إلى هنا انتهى المجلد السادس من هذ الشرح لـ "سنن ابن ماجه" ويليه المجلد السابع وأوله: تتمة كتاب الأذان (٢)
قال مؤلفه أعطاه الله مُناه في دنياه وأُخراه: فرغت من تسطير هذا المجلد يوم الخميس بتاريخ (٣) رجب (١٤٣٠ هـ)، الموافق لـ (٢٥) حزيران يونيو سنة (٢٠٠٩ م).
وكان تاريخ الإياب إلى تأليف هذا الكتاب يوم الأربعاء (٦) ربيع الثاني من سنة (١٤٣٠ هـ).
* * *
والحمد لله على ما أنعم، والشكر له على ما به تكرم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ومن تبعه واقتدى به ومنه تعلَّم.
اللهم إنا نسالك عيشةً تقية، وميتةً سوية، ومردًّا غير مُخزٍ ولا فاضح، اللهم لا تهلكنا فجأة، ولا تأخذنا بغتة، ولا تُعجلنا عن حق ولا وصية، برحمتك يا أكرم الأكرمين.
* * *
стр. 2977
شرح سنن ابن ماجة
المسمى مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الأثيوبي الهرري الكري البويطي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها والمدرس في دار الحديث الخيرية
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
الأستاذ الدكتور هاشم محمد علي حسين مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي سابقا - مكة المكرمة
[المجلد السابع]
تتمة كتاب الأذان (٢)
стр. 2978
دَار طوق النجَاة
لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠
ص. ب: ٥٥٧٤/ ١٣/ بيروت
دَار الْمِنْهَاج
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة
هَاتِف: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وبأيِّ شكل من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بالاقتباس مِنْهُ أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا.
الرقم المعياري الدولي
٨ - ٢٠ - ٥٠٣ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
www.alminhaj.com
E- Mail: info@alminhaj.com
стр. 2979
شرح سنَن ابْن مَاجَه
[٧]
стр. 2980
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2981
قال صفيُّ الدين الحِلِّي رحمه الله تعالى:
كُنْ عن هُمومِك مُعْرِضَا ... وَكِلِ الأُمور إلى القَضا
وانعَمْ بِطولِ سَلامة ... تُسليكَ عمَّا قَدْ مَضَى
فَلَرُبَّما اتسعَ المَضِيقُ ... ورُبَّما ضَاقَ الفَضَا
ولَرُبَّ أمْرٍ مُسْخِطٍ ... لَكَ في عَواقِبِه رِضا
الله يفعلُ ما يَشاء ... فلا تَكُنْ مُتعرِّضا
قال الشعبي ﵀: الشِّيْبُ عِلةٌ لا يُعادُ منها، ومُصِيبةٌ لا يُعزَّى عليها.
وقال ابن نُباتة:
تَبَسُّمُ الشِّيبِ بِوَجهِ الفَتَى ... يُوجِبُ سَحَّ الدَّمعِ من جَفْنِهِ
وكيفَ لا يَبكِي على نَفْسِهِ ... مَنْ ضَحِكَ الشيبُ على ذَقْنِهِ
وقال أحمدُ بن عُبيد:
قد كُنْتُ أمشي على رجلينِ مُعتدِلًا ... فصِرْتُ أمشي على أُخْرَى مِنَ الشِّجَرِ
سَبيلُ الخَلْقِ كلِّهم الفناءُ ... فمَا أحدٌ يدومُ له البَقَاءُ
стр. 2982
تَتِمَّة كتابُ الأذان (٢)
стр. 2983
الخطبة
الحمد لله قيوم السماوات والأرضين، ومدبر الخلائق أجمعين، بعث الرسل إلى المكلفين؛ ليُبيِّنوا لهم شرائع الدين، والصلاة والسلام على من ختم الله به المرسلين، وجعله أفضل المخلوقين، وعلى آله وأصحابه الهداة المهتدين، ومن سار على نهجهم من الصالحين.
وبعد:
فقد توالت نعم الله عليَّ تترى؛ فما تنقضي واحدة إلا وبإثرها نِعَمٌ أخرى، فها هو المجلد السادس أزِفَ انتهاؤه، وها هو المجلد السابع قد حان ابتداؤه، فشرعت مستعينًا بالله متوكلًا عليه وهو نعم الوكيل.
* * *
قال المؤلف رحمه الله تعالى:
стр. 2984
(١) - (٢٧٨) - بَابُ كَمْ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ الْمُسَافِرُ إِذَا أَقَامَ بِبَلْدَةٍ
(١) - ١٠٤٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حُمَيْدٍ الزُّهْرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ مَاذَا سَمِعْتَ فِي سُكْنَى مَكَّةَ؟ قَالَ:
===
(١) - (٢٧٨) - (باب كم يقصر الصلاة المسافر إذا أقام ببلدة)
(١) - ١٠٤٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حاتم بن إسماعيل) مولى بني عبد الدار أبو إسماعيل المدني كوفي الأصل، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن حميد) بن عبد الرحمن بن عوف (الزهري) المدني. روى عن: السائب بن يزيد، ويروي عنه: (ع)، وحاتم بن إسماعيل، قال أبو حاتم وأبو داوود: ثقة، وقال العجلي: مدني ثقة، ووثقه ابن سعد والنسائي، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة، مات سنة سبع وثلاثين ومئة بالعراق (١٣٧ هـ) بداية خلافة أبي جعفر.
(قال) عبد الرحمن بن حميد: (سألت السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة -بضم ففتح مع التخفيف- الكندي المعروف بابن أخت نمر، الصحابي بن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، وحج به أبوه حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، له أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بخمسة، مات سنة إحدى وتسعين (٩١ هـ)، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة ﵃. يروي عنه: (ع).
(ماذا سمعت في سكنى) المهاجر (مكة) بعد قضاء نسكه؟ (قال)
стр. 2985
سَمِعْتُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ثَلَاثًا لِلْمُهَاجِرِ بَعْدَ الصَّدَرِ".
===
السائب بن يزيد: (سمعت العلاء بن الحضرمي) واسمه: عبد الله بن عماد، وكان حليف بني أمية، الصحابي المشهور ﵁، بعثه النبي ﷺ إلى المنذر صاحب البحرين، فحال بينهم البحر، فدعا فمشوا على البحر، له أحاديث اتفقا على حديث، وانفرد (م) بخمسة، عمل على البحرين للنبي ﷺ وأبي بكر وعمر، مات سنة إحدى وعشرين، وقيل غير ذلك وهو على البحرين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ومن لطائفه: أن فيه رواية صحابي عن صحابي.
أي: قال السائب: سمعت العلاء (يقول: قال النبي ﷺ : ثلاثًا للمهاجر) أي: للمهاجر أن يقيم بمكة ثلاثًا من الليالي (بعد الصدر) أي: بعد الرجوع؛ أي: بعد الفراغ من نسكه والرجوع إلى مكة.
قال السندي: (ثلاثًا) أي: للمهاجر السكنى بمكة ثلاث ليال (بعد الصدر) أراد به الفراغ من النسك، يُفهم منه أنه إذا زاد رابعًا .. يصير مقيمًا بمكة، وليس له الإقامة بها بعد أن هجرها لله تعالى، فيلزم أن من قصد الإقامة بموضع أربعًا .. يصير مقيمًا به، فهذا حد الإقامة، وما دونه حد السفر يقصر فيه، وأما إقامته بمكة عشرًا أو خمسة عشر .. فيحتمل أن يكون بلا قصد، أو كانت بمكة وما حواليها من المشارع، فلذلك قصر، فليتأمل. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري أخرجه في كتاب مناقب الأنصار، باب إقامة المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه، رقم (٣٩٣٣)، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز الإقامة بمكة، رقم (٢٠٢٢)، والترمذي في كتاب
стр. 2986
(٢) - ١٠٥٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ وَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ،
===
الحج، باب ما جاء أن يمكث المهاجر بمكة بعد الصدر الأول، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي من غير هذا الوجه مرفوعًا بهذا الإسناد، والنسائي في كتاب تقصير الصلاة، باب المقام الذي يقصر الصلاة بمثله، رقم (١٤٥٣)، وأحمد، والطبراني، والبيهقي.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث العلاء بن الحضرمي بحديث جابر بن عبد الله ﵃، فقال:
(٢) - ١٠٥٠ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني البصري الحافظ، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
قال محمد بن يحيى: (وقرأته عليه) معطوف على (حدثنا) أي: وقرأت هذا الحديث عليه؛ أي: علي أبي عاصم.
قال أبو عاصم: (أنبأنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 2987
أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي أُنَاسٍ مَعِي قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ.
===
قال ابن جريج: (أخبرني عطاء) بن أبي رباح -اسمه: أسلم- القرشي مولاهم أبو محمد اليماني نزيل مكة، ثقة فاضل، كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄ حالة كوني (في أناس) أي: مع أناس (معي).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (قدم النبي ﷺ مكة) في حجة الوداع (صبح) ليلة (رابعة مضت) وخلت (من شهر ذي الحجة)، وخرج منها صبح ليلة ثامنة إلى منىً؛ فقد أقام النبي ﷺ بمكة أربع ليال، وقد عُلم أنه ﷺ كان قد يقصر الصلاة في تلك الأيام التي أقام فيها بمكة، وعُلم أنه بمجرد إقامته أربع ليال بلا نية إقامة لا يصير مقيمًا، فهذا الحديث يُعارض الحديث السابق من حيث العدد حيث قال فيه: "ثلاثًا للمهاجر" إلا أن يقال: إنما يصير مقيمًا إذا أقام أربع ليال مع أيامها التامة، ويمكن أنه ﷺ خرج من مكة إلى منىً في اليوم الثامن من قبل الوقت الذي دخل فيه مكة في اليوم الرابع، فما تمت له الأيام الأربع، فلذلك قصر، فليتأمل. انتهى من "السندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الشركة، باب الاشتراك في الهدي والبُدن، رقم (٢٥٠٥)، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع (١٤١)، والنسائي في كتاب المناسك، باب الوقت الذي وافى به النبي ﷺ ، رقم (٢٨٧٢). انتهى "تحفة الأشراف".
стр. 2988
(٣) - ١٠٥١ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث العلاء بن الحضرمي.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث العلاء بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(٣) - ١٠٥١ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) الأموي البصري، واسم أبي الشوارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، من الثامنة، مات سنة ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عاصم) بن سليمان (الأحول) أبو عبد الرحمن البصري التميمي مولاهم الحافظ، ثقة، من الرابعة، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله البربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة سبع ومئة (١٠٧ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 2989
قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَنَحْنُ إِذَا أَقَمْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا .. نُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ .. صَلَّيْنَا أَرْبَعًا.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (أقام رسول الله ﷺ في فتح مكة (تسعة عشر يومًا) حالة كونه (يصلي) الصلاة الرباعية (ركعتين ركعتين، فنحن) معاشر الصحابة (إذا أقمنا) في أي بلدة (تسعة عشر يومًا .. نصلي) الرباعية (ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك) المذكور من تسعة عشر .. (صلينا) الرباعية (أربعًا) أي: صليناها تامة؛ لانتهاء السفر بإقامة تلك المدة.
قال السندي: قوله: (تسعة عشر يومًا) لا يخفى أنه لا دلالة لأحاديث الباب على أنه ﷺ أقام هذه المدة قصدًا أو اتفاقًا، وكذا قد عُلم في فتح مكة أنه خرج إلى حنين وإلى الطائف في تلك المدة، وكذا قد عُلم في حجة الوداع أنه قد خرج إلى منىً وعرفات، فالاستدلال بهذه الأحاديث على أن من يقيم هذه المدة قصدًا يقصر .. لا يخلو عن إشكال، وكذا الاستدلال بها على قصر من يقيم هذه المدة مطلقًا سواء كان قصدًا أو اتفاقًا ضرورة أن الفعل لا عموم له، وأيضًا الاتفاقي لا يعلم به صاحبه قدر مدة إقامته؛ لأنه لا يدري في أول الأمر أن إقامته تمتد إلى متى، وأما الاستدلال بها على أن من يزيد على هذه المدة يتم .. ففي غاية من الخفاء، والله أعلم. انتهى منه.
واختلفت الروايات عن ابن عباس في مقام النبي ﷺ بمكة عام الفتح: فرُوي عنه أن رسول الله ﷺ أقام سبع عشرة بمكة يقصر الصلاة، وعنه أقام تسع عشرة، وعنه أنه أقام خمس عشرة، وكلًا قد ذكره أبو داوود على اختلافه، قال الحافظ: وجمع البيهقي بين هذا الاختلاف بأن
стр. 2990
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من قال: تسع عشرة .. عدَّ يومي الدخول والخروج، ومن قال: سبع عشرة .. حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة .. عدَّ أحدهما.
وأما رواية خمس عشرة .. فضعفها النووي في "الخلاصة" وليس بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد ابن إسحاق؛ فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد الله كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة .. فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمسة عشر، واقتضى ذلك أن رواية تسعة عشر أرجح الروايات، وبهذا أخذ إسحاق بن راهويه ويرجحها أيضًا أنها أكثر ما وردت به الروايات الصحيحة.
وأخذ الثوري وأهل الكوفة برواية خمس عشرة؛ لكونها أقل ما ورد، فيُحمل ما زاد على أنه وقع اتفاقًا، وأخذ الشافعي بحديث عمران بن حصين قال: غزوت مع رسول الله ﷺ ، وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يُصلي إلا ركعتين يقول: "أهل البلد صلوا أربعًا؛ فإنا سفر" لكن محله عنده فيمن لم يجزم الإقامة؛ فإنه إذا مضت عليه المدة المذكورة .. وجب عليه الإتمام، فإن جزم الإقامة في أول الحال على أربعة أيام .. أتم على خلاف بين أصحابه في دخول يومي الدخول والخروج فيها أو لا. انتهى كلام الحافظ ملخصًا، قال المنذري: وأخرجه البخاري وأبو داوود والترمذي وابن ماجه، ولفظ البخاري والترمذي وابن ماجه: تسعة عشر، ولفظ أبي داوود: سبع عشرة. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، رقم (١٠٨٠)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب متى يتم، رقم (١٢٣٠)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كم
стр. 2991
(٣) - ١٠٥١ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ الصَّيْدَلَانِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
===
تقصر الصلاة الحديث، رقم (٥٤٩)، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث العلاء بن الحضرمي.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣) - ١٠٥١ - (م) (حدثنا أبو يوسف الصيدلاني محمد بن أحمد) بن محمد بن الحجاج بن ميسرة الكريزي -بتقديم الراء مصغرًا- (الرَّقي) ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم الحراني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار أبي بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني، ثقة ثبت إمام فاضل، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
стр. 2992
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصَّلَاةَ.
(٤) - ١٠٥٢ - (٤) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ
===
(عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، من الثالثة، مات دون المئة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة) فيها.
وهذه الرواية هي صحيحة أيضًا، وضعفها النووي، ولكن تضعيفها ليس بجيد، كما قدمنا نقلًا عن "العون".
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث العلاء بحديث أنس ﵄، فقال:
(٤) -١٠٥٢ - (٤) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان - بضم المهملة وسكون الهاء - الأزدي (الجهضمي) ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن زريع) -بتقديم الزاي على الراء مصغرًا- التيمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 2993
وَعَبْدُ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتَّى رَجَعْنَا، قُلْتُ: كَمْ أَقَامَ بِمَكَّةَ؟ قَالَ: عَشْرًا.
===
(وعبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي بمهملة أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا يحيى بن أبي إسحاق) الحضرمي مولاهم النحوي البصري، روى عن أنس بن مالك، ويروي عنه: (ع)، ويزيد بن زريع، وعبد الأعلى.
وثقه النسائي، وقال في "التقريب": صدوق ربما أخطأ، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ).
(عن أنس) بن مالك ﵁.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكة) في حجة الوداع، (فصلى) رسول الله ﷺ الصلاة الرباعية (ركعتين ركعتين حتى رجعنا) إلى المدينة، قال يحيى بن أبي إسحاق: (قلت) لأنس بن مالك: (كم) أيامًا (أقام) النبي ﷺ (بمكة؟ قال) أنس: أقام بمكة وما حواليها (عشرًا) من الليالي، ثم خرج منها راجعًا إلى المدينة.
وهذا الحديث معناه: أنه أقام في مكة وما حواليها لا في نفس مكة فقط، والمراد في سفره ﷺ : في حجة الوداع، فقدم مكة في اليوم الرابع من ذي الحجة، فأقام بها الخامس والسادس والسابع، وخرج منها في الثامن إلى منىً، وذهب إلى عرفات في التاسع، وعاد إلى منىً في العاشر، فأقام بها الحادي عشر والثاني عشر، ونفر في الثالث عشر إلى مكة، وخرج منها إلى
стр. 2994
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المدينة في الرابع عشر، فمدة إقامته ﷺ في مكة وحواليها عشرة أيام، وكان يقصر الصلاة فيها كلها، ففيه دليل على أن المسافر إذا نوى إقامة دون أربعة أيام سوى يومي الدخول والخروج .. يقصر، وأن الثلاثة ليست إقامة؛ لأن النبي ﷺ أقام هو والمهاجرون ثلاثًا بمكة، فدل على أن الثلاثة ليست إقامة شرعية، وأن يومي الدخول والخروج لا يحسبان منها، وبهذه الجملة قال الشافعي وجمهور العلماء، وفيها خلاف منتشر للسلف. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في تقصير الصلاة، رقم (١٠٨١)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة المسافرين وقصرها، رقم (١٥/ ٦٩٣)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب متى يتم المسافر، رقم (١٢٣٣)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في تقصير الصلاة، رقم (٥٤٨)، قال أبو عيسى: حديث أنس حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب تقصير الصلاة في السفر، رقم (١٤٥٣)، والدارمي.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والرابع للمتابعة، والثلاثة الباقية للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 2995
(٢) - (٢٧٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ
(٥) - ١٠٥٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ".
===
(٢) - (٢٧٩) - (باب ما جاء فيمن ترك الصلاة)
(٥) -١٠٥٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : بين العبد) المسلم وكذا المرأة (وبين) الاتصاف بـ (الكفر) والشرك .. (ترك الصلاة) المكتوبة؛ أي: فعل الصلاة المكتوبة، قال السنوسي: إن ترك الصلاة معبّر به عن ضده الذي هو فعلها؛ لأن فعل الصلاة هو الحاجز بين الإيمان والكفر، فإذا ارتفع
стр. 2996
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وانتفى فعل الصلاة .. رُفع المانع من الكفر. انتهى، قال القرطبي: يعني: أن من ترك الصلاة .. لم يبق بينه وبين الكفر حاجز يحجزه عنه ولا مانع يمنعه منه؛ أي: قد صار كافرًا، وهذا إنما يكون بالإجماع فيمن كان جاحدًا لوجوبها، فأما من كان معترفًا بوجوبها متهاونًا بفعلها وتاركًا لها .. فالجمهور على أنه يُقتل إذا أخرجها عن آخر وقتها، أو عن وقتها الضروري.
ثم هل يُقتل كفرًا أو حدًا؟ فيه خلاف، فممن ذهب إلى الأول: أحمد بن حنبل وابن المبارك وإسحاق وابن حبيب من أصحابنا، ورُوي ذلك عن علي بن أبي طالب، وممن ذهب إلى الثاني: مالك والشافعي وكثير من أهل العلم، قالوا: يُقتل حدًا إذا عرضت عليه فلم يفعلها، ثم هل يُستتاب أم لا؟ قولان لأصحابنا، وقال الكوفيون: لا يُقتل ويُؤمر بفعلها ويُعزر حتى يفعلها، والصحيح أنه ليس بكافر؛ لأن الكفر الجحد، كما تقدم، وليس بجاحد، ولأن رسول الله ﷺ قد قال: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى على العباد، فمن جاء بهن ولم يُضيّع منهن شيئًا .. كان له عند الله عنهد أن يغفر له، ومن لم يأت بهن .. فليس له على الله عنهد، إن شاء .. غفر له، وإن شاء عذّبه" رواه أحمد (٥/ ٣١٧ و ٣٢٢)، وأبو داوود (٤٢٥)، والنسائي (١/ ٢٣٠)، ومالك في "الموطأ" (١/ ٢٣).
فهذا الحديث ينص على أن ترك الصلاة ليس بكفر، وأنه مما دون الشرك الذي قال الله تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، واختلف العلماء في أخوات الصلاة من الفرائض؛ كالزكاة والصيام والحج والوضوء والغُسل من الجنابة هل يُقتل الآبي من فعلها وإن اعترف
стр. 2997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بوجوبها، أم يُعاقب حتى يفعل، وهل هو كافر أم عاصٍ؟ مذهب مالك فيمن قال: لا أتوضأ ولا أصوم أنه يُستتاب، فإن تاب، وإلا .. قُتل، وإن قال: لا أزكي .. أُخذت منه كرهًا، فإن امتنع .. قوتل، فإن قال: لا أحُج .. لم يُجبر؛ لكون فرضه على التراخي.
وقال القرطبي: هكذا أطلق أئمتنا، وينبغي أن يقال: إذا انتهى الممتنع إلى حالة يُخاف منها الفوت كالهرم والمرض .. حُمل على الفعل؛ لئلا يُخلى زمانه عن الحج مع استطاعته، وأما من يقول: إن الحج على الفور إذا حصلت الاستطاعة .. فقياس مذهبه يقتضي أن يُحمل على الفعل في تلك الحال، لكن أصحابنا لم يقولوا به، ولا كفروه بترك الحج؛ كما فعلوا في الصلاة، وإنما قيل ذلك بالاجتهاد والظن، والله أعلم.
وقال ابن حبيب: من قال عند الإمام: لا أُصلي، وهي عليّ .. قُتل ولا يُستتاب، وكذلك من قال: لا أتوضأ ولا أغتسل من الجنابة ولا أصوم، وقال أيضًا: من ترك الصلاة متعمدًا أو مفرطًا كافر، ومن ترك أخواتها متعمدًا من زكاة وحج وصوم كافر، وقاله الحكم بن عتيبة وجماعة من السلف انتهى من "المفهم".
وقال غيرهم: لا يكفر إلا بجحد الوجوب، واحتجوا بإجماع الصدر الأول على موارثته ودفنه في مقابر المسلمين، وهكذا في الزكاة إذا امتنع منها ولم يُصرّح. انتهى من "الأبي".
فصل
قال النووي: وأما تارك الصلاة؛ فإن كان منكرًا لوجوبها .. فهو كافر بإجماع المسلمين خارج عن ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب عهد بالإسلام ولم يُخالط
стр. 2998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه، وإن كان تركه تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها، كما هو حال كثير من الناس الآن .. فقد اختلف العلماء فيه: فذهب مالك والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإن تاب، وإلا .. قتلناه حدًا كالزاني المحصن، لكنه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي رحمهم الله تعالى.
وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي رحمهم الله تعالى جميعًا أنه لا يكفر ولا يُقتل، بل يُعزر ويُحبس حتى يصلي، واحتج من قال بكفره بظاهر هذا الحديث وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتج من قال: لا يُقتل بحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" وليس فيه الصلاة.
واحتج الجمهور على أنه لا يكفر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وبقوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله .. دخل الجنة"، وبقوله: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله .. دخل الجنة"، وبقوله: "لا يلقى الله تعالى عبد بهما غير شاك فيُحجب عن الجنة"، وبقوله: "حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله" وغير ذلك، واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٢)، وقوله
стр. 2999
(٦) - ١٠٥٤ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْبَالِسِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ،
===
ﷺ : "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك .. عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وتأولوا قوله ﷺ : "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة" على أنه يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر؛ وهي القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر، أو أن فعله فعل الكفار، والله أعلم. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، رقم (١٣٤) عن جابر وأبو داوود في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء، رقم (٤٦٧٨)، والترمذي (٥/ ١٤) ٤١ (٢) في كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (٢٦١٨)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الصلاة، باب في تارك الصلاة، رقم (١٢٣٣)، وأحمد بن حنبل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له رحمه الله تعالى بحديث بريدة بن الحصيب ﵁، فقال:
(٦) - ١٠٥٤ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم البالسي) ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا علي بن الحسن بن شقيق) أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة حافظ،
стр. 3000
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا .. فَقَدْ كَفَرَ".
===
من كبار العاشرة، مات سنة خمس عشرة ومئتين (٢١٥ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حسين بن واقد) المروزي أبو عبد الله القاضي، ثقة له أوهام، من السابعة، مات سنة سبع، ويقال: تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي أبو سهل المروزي قاضيها، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ)، وقيل: بل خمس عشرة ومئة، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي المشهور ﵁، قيل: اسمه عامر، وبريدة لقبه، أسلم قبل بدر، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) بريدة: (قال رسول الله ﷺ : العهد الذي بيننا وبينهم) أي: بين المنافقين (الصلاة) أي: العهد الذي عاهدناهم عليه والسبب الذي عقدنا لهم الأمان عليه .. الصلاة المفروضة، (فمن تركها) أي: ترك الصلاة المفروضة .. (فقد كفر) وأنكر ونقض عهدنا الذي عاهدناهم عليه ورفع سبب الأمان الذي بيننا وبينهم، فهو كالكافر المعاهد الذي نقض عهده فيستحق القتل.
قال السندي: قوله: "العهد الذي بيننا وبينهم" قال القاضي في "شرح
стр. 3001
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المصابيح": ضمير بينهم يعود إلى المنافقين شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المقتضي لإبقاء المعاهد والكف عنه، والمعنى: أن العهد في إجراء أحكام الإسلام عليهم تشبههم بالمسلمين في حضور صلاتهم، ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام الظاهرة، فإذا تركوا ذلك .. كانوا هم وسائر الكفار سواءً.
وقال الطيبي: يمكن أن يكون الضمير عامًا فيمن بايع رسول الله ﷺ على الإسلام منافقًا كان أم لا. انتهى منه؛ يدل عليه قوله ﷺ لأبي الدرداء: "لا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا .. فقد برئت منه الذمة". انتهى "تحفة". قال في "التحفة": قوله: "العهد الذي بيننا وبينهم" يعني المنافقين "الصلاة" أي: هو الصلاة؛ بمعنى أنها الموجبة لحقن دمائهم كالعهد في حق المعاهدين، "فمن تركها فقد .. كفر" أي: فإذا تركوها .. برئت منهم الذمة، ودخلوا في حكم الكفار، فنقاتلهم كما نقاتل من لا عهد له، قال التوربشتي: ويؤيد هذا المعنى قوله ﷺ لما استؤذن في قتل المنافقين: "ألا إني نُهيت عن قتل المصلين".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء في ترك الصلاة، رقم (٢٦٣١)، قال: وفي الباب عن أنس وابن عباس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، رقم (٤٦٢)، وأحمد في "مسنده"، وأبو داوود، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال: صحيح، ولا نعرف له علة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به لحديث جابر.
* * *
стр. 3002
(٧) - ١٠٥٥ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النِّبِيِّ ﷺ
===
ثم استشهد ثانيًا لحديث جابر بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧) - ١٠٥٥ - (٣) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم -مصغرًا- ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ)، وله خمس وسبعون (٧٥) سنة. يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم عالم الشام، ثقة لكنه كثير التدليس، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الشامي الإمام العلم الفقيه، ثقة مأمون فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ) في الحمام. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن سعد) الفدكي -بفتح فاء ودال مهملة وكاف- نسبة إلى فدك قرية بقرب المدينة يُصرف ويُمنع، ويقال: اليمامي مولى غفار، ويقال: مولى عثمان. روى عن: يزيد الرقاشي، ويروي عنه: (س ق)، ويزيد الرقاشي، ثقة، من السادسة.
(عن يزيد) بن أبان (الرقاشي) -بتخفيف القاف ثم شين معجمة- أبي عمرو البصري القاص، زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) ﵁ (عن النبي ﷺ .
стр. 3003
قَالَ: "لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالشِّرْكِ إِلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا تَرَكَهَا .. فَقَدْ أَشْرَكَ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد الرقاشي، فهو متفق على ضعفه.
(قال) النبي ﷺ : (ليس بين العبد والشرك) حاجز وحائل وساتر (إلا ترك الصلاة، فإذا تركها .. فقد) رُفع الحاجز بينهما فـ (أشرك) أي: فقد تقمص قميص الشرك واتزر إزار الشرك وتسرول سروال الشرك، والعياذ بالله من ذلك.
وهذا الحديث قد انفرد به ابن ماجه، ولكن أصله في "صحيح مسلم" في كتاب الإيمان، باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة، رقم (١٣٤)، ورواه الدارقطني، كلاهما عن جابر بن عبد الله، وأبو داوود في كتاب السنة، باب في رد الإرجاء، والترمذي، والنسائي في كتاب الصلاة، باب الحكم في تارك الصلاة، وابن ماجه، والإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني في "سننه"، والحاكم في "المستدرك" من حديث بريدة بن الحصيب، ورواه الحاكم أيضًا من طريق عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة، ورواه الترمذي أيضًا من طريق عبد الله بن شقيق عن أصحاب رسول الله ﷺ .
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند؛ لأن فيه يزيد الرقاشي؛ وهو متفق على ضعفه، صحيح المتن؛ لأن له شواهد في "مسلم" وغيره، كما بينا آنفًا، فهو ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث جابر.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3004
(٣) - (٢٨٠) - بَابٌ: فِي فَرْضِ الْجُمُعَةِ
(٨) -١٠٥٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ بُكَيْرٍ أَبُو جَنَّابٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَدَوِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ،
===
(٣)(٢٨٠) - (باب: في فرض الجمعة)
(٨) - ١٠٥٦ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الوليد بن بكير) -مصغرًا- التميمي الطهوي (أبو جنَّاب) -بفتح الجيم والنون المشددة- الكوفي. روى عن: عبد الله بن محمد العدوي، ويروي عنه: (ق)، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وآخرون.
قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
قلت: وقال الدارقطني: متروك الحديث، وقال في "التقريب": لين الحديث، من الثامنة.
(حدثني عبد الله بن محمد العدوي) متروك، رماه وكيع بالوضع، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة ثبت متقن، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
стр. 3005
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ تُوبُوا إِلَى اللهِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا، وَبَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا، وَصِلُوا الَّذِي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمْ بِكَثْرَةِ ذِكْرِكُمْ لَهُ، وَكَثْرَةِ الصَّدَقَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ .. تُرْزَقُوا، وَتُنْصَرُوا، وَتُجْبَرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الله قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ
===
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لضعف علي بن زيد بن جدعان، وعبد الله بن محمد العدوي، والوليد بن بكير، ففيه ثلاثة من الضعفاء.
(قال) جابر: (خطبنا) معاشر الصحابة (رسول الله ﷺ أي: وعظنا يومًا، (فقال) في خطبته: (يا أيها الناس) الحاضرون (توبوا) من المعاصي والأعمال السيئة، وارجعوا (إلى) طاعة (الله) تعالى (قبل أن تموتوا) فتفوتكم التوبة، (وبادروا) أي: سارعوا (بالأعمال الصالحة قبل أن تُشغَلوا) عنها بالمرض وكبر السن.
(وصلوا) من الوصل؛ أي: أكدوا الوصل والعهد (الذي بينكم وبين ربكم) أي: حق الله الذي عليكم (بكثرة ذكركم له) تعالى، (و) بـ (كثرة الصدقة) من المال والعلم والجاه (في السر) والخفية (والعلانية) والإظهار؛ أي: أكثروا من التصدق خلوة وجلوة؛ فإن الصدقة تكون كفارة عن الخطايا وبركة في العطايا إن أكثرتم منها .. (ترزقوا) رزقًا حلالًا طيبًا واسعًا، (وتُنصروا) على أعدائكم، (وتُجبروا) ما نقص منكم بإصلاح أحوالكم، (واعلموا) أيها الناس (أن الله) (قد افترض) أي: فرض وأوجب (عليكم الجمعة) أي: صلاتها. وهذا موضع الترجمة.
стр. 3006
فِي مَقَامِي هَذَا، فِي يَوْمِي هَذَا، فِي شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا فِي حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ اسْتِخْفَافًا بِهَا أَوْ جُحُودًا لَهَا .. فَلَا جَمَعَ اللهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، أَلَا وَلَا صَلَاةَ لَهُ وَلَا زَكَاةَ لَهُ، وَلَا حَجَّ لَهُ وَلَا صَوْمَ لَهُ وَلَا بِرَّ لَهُ حَتَّى يَتُوبَ، فَمَنْ تَابَ .. تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، أَلَا لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلَا يَؤُمَّ أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِرًا،
===
(في مقامي هذا، في يومي هذا، في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها) أي: ترك صلاة الجمعة بغير عذر من أعذار الجمعة؛ كالمرض والمطر والخوف مما هو مبسوط في كتب الفروع (في حياتي أو بعدي) أي: بعد وفاتي، (وله) أي: والحال أن لذلك التارك (إمام عادل) يأمر بالمعروف وينهى عن المنكرات، (أو جائر) لا يأمر بالمأمورات ولا ينهى عن المنكرات؛ أي: تركها (استخفافًا) لشأنها وعدم اهتمام (بها أو جحودًا لها) أي: إنكارًا لوجوبها .. (فلا جمع الله له) أي: لذلك التارك (شمله) أي: شؤونه، (ولا بارك) الله (له) أي: لذلك التارك (في أمره) أي: في شغله دينًا ودنيا.
(ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم أيها الناس من المواعظ؛ وهو هذا القول المذكور بقوله: (ولا صلاة) مقبولة (له) أي: لذلك التارك من الصلوات الخمس وغيرها، (ولا زكاة) مجزئة (له، ولا حج) مبرور (له، ولا صوم) مقبول (له، ولا بر) أي: ولا عمل بر وخير مقبول (له حتى يتوب) ويرجع من تركها إلى فعلها، غاية لعدم قبول عمله الصالح، (فمن تاب) ورجع إلى فعلها .. (تاب الله عليه) أي: قبل توبته منه.
(ألا) أي: استمعوا وانتبهوا من غفلتكم (لا تؤُمَّن امرأة رجلًا) أي: لا تكون امرأة إمامًا لرجل، (ولا يؤم أعرابي) أي: جاهل (مهاجرًا) أي: عالمًا،
стр. 3007
وَلَا يَؤُمَّ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا إِلَّا أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ يَخَافُ سَيْفَهُ وَسَوْطَهُ".
(٩) -١٠٥٧ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ أَبُو سَلَمَةَ،
===
(ولا يؤم فاجر) أي: فاسق (مؤمنًا) أي: رجلًا صالحًا عَادلًا (إلا أن يقهره) أي: يقهر ذلك الفاجر مؤمنًا صالحًا (بسلطان) أي: بمساعدة سلطان جائر له (يخاف) ذلك المؤمن (سيفه) أي: سيف ذلك السلطان وقتله بالسيف (وسوطه) أي: سوط ذلك السلطان وضربه بالسوط، قال السندي: قوله: "ولا يؤم أعرابي مهاجرًا" أي: لأن من شأن الأعرابي الجهل، ومن شأن المهاجر العلم. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال المزي: ولكن رواه موسى بن داوود عن الوليد بن بكير، فقال: عن محمد بن عبد الله العدوي، ورواه عبد بن حميد في "مسنده"، فقال: حدثنا إبراهيم بن عيسى الطالقاني، حدثنا شعبة بن الوليد عن حمزة بن حسان عن علي بن زيد ... فذكره بالإسناد والمتن، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" من طريق محمد بن علي عن سعيد بن المسيب به، إلا أنه قال: (وهو على منبره يوم جمعة)، وقال فيه: (تؤجروا) بدل قوله: (وتجبروا)، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري رواه الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "السنن الكبرى". انتهى "تحفة الأشراف".
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (١)(١٢٨)؛ لضعف سنده ولا شاهد صحيحًا له، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ثم استدل رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث كعب بن مالك ﵁، فقال:
(٩) - ١٠٥٧ - (٢) (حدثنا يحيى بن خلف) الباهلي (أبو سلمة) البصري
стр. 3008
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ بِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَسَمِعَ الْأَذَانَ .. اسْتَغْفَرَ لِأَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ
===
الجوباري -بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة- صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، ويروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي -بمهملة- أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم أبو عبد الله المدني، إمام في المغازي، صدوق مدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم)، قرنه (م) بآخر.
(عن محمد بن أبي أمامة) أسعد (بن سهل بن حنيف) -مصغرًا- ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبيه أبي أمامة) أسعد بن سهل بن حنيف الأنصاري المعروف بكنيته معدود في الصحابة، له رؤية، ولم يسمع من النبي ﷺ ، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وله اثنتان وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاري أبي الخطاب المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: وُلد في عهد النبي ﷺ ، ومات في خلافة سليمان. يروي عنه: (ع).
(قال) عبد الرحمن: (كنت قائد أبي) كعب بن مالك من الثلاثة الذين خُلّفوا ﵃ (حين ذهب بصره) وعمي، قال عبد الرحمن: (فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان .. استغفر لأبي أمامة أسعد بن زرارة) بن
стр. 3009
وَدَعَا لَهُ، فَمَكَثْتُ حِينًا أَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُ، ثُمَّ قُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاللهِ؛ إِنَّ ذَا
===
عدس بن عبيد بن ثعلبة بن غُنم بن مالك بن النجار أبي أمامة الأنصاري الخزرجي النجاري ﵁، كان قديم الإسلام شهد العقبتين وكان نقيبًا على قبيلته، ولم يكن في النقباء أصغر منه سنًا، ويُقال: إنه أول من بايع ليلة العقبة، وروى أبو داوود والحاكم من طريق عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: (كنت قائد أبي حين كُفَّ بصره، فإذا خرجت به إلى الجمعة فسمع الأذان .. استغفر لأسعد بن زرارة ... ) الحديث، وفيه: وكان أسعد أول من جمع بنا بالمدينة قبل مقدم النبي ﷺ في حرة بني بياضة في نقيع الخضمات.
وذكر الواقدي أنه مات على رأس تسعة أشهر من الهجرة، رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق الواقدي، قال الواقدي: كان ذلك في شوال، قال البغوي: بلغني أنه أول من مات من الصحابة بعد الهجرة، وأنه أول ميت صلى عليه النبي ﷺ ، وروى الواقدي من طريق عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال: أول من دُفن بالبقيع من الأنصار أسعد بن زرارة، ومن المهاجرين عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين. انتهى من "الإصابة في تمييز الصحابة" للحافظ ابن حجر باختصار.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن إسحاق، وهو مدلس.
(ودعا له) بالرحمة، قال عبد الرحمن: (فمكثت حينًا) أي: زمنًا طويلًا وأنا (أسمع ذلك) المذكور من الاستغفار والدعاء لأسعد بن زرارة (منه) أي: من والدي كعب بن مالك، قال عبد الرحمن: (ثم) بعد مكثي زمانًا على ذلك (قلت في نفسي) أي: في قلبي (والله؛ إن ذا) أي: إن هذا السكوت
стр. 3010
لَعَجْزٌ؛ إِنِّي أَسْمَعُهُ كُلَّمَا سَمِعَ أَذَانَ الْجُمُعَةِ .. يَسْتَغْفِرُ لِأَبِي أُمَامَةَ وَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَلَا أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ: لِمَ هُوَ، فَخَرَجْتُ بِهِ كَمَا كُنْتُ أَخْرُجُ بِهِ إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ .. اسْتَغْفَرَ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتَاهُ؛ أَرَأَيْتَكَ صَلَاتَكَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ كُلَّمَا سَمِعْتَ النِّدَاءَ بِالْجُمُعَةِ لِمَ هُوَ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ؛
===
عن سؤاله عن سبب استغفاره له (لعجز) مني وإعراض عما هو المهم؛ (إني أسمعه) أي: أسمع والدي (كلما سمع أذان الجمعة .. يستغفر لأبي أمامة) أسعد بن زرارة، (ويصلي عليه) ويدعو له بالرحمة، (ولا أسأله عن) سبب (ذلك) الاستغفار له فأقول له: (لم) أي: لأي سبب (هو) أي: استغفارك له؟
(فخرجت) يومًا (به) أي: بوالدي إلى الجمعة (كما كنت أخرج به) أولًا (إلى الجمعة، فلما سمع الأذان .. استغفر) له الآن (كما كان يفعل) الاستغفار له أولًا، (فقلت له: يا أبتاه) أي: يا أبي ويا والدي (أرأيتك صلاتك على أسعد بن زرارة) أي: أخبرني عن صلاتك ودعائك لأسعد بن زرارة (كلما سمعت النداء بالجمعة) والأذان لها، (لم) أي: لأي سبب (هو) أي: دعاؤك واستغفارك له كلما سمعت الأذان؟
(قال) لي والدي كعب بن مالك في جواب سؤالي له عن ذلك: (أي) حرف نداء (بني) منادىً مضاف مصغرًا تصغير شفقة، وإعرابه: الهمزة: حرف نداء لنداء القريب مبنية على الفتح، بني: منادىً مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة؛ اجتزاءً عنها بالكسرة المنقلبة فتحة للتخفيف لثقلها على الياء، بني مضاف وياء المتكلم المحذوفة اجتزاءً عنها بالكسرة في محل الجر مضاف إليه مبنية على السكون، وجملة النداء في محل النصب مقول لقال، فهو نظير أُخيّ في إعرابه، وأصله: أي يا بُنيّ
стр. 3011
كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا.
===
(كان) أسعد بن زرارة (أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم) أي قبل قدوم (رسول الله ﷺ وهجرته (من مكة) إلى المدينة، كان يصلي بنا صلاتها.
(في نقيع) بالنون ثم القاف ثم الياء التحتية بعدها عين مهملة (الخضمات) -بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين- قال ابن الأثير: هو موضع قريب إلى المدينة، كان يستنقع فيه الماء؛ أي: يجتمع، وقال الخطابي في "المعالم": النقيع بطن الوادي من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، وإذا نضب الماء؛ أي: غار في الأرض .. أنبت الكلأ، فنقيع الخضمات موضع بنواحي المدينة، كذا في "النهاية" أي: يصلي (في هزم) -بفتح الهاء وسكون الزاي- المكان المطمئن (النبيت) -بفتح النون وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وبعدها تاء فوقية- هو أبو حي في اليمن، اسمه عمرو بن مالك، كذا في "القاموس" (من حرة بني بياضة) والحرة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء-: هي الأرض ذات الحجارة السود، قال العيني: هي قرية كانت على ميل من المدينة، وبنو بياضة هي بطن من الأنصار.
والمعنى: أنه جمع في قرية يقال لها: هزم النبيت كانت في حرة بني بياضة في المكان الذي يجتمع فيه الماء، واسم ذلك المكان نقيع الخضمات، وتلك القرية على ميل من المدينة، كذا في "غاية المقصود". انتهى من "العون".
قال عبد الرحمن: (قلت) لوالدي كعب بن مالك: (كم) عددًا (كنتم) أيها المصلون مع أسعد بن زرارة (يومئذ) أي: يوم إذ صليت الجمعة معه؟ (قال) كعب: كنا معشر المصلين معه يومئذ (أربعين رجلًا) من المسلمين.
стр. 3012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الخطابي: وفي هذا الحديث من الفقه أن الجمعة جوازها في القرى كجوازها في المدن والأمصار؛ لأن حرة بني بياضة يقال: على ميل من المدينة، وقد استدل به الشافعي على أن الجمعة لا تجوز بأقل من أربعين رجلًا أحرارًا مقيمين؛ وذلك أن هذه الجمعة كانت أول ما شُرع من الجمعات، فكان جميع أوصافها معتبرة فيها؛ لأن ذلك بيان لمجمل واجب، وبيان المجمل الواجب واجب، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز اشتراط عدد الأربعين في الجمعة، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، إلا أن عمر قد اشترط مع عدد الأربعين أن يكون فيها والٍ، وليس الوالي من شرط الشافعي، وقال مالك: إذا كان جماعة في القرية التي بيوتها متصلة، وفيها مسجد يُجمّع فيه وسوق .. وجبت عليهم الجمعة، ولم يذكر عددًا محصورًا، ولم يشترط الوالي، ومذهبه في الوالي كمذهب الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: لا جمعة إلا في مصر جامع، وتنعقد عندهم الجمعة بأربعة، وقال الأوزاعي: إذا كانوا ثلاثة .. صلوا جمعة إذا كان فيهم الوالي، وقال أبو ثور: كسائر الصلوات في العدد. انتهى كلام الخطابي. انتهى من "العون".
قلت: حديث ابن عباس وكعب بن مالك المذكوران في الباب فيهما دلالة واضحة على صحة صلاة الجمعة في القرى، فحديث ابن عباس أخرجه أيضًا البخاري في "صحيحه"، وحديث كعب أخرجه أيضًا ابن ماجه، وزاد فيه: (كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة)، وأخرجه الدارقطني وابن حبان والبيهقي في "سننه"، وقال: حسن الإسناد صحيح، وقال في "خلافياته": رواته كلهم ثقات، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الحافظ في "التلخيص": إسناده حسن.
стр. 3013
(١٠) - ١٠٥٨ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ،
===
قلت: الأمر كما قال البيهقي؛ فإن إسناده حسن قوي، ورواته كلهم ثقات، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن من محمد بن أبي أمامة في رواية ابن إدريس، كما عند المؤلف، وعند أبي داوود، لكن أخرج الدارقطني ثم البيهقي في "المعرفة" من طريق ابن جرير: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي أمامة عن أبيه، ثم ساق الحديث، ومحمد بن إسحاق ثقة عند شعبة وعلي بن عبد الله وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وعامة أهل العلم، ولم يثبت فيه جرح، فتقبل روايته إذا صرّح بالتحديث، وها هنا صرّح به، فارتفعت عنه مظنة التدليس، وفي هذا كله رد على العلامة العيني حيث ضعّف الحديث في "شرح البخاري" لأجل محمد بن إسحاق، وهذا تعنت وعصبية منه، والله أعلم. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود، وأخرجه في كتاب الصلاة، باب الجمعة في القرى، رقم (١٠٦٤)، والحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، والدارقطني والبيهقي في "المعرفة"، وقال: إسناده حسن قوي ورواته كلهم ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه أبو داوود والبخاري في "صحيحه".
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن الإسناد، صحيح المتن، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث حذيفة وأبي هريرة ﵄، فقال:
(١٠) - ١٠٥٨ - (٣) (حدثنا علي بن المنذر) الطريقي -بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف- الكوفي، صدوق يتشيع، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
стр. 3014
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ
===
(حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان -بفتح المعجمة وسكون الزاي- الضبي مولاهم الكوفي، صدوق عارف، رُمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ربعي بن حراش) -بكسر المهملة آخره معجمة- أبي مريم العبسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الأنصاري حليفهم ﵁، الصحابي المشهور صاحب سر رسول الله ﷺ ، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(و) روى أبو مالك أيضًا (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي، لازم أبا هريرة خمس سنين، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع)، فهو معطوف على قوله عن ربعي بن حراش.
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قال): والصواب: (قالا)، كما في رواية مسلم؛ أي: قال حذيفة وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما: (قال رسول الله ﷺ : أضل الله) ؛ أي: حكم الله تعالى الضلال والخطأ (عن) موافقة تعظيم يوم (الجمعة
стр. 3015
مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؛ كَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَالْأَحَدُ لِلنَّصَارَى، فَهُمْ لَنَا تَبَعٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ".
===
من كان قبلنا) من أهل الكتابين؛ فـ (كان) عيدًا (لليهود يوم السبت، و) كان (الأحد) عيدًا (للنصارى، فهم) أي: أهل الكتابين (لنا تبع) في أيام العيد (إلى يوم القيامة)، فعيدهم تبع لعيدنا، فالجمعة عيدنا، والسبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى؛ (نحن) معاشر الأمة المحمدية (الآخرون من أهل الدنيا) خلقًا وإيجادًا، (والأولون) فضلًا (المقضي لهم) في دخول الجنة (قبل) دخول جميع (الخلائق) الجنة، ولله الحمد والشكر على هذا الفضل والمنة.
قوله: "فهم لنا تبع إلى يوم القيامة" أي: وكما جعلهم الله تبعًا لنا في أيام العيد الذي اختاروه هم تابعون لنا يوم القيامة في دخول الجنة يدخلون بعد دخولنا؛ يعني: أن ما اختاروه للعيد من الأيام تابعان ليوم الجمعة يجيئان بعده، فكذلك هم تابعون لنا في دخول الجنة يوم القيامة، لا يدخلون حتى ندخل. انتهى ابن الملك.
قوله: "نحن الآخرون من أهل الدنيا" في الزمان والوجود، "والأولون" يوم القيامة في الفضل ودخول الجنة، فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم.
وقوله: "المقضي لهم" صفة للأولين؛ أي: ونحن الأولون الذين يُقضى لهم بدخول الجنة، "قبل الخلائق" أي: قبل قضائه لسائر الأمم.
وشارك المؤلف في رواية حديث حذيفة: النسائي في كتاب الجمعة، باب استحباب الجمعة، رقم (٣/ ٨٧).
وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة: مسلم في كتاب الجمعة، باب