، قال في "التقريب": هو ضعيف فيما رواه عن أبي الهيثم، كما مر آنفًا، وقال الذهبي في "التلخيص" في هامش "المستدرك" (١/ ٢١٢): كثير المناكير.
(قال) رسول الله ﷺ : (إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد) أي: يلازم حضورها ويتعوده في الصلوات الخمس، ويرجع إليها مرة بعد
стр. 2302
فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ ... ﴾ الْآيَةَ.
===
أخرى، والمراد: جنس المسجد أي مسجد كان، فيصدق بملازمة المسجد الواحد، كما لأهل الحرمين .. (فاشهدوا له بالإيمان) أي: بأنه مؤمن؛ لأن المنافق لا يلازم المساجد عادة، قال الطيبي: أي: فاقطعوا القول بالإيمان؛ فإن الشهادة قول صدر عن صاحبه في الإخبار عن مواطأة القلب اللسان على سبيل القطع. انتهى.
قلت: وهو الموافق للاستشهاد بالآية؛ يعني: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (١)، لكن يشكل عليه حديث سعد، قال في رجل: إنه مؤمن، فقال له ﷺ : "أو مسلم"، رواه في "الصحيحين" فإنه يدل على المنع عن الجزم بالإيمان، إلا أن يقال: ذلك الرجل لم يكن ملتزمًا للمساجد، أو يراد بالإيمان ها هنا: الإسلام، وفيه أن الجزم بالإسلام لا يحتاج إلى ملازمة المساجد، والأقرب أن المراد بالشهادة: الاعتقاد وغلبة الظن، لا الجزم بإيمانه. انتهى "سندي"، ويدل على ذلك ما (قال) ـه (الله تعالى) وذكره في كتابه العزيز في سورة التوبة: (﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ... ﴾) أتم (الآية).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في حرمة الصلاة، الحديث (٢٦١٧)، أخرجه أيضًا في كتاب تفسير القرآن: باب ومن سورة التوبة، الحديث (٣٠٩٣). انتهى "تحفة الأشراف"، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٢/ ٣٧٩)، رقم (٢٥٠٢) وقال: إسناده صحيح، وأحمد في "المسند" (٣/ ٩٨)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢١٢ - ٢١٣) في كتاب الصلاة، وقال: هذه ترجمة للمصريين لم يختلفوا
стр. 2303
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في صحتها وصدق رواتها، غير أن شيخي الصحيح لم يخرجاه، وقد سقت القول في صحته فيما تقدم، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٦٦) في كتاب الصلاة، باب فضل المساجد وفضل عمارتها بالصلاة فيها وانتظار الصلاة فيها عن أبي سعيد الخدري. انتهى من هامش المتن.
قلت: فهذا الحديث ضعيف السند، صحيح المتن؛ لأن له شواهد، وكفاه له شهادة الآية المذكورة، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2304
(٤٠) - (٢٠٣) - بَابُ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ
(١٣٣) - ٧٨٩ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ،
===
(٤٠) - (٢٠٣) - (باب افتتاح الصلاة)
وفي أغلب النسخ هنا: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها) ولا نتيجة لذكر هذا هنا؛ لأنه في وسط كتاب الصلاة، والله أعلم، والمراد بإقامة الصلاة: الإقامة المأمور بها بقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (١)، والمراد بها: أداؤها على الوجه اللائق بها باستيفاء شروطها وأركانها وآدابها، وغير ذلك.
* * *
(١٣٣) - ٧٨٩ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق (الطنافسي) أبو الحسن الكوفي، قال أبو حاتم: كان ثقة صدوقًا، وهو أحب إلي من أبي بكر بن أبي شيبة في الفضل والصلاح، وأبو بكر أكثر منه حديثًا وأفهم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي، الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري الأوسي أبو الفضل المدني، صدوق، من السادسة، رمي بالقدر وربما وهم، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 2305
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِيَّ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ .. اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللهُ أَكْبَرُ".
===
(حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ) سنة. يروي عنه: (ع).
(قال: سمعت أبا حميد الساعدي) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، اسمه المنذر بن سعد بن المنذر، أو ابن مالك، وقيل: اسمه عبد الرحمن شهد أحدًا وما بعدها، وعاش إلى أول خلافة يزيد بن معاوية سنة ستين (٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(يقول) أبو حميد: (كان رسول الله ﷺ دائمًا (إذا قام إلى الصلاة .. استقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: الله أكبر) ولا دلالة فيه على تقديم الرفع على التكبير، ولا على تأخيره عنه، وقد جاء ما يدل على تقديمه، فالأوجه الأخذ به وحمل ما يحتمله وغيره عليه. انتهى "سندي"، وفي "العون": وفي هذا دليل لمن قال بالمقارنة بين التكبير والرفع، وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه، أخرجهما مسلم، ففي حديث الباب: (رفع يديه، ثم كبر)، وفي حديث مالك بن الحويرث عند مسلم: (كبر، ثم رفع يديه)، قال الحافظ: وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء، والمرجح عند أصحابنا المقارنة، ولم أر من قال: بتقديم التكبير على الرفع، ويرجح الأول حديث وائل بن حجر عند أبي داوود بلفظ: (ورفع يديه مع التكبير)، وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه، وهو الذي صححه النووي في "شرح المهذب"، ونقله عن نص الشافعي، وهو المرجح عند المالكية.
стр. 2306
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال صاحب "الهداية" من الحنفية: الأصح يرفع ثم يكبر؛ لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله تعالى، والتكبير إثبات ذلك له تعالى، والنفي سابق على الإثبات، كما في الشهادة، وهذا مبني على أن الحكمة في الرفع ما ذكر، وقد قال فريق من العلماء: الحكمة في اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقد ذكرت في ذلك مناسبات أخر. انتهى، وقال النووي في "شرح مسلم": أجمعت الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. انتهى من "العون".
ثم الحديث ظاهر في أنه ما ينوي باللسان، ولذلك قال كثير من العلماء: النية باللسان بدعة، لكن غالبهم على أنها مستحبة ليتوافق اللسان والقلب. انتهى "سندي"، وذكر البخاري أنه روى رفع اليدين عند الإحرام سبعة عشر رجلًا من الصحابة، وذكر الحاكم وأبو القاسم بن منده ممن رواه العشرة المبشرة، وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلًا. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، رقم (٨٢٨)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب من ذكر التورك في الرابعة (١٨١)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب (٢٢٧)، رقم (٣٠٤) مطولًا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب التطبيق، باب الاعتدال من الركوع، رقم (١١٠٠/ ١١٨٠/ ١٢٦١)، وسيذكره ابن ماجه في موضعين هما: (٨٦٢)، (١٠٦١). انتهى من "الهامش".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 2307
(١٣٤) - ٧٩٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَلِيٍّ الرِّفَاعِيُّ، عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي حميد بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٤) - ٧٩٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب) -بضم المهملة وبموحدتين- أبو الحسين العكلي -بضم المهملة وسكون الكاف- الكوفي، صدوق، يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني جعفر بن سليمان الضبعي) -بضم المعجمة وفتح الموحدة- أبو سليمان البصري، صدوق، زاهد، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني علي بن علي) بن نجاد، بنون وجيم خفيفة (الرفاعي) -بفاء- اليشكري -بتحتانية مفتوحة ومعجمة ساكنة- أبو إسماعيل البصري، لا بأس به رمي بالقدر، وكان عابدًا، ويقال: كان يشبه النبي ﷺ ، من السابعة. يروي عنه: (عم).
(عن أبي المتوكل) الناجي علي بن داوود البصري مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان ومئة (١٠٨ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(قال) أبو سعيد: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل
стр. 2308
يَسْتَفْتِحُ صَلَاتَهُ يَقُولُ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
===
(يستفتح صلاته) بالتكبير، ثم (يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك) كذا في رواية أبي داوود، ولا بد من هذا التقدير ليصح المتن.
قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) أي: وفقني، قاله الأبهري، وقال ابن الملك: سبحانك اسم مصدر أقيم مقام المصدر؛ وهو التسبيح، منصوب بفعل محذوف وجوبًا، تقديره: أسبحك تسبيحًا؛ أي: أنزهك تنزيهًا من كل السوء والنقائص وأبعدك مما لا يليق بجنابك، وقيل: تقديره: أسبحك تسبيحًا ملتبسًا ومقترنًا بحمدك، فالباء للملابسة، والواو زائدة، وقيل: الواو بمعنى مع؛ أي: أسبحك مع التلبس بحمدك، وحاصل المعنى: نفي الصفات السلبية وإثبات السمات الثبوتية، والله أعلم.
قال الخطابي: قوله: (وبحمدك) دخول الواوفيه، أخبرني ابن خلاد، قال: سألت الزجاج عن ذلك، فقال: معناه: سبحانك اللهم وبحمدك سبحتك. انتهى، قال في "المرقاة": قيل: قول الزجاج يحتمل وجهين؛ أحدهما: أن يكون الواو للحال، والثاني: أن تكون عاطفة جملة فعلية على مثلها؛ إذ التقدير: أنزهك تنزيهًا وأسبحك تسبيحًا مقيدًا بشكرك، وعلى التقديرين جملة (اللهم) معترضة، والباء في وبحمدك إما سببية والجار متعلق بفعل مقدر، أو إلصاقية والجار والمجرور حال من فاعله.
(تبارك اسمك) أي: كثرت بركة اسمك؛ إذ وجد كل خير من ذكر اسمك، وقيل: معناه: تعاظم ذاتك، (وتعالى جدك) تعالى تفاعل من العلو، والجد: العظمة؛ أي: علا وارتفع عظمتك على عظمة غيرك غاية العلو والرفعة. انتهى من "العون".
стр. 2309
(١٣٥) - ٧٩١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، رقم (٧٧٠١)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب (٦٥) ما يقول عند افتتاح الصلاة، رقم (٢٤٢)، والنسائي في كتاب الافتتاح، باب نوع آخر من الذكر بين افتتاح الصلاة والقراءة، رقم (٨٩٨)، وأحمد في "المسند" والدارمي.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد ثانيًا لحديث أبي حميد بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٥) - ٧٩١ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي، الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من صغار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة -بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة- الضبي الكوفي، ثقة، أرسل عن ابن مسعود، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي، الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 2310
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا كَبَّرَ .. سَكَتَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ قَالَ: فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؛ أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ فَأَخْبِرْنِي مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ؛ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ إذا كبر) للإحرام .. (سكت بين التكبير والقراءة) أراد بالسكوت ألا يقرأ القرآن جهرًا ولا يسمع الناس، وإلا .. فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يصح السؤال بقوله: ما تقول؟ أي: في سكوتك. انتهى "سندي".
(قال) أبو هريرة: (فقلت) له ﷺ : (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدي بأبي وأمي من كل مكروه، (أرأيت سكوتك) أي: أخبرني عن سكوتك (بين التكبير) للإحرام (والقراءة) أي: بين الشروع في قراءة الفاتحة، (فأخبرني ما تقول) في ذلك السكوت؟ فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (أقول) في ذلك السكوت سرًّا: (اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي) أي: بين أفعال فعلتها تصير خطايا على، فالمطلوب الحفظ وتوفيق الترك، أو بين ما فعلتها من الخطايا، والمطلوب المغفرة، وأمثال هذا السؤال منه ﷺ من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وإلا .. فهو مع عصمته مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لو كان هناك ذنب.
وقيل: المراد بالمغفرة في حقه مشروط بالاستغفار، والأقرب أن الاستغفار له زيادة خير والمغفرة حاصلة بدون ذلك لو كان هناك ذنب، وفيه إرشاد للأمة إلى الاستغفار وتعليم لهم كيفية الاستغفار. انتهى "سندي".
قوله: (بأبي أنت وأمي) قال التوربشتي: الباء متعلقة بمحذوف، قيل: هو اسم فيكون ما بعده مرفوعًا؛ تقديره: أنت مفدي بأبي وأمي، وقيل: هو فعل؛
стр. 2311
كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ؛ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ مِنَ الدَّنَسِ،
===
أي: فديتك، وما بعده منصوب وحذف هذا المقدر تخفيفًا لكثرة الاستعمال وعلم المخاطب، ذكره الطيبي.
وقوله: (أرأيت) الظاهر أنه بفتح التاء لا غير؛ بمعنى: أخبرني، وقوله: بعده (فأخبرني ما تقول؟ ) فيه تفسير له، وقوله: (ما تقول؟ ) فيه إشعار بأن هناك قولًا؛ لكونه قال: (ما تقول) ولم يقل: هل تقول؟ نبه عليه ابن دقيق العيد، وقال: لعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما استدل غيره على القراءة باضطراب اللحية. انتهى من "العون".
قوله: اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي (كما باعدت بين المشرق والمغرب) أخرجه مخرج المبالغة؛ لأن المفاعلة إذا لم تكن للمشاركة التي وضعت لها .. فهي تكون للمبالغة والتأكيد لمعنى الثلاثي، وقيل: تفيد البعد من الجانبين، فكأنه قيل: اللهم؛ باعد بيني وبين خطاياي، وباعد بين خطاياي وبيني، والخطايا إما أن يراد بها اللاحقة؛ فمعناه إذا قدر لي ذنب .. فبعد بيني وبينه، أو السابقة؛ فمعناه المحو والغفران لما حصل منها، وهو مجاز؛ لأن حقيقة المباعدة إنما هو في الزمان والمكان، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد ألا يبقى لها منه اقتراب بالكلية، وكرر لفظ بين هنا ولم يكررها بين المشرق والمغرب؛ لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الجار، بخلاف العطف على الظاهر.
(اللهم؛ نقني) -بتشديد القاف في الموضعين- لأنه من باب فعل المضعف المعتل اللام؛ أي: صفني (من خطاياي) وذنوبي، (كـ) ـما ينقى ويصفى (الثوب الأبيض من الدنس) أي: من الوسخ، والكاف صفة لمصدر محذوف؛
стр. 2312
اللَّهُمَّ؛ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".
===
تقديره: أي نقني من الخطايا تنقية مثل تنقية الثوب الأبيض من الدنس، وهذا مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها، وشبه بالثوب الأبيض دون غيره؛ لأن الدنس فيه أظهر من غيره من الألوان، والمعنى: طهرني طهارة كاملة معتنىً بها، كما يعتنى بتنقية الثوب الأبيض من الوسخ، وقال ملا على: وفيه إيماء إلى أن القلب بمقتضى أصل الفطرة سليم ونظيف وأبيض وظريف، وإنما يسود بارتكاب الذنوب وبالتخلق بالعيوب.
(اللهم؛ اغسلني) أي: طهرني بأتم وجه وأوكده (من خطاياي بالماء والثلج) بسكون اللام (والبرد) -بفتحتين- وهو حب الغمام، قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد تأكيدًا، أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، قال ابن دقيق العيد: عبر بذلك عن غاية المحو؛ فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء، قال: ويحتمل أن يكون المراد: أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ (١)، وأشار الطيبي بحثًا إلى هذا، فقال: يمكن أن يكون المطلوب من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول أنواع الرحمة والمغفرة بعد العفو؛ لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية الحرارة، ومنه قولهم: (برَّد الله مضجعه) أي: رحمه ووقاه عذاب النار. انتهى، ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى عند مسلم، وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم؛ لكونها مسببة عنهما، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل، وبالغ فيه باستعمال المبردات؛ ترقيًا من الماء إلى أبرد منه، قاله الحافظ في "الفتح".
стр. 2313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قلت: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار، فلم ذكر ذلك؟
قلت: قال محيي السنة: معناه: طهرني من الذنوب، وذكرها مبالغة في التطهير، لا أنه يحتاج إليها ذكره في "المرقاة"، واستدل بالحديث على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة فرضًا كانت الصلاة أو نفلًا، خلافًا للمشهور عن مالك، واستدل به على جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا للحنفية، ثم هذا الدعاء صدر منه ﷺ على سبيل المبالغة في إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته.
واعترض: بأنه لو أراد ذلك .. لجهر به.
وأجيب: بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار، وفيه ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبي ﷺ في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله تعالى بهم هذا الدين، كذا في "فتح الباري". انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الدعوات، باب ما يقول بعد التكبير، رقم (٧٤٤)، وفي مواضع أخر منه، ومسلم في كتاب الصلاة، باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب السكتة عند الافتتاح، رقم (٧٨١)، والنسائي في كتاب الافتتاح، والدارمي وأحمد.
فدرجة الحديث: أنه في أعلى الدرجات؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي حميد الساعدي.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي حميد بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 2314
(١٣٦) - ٧٩٢ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عِمْرَانَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا حَارِثَةُ بْنُ أَبِي الرِّجَالِ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ .. قَالَ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
===
(١٣٦) - ٧٩٢ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(وعبد الله بن عمران) بن أبي علي الأسدي أبو محمد الأصبهاني، نزيل الري، صدوق، من كبار الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي.
(حدثنا حارثة بن أبي الرجال) -بكسر الراء ثم الجيم- الأنصاري النجَّاري، المدني، ضعيف، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ت ق)، واسم أبي الرجال هو محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة بن النعمان الأنصاري النجَّاري المدني، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (خ م س ق).
(عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت عن عائشة، ثقة، من الثالثة، ماتت قبل المئة أو بعدها. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حارثة بن أبي الرجال وهو متفق على ضعفه.
(أن النبي ﷺ كان إذا افتتح الصلاة) أي: إذا أراد استفتاحها .. (قال) بين التكبير والقراءة: (سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك)، قد مر بسط الكلام فيه، فراجعه.
стр. 2315
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما يقول عند افتتاح الصلاة.
ودرجته: أنه صحيح لغيره من حديث أبي سعيد الخدري المتقدم آنفًا، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، غرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم