(٢١) - ١٠٦٩ - (٣) حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ مَعْمَرٍ،
===
حديث أبي هريرة رواه النسائي في "الصغرى" والترمذي في "الجامع" وقال: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وسمرة انتهى بوصيري. بل في الباب أحاديث عديدة ذكرها الحافظ المنذري في "الترغيب والترهيب".
فنقول: فدرجة هذا الحديث: ضعيف السند؛ لأن فيه سعيد بن بشير، كما مر، صحيح المتن؛ لأن له شاهدًا، كما ذكرناه آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، فهو ضعيف السند صحيح المتن.
وقول البوصيري هنا: إسناده صحيح .. غير صواب.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢١) -١٠٦٩ - (٣) (حدثنا كثير بن عبيد) بن نمير المذحجي أبو الحسن (الحمصي) الحذاء المقرئ، ثقة، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز) بن أبي رواد -بفتح الراء وتشديد الواو- صدوق يخطئ وكان مرجئًا، وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وضعفه ابن حبان، وقال: إنه متروك لإرجائه، وكان أحمد يروي عن المرجئ إذا لم يكن داعيًا، وكان أثبت الناس في حديث ابن جريج، فهو مختلف فيه، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه (م عم).
(عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3047
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَوَجَدَ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ فَقَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنَ اللهِ
===
(عن) سليمان بن مهران الكاهلي (الأعمش) الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة النخعي أبي شبل الكوفي، ثقة، مخضرم، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) علقمة: (خرجت مع عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي الصحابي المشهور ﵁.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد المجيد بن عبد العزيز، فهو مختلف فيه.
أي: قال علقمة: خرجت مع عبد الله بن مسعود من منزله (إلى) مسجد الكوفة لصلاة (الجمعة، فوجد) عبد الله في المسجد (ثلاثة) أنفار، (قد سبقوه) أي: والحال أن الثلاثة قد سبقوا عبد الله إلى المسجد، (فـ) لما رآهم سبقوه إلى المسجد .. (قال) عبد الله: (رابع أربعة) أي: جاعل ثلاثة أربعة فلا بأس، ثم قال: (وما رابع أربعة) أي: وما جاعل ثلاثة أربعة (ببعيد) عن الثلاثة في المنزلة؛ لأنه يلي الثالث بلا فاصل، وإنما قلت ذلك (إني) أي: لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الناس) أي: إن المؤمنين منهم (يجلسون من الله) ؛ أي: يجلسون عند الله تعالى
стр. 3048
يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَاتِ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ - ثُمَّ - قَالَ: رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ".
===
(يوم القيامة) متفاوتين في القُرب إليه (على قدر) تفاوت (رواحهم) وذهابهم (إلى الجمعات) حالة كونهم مرتبين في القرب إليه؛ (الأول والثاني والثالث) أي: يقدّم في القُرب إليه الأول في حضور الجمعة، ثم الثاني في حضورها، ثم الثالث في ذلك، ونصب الأول وما بعده على الحالية، كما قدرناه؛ لأنها حال مفيدة للترتيب؛ كقولهم: ادخلوا الأول فالأول.
(ثم قال) عبد الله ثانيًا لتأكيد ما ذكره أولًا: أنا (رابع أربعة، وما رابع أربعة ببعيد) لأنه متصل بالثالث، وفاعل في أسماء العدد بمعنى جاعل ما دونه إلى ما فوقه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال، عبد المجيد هذا هو ابن عبد العزيز بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم في "صحيحه" .. فإنما أخرج له مقرونًا بغيره؛ فقد كان شديد الإرجاء داعية إليه، لكن وثقه الجمهور؛ أحمد وابن معين وأبو داوود والنسائي، ولينه أبو حاتم، وضعفه ابن حبان، وباقي رجال الإسناد ثقات، فالإسناد حينئذ حسن، ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه بإسناد حسن، ورواه الطبراني في "الكبير" من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد، كما بيناه في محله.
والله أعلم
стр. 3049
(٨) - (٢٨٥) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الزِّينَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(٢٢) - ١٠٧٠ - (١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ
===
(٨) - (٢٨٥) - (باب ما جاء في الزينة يوم الجمعة)
(٢٢) - ١٠٧٠ - (١) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، الفقيه المقرئ، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سويد الأزدي المصري عالمها، ثقة ثبت فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن سعيد) أو سعد - وهو الصواب - بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (م د ق).
(عن محمد بن يحيى بن حبان) -بفتح المهملة وتشديد الموحدة- ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن سلام) الإسرائيلي المدني ﵁.
стр. 3050
أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ: "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن عبد الله بن سلام (سمع رسول الله ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة: ما على أحدكم) من حرج؛ أي: من ذنب في شراء ثوب يتزين به يوم الجمعة؛ أي: لا مانع له من شرائه (لو اشترى) أحدكم (ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوب مهنته) أي: سوى ثوب خدمته وشغله .. لكان خيرًا له وأحسن، قال السندي: قوله: "ما على أحدكم" أي: حرج من حيث الدنيا، يريد الترغيب فيه بأنه شيء ليس فيه حرج وتكليف على فاعله، وهو خير إذ لا يفوته الإنسان.
قوله: "سوى ثوب مهنته" -بفتح الميم-: هي الخدمة، وكسر الميم جائز قياسا؛ كالجلسة والخدمة، فجوّزه بعضهم نظرًا إلى ذلك، ومنعه الآخرون وعدُّوه خطأَ نظرًا إلى السماع، ورواية أبي داوود مع "العون": (ما على أحدكم) قال في "المرقاة": قيل: ما موصولة، وقال الطيبي: ما نافية بمعنى ليس، واسمه محذوف، وعلى أحدكم خبره؛ أي؛ ليس الحرج كائنًا على أحدكم (إن وجد) أي: سعة يقدر بها على تحصيل زائد على ملبوس مهنته، وهذه شرطية معترضة، وقوله: (أن يتخذ) متعلق بالاسم المحذوف معمول له، ويجوز أن يتعلق على بالمحذوف، والخبر أن يتخذ؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ... ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ (١)، والمعنى: ليس على أحد حرج؛ أي: نقص يُخل بزهده في أن يتخذ (ثوبين ليوم الجمعة) أي: يلبسهما
стр. 3051
(٢٢) - ١٠٧٠ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَيْخٌ لَنَا،
===
فيه وفي أمثاله من العيد وغيره، وفيه أن ذلك ليس من شيم المتقين لولا تعظيم الجمعة ومراعاة شعار الإسلام.
(سوى ثوبي مهنته) -بفتح الميم ويكسر- أي: بذلته وخدمته؛ أي: غير الثوبين اللذين معه في سائر الأيام، وفي "الفائق": روي بكسر الميم وفتحها، والكسر عند الإثبات خطأ، وقال الأصمعي: بالفتح الخدمة، ولا يقال بالكسر، وكأن القياس لو جيء بالكسر أن يكون كالجلسة والخدمة، إلا أنه جاء على فعلة، يقال: مهنت القوم أمهنهم؛ أي: ابتذلهم في الخدمة، ذكره الطيبي، واقتصر في "النهاية" على الفتح أيضًا، لكن قال في "القاموس": المهنة بالكسر والفتح.
والحديث يدل على استحباب لُبس الثياب الحسنة يوم الجمعة وتخصيصه بملبوس غير ملبوس سائر الأيام. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة باب اللبس للجمعة، الحديث، رقم (١٠٧٨).
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث، فقال:
(٢٢) - ١٠٧٠ - (م) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة)، قال لنا أبو بكر: (حدثنا شيخ لنا) قال المزي: هذا الشيخ هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني، القاضي نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ)، وله ثمان وسبعون سنة. يروي عنه: (ق).
стр. 3052
عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ.
===
(عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق، رُمي بالقدر وربما وهم، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن يحيى بن حبان) -بفتح الحاء وتشديد الموحدة- ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يوسف بن عبد الله بن سلام) الإسرائيلي المدني أبي يعقوب، صحابي صغير ﵁، وقد ذكره العجلي في ثقات التابعين. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) عبد الله بن سلام الإسرائيلي أبي يوسف الخزرجي حليفهم المدني، كان اسمه الحصين، فسماه النبي ﷺ عبد الله، مشهور له أحاديث وفضل ﵁، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين (٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه الشيخ الذي أبهمه؛ وهو محمد بن عمر بن واقد الواقدي متروك لا يحتج به، وغرضه بسوقه: بيان متابعة عبد الحميد بن جعفر لموسى بن سعيد في رواية هذا الحديث عن محمد بن يحيى بن حبان.
(قال) عبد الله: (خطبنا النبي ﷺ يقول على المنبر في يوم الجمعة ... الحديث.
(فذكر) عبد الحميد بن جعفر (ذلك) الحديث الذي ذكره موسى بن سعيد
стр. 3053
(٢٣) - ١٠٧١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
===
عن محمد بن يحيى بن حبان، وفائدة ذكر المؤلف هذا السند بيان كثرة طرقه، قال المزي في "الأطراف": السند الأول هو الصحيح؛ أي: الصواب، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث عبد الله بن سلام بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٣) - ١٠٧١ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين على الصحيح (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عمرو بن أبي سلمة) التنيسي - بمثناة فوقية ونون مشددة مكسورة بعدها سين مهملة - أبو حفص الدمشقي الهاشمي مولاهم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن زهير) بن محمد التميمي أبي المنذر الخراساني سكن الشام ثم الحجاز، ثقة إلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعّف بسببها، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة، من الثالثة، مات قبل المئة سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
стр. 3054
عَنْ عَائِشَةَ أَن النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَرَأَى عَلَيْهِمْ ثِيَابَ النِّمَارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةَ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَي مِهْنَتِهِ".
(٢٤) -١٠٧٢ - (٣) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ
===
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار) قال السندي: النمار - بكسر النون - جمع نمرة -بفتح فسكون- وهي بردة لها خطوط على صورة النمر يلبسها الأعراب، (فقال رسول الله ﷺ للناس: (ما على أحدكم) بأس؛ أي: منع (إن وجد سعة) أي: غنىً من المال من (أن يتخذ ثوبين) إما إزارًا ورداءً، أو رداءً وقميصًا مثلًا (لـ) زينة يوم (جمعته سوى ثوبي مهنته) أي: غير الثوبين اللذين يلبسهما عند خدمة عياله أو عند شغله بأعماله الدنيوية، وقد مر تفسير هذا الحديث في الحديث الذي قبله.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عبد الله بن سلام بحديث أبي ذر الغفاري ﵄، فقال:
(٢٤) -١٠٧٢ - (٣) (حدثنا سهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي أبو عمرو الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 3055
وَحَوْثَرَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(وحوثرة) بفتح أوله وسكون الواو بعدها مثلثة مفتوحة بوزن جوهرة (ابن محمد) أبو الأزهر البصري الورّاق، ذكره ابن حبان في "الثقات"، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي (القطان) أبو سعيد البصري، ثقة إمام، من أئمة الجرح، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن عجلان) القرشي مولاهم أبي عبد الله المدني، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) كيسان أبي سعيد المقبري المدني مولى أم شريك، ثقة، من الثانية، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن وديعة) بن خدام - بكسر المعجمة - الأنصاري المدني، مختلف في صحبته، ووثقه ابن حبان، قتل بالحرة. يروي عنه: (خ ق).
(عن أبي ذر) جندب بن جنادة الغفاري المدني الربذي ﵁ (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 3056
قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ، وَتَطَهَرَ فَأَحْسَنَ طُهُورَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ وَلَمْ يَلْغُ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ .. غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى".
===
(قال) النبي ﷺ : (من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله) بدلك جسده وتعميم بدنه بالماء (وتطهر) أي: تنظف بقص شاربه، وتقليم أظفاره، وحلق عانته، ونتف إبطه، (فأحسن طهوره) بإزالة ما ينبغي إزالته، (ولبس من أحسن ثيابه) وهي البيض، (ومس) أي: مسح على بدنه بـ (ما كتب الله) أي: بما قدر الله (له) ولو (من طيب أهله) وزوجته، (ثم أتى الجمعة) أي: موضعها وهو المسجد مثلًا، (ولم يلغ) أي: لم يُعرض عن استماع الخطبة أو لم يمس الحصى.
(ولم يُفرق بين اثنين) بالتخطي بينهما .. (غُفر له ما بينه) أي: ما بين الجمعة التي هو فيها (وبين الجمعة الأخرى) إما الماضية أو المستقبلة من الصغائر، قال الحافظ في "الفتح": المراد بالأخرى التي مضت، بيَّنه الليث عن ابن عجلان في روايته. انتهى، قال ميرك: وكما في "سنن أبي داوود" من حديث أبي سعيد وأبي هريرة، ولفظه: (كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها). انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن يحيى بن سعيد به، وكذا رواه مسدد في "مسنده" عن يحيى بن سعيد به، ورواه الحميدي عن طريق عبد الله بن وديعة عن أبي ذر به، وفيه زيادة ثلاثة أيام، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" رقمي (١٧٦٣/ ١٨١٢) عن بندار عن يحيى بن سعيد به، ورواه الحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٩٠) عن محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى بن سعيد ...
стр. 3057
(٢٥) - ١٠٧٣ - (٤) حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي الْأَخْضرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ،
===
فذكره بإسناده ومتنه، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأصل الحديث في "صحيح مسلم" و"أبي داوود" و"الترمذي" من حديث أبي هريرة، وفي "أبي داوود" و"الترمذي" و"النسائي" من حديث أوس بن أوس، وفي "البخاري" و"النسائي" من حديث سلمان.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن سلام بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٥) -١٠٧٣ - (٤) (حدثنا عمار بن خالد) بن يزيد بن دينار (الواسطي) التمار أبو الفضل، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا علي بن غراب) - باسم الطائر - الفزاري مولاهم الكوفي القاضي، وغراب لقبه، واسمه عبد العنريز، صدوق، من الثامنة، وكان يدلس ويتشيع، وأفرط ابن حبان في تضعيفه، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (س ق).
(عن صالح بن أبي الأخضر) اليمامي مولى هشام بن عبد الملك نزل البصرة، ضعيف يُعتبر به، من السابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن الزهري) محمد بن مسلم (عن عبيد بن السباق) - بمهملة وموحدة مشددة - المدني الثقفي أبي سعيد، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
стр. 3058
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ .. فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ .. فَلْيَمَسَّ مِنْهُ وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ".
===
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه صالح بن أبي الأخضر، وقد لينه الجمهور، وباقي رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : إن هذا) اليوم؛ يعني: يوم الجمعة (يوم عيد) وفرح في الأسبوع، (جعله الله) عيدًا (للمسلمين؛ فمن جاء) أي: فمن أراد أن يجيء (إلى) مسجد (الجمعة .. فليغتسل) غسلًا كغسله من الجنابة (وإن كان) ووُجد عنده (طيب .. فليمس) -بفتح الميم أفصح من ضمها- أي: فليمس بدنه (منه) أي: من ذلك الطيب ولو من طيب أهله، (وعليكم) أيها المسلمون؛ أي: والزموا (بالسواك) أي: بالاستياك لتنظفوا أفواهكم لذكر الله تعالى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه عبد العظيم المنذري الحافظ في كتابه "الترغيب والترهيب" (١/ ٤٩٨) وحسّنه، ورواه الترمذي في "جامعه" من حديث البراء بن عازب مرفوعًا: "حق على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب"، وقال: حديث حسن، وله شاهد من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" أخرجه النسائي (١/ ٩٣) في باب غسل يوم الجمعة، وأخرج النسائي أيضًا عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "على كل رجل مسلم في كل سبعة أيام غُسل يوم؛ وهو يوم الجمعة".
стр. 3059
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لحُسن سنده، وله شواهد أيضًا، كما ذكرناها آنفًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثلاثة الباقية للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3060
(٩) - (٢٨٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ الْجُمُعَةِ
(٢٦) - ١٠٧٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى
===
(٩) - (٢٨٦) - (باب ما جاء في وقت الجمعة)
(٢٦) - ١٠٧٤ - (١) (حدثنا محمد بن الصبّاح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني أبي) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني القاضي، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) سهل: (ما كنا) معاشر الصحابة (نقيل) -بفتح النون- من القيلولة؛ وهي الاستراحة في نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، (ولا نتغدى) أي: ولا نأكل الغداء؛ من الغداء - بمعجمة ثم مهملة - وهو طعام يؤكل أول النهار، وظاهر الحديث أنهم كانوا يصلون أول النهار قبل الزوال، وهو مذهب أحمد، وحمله الجمهور على التبكير وأنهم كانوا يشتغلون أول النهار قبل الزوال،
стр. 3061
إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ.
(٢٧) - ١٠٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ،
===
فيؤخرون الغداء والقيلولة عن وقتهما، والحاصل أن ما كان غداء في غير يوم الجمعة يكون بعد صلاة الجمعة، وكذا القيلولة. انتهى "سندي"، (إلا بعد الجمعة) أي: إلا بعد رجوعنا من صلاة الجمعة (في عهد رسول الله ﷺ كما في رواية مسلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الجمعة، باب قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، رقم (٩٣٩)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس، رقم (٨٥٩)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في القائلة بعد الجمعة (٣١٥)، وأحمد بن حنبل (٥/ ٣٣٦).
فالحديث من المتفق عليه، فهو في أعلى درجات الصحة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث سهل بحديث سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٧) - ١٠٧٥ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد
стр. 3062
حَدَّثَنَا يَعْلَى بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ إِيَاسَ بْنَ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَرْجِعُ فَلَا نَرَى لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ.
===
البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ) بالبصرة عن ثلاث وستين (٦٣) سنة، وكان يحج كل سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا يعلى بن الحارث) بن حرب بن جرير المحاربي أبو حرب الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(قال) يعلى: (سمعت إياس بن سلمة بن الأكوع) الأسلمي أبا سلمة المدني، وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع)، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ) حالة كونه يرويه (عن أبيه) سلمة بن عمرو بن الأكوع ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) سلمة: (كنا) معاشر الصحابة (نصلي مع النبي ﷺ صلاة (الجمعة، ثم نرجع) إلى بيوتنا (فلا نرى) ولا نجد في إيابنا (للحيطان) أي: لجدران البيوت (فيئًا) أي: ظلًا (نستظل به) لعدم زوال الشمس عن وسط السماء.
قوله: (للحيطان) جمع حائط وهذا يكون عند الاستواء، والفيء: الظل بعد الزوال، فظاهر الحديث أن تكون الصلاة قبل الزوال كما عليه أحمد، ولعل الجمهور يحمل الفيء على فيء يمكن فيه المشي مثلًا، فيكون الحديث بيانًا للتعجيل بعد الزوال. انتهى "سندي".
стр. 3063
(٢٨) -١٠٧٦ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
قوله: (فيئًا نستظل به) أي: فيئًا واسعًا نستظل به من حر الشمس؛ لقلته وصغره، قال القرطبي: يعني أنه كان يفرغ من صلاة الجمعة قبل تمكن الفيء من أن يستظل به، وهذا يدل على إيقاعه ﷺ الجمعة في أول الزوال. انتهى "مفهم".
قال النووي: هذه الأحاديث ظاهرة في تعجيل الجمعة، ولا تجوز إلا بعد الزوال في قول جماهير العلماء، ولم يخالف في هذا إلا أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم، فجوزاها قبل الزوال، وحمل الجمهور هذه الأحاديث على المبالغة في تعجيلها، وأنهم كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة؛ لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها، فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها .. خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية الحديث (٤١٦٨)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس (١٩٨٩)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب في وقت الجمعة، الحديث (١٠٨٥)، والنسائي في كتاب الجمعة، باب وقت الجمعة، الحديث (١٣٩٥). انتهى "تحفة الأشراف".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث سهل بن سعد بحديث سعد القرظ مؤذن مسجد قباء ﵃، فقال:
(٢٨) -١٠٧٦ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي
стр. 3064
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ ﷺ ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ.
===
الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد) القرظ (مؤذن النبي ﷺ المدني، وقد يُنسب إلى جده، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثني أبي) سعد بن عمار بن سعد القرظ المؤذن، مستور، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عمار بن سعد القرظ -بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة- المؤذن، مقبول من الثالثة، ووهم من زعم أن له صحبة. يروي عنه: (ق).
(عن جده) سعد بن عائذ، أو ابن عبد الرحمن مولى الأنصار المعروف بسعد القرظ -بفتحتين- المؤذن بقباء، الصحابي المشهور ﵁، بقي إلى ولاية الحجاج على العراق؛ وذلك سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن عبد الرحمن بن سعد أجمعوا على ضعفه، وأما أبوه .. فقال ابن القطان: لا يُعرف حاله ولا حال أبيه.
(أنه) أي: أن جده (كان يؤذن يوم الجمعة) بقباء (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته (إذا كان الفيء) أي: الظل بعد الزوال (مثل الشراك) - بكسر الشين المعجمة وتخفيف الراء المهملة - أي: قدر
стр. 3065
(٢٩) -١٠٧٧ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ
===
الشراك .. لم يخرج من تحته، والشراك: سير النعل وحبله؛ وذلك يكون أول ما يظهر الزوال.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أنس، ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن سلمة بن الأكوع وجابر والزبير.
فدرجة الحديث: أنه صحيح بغيره، وسنده ضعيف جدًّا، كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سهل بن سعد.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث سهل بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٩) -١٠٧٧ - (٤) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا المعتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حميد) الطويل بن أبي الحميد، اسمه تير، وقيل غير ذلك، أبو عبيدة البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ) وهو قائم يصلي. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك ﵁.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 3066
قَالَ: كُنَّا نُجَمِّعُ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنَقِيلُ.
===
(قال) أنس: (كنا نُجمع) من التجميع؛ أي: كنا نصلي الجمعة مع رسول الله ﷺ ، (ثم نرجع) إلى منازلنا، (فنقيل) أي: فننام نوم القيلولة، قال السندي: قوله: (نُجمِّع) من التجميع، يقال: جمع الناس إذا شهدوا الجمعة؛ كما يقال: عيّدوا إذا شهدوا العيد. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث سهل بن سعد، رواه البخاري ومسلم في "صحيحهما"، وأبو داوود في "سننه"، والترمذي في "الجامع" مرفوعًا بلفظ: (كنا نقيل ونتغدى بعد الجمعة)، وقال: الترمذي: حديث حسن صحيح، وله شاهد أيضًا من حديث جابر بن عبد الله، رواه النسائي في "الصغرى" (٣/ ١٠٠) بلفظ: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ ، ثم نرجع فنريح نواضحنا، قلت: أي ساعة؟ قال: زوال الشمس)، وله شاهد أيضًا من حديث الزبير بن العوام وحديث سلمة بن الأكوع، رواهما البخاري ومسلم والنسائي والدارمي وأحمد بن حنبل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، كما بيناها، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبقية للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3067
(١٠) - (٢٨٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ
(٣٠) - ١٠٧٨ - (١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ،
===
(١٠) - (٢٨٧) - (باب ما جاء في الخطبة يوم الجمعة)
(٣٠) - ١٠٧٨ - (١) (حدثنا محمود بن غيلان) العدوي المروزي نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أحد الفقهاء السبعة والعلماء الأثبات، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر.
(عن ابن عمر) ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(ح وحدثنا يحيى بن خلف) الباهلي (أبو سلمة) البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي - بالقاف - مولاهم أبو إسماعيل
стр. 3068
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بن عمر، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا جَلْسَةً، زَادَ بِشْرٌ: وَهُوَ قَائِمٌ.
===
البصري العابد، ثقة ثبت عابد، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص العمري المدني.
(عن نافع عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله من الثقات.
(أن النبي ﷺ كان يخطب خطبتين) يوم الجمعة (يجلس بينهما جلسة)؛ أي: يفصل بينهما بجلسة خفيفة، (زاد بشر) بن المفضل على معمر في روايته هذا الحديث لفظة: (وهو) ﷺ (قائم) يخطب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجمعة، باب القعدة في الخطبتين يوم الجمعة بنحوه مختصرًا، وأخرجه مسلم في كتاب الجمعة، والترمذي في "الجامع"، باب فيما جاء من الجلوس بين الخطبتين، وأخرجه النسائي في كتاب الجمعة، باب الفصل بين الخطبتين بالجلوس، رقم الحديث (١٤١٥). انتهى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 3069
(٣١) - ١٠٧٩ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُسَاوِرٍ الْوَرَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
===
(٣١) - ١٠٧٩ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مساور الورّاق) أي: الكاتب الكوفي الشاعر، صدوق، من السابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن جعفر بن عمرو بن حريث) المخزومي الكوفي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبيه) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي أبي سعيد الكوفي الصحابي الصغير ﵁، مات سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ)، له ثمانية عشر حديثًا، انفرد له (م) بحديثين. يروي عنه (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لصحة سنده.
(قال) عمرو بن حريث: (رأيت النبي ﷺ يخطب على المنبر وعليه) أي: وعلى رأسه (عمامة سوداء).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام الحديث، رقم (٣٢٩٨)، وأبو داوود في كتاب اللباس،
стр. 3070
(٣٢) - ١٠٨٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ سَمُرَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا
===
باب لُبس العمائم، الحديث رقم (٤٠٧٧)، والنسائي في كتاب الزينة، باب لُبس العمائم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث جابر بن سمرة ﵃، فقال:
(٣٢) - ١٠٨٠ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن الوليد) بن عبد الحميد القرشي البسري -بضم الموحدة وسكون المهملة - من ولد بُسر بن أرطاة العامري أبو عبد الله البصري الملقب بحمدان، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ م س ق).
(قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة.
(حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري.
(عن سماك بن حرب) بن أوس الذهلي الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(قال) سماك: (سمعت جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الكوفي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(يقول: كان رسول الله ﷺ دائمًا (يخطب قائمًا) في
стр. 3071
غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْعُدُ قَعْدَةً ثُمَّ يَقُومُ.
(٣٣) - ١٠٨١ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ
===
الخطبة الأولى (غير أنه) ﷺ (كان يقعد قعدة) خفيفة قدر الجلسة بين السجدتين بعد الخطبة الأولى، (ثم) بعد قعدته (يقوم) فيخطب الخطبة الثانية قائمًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الجمعة، باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الخطبة قائمًا، والنسائي في كتاب العيدين، باب قيام الإمام في الخطبة، والبيهقي، وأحمد، وابن خزيمة، وعبد الرزاق.
فدرجته: أنه صحيح.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث آخر لجابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٣) - ١٠٨١ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3072
قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَقْرَأُ آيَاتٍ وَيَذْكُرُ اللهَ ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ قَصْدًا وَصَلَاتُهُ قَصْدًا.
===
(قالا) أي: قال وكيع وعبد الرحمن: (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سماك) بن حرب.
(عن جابر بن سمرة) رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قال) جابر: (كان النبي ﷺ يخطب) الخطبة الأولى (قائمًا) فيها، (ثم) بعد فراغه منها (يجلس) جلسة خفيفة على المنبر للفصل بين الخطبتين؛ كالفصل بين السجدتين، (ثم) بعد جلوسه (يقوم) إلى الثانية، (فيقرأ) فيها (آيات) من القرآن ثلاثًا فأكثر، (ويذكر الله ويُذَكِّر الناس، كما في رواية مسلم؛ أي: يعظهم فيهما بذكر الوعد والوعيد، (وكانت خطبته) ﷺ (قصدًا) أي: متوسطة بين الطول والقصر، (و) كانت (صلاته قصدًا) أي: متوسطة بينهما، ولا يلزم مساواة الصلاة والخطبة؛ إذ توسط كل منهما بحسبه.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
قال النووي: في هذا الحديث دليل للشافعي على أنه يشترط في الخطبة الوعظ والقرآن، قال الشافعي: لا تصح الخطبتان إلا بحمد الله تعالى والصلاة على رسول الله ﷺ فيهما والوعظ فيهما، وهذه الثلاثة واجبة
стр. 3073
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في الخطبتين، وتجب قراءة آية من القرآن في إحداهما على الأصح، ويجب الدعاء للمؤمنين في الثانية على الأصح، وقال مالك وأبو حنيفة والجمهور: يكفي من الخطبة ما يقع عليه الاسم، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك في رواية عنه: يكفي تحميدة أو تسبيحة أو تهليلة، وهذا ضعيف لا حجة عليه؛ لأنه لا يسمى خطبة، ولا يحصل به مقصودها مع مخالفة ما ثبت عن النبي ﷺ . انتهى كلامه.
وفي "العون": قلت: وقوله: (يذكر الناس) فيه دليل صريح على أن الخطبة وعظ وتذكير للناس، وأن النبي ﷺ يُعقم أصحابه في خطبته قواعد الإسلام وشرائعه، ويامرهم وينهاهم في خطبته إذا عرض له أمر أو نهي؛ كما أمر الداخل وهو يخطب أن يصلي ركعتين، ونهى المتخطي رقاب الناس عن ذلك وأمره بالجلوس، وكان يدعو الرجل في خطبته: تعال اجلس يا فلان، وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته، فلا بد للخطيب أن يقرأ القرآن ويعظ به ويأمر وينهى ويبين الأحكام المحتاج إليها.
فان كان السامعون أعاجم .. يترجم لهم بلسانهم، وحديث جابر هذا هو أدل دليل على جواز ذلك، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ... ﴾ الآية (١)، قال في "جامع البيان": أي: ليبين لهم ما أُمروا به فيفهموه بلا كلفة، ورسول الله ﷺ وإن بُعث إلى الأحمر والأسود بصرائح الدلائل، لكن الأولى أن يكون بلغة من هو فيهم حتى يفهموا، ثم ينقلوه ويترجموه. انتهى.
فإن قلت: إن كانت الترجمة تجوز في الخطبة .. فتجوز قراءة ترجمة القرآن
стр. 3074
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أيضًا في الصلاة، فإن صلى واحد وقرأ ترجمة سورة الفاتحة مثلًا مكان الفاتحة .. صحت صلاته.
قلت: كلا، ولا يجوز ذلك في الصلاة قطعًا، والقياس على الخطبة قياس مع الفارق؛ لأن الخطبة ليس فيها ألفاظ مخصوصة وأذكار معينة، بل إنما هي التذكير؛ كما مر، والصلاة ليست بتذكير، بل إنما هي ذكر، وبين الذكر والتذكير فرق واضح، ولا بد في الصلاة من قراءة القرآن للإمام والمأموم والمنفرد؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (١)، فلفظ: (اقرؤوا) صيغة أمر يدل على الوجوب، ولا يمتثل الأمر إلا بقراءة القرآن بالنظم العربي كما أنزل عليه ووصل إلينا بالنقل المتواتر؛ لأن من يقرأ ترجمة القرآن في الصلاة .. لا يطلق عليه قراءة القرآن، بل هو خالف الأمر المأمور به، فكيف تجوز قراءة ترجمة القرآن في الصلاة؟ ! بل هو ممنوع، وأما الخطبة .. فهي تذكير، فلا بد للخطيب أن يُفهِم معاني القرآن بعد قراءته، ويُذكر السامعين بلسانهم، وإلا .. فيفوت مقصود الخطبة، كذا في "غاية المقصود" ملخصًا. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم باب ذكر الخطبتين قبل الصلاة وما فيهما من جلسة، رقم (٢٤/ ١٨٧)، وفي باب تخفيف الصلاة والخطبة (٤١/ ٨٦٦)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب إقصار الخطبة (١١٠٧)، والترمذي في كتاب الجمعة، باب (٣٥)، والنسائي في كتاب الجمعة، باب القراءة في الخطبة الثانية والذكر فيها، رقم (١٤١٧)، والدارمي، وأحمد، وابن الأعرابي في "معجمه" بإسناد واهٍ.
* * *
стр. 3075
(٣٤) - ١٥٨٢ - (٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَطَبَ فِي الْحَرْبِ .. خَطَبَ عَلَى قَوْسٍ، وَإِذَا خَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ .. خَطَبَ عَلَى عَصًا.
===
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث سعد القرظ ﵁، فقال:
(٣٤) - ١٠٨٢ - (٥) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد) القرظ -بفتحتين- المدني، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثني أبي) سعد بن عمار بن سعد القرظ، مستور، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عمار بن سعد القرظ، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(عن جده) سعد بن عائذ مولى الأنصار المعروف بسعد القرظ -بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة- المؤذن بقباء الصحابي المشهور ﵁، بقي إلى ولاية الحجاج على الحجاز سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا، وفي "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لضعف أولاد سعد وأبيه عبد الرحمن ومن فوقه.
(أن رسول الله ﷺ كان إذا خطب) ووعظ الناس (في الحرب .. خطب على قوس) أي: أخذ القوس بيده وقت الخطبة؛ لأنه اللائق بالحال، (وإذا خطب في الجمعة .. خطب على عصًا) أي: أخذ العصا بيده ومثلها السيف والرمح؛ إشارة إلى أن الدين قام بالسلاح والقهر.
стр. 3076
(٣٥) - ١٠٨٣ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولا شاهد له، فدرجته: أنه ضعيف السند والمتن (٢)(١٢٩)، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث ابن عمر بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٥) - ١٠٨٣ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا ابن أبي غنية) -بفتح المعجمة وكسر النون وتشديد التحتانية- اسمه يحيى بن عبد الملك بن حميد بن أبي غنية الخزاعي أبو زكريا الكوفي، أصله من أصبهان. روى عن: الأعمش، ويروي عنه: (خ م ت س ق)، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأحمد، وإسحاق، وابن معين، صدوق، له أفراد، من كبار التاسعة، مات سنة بضع وثمانين ومئة (١٨٣ هـ).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 3077
أَنَّهُ سُئِلَ أَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا؟ قَالَ: أَمَا تَقْرَأُ: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؟ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: غَرِيبٌ لَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَحْدَهُ.
===
(أنه) أي: أن ابن مسعود (سُئل) لم أر من ذكر اسم هذا السائل؛ أي: سأله سائل من الحاضرين عنده، فقيل له: (أكان) أي: هل كان (رسول الله ﷺ يخطب قائمًا، أو) يخطب (قاعدًا؟ قال) ابن مسعود للسائل: (أما تقرأ) أيها السائل قوله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾؟ ) (١)، فإنه يدل على أنه كان يخطب قائمًا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عمرو، رواه الترمذي في "الجامع"، وقال: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة، ورواه النسائي في "الصغرى" من حديث كعب بن عجرة.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، كما بيناها، وغرضه: الاستشهاد به.
قال أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر القطان القزويني راوية هذا "السنن": (قال) لنا (أبو عبد الله) محمد بن يزيد ابن ماجه: هذا الحديث (غريب لا يحدّث به إلا) أبو بكر (ابن أبي شيبة وحده) دون غيره، ولكنه صحيح مع غرابته؛ لصحة سنده.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث ابن عمر بحديث جابر بن عبد الله ﵃، فقال:
стр. 3078
(٣٦) -١٠٨٤ - (٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ .. سَلَّمَ.
===
(٣٦) -١٠٨٤ - (٧) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عمرو بن خالد) بن فروخ بن سعيد التميمي أبو الحسن الحراني نزيل مصر. روى عن: ابن لهيعة، وزهير بن معاوية، ويروي عنه: (خ ق)، ومحمد بن يحيى الذهلي، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وعشرين ومئتين (٢٢٩ هـ).
(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خُلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن محمد بن زيد بن مهاجر) بن قنفذ -بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة - التيمي المدني، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يهوي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ابن لهيعة.
(أن النبي ﷺ كان إذا صعد المنبر) واستقبل على الناس .. (سلّم) عليهم.
стр. 3079
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الحاكم من طريق عبيد بن شريك وابن ملحان قالا: حدثنا عمرو بن خالد ... فذكره، قال الحاكم: انفرد به ابن لهيعة، ورواه البيهقي عن الحاكم، ورواه الحاكم أيضًا من طريق أحمد بن إبراهيم عن عمرو بن خالد به، ورواه البيهقي أيضًا في باب ما جاء في تخطي الرقاب يوم الجمعة.
فدرجة هذا الحديث: ضعيف السند، حسن المتن؛ لأن كثرة طرقة تجبره، ويرتفع بها عن درجة الضعف إلى درجة الحسن، ولأن إجماع الأمة على العمل به شرقًا وغربًا تقويه وترفعه عن درجة الضعف إلى درجة الحسن، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
فجملة ما ذكره المصنف في هذا الباب من الأحاديث: سبعة:
الأول منها للاستدلال، والخامس منها للاستئناس، والخمسة الباقية للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3080
(١١) - (٢٨٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الاسْتِمَاعِ لِلْخُطْبَةِ وَالْإِنْصَاتِ لَهَا
(٣٧) - ١٠٨٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ .. فَقَدْ لَغَوْتَ".
===
(١١) - (٢٨٨) - (باب ما جاء في الاستماع للخطبة والإنصات لها)
والفرق بين الاستماع والإنصات: أن الاستماع إشغال السمع باستماع الخطبة، والإنصات كف اللسان عن الكلام عند الخطبة، فظهر أن الاستماع بالأذن، والإنصات باللسان.
* * *
(٣٧) - ١٠٨٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار) المدائني أبو عمرو الفزاري، ثقة حافظ، رُمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) هشام بن شعبة القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع. يروي عنه: (ع).
(عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: إذا قلت لصاحبك) أي لجليسك: (أنصت) أي: أمسك لسانك عن الكلام (يوم الجمعة) متعلق بقلت، (و) الحال أن (الإمام يخطب) أي: يعظ الناس .. (فقد لغوت) أي: أعرضت
стр. 3081
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بأذنك عن استماع الخطبة، ومن لغا .. فلا أجر له، فإذا كان هذا القدر مبطلًا للأجر مع أنه أمر بالمعروف، فكيف ما فوقه؟ ! انتهى "سندي".
قوله: "لصاحبك" أي: الذي تخاطبه إذ ذاك أو لجليسك "أنصت" أي: اسكت مع الإصغاء للخطبة، قوله: "والإمام يخطب" جملة حالية مشعرة بأن ابتداء الإنصات من الشروع في الخطبة، خلافًا من قال: بخروج الإمام.
نعم؛ الأحسن الإنصات. انتهى "قسطلاني"، قوله: "فقد لغوت" أي: أعرضت عن استماع الخطبة، وتكلمت بما لا ينبغي، قال النووي: فيه نهي عن جميع أنواع الكلام؛ لأن قول: أنصت إذا كان لغوًا مع أنه أمر بمعروف .. فغيره من الكلام أولى، وإنما طريق النهي هنا الإنكار بالإشارة. انتهى "مبارق".
قال أهل اللغة: يقال: لغا يلغو كغزا يغزو، ويقال: لغي يلغى كرضي يرضى لغتان، الأول أفصح، وظاهر القرآن يقتضي هذه الثانية التي هي لغة أبي هريرة، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ (١)؛ لأن هذا من لغي يلغى بوزن رضي يرضى، ولو كان من الأولى .. لقال: والغُوا -بضم الغين - فمصدر الأول اللغو كالغزو، ومصدر الثاني اللغا كالرضا واللقا، فمعنى فقد لغوت: أي: قلت اللغو؛ وهو الكلام الملغي الساقط الباطل المردود. انتهى "نووي"، وقيل: معناه: قلتَ غيرَ الصواب، وقيل: تكلمت بما لا ينبغي.
واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه؟ وهما
قولان للشافعي، قال القاضي عياض: قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة، وحُكي عن النخعي والشعبي وبعض السلف أنه لا يجب إلا إذا تُلي فيها القرآن، قال: واختلفوا إذا لم يسمع الإمام هل
стр. 3082
(٣٨) -١٠٨٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ،
===
يلزمه الإنصات؛ كما لو سمعه: فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعي وأحمد وأحد قولي الشافعي: لا يلزمه، وقوله: "والإمام يخطب" دليل على أن وجوب الإنصات عن الكلام إنما هو في حال الخطبة، وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجمهور، وقال أبو حنيفة: يجب بخروج الإمام، والله أعلم. انتهى، وقد استثني من الإنصات ما إذا انتهى الخطيب إلى كل ما لا يُشرع في الخطبة كالدعاء للسلطان مثلًا. انتهى من "الإرشاد".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة والإمام يخطب، رقم (٣٩٤)، ومسلم في كتاب الجمعة، باب الإنصات يوم الجمعة في الخطبة (٨٥١)، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الكلام والإمام يخطب (١١١٢)، والترمذي في كتاب الجمعة، باب ما جاء في كراهية الكلام والإمام يخطب (٥١٢)، والنسائي في كتاب الجمعة وكتاب العيدين، ومالك وأحمد والدارمي.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث أُبي بن كلعب ﵁، فقال:
(٣٨) -١٠٨٦ - (٢) (حدثنا محرز) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي (ابن سلمة العدني) ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي) أبو محمد الجهني مولاهم
стр. 3083
عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَرَأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ (تَبَارَكَ) وَهُوَ قَائِمٌ، فَذَكَّرَنَا بِأَيَّامِ اللهِ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ أَوْ أَبُو ذَرٍّ يَغْمِزُنِي
===
المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر) أبي عبد الله المدني، صدوق يخطئ، من الخامسة، مات في حدود أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أُبي بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي أبي المنذر سيد القراء ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة) في خطبته سورة الملك (تبارك) الذي بيده الملك (وهو) ﷺ (قائم) على المنبر، (فذكّرنا) أي: وعظنا (بـ) ذكر (أيام الله) تعالى ونعمه المذكورة في هذه السورة، (وأبو الدرداء) عويمر بن زيد الأنصاري الصحابي المشهور ﵁؛ أي: والحال أن أبا الدرداء (أو) قال أُبي بن كعب: (أبو ذر) الغفاري جندب بن جنادة الصحابي المشهور ﵁، وكلمة (أو) للشك من عطاء أو ممن دونه .. (يغمزني) أي: يطعنني؛ أي: والحال أن أبا الدرداء، أو قال: إن أبا ذر يطعنني بإصبعه في جنبي.
стр. 3084
فَقَالَ: مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ؟ إِنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا إِلَّا الْآنَ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ أَنِ اسْكُتْ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا قَالَ: سَأَلْتُكَ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَلَمْ تُخْبِرْنِي؟ فَقَالَ أُبَيٌّ: لَيْسَ لَكَ مِنْ صَلَاتِكَ الْيَوْمَ إِلَّا مَا لَغَوْتَ، فَذَهَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي قَالَ أُبَيٌّ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
===
(فقال) لي أبو الدرداء أو أبو ذر: (متى أُنزلت هذه السورة؟ ) يعني: سورة الملك (إني لم أسمعها) أي: لم أسمع هذه السورة (إلا الآن، فأشار) أُبي (إليه) أي: إلى السائل منهما بـ (أن اسكت) أي: كف لسانك عن الكلام في حال الخطبة، ففي الكلام التفات، (فلما انصرفوا) أي: فلما فرغ القوم من الصلاة مع رسول الله ﷺ .. (قال) السائل لي منهما: (سألتك) يا أُبي بقولي لك: (متى أُنزلت هذه السورة) فإني سمعتها الآن (فلم تخبرني) عن وقت نزولها؟ .
(فقال أُبي) ابن كعب: قلت لذلك السائل منهما: (ليس لك من) أجر (صلاتك اليوم) و (إلا) هنا بمعنى لام التعليل (ما) مصدرية (لغوت) صلة ما المصدرية؛ والتقدير: ليس لك اليوم من أجر صلاتك شيء؛ لأجل لغوك وإعراضك عن استماع الخطبة، ويصح كون إلا استثنائية، وجملة ما لغوت في تأويل مصدر منصوب على الاستثناء؛ تقديره: ليس لك من صلاتك إلا لغوك.
قال أُبي: (فذهب) أبو الدرداء أو أبو ذر (إلى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك) الذي جرى بيني وبينه (له) ﷺ ، (وأخبره) أي: أخبر رسول الله ﷺ (بالذي قال أُبي له) فيه التفات أيضًا، وكان مقتضى الحال أن يقال: بالذي قلت له؛ يعني: قوله: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، (فقال) له (رسول الله صلى الله عليه
стр. 3085
وَسَلَّمَ: "صَدَقَ أُبَيٌّ".
===
وسلم: صدق أُبي) فيما قال لك من قوله: ليس لك من صلاتك ... إلى آخره.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وأصله في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة المذكور قبله، قال الترمذي: وفي الباب عن ابن أبي أوفى وجابر بن عبد الله.
قلت: حديث جابر رواه ابن حبان في "صحيحه"، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من طريق ابن ماجه، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث أبي ذر، وهو شاهد لحديث ابن ماجه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد في "الصحيحين" وفي غيرهما، فغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
قال السندي: قوله: (بأيام الله) أي: بوقائعه العظيمة الواقعة في الأيام. انتهى.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول: حديث أبي هريرة، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أُبي بن كعب، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم