كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بِنَا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فِي نَقِيعِ الْخَضِمَاتِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، قُلْتُ: كَمْ كُنْتُمُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا.
===
(كان) أسعد بن زرارة (أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم) أي قبل قدوم (رسول الله ﷺ وهجرته (من مكة) إلى المدينة، كان يصلي بنا صلاتها.
(في نقيع) بالنون ثم القاف ثم الياء التحتية بعدها عين مهملة (الخضمات) -بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين- قال ابن الأثير: هو موضع قريب إلى المدينة، كان يستنقع فيه الماء؛ أي: يجتمع، وقال الخطابي في "المعالم": النقيع بطن الوادي من الأرض يستنقع فيه الماء مدة، وإذا نضب الماء؛ أي: غار في الأرض .. أنبت الكلأ، فنقيع الخضمات موضع بنواحي المدينة، كذا في "النهاية" أي: يصلي (في هزم) -بفتح الهاء وسكون الزاي- المكان المطمئن (النبيت) -بفتح النون وكسر الباء الموحدة وسكون الياء التحتية وبعدها تاء فوقية- هو أبو حي في اليمن، اسمه عمرو بن مالك، كذا في "القاموس" (من حرة بني بياضة) والحرة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء-: هي الأرض ذات الحجارة السود، قال العيني: هي قرية كانت على ميل من المدينة، وبنو بياضة هي بطن من الأنصار.
والمعنى: أنه جمع في قرية يقال لها: هزم النبيت كانت في حرة بني بياضة في المكان الذي يجتمع فيه الماء، واسم ذلك المكان نقيع الخضمات، وتلك القرية على ميل من المدينة، كذا في "غاية المقصود". انتهى من "العون".
قال عبد الرحمن: (قلت) لوالدي كعب بن مالك: (كم) عددًا (كنتم) أيها المصلون مع أسعد بن زرارة (يومئذ) أي: يوم إذ صليت الجمعة معه؟ (قال) كعب: كنا معشر المصلين معه يومئذ (أربعين رجلًا) من المسلمين.
стр. 3012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الخطابي: وفي هذا الحديث من الفقه أن الجمعة جوازها في القرى كجوازها في المدن والأمصار؛ لأن حرة بني بياضة يقال: على ميل من المدينة، وقد استدل به الشافعي على أن الجمعة لا تجوز بأقل من أربعين رجلًا أحرارًا مقيمين؛ وذلك أن هذه الجمعة كانت أول ما شُرع من الجمعات، فكان جميع أوصافها معتبرة فيها؛ لأن ذلك بيان لمجمل واجب، وبيان المجمل الواجب واجب، وقد روي عن عمر بن عبد العزيز اشتراط عدد الأربعين في الجمعة، وإليه ذهب أحمد وإسحاق، إلا أن عمر قد اشترط مع عدد الأربعين أن يكون فيها والٍ، وليس الوالي من شرط الشافعي، وقال مالك: إذا كان جماعة في القرية التي بيوتها متصلة، وفيها مسجد يُجمّع فيه وسوق .. وجبت عليهم الجمعة، ولم يذكر عددًا محصورًا، ولم يشترط الوالي، ومذهبه في الوالي كمذهب الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: لا جمعة إلا في مصر جامع، وتنعقد عندهم الجمعة بأربعة، وقال الأوزاعي: إذا كانوا ثلاثة .. صلوا جمعة إذا كان فيهم الوالي، وقال أبو ثور: كسائر الصلوات في العدد. انتهى كلام الخطابي. انتهى من "العون".
قلت: حديث ابن عباس وكعب بن مالك المذكوران في الباب فيهما دلالة واضحة على صحة صلاة الجمعة في القرى، فحديث ابن عباس أخرجه أيضًا البخاري في "صحيحه"، وحديث كعب أخرجه أيضًا ابن ماجه، وزاد فيه: (كان أول من صلى بنا صلاة الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ من مكة)، وأخرجه الدارقطني وابن حبان والبيهقي في "سننه"، وقال: حسن الإسناد صحيح، وقال في "خلافياته": رواته كلهم ثقات، وأخرجه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، وقال الحافظ في "التلخيص": إسناده حسن.
стр. 3013
(١٠) - ١٠٥٨ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ،
===
قلت: الأمر كما قال البيهقي؛ فإن إسناده حسن قوي، ورواته كلهم ثقات، وفيه محمد بن إسحاق وقد عنعن من محمد بن أبي أمامة في رواية ابن إدريس، كما عند المؤلف، وعند أبي داوود، لكن أخرج الدارقطني ثم البيهقي في "المعرفة" من طريق ابن جرير: حدثنا أبي عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي أمامة عن أبيه، ثم ساق الحديث، ومحمد بن إسحاق ثقة عند شعبة وعلي بن عبد الله وأحمد ويحيى بن معين والبخاري وعامة أهل العلم، ولم يثبت فيه جرح، فتقبل روايته إذا صرّح بالتحديث، وها هنا صرّح به، فارتفعت عنه مظنة التدليس، وفي هذا كله رد على العلامة العيني حيث ضعّف الحديث في "شرح البخاري" لأجل محمد بن إسحاق، وهذا تعنت وعصبية منه، والله أعلم. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود، وأخرجه في كتاب الصلاة، باب الجمعة في القرى، رقم (١٠٦٤)، والحاكم في "المستدرك" وقال: صحيح على شرط مسلم، والدارقطني والبيهقي في "المعرفة"، وقال: إسناده حسن قوي ورواته كلهم ثقات، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه أبو داوود والبخاري في "صحيحه".
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن الإسناد، صحيح المتن، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث حذيفة وأبي هريرة ﵄، فقال:
(١٠) - ١٠٥٨ - (٣) (حدثنا علي بن المنذر) الطريقي -بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف- الكوفي، صدوق يتشيع، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
стр. 3014
حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ وَعَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَضَلَّ اللهُ عَنِ الْجُمُعَةِ
===
(حدثنا) محمد (بن فضيل) بن غزوان -بفتح المعجمة وسكون الزاي- الضبي مولاهم الكوفي، صدوق عارف، رُمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو مالك الأشجعي) سعد بن طارق الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ربعي بن حراش) -بكسر المهملة آخره معجمة- أبي مريم العبسي الكوفي، ثقة عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي الأنصاري حليفهم ﵁، الصحابي المشهور صاحب سر رسول الله ﷺ ، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(و) روى أبو مالك أيضًا (عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الكوفي، لازم أبا هريرة خمس سنين، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع)، فهو معطوف على قوله عن ربعي بن حراش.
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قال): والصواب: (قالا)، كما في رواية مسلم؛ أي: قال حذيفة وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما: (قال رسول الله ﷺ : أضل الله) ؛ أي: حكم الله تعالى الضلال والخطأ (عن) موافقة تعظيم يوم (الجمعة
стр. 3015
مَنْ كَانَ قَبْلَنَا؛ كَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَالْأَحَدُ لِلنَّصَارَى، فَهُمْ لَنَا تَبَعٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ".
===
من كان قبلنا) من أهل الكتابين؛ فـ (كان) عيدًا (لليهود يوم السبت، و) كان (الأحد) عيدًا (للنصارى، فهم) أي: أهل الكتابين (لنا تبع) في أيام العيد (إلى يوم القيامة)، فعيدهم تبع لعيدنا، فالجمعة عيدنا، والسبت عيد اليهود، والأحد عيد النصارى؛ (نحن) معاشر الأمة المحمدية (الآخرون من أهل الدنيا) خلقًا وإيجادًا، (والأولون) فضلًا (المقضي لهم) في دخول الجنة (قبل) دخول جميع (الخلائق) الجنة، ولله الحمد والشكر على هذا الفضل والمنة.
قوله: "فهم لنا تبع إلى يوم القيامة" أي: وكما جعلهم الله تبعًا لنا في أيام العيد الذي اختاروه هم تابعون لنا يوم القيامة في دخول الجنة يدخلون بعد دخولنا؛ يعني: أن ما اختاروه للعيد من الأيام تابعان ليوم الجمعة يجيئان بعده، فكذلك هم تابعون لنا في دخول الجنة يوم القيامة، لا يدخلون حتى ندخل. انتهى ابن الملك.
قوله: "نحن الآخرون من أهل الدنيا" في الزمان والوجود، "والأولون" يوم القيامة في الفضل ودخول الجنة، فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم.
وقوله: "المقضي لهم" صفة للأولين؛ أي: ونحن الأولون الذين يُقضى لهم بدخول الجنة، "قبل الخلائق" أي: قبل قضائه لسائر الأمم.
وشارك المؤلف في رواية حديث حذيفة: النسائي في كتاب الجمعة، باب استحباب الجمعة، رقم (٣/ ٨٧).
وشارك المؤلف في رواية حديث أبي هريرة: مسلم في كتاب الجمعة، باب
стр. 3016
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، رقم (١٨٦٩)، وأبو داوود (١٠٥٠)، والترمذي (٤٩٨)، وأحمد (٢/ ٣٨٠).
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث كعب بن مالك.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول: حديث جابر، ذكره للاستئناس.
والثاني: حديث كعب بن مالك، ذكره للاستدلال.
والثالث: حديث حذيفة وأبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3017
(٤) - (٢٨١) - بَابٌ: فِي فَضْلِ الْجُمُعَةِ
(١١) - ١٠٥٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ
===
(٤) - (٢٨١) - (باب: في فضل الجمعة)
(١١) - ١٠٥٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن أبي بكير) واسم أبي بكير نسر -بفتح النون وسكون المهملة- كوفي الأصل، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان أو تسع ومئتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا زهير بن محمد) أبي المنذر التميمي الخراساني، ثقة، قال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) -مكبرًا- بن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني، صدوق في حديثه لين، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن عبد الرحمن بن يزيد) بن جارية (الأنصاري) أبي محمد المدني أخي عاصم بن عمر لأمه، يقال: وُلد في حياة النبي ﷺ ، وذكره ابن حبان في "ثقات التابعين"، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن أبي لبابة) الأنصاري بشير (بن عبد المنذر) المدني الصحابي المشهور ﵁، وكان أحد النقباء، وعاش إلى خلافة على، ويروي عنه: (خ م د ق).
стр. 3018
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ يَوْمِ الْأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ، فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ: خَلَقَ اللهُ فِيهِ آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ، وَفِيهِ تَوَفَّى اللهُ آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو لين الحديث.
(قال) أبو لبابة: (قال النبي ﷺ : إن يوم الجمعة سيد الأيام) وخيرها؛ لأنه خلق فيه آدم، وفيه تقوم الساعة، (وأعظمها) عملًا وأجرًا (عند الله) ، (وهو) أي: يوم الجمعة (أعظم) وأفضل (عند الله) تعالى (من يوم) عيد (الأضحى ويوم) عيد (الفطر، فيه) أي: في يوم الجمعة (خمس خلال) أي: خمس خصال لم تكن في غيره من أيام الأسبوع، (خلق الله فيه آدم) ﵇، (وأهبط الله فيه) أي: في يوم الجمعة (آدم إلى الأرض) أي: أنزله إليها، فإن قيل: هذه القضايا ليست لذكرها فضيلة (قلت): فيها فضيلة؛ لأن إخراج آدم من الجنة وإماتته وقيام الساعة لا تعد فضيلة، قيل: بل جميعها فضائل؛ فإن خروج آدم من الجنة سبب لوجود ذريته التي منهم الرسل والأنبياء والأولياء والصالحون، والساعة سبب لتعجيل جزاء الصالحين، وموت آدم سبب لنيل ما أعد الله له من الكرامات.
(وفيه) أي: في يوم الجمعة (توفى الله آدم) أي: أماته (وفيه) أي: وفي يوم الجمعة (ساعة لا يسأل الله فيها) أي: في تلك الساعة (العبد شيئًا) من حوائجه سواء كانت دفع مضرة أو جلب مسرة .. (إلا أعطاه) الله تعالى ذلك العبد حوائجه (ما لم يسأل حرامًا) كالتمكين له من الزنا، أو شرب
стр. 3019
وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رِيَاحٍ وَلَا جِبَالٍ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ".
===
الخمر، أو السرقة، (وفيه) أي: وفي يوم الجمعة (تقوم الساعة) بنفخة الصعق.
(ما من ملك مقرب) من ملائكة الله تعالى، (ولا سماء) من السماوات السبع، (ولا أرض) من الأرضين السبع، (ولا رياح) من أنواع الرياح، (ولا جبال) من صنوف الجبال، (ولا بحر) من أنواع البحور (إلا وهن) أي: هذه المذكورات (يشفقن) أي: يخفن (من بوم الجمعة) لأجل قيام الساعة فيه، من الإشفاق وهو الخوف، وفي الحديث: أن سائر المخلوقات تعلم الأيام بعينها، وأنها تعلم أن القيامة تقوم يوم الجمعة، ولا تعلم الوقائع التي بينها وبين القيامة، أو ما تعلم أن تلك الوقائع وجدت إلى الآن، لكن هذا بالنظر إلى الملك المقرب لا يخلو عن خفاء، والأقرب أن غلبة الخوف والخشية تنسيهم ذلك.
قوله: "وفيه خُلق آدم" الذي هو مبنى العالم "وفيه أُهبط" أي: أُنزل من الجنة إلى الأرض؛ لعدم تعظيمه يوم الجمعة بما وقع له من الزلة؛ ليتداركه بعد النزول في الطاعة والعبادة، فيرتقي إلى أعلى درجات الجنة، وليعلم قدر النعمة؛ لأن المنحة تتبين عند المحنة، والظاهر أن أُهبط هنا بمعنى أُخرج، وفي رواية لمسلم: (فيه أدخل الجنة، وفيه أُخرج منها)، قيل: كان الإخراج من الجنة إلى السماء والإهباط منها إلى الأرض، فيفيد أن كلًّا منهما كان يوم الجمعة، إما في يوم واحد، وإما في يومين، والله أعلم. انتهى من "العون".
واعلم: أن كون يوم الجمعة أفضل الأيام لا يرجع ذلك إلى عين اليوم؛ لأن الأيام متساوية في أنفسها، وإنما يفضل بعضها بعضًا بما فيه من أمر زائد على
стр. 3020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نفسه، ويوم الجمعة قد خص من جنس العبادات بهذه الصلاة المعهودة التي يجتمع لها الناس وتتفق هممهم ودواعيهم ودعواتهم فيها، ويكون حالهم فيها كحالهم في يوم عرفة، فيستجاب لبعضهم في بعض، ويُغفر لبعضهم ببعض، ولذلك قال ﷺ : "الجمع حج المساكين"، ذكره في "كشف الخفا" (١٠٧٦)، وقال: رواه القضاعي عن ابن عباس، ولكن في سنده مقاتل وهو ضعيف، أي: يحصل لهم فيها ما يحصل لأهل عرفة، والله أعلم.
ثم إن الملائكة يشهدونهم ويكتبون ثوابهم، ولذلك سُمي هذا اليوم اليوم المشهود، ثم تخطر فيه لقلوب العارفين من الألطاف والزيادات بحسب ما يدركونه من ذلك، ولذلك سُمي بيوم المزيد، ثم إن الله تعالى قد خصه بالساعة التي فيه على ما يأتي ذكرها، ثم إن الله تعالى قد خصه بأن أوقع فيه هذه الأمور العظيمة التي هي: خَلق آدم الذي هو أصل البشر، ومن ولده الأنبياء والمرسلون والأولياء والصالحون، ومنها: إخراجه من الجنة الذي حصل عنده إظهار معرفة الله وعبادته في هذا النوع الإنساني، ومنها: توبة الله عليه بها ظهر لطفه تعالى عليه ورحمته لهذا النوع الآدمي مع اجترامه ومخالفته، ومنها: موته الذي بعده وُفي أجره ووصل إلى مامنه ورجع إلى المستقر الذي خرج منه، ومن فهم هذه المعاني .. فهم فضيلة هذا اليوم وخصوصيته بذلك، فحافظ عليه وبادر إليه. انتهى من "المفهم".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الإمام أحمد وأبو بكر بن أبي شيبة في "مسنديهما" هكذا، وروى أبو داوود والنسائي والترمذي بعضه من حديث أبي هريرة، وقال: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن أبي لبابة انفرد به ابن ماجه.
стр. 3021
(١٢) - ١٠٦٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ
===
فدرجته: أنه حسن الإسناد، صحيح المتن؛ لأن له شواهد، كما ذكرناها آنفًا، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد له بحديث شداد بن أوس ﵁، فقال:
(١٢) - ١٠٦٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسين بن علي) بن الوليد الجعفي مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث، أو أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، وله أربع أو خمس وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزدي أبي عتبة الدمشقي، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأشعث) شراحيل بن آدة - بالمد والتخفيف - (الصنعاني)
صنعاء دمشق، وقيل: اليمن، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(عن شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري النجاري أبي يعلى المدني ابن أخي حسان بن ثابت، له خمسون حديثًا، انفرد له (خ) بواحد، و (م) بآخر، قال عبادة بن الصامت: شداد من الذين أوتوا العلم والحلم ﵁، مات بالشام ببيت المقدس سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) شداد: (قال رسول الله ﷺ : إن من أفضل أيامكم)
стр. 3022
يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"،
===
أيها المؤمنون (يوم الجمعة) قال علي القاري: وفيه إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل منه أو مساوٍ؛ (فيه خُلق آدم) أي: طينته، (وفيه النفخة) أي: النفخة الثانية التي توصل الأبرار إلى النعم الباقية، قال الطيبي - وتبعه ابن حجر المكي -: أي: النفخة الأولى؛ فإنها مبدأ قيام الساعة ومقدم النشأة الثانية، ولا منع من الجمع، كذا في "المرقاة"، (وفيه الصعقة) أي: الصيحة؛ والمراد بها: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله؛ وهي النفخة الأولى، فالتكرار باعتبار تغاير الوصفين، والأولى ما اخترناه من التغاير الحقيقي.
(فأكثروا عليّ من الصلاة فيه) أي: في يوم الجمعة، فإن الصلاة من أفضل العبادات، وهي فيها أفضل من غيرها؛ لاختصاصها بتضاعف الحسنات إلى سبعين على سائر الأوقات، ولكون إشغال الوقت الأفضل بالعمل الأفضل هو الأكمل والأجمل، ولكونه سيد الأيام، فيُصرف في خدمة سيد الأنام ﵊، والفاء في قوله: "فأكثروا" تفريع على كون الجمعة سيد الأيام.
والفاء في قوله: (فإن صلاتكم معروضة عليّ) تعليل للتفريع المذكور؛ أي: هي معروضة عليّ كعرض الهدايا على من أهديت إليه، فهي من الأعمال الفاضلة ومقربة لكم إليّ؛ كما تُقرّب الهدية المهدي إلى المهدى إليه، وإذا كانت بهذه المثابة .. فينبغي إكثارها في الأوقات الفاضلة؛ فإن العمل الصالح يزيد فضلًا بواسطة فضل الوقت، وعلى هذا لا حاجة إلى تقييد العرض بيوم الجمعة، كما قيل. انتهى من "السندي".
وفي "العون": قوله: "فإن صلاتكم معروضة عليّ" يعني: على وجه القبول فيه، وإلا .. فهي دائمًا تُعرض عليه بواسطة الملائكة إلا عند روضته فيسمعها
стр. 3023
فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ - يَعْنِي: بَلِيتَ - فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ".
===
بحضرته، وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة يوم الجمعة وليلتها وفضيلة الإكثار منها على سيد الأبرار. انتهى من "العون".
(فقال رجل) من الحاضرين لم أر من ذكر اسم هذا الرجل: (يا رسول الله؛ كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ) -بفتح الراء وسكون الميم وفتح التاء المخففة على وزن ضربت - جملة حالية، ويُروى بكسر الراء، وفسره الراوي بقوله: (يعني) الرجل السائل بقوله: وقد أرمت بمعنى: (بليت) -بفتح الباء وكسر اللام وسكون الياء وفتح التاء الفوقانية - أي: صرت باليًا قديمًا، ويُروى بكسر الراء؛ أي: بليت، وقيل: على البناء للمفعول من الأرم وهو الأكل؛ أي: صرت مأكولًا للأرض.
(فقال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (إن الله) (حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) أي: منعها من أن تأكلها؛ فإن الأنبياء في قبورهم أحياء، قال ابن حجر المكي: وما أفاده من ثبوت حياة الأنبياء حياة بها يتعبدون ويصلون في قبورهم مع استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة .. أمر لا مرية فيه، وقد صنف البيهقي في ذلك جزءًا.
وفي "النيل" بعد سرد الأحاديث في هذا الباب ما نصه: وهذه الأحاديث فيها مشروعية الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، وأنها تُعرض عليه ﷺ ، وأنه حي في قبره، وقد أخرج ابن ماجه بإسناد جيد أنه ﷺ قال لأبي الدرداء: "إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، وفي رواية الطبراني: "وليس من عبد يصلي عليّ إلا بلغني صلاته" قلنا: وبعد وفاتك؛ قال: "وبعد وفاتي؛
стр. 3024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن رسول الله ﷺ حي بعد وفاته، وأنه يسر بطاعات أمته، وأن الأنبياء لا يبلون مع أن مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت لسائر الموتى.
وقد صح عن ابن عباس مرفوعًا: "وما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن"، وفي رواية: "بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلّم عليه .. إلا عرفه ورد عليه"، ولابن أبي الدنيا: "إذا مر الرجل بقبر يعرفه فيُسلِّم عليه .. رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه .. رد ﵇"، وصح أنه ﷺ كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى ويُسلِّم عليهم، وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون، وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد، فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ ! وقد ثبت في الحديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم" رواه المنذري، وصححه البيهقي، وفي "صحيح مسلم" عن النبي ﷺ قال: "مررت بموسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". انتهى، انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وكذا رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث الحسين بن علي الجعفي عن أوس بن أوس.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وله شاهد من الحديث الذي أخرجه أبو داوود ومن ذكرنا بعده آنفًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي لبابة بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
стр. 3025
(١٣) - ١٠٦١ - (٣) حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "الْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةُ مَا بَيْنَهُمَا مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ".
===
(١٣) - ١٠٦١ - (٣) (حدثثا محرز) بصيغة اسم الفاعل (بن سلمة العدني) ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي أبي شبل المدني، صدوق، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني الحرقي المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: الجمعة إلى الجمعة كفارة ما بينهما ما لم تغش) ولم ترتكب (الكبائر) جمع كبيرة؛ وهي ما شُرعت فيه الحدود؛ كالزنا والسرقة، أو ما ورد فيه وعيد شديد؛ كالغيبة والكذب والرياء والسمعة؛ والمراد: تكون كفارة لما بينهما من الصغائر؛ لأن الكبائر لا تُكفر إلا بالتوبة، أو بمحض فضل الله تعالى.
стр. 3026
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه أحمد في" المسند" عن أبي هريرة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3027
(٥) - (٢٨٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(١٤) - ١٠٦٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي أَبُو الْأَشْعَثِ، حَدَّثَنِي أَوْسُ بْنُ أَوْسٍ الثَّقَفِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
===
(٥) - (٢٨٢) - (باب ما جاء في الغُسل يوم الجمعة)
(١٤) - ١٠٦٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا عبد الله بن المبارك) بن واضح الحنظلي مولاهم أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جُمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبي عمرو الدمشقي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حسان بن عطية) المحاربي مولاهم أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات بعد العشرين والمئة. يروي عنه: (ع).
(حدثني أبو الأشعث) شراحيل بن آدة - بالمد وتخفيف الدال - الصنعاني صنعاء دمشق، وقيل: صنعاء اليمن، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(حدثني أوس بن أوس الثقفي) الدمشقي الصحابي الشهير ﵁. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) أوس بن أوس: (سمعت النبي ﷺ يقول: من غسل يوم الجمعة) قال السندي: "من غسل" رُوي مشددًا ومخففًا، قيل: أي: جامع
стр. 3028
وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ .. كَانَ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ؛ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا".
===
امرأته قبل الخروج إلى الصلاة؛ لأنه أغض للبصر في الطريق، مأخوذ من غسل امرأته - بالتشديد والتخفيف - إذا جامعها، (واغتسل) بنفسه للجمعة، (وبكر) المشهور التشديد ويجوز تخفيفه، والمعنى: أي أتى الصلاة أول وقتها، وكل من أسرع إلى شيء .. فقد بكّر إليه، (وابتكر) أي: أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته، ويقال: ابتكر إذا أكل باكورة الفواكه، وقيل: هما بمعنىً، وكرره للتأكيد.
(ومشى) برجله، وقوله: (ولم يركب) تأكيد لما قبله، ودفع لما يتوهم من حمل المشي على مجرد الذهاب ولو راكبًا، أو حمله على تحقيق المشي ولو في بعض الطرق، (ودنا) أي: قرب (من الإمام، فاستمع) الخطبة وأصغى إليها، وفيه أنه لا بد من الأمرين جميعًا، فلو استمع وهو بعيد، أو قرب ولم يستمع .. لم يحصل له هذا الأجر، (ولم يلغ) أي: لم يتكلم؛ فإن الكلام حال الخطبة لغو، أو المعنى استمع الخطبة ولم يشتغل بغيرها.
(كان له بكل خطوة) -بفتح الخاء وضمها-: بعد ما بين القدمين؛ أي: ذهابًا وإيابًا، أو ذهابًا فقط، أو بكل خطوة من خطوات ذلك اليوم وإتمام العمر (عمل سنة) كاملة، وقوله: (أجر صيامها وقيامها) أي: صلاتها بدل من عمل سنة، والظاهر أن المراد: أنه يحصل له أجر من استوعب السنة بالصيام والقيام لو كان، ولا يتوقف ذلك على أن يتحقق الاستيعاب من أحد، ثم الظاهر أن المراد في هذا وأمثاله ثبوت أصل أجر الأعمال لا مع المضاعفات المعلومة بالنصوص، ويحتمل أن يكون مع المضاعفات. انتهى من "السندي".
стр. 3029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعبارة "التحفة" هنا: (من اغتسل وغسل) رُوي بالتشديد والتخفيف، قيل: أراد به غسل رأسه، وبقوله: "اغتسل" غسل سائر بدنه، وقيل: جامع زوجته فأوجب عليها الغُسل، فكأنه غسلها واغتسل، وقيل: كرر ذلك للتأكيد، ويرجح التفسير الأول ما في رواية أبي داوود في هذا الحديث بلفظ: "من غسل رأسه واغتسل"، وما في رواية البخاري عن طاووس قلت: لابن عباس: ذكروا أن النبي ﷺ قال: "اغتسلوا واغسلوا رؤوسكم ... " الحديث، (وبكَّر) بالتشديد على المشهور؛ أي: راح أول الوقت، (وابتكر) أي: أدرك أول الخطبة ورجحه العراقي، وقيل: كرره للتأكيد، وبه جزم ابن العربي.
وقال الجزري في "النهاية": بكّر أتى الصلاة في أول وقتها؛ فكل من أسرع إلى شيء .. فقد بكّر إليه، وأما ابتكر .. فمعناه أدرك أول الخطبة، وأول كل شيء باكورته، وابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه، وقيل: معنى اللفظتين واحد، وإنما كرر للمبالغة والتوكيد؛ كما قالوا: أجاد مجد. انتهى وزاد أبو داوود وغيره في رواياتهم: "ومشى ولم يركب" (ودنا)، زاد أبو داوود وغيره: (من الإمام، واستمع) أي: الخطبة، (وأنصت) تأكيد، (بكل خطوة) -بفتح الخاء وتُضم-: بعد ما بين القدمين، (صيامها وقيامها) بدل من سنة. انتهى "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود والنسائي والترمذي، وقال: هذا حديث حسن، ورواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما"، والحاكم وصححه، وفي "المرقاة": قال النووي إسناده جيد، نقله ميرك، وقال بعض الأئمة: لم نسمع في الشريعة حديئا صحيحًا مشتملًا على مثل هذا الثواب. انتهى، انتهى "تحفة الأحوذي".
стр. 3030
(١٥) -١٠٦٣ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: "مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ .. فَلْيَغْتَسِلْ".
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥) -١٠٦٣ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني.
(حدثنا عمر بن عبيد) بن أبي أمية بن أبي لبيبة -بفتح أوله - الطنافسي الكوفي، صدوق، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عمر: (سمعت النبي ﷺ يقول على المنبر: "من أتى الجمعة .. فليغتسل").
قوله: (على المنبر) وهو شيء مرتفع له ثلاث درج فأكثر، سواءٌ كان منقولًا أم لا، وسواء كان من خشب أم لا، قال في "القاموس": نبر الشيء رفعه، ومنه المنبر بكسر الميم.
قوله: "من أتى الجمعة" أي: من أراد أن يأتي الجمعة، و"من" من صيغ
стр. 3031
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العموم، فتشمل الرجال والنساء والصبيان والأحرار والعبيد، وقد صُرّح به في رواية عثمان بن واقد عند أبي عوانة وابني خزيمة وحبان في "صحاحهم"، ولفظهم: "من أتى الجمعة من الرجال والنساء .. فليغتسل" ومن لم يأتها .. فليس عليه غُسل، وهو الأصح عند الشافعية، وبه قال الجمهور، خلافًا لأكثر الأحناف. انتهى من "الإرشاد".
قوله: "من أتى الجمعة " أي: من أراد إتيان صلاتها وحضورها .. "فليغتسل" ندبًا لَا وجوبًا، وقد عُلم من تقييد الغسل بالإتيان أن الغسل للصلاة لا لليوم، وهو مذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى، فلو اغتسل بعد الصلاة .. لم يكن للجمعة، ولو اغتسل بعد الفجر .. أجزأه عند الشافعية والحنفية، خلافًا للمالكية والأوزاعي، وفي حديث إسماعيل بن أمية عن نافع عند أبي عوانة وغيره: كان الناس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة .. جاؤوا وعليهم ثياب متغيرة، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "من جاء منكم الجمعة - أي: أراد مجيئها - فليغتسل" فأفاد سبب الحديث، واستدل به المالكية على أنه يُعتبر أن يكون الغُسل متصلًا بالذهاب؛ لئلا يفوت الغرض؛ وهو رعاية الحاضرين من التأذي بالروائح حال الاجتماع، وهو غير مختص بمن تلزمه الجمعة. انتهى منه.
قوله: "فليغتسل" قال السندي: ظاهر الأمر الوجوب، لكن حمله الجمهور على الندب توفيقًا بينه وبين ما يدل على الندب، وحملوا ما جاء من صريح الوجوب على الندب المؤكد، أو على النسخ. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجمعة، باب فضل غسل يوم الجمعة، رقم (٨٧٧)، ومسلم (٢/ ٥٧٩) في كتاب الجمعة، رقم (٨٤٤)، والنسائي رقم (٣/ ٩٣)، والبيهقي.
стр. 3032
(١٦) - ١٠٦٤ - (٣) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أوس بن أوس بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦) - ١٠٦٤ - (٣) (حدثنا سهل بن أبي سهل) زنجلة الرازي أبو عمرو الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن صفوان بن سليم) المدني أبي عبد الله الزهري مولاهم، ثقة مفت عابد، رمي بالقدر، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: لا غُسل يوم الجمعة واجب على
стр. 3033
كُلِّ مُحْتَلِمٍ".
===
كل محتلم") أي: بالغ؛ أي: متأكد الندب في حقه؛ كما يقول الرجل لصاحبه: حقك واجب عليّ؛ أي: متأكد، لا أن المراد الواجب المتحتم المعاقب عليه. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغُسل والطهور، رقم (٨٥٨)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب وجوب غُسل الجمعة على كل بالغ، رقم (٨٤٦)، وأبو داوود في كتاب الطهارة، باب في الغُسل يوم الجمعة، رقم (٣٤١)، والنسائي في كتاب الجمعة، باب إيجاب الغُسل يوم الجمعة، رقم (١٣٧٦)، ومالك في "الموطأ" في كتاب الجمعة، باب العمل في غُسل يوم الجمعة، رقم (٤) والخطيب في "تاريخ بغداد"، والبيهقي في "السنن الكبرى".
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
قوله: "واجب" أي: حق مؤكد "على كل محتلم" أي: في حق كل بالغ، وليس المراد: أنه الواجب المتحتم المعاقب عليه، بل المراد بالواجب هنا المندوب؛ لأنهم كانوا يلبسون الصوف، ويتأذى بعضهم برائحة بعض، فعبّر عنه بلفظ الواجب؛ ليكون أدعى إلى الإجابة.
فإن قلت: إن قوله: "على كل محتلم" أي: بالغ .. يشير إلى أن المراد بالواجب هو الواجب الاصطلاحي، وإلا .. لكان القيد به عبثًا.
قلنا: ذكره؛ لأن الغسل غالب فيه، لا للاحتراز عن غيره، كذا في "المبارق".
قال القرطبي: وخص المحتلم بالذكر؛ لأن الاحتلام أكثر ما يبلغ به الرجال، وهو الأصل، وهذا مثل ما قال في حق النساء: "لا تقبل صلاة حائض إلا
стр. 3034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بخمار، يعني بالحائض: البالغة من النساء، وخصها به؛ لأن الحيض أغلب ما يبلغ به النساء من علامات البلوغ، وفيه دليل على أن الجمعة لا تجب على صبي ولا امرأة؛ لأنه بتن محل وجوبها. انتهى من "المفهم".
وقال القرطبي أيضًا: وهذا الحديث ظاهر في وجوب غُسل الجمعة، وبه قال أهل الظاهر، وحكي عن بعض الصحابة وعن الحسن وحكاه الخطابي عن مالك، لكن معروف مذهبه وصحيحه: أنه سنة، وهو مذهب عامة أئمة الفتوى، وحملوا تلك الأحاديث على أنه واجب وجوب السنن المؤكدة؛ ودلهم على ذلك أمور خمسة:
أحدها: قوله ﷺ في حديث أبي هريرة: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت .. غُفر له" فدل على أن الوضوء كافٍ من غير غُسل، وأن الغُسل ليس بواجب.
وثانيها: قوله ﷺ لهم حين وُجد منهم الريح الكريهة: "لو اغتسلتم ليومكم هذا"، وهذا عرض وتحضيض وإرشاد للنظافة المستحسنة، ولا يُقال مثل ذلك اللفظ في الواجب.
وثالثها: تقرير عمر والصحابة لعثمان ﵁ على صلاة الجمعة بالوضوء من غير غُسل، ولم يأمروه بالخروج، ولم ينكروا عليه، فصار ذلك كالإجماع منهم على أن الغُسل ليس بشرط في صحة الجمعة ولا واجب فيها.
ورابعها: ما يقطع مادة النزاع ويحسم كل إشكال حديث الحسن عن سمرة ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "من توضأ يوم الجمعة .. فبها ونعمت، ومن اغتسل .. فالغُسل أفضل" رواه أبو داوود والترمذي والنسائي، وهذا نص في موضع الخلاف غير أن سماع الحسن عن
стр. 3035
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سمرة مختلف فيه، وقد صح عنه أنه سمع منه حديث العقيقة، فيحمل حديثه عنه على السماع إلى أن يدل دليل على غير ذلك، والله تعالى أعلم.
وخامسها: أنه ﷺ قد قال: "غُسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وسواك ويمس من الطيب ما قدر عليه"، وظاهره وجوب السواك والطيب، وليس كذالك بالاتفاق، فيدل على أن قوله: "واجب" ليس على ظاهره، بل المراد الندب المتأكد؛ إذ لا يصح تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في لفظ الواو، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
وقد يقال: جاء تشريك ما ليس بواجب مع الواجب في كتاب الله تعالى، حيث قال: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (١)، والأكل ليس بواجب، والإيتاء واجب، والله تعالى أعلم.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3036
(٦) - (٢٨٣) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ
(١٧) - ١٠٦٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَدَنَا وَأَنْصَتَ وَاسْتَمَعَ
===
(٦) - (٢٨٣) - (باب ما جاء في الرخصة في ذلك)
(١٧) - ١٠٦٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من توضأ فأحسن الوضوء) باستيفائه ثلاثًا ثلاثًا، ودَلْكِ الأعضاء، وإطالة الغُرَّة والتحجيل، وتقديم الميامن، والإتيان بسننه المشهورة، (ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت) أي: كف لسانه عن الكلام، (واستمع) أي: أشغل سمعه بسماع الخطبة، قال
стр. 3037
غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى .. فَقَدْ لَغَا".
===
النووي: هما شيئان متمايزان، وقد يجتمعان، فالاستماع الإصغاء، والانصات السكوت، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١). انتهى، فظهر أن الاستماع بالأذن، والإنصات باللسان.
(غُفر له) أي: لذلك المتوضئ الذي فعل جميع ما ذُكر (ما بينه) من الصغائر؛ أي: ما بين ذلك المتوضئ أو ما بين ذلك اليوم (وبين الجمعة الأخرى) يعني: الماضية أو الآتية، والأول أظهر؛ أي: غُفر له ما ارتكبه من الصغائر بين ذلك اليوم وبين الجمعة الماضية؛ أي: غُفر له ذنوب سبعة أيام.
(وزيادة ثلاثة أيام) بالرفع معطوف على ما الموصولة على كونه نائب فاعل لغُفر؛ أي: وغُفر له ذنوب ثلاثة أيام زائدة على السبعة؛ لتكون الحسنة بعشر أمثالها، ويكون يوم الجمعة الذي فعل فيه هذه الأفعال الجميلة في معنى الحسنة التي تُجزى بعشر أمثالها، قال بعض أصحابنا: والمراد بما بين الجمعتين من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل الوقت من الجمعة الثانية حتى تكون سبعة أيام بلا زيادة ولا نقصان، ويُضم إليها ثلاثة أيام، فتصير عشرة. انتهى "نووي"، وبالنصب على أنه مفعول معه، ذكره ملا علي، واقتصر النووي على النصب فيه.
(ومن مس الحصى) وغيره بيده في حال الخطبة لتسويته في موضع سجوده، أو في موضع جلوسه، أو للعبث كأخذه من الأرض وتناقله من يد إلى أخرى، وقال ملا علي: قوله: "ومن مس الحصى" أي: سواه للسجود غير مرة في الصلاة، وقيل: بطريق اللعب في حال الخطبة .. (فقد لغا) وأعرض
стр. 3038
(١٨) - ١٠٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ،
===
عن استماع الخطبة، فينبغي له ترك ذلك؛ ليفوز ثوابًا كاملًا، قال النووي: ففيه النهي عن مس الحصى وغيره من أنواع العبث في حالة الخطبة، وفيه إشارة إلى أنه ينبغي الإقبال على الخطبة بالقلب والجوارح؛ والمراد باللغو هنا: الباطل المذموم المردود. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب الجمعة، باب فضل التهجير إلى الجمعة، رقم (٢٢٦)، وأبو داوود في كتاب الجمعة، باب فضل الجمعة، رقم (١٠٥٠)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الوضوء في يوم الجمعة (٣٥٧).
* * *
ثم استشهد له بحديث أنس بن مالك ﵁، فقال:
(١٨) -١٠٦٦ - (٢) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الأزدي (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة ثبت متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا إسماعيل بن مسلم المكي) أبو إسحاق، كان من البصرة، ثم سكن مكة، وكان فقيهًا، ضعيف الحديث، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن يزيد) بن أبان (الرقاشي) - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبي عمرو
стр. 3039
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ .. فَبِهَا وَنِعْمَتْ، يُجْزِئُ عَنْهُ الْفَرِيضَةُ، وَمَنِ اغْتَسَلَ .. فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ".
===
البصري القاصّ - بتشديد المهملة - زاهد، ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبان الرقاشي، وإسماعيل بن مسلم، وهما ضعيفان.
(عن النبي ﷺ قال: من توضأ يوم الجمعة .. فبها) أي: فقد أخذ بالرخصة (ونعمت) الرخصة التي هي الوضوء، (يجزئ عنه) أي: عن الوضوء المطلوب لأجل يوم الجمعة (الفريضة) أي: وضوء الفرض الذي يتوضأ لأجل رفع الحدث، (ومن اغتسل .. فالغُسل أفضل) أي: أكثر أجرًا من الوضوء.
قوله: "من توضأ" قال السندي: فيه أن الاكتفاء بالوضوء جائز. انتهى منه، "فبها" أي: فبطهارة الوضوء حصل الواجب، والتاء في "نعمت" للتأنيث، قال أبو حاتم: معناه: ونعمت الخصلة، والمخصوص بالمدح هي؛ أي: الطهارة للصلاة، قال الحافظ في "التلخيص": حكى الأزهري أن قوله: "فبها ونعمت" معناه: فبالسنة أخذ، ونعمت السنة، قاله الأصمعي، وحكاه الخطابي أيضًا، وقال: إنما أظهر تاء التأنيث لإضمار السنة، وقال غيره: ونعمت الخصلة، وقال أبو أحمد الشاذكي: ونعمت الرخصة؛ قال: لأن السنة الغُسل، وقال بعضهم: فبالفريضة أخذ ونعمت الفريضة. انتهى ما في "التلخيص".
"ومن اغتسل .. فالغُسل أفضل" هذا يدل على أن الغُسل يوم الجمعة ليس
стр. 3040
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بواجب، بل يجوز الاكتفاء بالوضوء، وجه الدلالة أن قوله: فالغُسل أفضل يقتضي اشتراك الوضوء والغُسل في أصل الفضل، فيستلزم إجزاء الوضوء. انتهى "تحفة الأحوذي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي هريرة وسمرة وعائشة، قال: حديث سمرة حديث حسن، قال البوصيري: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لضعف يزيد الرقاشي، ورواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن الربيع عن يزيد مثله سواء، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده" عن علي بن هشام عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة، فذكره بإسناده ومتنه، وقال آخره: (فالغُسل أفضل) وهو من السنة، ورواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن الجارود وابن خزيمة من حديث سمرة بن جندب إلا قوله: (فيجزئ عنه الفريضة)، وكذا رواه أبو داوود من حديث عائشة، وكذا رواه البزار من حديث جابر وأبي سعيد. انتهى.
وهذه الأحاديث طرقها كثيرة وشواهدها كثيرة، وكلها ضعيفة، ولكن يُجبر ضعفها بكثرة طرقها وشواهدها، فنحكم لها بالصحة.
فنقول: هذا الحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3041
(٧) - (٢٨٤) - بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّهْجِيرِ إِلَى الْجُمُعَةِ
(١٩) -١٠٦٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ
===
(٧) - (٢٨٤) - (باب ما جاء في التهجير إلى الجمعة)
(١٩) - ١٠٦٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - بالنون مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(وسهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي أبو عمرو الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني، ثقة متقن إمام حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة متقن، من الثانية، من كبار التابعين وساداتهم، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان) وجاء (يوم الجمعة ..
стр. 3042
كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَة يَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلهِمُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ .. طَوَوُا الصُّحُفَ وَاسْتَمَعُوا الْخُطْبَةَ، فَالْمُهَجِّرُ إِلَى الصَّلَاةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَمُهْدِي بَقَرَةٍ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كَمُهْدِي كَبْشٍ حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ
===
كان) أي: قام (على كل باب من أبواب المسجد) إذا كانت له أبواب كثيرة (ملائكة يكتبون الناس) الحاضرين الجمعة؛ أي: يكتبونهم بالترتيب (على قدر منازلهم) وتفاوتهم في الحضور؛ لتفاوت الأجر بحسب الرتبة؛ أي: يكتبون (الأول فالأول) بالنصب بدل من الناس، بدل بعض من كل.
(فإذا خرج الإمام) من بيته ليحضر المسجد .. (طووا) أي: لفوا وطيّوا (الصحف) أي: الأوراق التي يكتبون فيها مراتب الحاضرين، وتركوا الكتابة (واستمعوا الخطبة، فالمهجر) أي: المبكر (إلى) المسجد لـ (الصلاة) أجره (كـ) أجر (المُهدي بدنة) أي: المتصدق بها لله تعالى، والمهجر اسم فاعل من التهجير، قيل: المراد به المبادرة إلى الجمعة بعد الصبح، وقيل: بل في قُرب الهاجرة؛ أي: في نصف النهار، والبدنة -بفتحتين-: واحدة البدن؛ وهي الإبل، سُميت بدنة؛ لعظم بدنها، وقيل: المراد كالذي يهديها إلى مكة، ولكن لا يناسب الدجاجة الآتية.
(ثم الذي يليه) في التهجير أجره (كـ) أجر (مُهدي بقرة) أي: المتصدق بها، والحديث يدل على أن البدنة لا تشتمل البقرة، ولذلك أفردها بالذكر، (ثم الذي يليه) أي: يلي الثاني الذي هو كمهدي البقرة أجره (كـ) أجر (مُهدي كبش) أي: متصدق كبش؛ وهو ذكر الضأن، فذكر رسول الله ﷺ مراتب المبكرين إلى الجمعة ومراتب أجورهم (حتى ذكر) في أجورهم (الدجاجة) - بتثليث الدال المهملة - وهو حيوان معروف من الطيور، ذكره
стр. 3043
وَالْبَيْضَةَ
===
الديك، (و) ذكر (البيضة) أي: بيضة الدجاجة، فقال: ثم الذي يليه كمُهدي دجاجة، ثم الذي يليه كمُهدي بيضة.
قوله: "كالمهدي بدنة" قال الطيبي: في لفظ الإهداء إدماج بمعنى التعظيم للجمعة، وأن المبادر إليها كمن ساق الهدي إلى الكعبة، والمراد بالبدنة البعير ذكرًا كان أو أنثى، والهاء فيها للوحدة لا للتأنيث، وقال الأزهري في "شرح ألفاظ المختصر": البدنة لا تكون إلا من الإبل، وصح ذلك عن عطاء، وأما الهدي .. فيكون في الإبل والبقر والغنم، وحكى النووي عنه أنه قال: البدنة تكون من الإبل والبقر والغنم، وكأنه خطأ نشأ عن سقط.
قوله: (دجاجة) فتح الدال أفصح من كسرها، كذا في "الصحاح"، وحكي الضم، قال الكرماني: فإن قلت: القربان لا يكون إلا من النعم لا من الدجاجة والبيضة .. قلت: معنى قرّب ها هنا: تصدّق متقربًا إلى الله تعالى بها، وقال العيني: وفيه إطلاق القربان على الدجاجة والبيضة؛ لأن المراد من التقرب التصدق، ويجوز التصدق بالدجاجة والبيضة ونحوهما.
قوله: "فإذا خرج الإمام .. طووا الصحف" ولم يكتبوا بعد ذلك أحدًا، ومعلوم أن النبي ﷺ كان يخرج إلى الجمعة متصلًا بعد الزوال، وهو بعد انقضاء السادسة، فدل على أنه لا شيء من الهدي والفضيلة من جاء بعد الزوال، وكذا ذكر الساعات إنما هو للحث على التبكير إليها والترغيب في فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها بالاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال، ولا فضيلة من أتى بعد الزوال؛ لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعد النداء. انتهى كلام النووي،
انتهى "تحفة الأحوذي".
стр. 3044
- زَادَ سَهْلٌ فِي حَدِيثِهِ - فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ .. فَإِنَّمَا يَجِيءُ بِحَقٍّ إِلَى الصَّلَاةِ".
(٢٠) - ١٠٦٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ,
===
(زاد سهل) بن أبي سهل على هشام بن عمار (في حديثه) أي: في روايته لفظة: (فمن جاء بعد ذلك) أي: بعدما خرج الإمام .. (فإنما يجيء بحق) أي: بواجب الخروج (إلى الصلاة) أي: فله أجر الصلاة، وليس له شيء من الأجر الزائد الحاصل للمبكرين على الترتيب السابق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجمعة، باب فضل غُسل يوم الجمعة، رقم (٨٥٠)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب الطيب وترك السواك يوم الجمعة (٨٥٠)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في التبكير إلى الجمعة، رقم (٤٩٩)، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٠) - ١٠٦٨ - (٢) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن بشير) الأزدي مولاهم أبي عبد الرحمن الشامي، ضعيف منكر الحديث، من الثامنة، مات سنة ثمان أو تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (عم).
стр. 3045
عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ مَثَلَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ التَّبْكِيرِ كَنَاحِرِ الْبَدَنَةِ كَنَاحِرِ الْبَقَرَةِ كَنَاحِرِ الشَّاةِ ... حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ.
===
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاري مولاهم أبي سعيد البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة (١١٠ هـ) عشر ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري البصري الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سعيد بن بشير، وهو ضعيف متفق على ضعفه.
(أن رسول الله ﷺ ضرب) أي: بيّن (مثل الجمعة) وشبهها، (ثم) ضرب وبيّن مثل (التبكير) إليها؛ أي: جعل شبه المبكّر إليها في الساعة الأولى (كناحر البدنة) أي: بناحر البدنة ومذكيها، ثم جعل المبكّر إليها في الساعة الثانية (كناحر البقرة) وذابحها، ثم جعل المبكِّر إليها في الساعة الثالثة (كناحر الشاة)، وذكر رسول الله ﷺ شبه المبكرين إليها (حتى ذكر الدجاجة) أي: حتى ذكر ناحر الدجاجة وناحر البيضة؛ أي: ذكر بالمتصدِّق بهما.
قوله: (كناحر البدنة) من النحر؛ وهو طعن لبة الإبل وأسفل حلقومه بالسكين، وذكره في غير البدنة للمشاكلة، وإلا .. فحقه أن يقول: كذابح البقرة والشاة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، فقال: حدثنا أبو كريب ... فذكره بإسناده ومتنه، وله شاهد من
стр. 3046
(٢١) - ١٠٦٩ - (٣) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَعْمَرٍ،
===
حديث أبي هريرة رواه النسائي في "الصغرى" والترمذي في "الجامع" وقال: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وسمرة انتهى بوصيري. بل في الباب أحاديث عديدة ذكرها الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب".
فنقول: فدرجة هذا الحديث: ضعيف السند؛ لأن فيه سعيد بن بشير، كما مر، صحيح المتن؛ لأن له شاهدًا، كما ذكرناه آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، فهو ضعيف السند صحيح المتن.
وقول البوصيري هنا: إسناده صحيح .. غير صواب.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢١) -١٠٦٩ - (٣) (حدثنا كثير بن عبيد) بن نمير المذحجي أبو الحسن (الحمصي) الحذاء المقرئ، ثقة، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز) بن أبي رواد -بفتح الراء وتشديد الواو- صدوق يخطئ وكان مرجئًا، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وضعفه ابن حبان، وقال: إنه متروك لإرجائه، وكان أحمد يروي عن المرجئ إذا لم يكن داعيًا، وكان أثبت الناس في حديث ابن جريج، فهو مختلف فيه، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه (م عم).
(عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3047
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَوَجَدَ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنَ اللهِ
===
(عن) سليمان بن مهران الكاهلي (الأعمش) الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي أبي شبل الكوفي، ثقة، مخضرم، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) علقمة: (خرجت مع عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد المجيد بن عبد العزيز، فهو مختلف فيه.
أي: قال علقمة: خرجت مع عبد الله بن مسعود من منزله (إلى) مسجد الكوفة لصلاة (الجمعة، فوجد) عبد الله في المسجد (ثلاثة) أنفار، (قد سبقوه) أي: والحال أن الثلاثة قد سبقوا عبد الله إلى المسجد، (فـ) لما رآهم سبقوه إلى المسجد .. (قال) عبد الله: (رابع أربعة) أي: جاعل ثلاثة أربعة فلا بأس، ثم قال: (وما رابع أربعة) أي: وما جاعل ثلاثة أربعة (ببعيد) عن الثلاثة في المنزلة؛ لأنه يلي الثالث بلا فاصل، وإنما قلت ذلك (إني) أي: لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس) أي: إن المؤمنين منهم (يجلسون من الله) ؛ أي: يجلسون عند الله تعالى
стр. 3048
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَاتِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ - ثُمَّ - قَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ".
===
(يوم القيامة) متفاوتين في القُرب إليه (على قدر) تفاوت (رواحهم) وذهابهم (إلى الجمعات) حالة كونهم مرتبين في القرب إليه؛ (الأول والثاني والثالث) أي: يقدّم في القُرب إليه الأول في حضور الجمعة، ثم الثاني في حضورها، ثم الثالث في ذلك، ونصب الأول وما بعده على الحالية، كما قدرناه؛ لأنها حال مفيدة للترتيب؛ كقولهم: ادخلوا الأول فالأول.
(ثم قال) عبد الله ثانيًا لتأكيد ما ذكره أولًا: أنا (رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد) لأنه متصل بالثالث، وفاعل في أسماء العدد بمعنى جاعل ما دونه إلى ما فوقه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال، عبد المجيد هذا هو ابن عبد العزيز بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم في "صحيحه" .. فإنما أخرج له مقرونًا بغيره؛ فقد كان شديد الإرجاء داعية إليه، لكن وثقه الجمهور؛ أحمد وابن معين وأبو داوود والنسائي، ولينه أبو حاتم، وضعفه ابن حبان، وباقي رجال الإسناد ثقات، فالإسناد حينئذ حسن، ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه بإسناد حسن، ورواه الطبراني في "الكبير" من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد، كما بيناه في محله.
والله أعلم
стр. 3049
(٨) - (٢٨٥) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الزِّينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(٢٢) - ١٠٧٠ - (١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ
===
(٨) - (٢٨٥) - (باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة)
(٢٢) - ١٠٧٠ - (١) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، الفقيه المقرئ، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سويد الأزدي المصري عالمها، ثقة ثبت فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن سعيد) أو سعد - وهو الصواب - بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (م د ق).
(عن محمد بن يحيى بن حبان) -بفتح المهملة وتشديد الموحدة- ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن سلام) الإسرائيلي المدني ﵁.
стр. 3050
أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ: "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن عبد الله بن سلام (سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: ما على أحدكم) من حرج؛ أي: من ذنب في شراء ثوب يتزين به يوم الجمعة؛ أي: لا مانع له من شرائه (لو اشترى) أحدكم (ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته) أي: سوى ثوب خدمته وشغله .. لكان خيرًا له وأحسن، قال السندي: قوله: "ما على أحدكم" أي: حرج من حيث الدنيا، يريد الترغيب فيه بأنه شيء ليس فيه حرج وتكليف على فاعله، وهو خير إذ لا يفوته الإنسان.
قوله: "سوى ثوب مهنته" -بفتح الميم-: هي الخدمة، وكسر الميم جائز قياسا؛ كالجلسة والخدمة، فجوّزه بعضهم نظرًا إلى ذلك، ومنعه الآخرون وعدُّوه خطأَ نظرًا إلى السماع، ورواية أبي داوود مع "العون": (ما على أحدكم) قال في "المرقاة": قيل: ما موصولة، وقال الطيبي: ما نافية بمعنى ليس، واسمه محذوف، وعلى أحدكم خبره؛ أي؛ ليس الحرج كائنًا على أحدكم (إن وجد) أي: سعة يقدر بها على تحصيل زائد على ملبوس مهنته، وهذه شرطية معترضة، وقوله: (أن يتخذ) متعلق بالاسم المحذوف معمول له، ويجوز أن يتعلق على بالمحذوف، والخبر أن يتخذ؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ (١)، والمعنى: ليس على أحد حرج؛ أي: نقص يُخل بزهده في أن يتخذ (ثوبين ليوم الجمعة) أي: يلبسهما