. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فصليت معه بعد المغرب، فصلى إلى العشاء، قال المنذري: رواه النسائي بإسناد جيد، وقد ورد في فضيلة الصلاة بين العشاءين غير هذه الأحاديث، ذكرها الشوكاني في "النيل"، وقال بعد الأحاديث المذكورة: وإن كان أكثرها ضعيفة، فهي منتهضة بمجموعها لا سيما في فضائل الأعمال. انتهى.
وقوله: (منتهضة) أي: مرتفعة من درجة الضعف إلى درجة الحسن، فيصح الاحتجاج بها.
فإذًا نقول: حديث الباب درجته: أنه حسن المتن، ضعيف السند؛ لاعتضاده بالشواهد المذكورة، وغرضه إذًا: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 3222
(٣٩) - (٣١٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ
(٩٥) - ١١٤٣ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَاشِدٍ الزَّوْفِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُرَّةَ الزَّوْفِي، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ الْعَدَوِيِّ
===
(٣٩) - (٣١٦) - (باب ما جاء في الوتر)
(٩٥) -١١٤٣ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي أبو عبد الله (المصري) ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ) على الأصح. يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) اسمه سُويد مولى شريك بن الطفيل، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن راشد الزَّوْفي) -بفتح الزاي وسكون الواو بعدها فاء- أبو الضحاك المصري، مستور، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن أبي مُرَّة) أو ابن مُرة (الزوفي) -بفتح الزاي بعدها واو ثم فاء- صدوق، من الثالثة، أشار البخاري إلى أن في روايته انقطاعًا. يروي عنه: (د ت ق).
(عن خارجة بن حذافة) بن غانم القرشي (العدوي) الصحابي المشهور، سكن مصر، قتله الخارجي ظنًا منه أنه عمرو بن العاص سنة أربعين (٤٠ هـ)،
стр. 3223
قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ
===
وهذا الخارجي هو أحد الثلاثة الذين اتفقوا على قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص، وتوجه كل واحد منهم إلى واحد من الثلاثة، فنفذ قضاء الله في علي دونهما. يروي عنه: (د ت ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات وإن ضعفه ابن حبان بقوله: هذا إسناد منقطع ومتن باطل، وليس له على انقطاعه دليل، كما بحث عنه الزيلعي في "نصب الراية".
(قال) خارجة: (خرج علينا النبي ﷺ من حجرته ونحن في المسجد، (فقال) لنا: (إن الله) (قد أمدكم) أيتها الأُمة؛ أي: زادكم على ما فرض عليكم من الفرائض ليؤجركم بها، ولم يكتف به، فشرع لكم صلاة التهجد والوتر؛ ليزيدكم إحسانًا على إحسان. انتهى من "الطيبي"، انتهى من "التحفة"، وقال القاري وغيره: أي: جعلها زيادة لكم في أعمالكم، من مد الجيش وأمده؛ أي: زاد: والأصل في المزيد أن يكون من جنس المزيد عليه، فمقتضاه أن يكون الوتر واجبًا. انتهى من "التحفة".
قلت: استدل به الحنفية على وجوب الوتر بهذا التقرير، وقد رد عليهم القاضي أبو بكر ابن العربي في "شرح الترمذي" حيث قال فيه: وبه احتج علماؤنا وأبو حنيفة، فقالوا: إن الزيادة لا تكون إلا من جنس المزيد عليه، وهذه مجرد دعوى، بل الزيادة تكون من غير جنس المزيد عليه؛ كما لو ابتاع بدرهم، فلما قضاه .. زاده ثُمنًا أو رُبعًا إحسانًا كزيادة النبي ﷺ لجابر في ثمن الجمل؛ فإنها زيادة وليست بواجبة، وليس في هذا الباب حديث صحيح يتعللون به. انتهى.
قلت: الأمر كما قال ابن العربي: لا شك في أن قولهم: إن الزيادة لا تكون
стр. 3224
بِصَلَاةٍ لَهِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمُرِ النَّعَمِ: الْوِتْرُ؛ جَعَلَهُ اللهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ".
===
إلا من جنس المزيد .. مجرد دعوى لا دليل عليها، بل يردها ما ذكره هو بقوله: كما لو ابتاع بدرهم ... إلى آخره، وقال الحافظ في "الدراية": ليس في قوله: "زادكم" دلالة على وجوب الوتر؛ لأنه لا يلزم أن يكون المزاد من جنس المزيد عليه؛ فقد روى محمد بن نصر المروزي في الصلاة من حديث أبي سعيد ورفعه: "إن الله زادكم صلاةً إلى صلاتكم هي خير لكم من حُمْرِ النعَم ألا وهي الركعتان قبل الفجر"، وأخرجه البيهقي، ونُقل عن ابن خزيمة أنه قال: لو أمكنني لرحلت في هذا الحديث. انتهى، انتهى من "التحفة".
أي: قد أمدكم وزادكم على ما فرض عليكم (بصلاة لهي خير لكم من حُمْرِ النعم) ألا وهي (الوتر؛ جعله الله لكم) أن تصلوه (فيما بين) فعل (صلاة العشاء) الآخرة (إلى أن يطلع الفجر) الصادق.
قوله: (حُمْرِ النعم) -بضم الحاء وسكون الميم- جمع أحمر، والنَّعَمُ الإبل، وهو من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، وضرب المثل بها ترغيبًا للعرب فيها؛ لأن حُمْر النعم أعزُّ الأموال عندهم، فكانت كناية عن أنها خير من الدنيا كلها؛ لأنها ذخيرة الآخرة التي هي خير وأبقى، قوله: "الوتر" بالجر بدل من صلاة، بدل معرفة من نكرة، وبالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: أي: هي الوتر. انتهى "تحفة الأحوذي".
قال الخطابي: الحديث يدل على أنها غير لازمة لهم، ولو كانت واجبةً .. لخرج الكلام على صيغة لفظ الإلزام، فيقول: فرض عليكم وألزمكم أو نحو ذلك من الكلام، وقد روي أيضًا في هذا الحديث أن الله قد زادكم صلاة، والزيادة إنما تكون في النوافل؛ وذلك أن نوافل الصلاة شَفْعٌ لا وتر فيها، فقيل:
стр. 3225
(٩٦) - ١١٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ
===
أمدكم بصلاة، وزادكم بصلاة لم تكونوا تصلونهما من قبل على تلك الهيئة والصورة وهي الوتر.
وقوله: "فجعلها لكم فيما بين العشاء إلى طلوع الفجر" فيه دليل على أن الوتر لا يُقضى بعد طلوع الفجر، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد وهو قول عطاء، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يُقضى الوتر وإن كان قد صلى الفجر، وهو قول الأوزاعي. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب ما جاء في استحباب الوتر، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في فضل الوتر، قال أبو عيسى: حديث خارجة بن حذافة حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يزيد بن أبي حبيب، والنسائي في كتاب قيام الليل، باب الأمر بالوتر، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٢٠٦) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀: وهو كما قالا وإن ضعفه ابن حبان بقوله: هذا إسناد منقطع ومتن باطل؛ لأن رُواته ثقات، وليس على انقطاعه دليل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
واستشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث خارجة بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٦) - ١١٤٤ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي أبو محمد الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 3226
وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: إِنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِحَتْمٍ وَلَا كَصَلَاتِكُمُ الْمَكْتُوبَةِ، وَلكِنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْتَرَ ثُمَّ قَالَ: "يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ؛ أَوْتِرُوا؛
===
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو بكر) محمد (بن عياش) بن سالم الأسدي الكوفي مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، ثقة عابد، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) السبيعي.
(عن عاصم بن ضمرة السلولي) الكوفي، صدوق، من الثالثة، مات دون المئة، سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (عم).
(قال) عاصم: (قال) لنا (علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(إن الوتر ليس بحتم) أي: بلازم، قال في "النهاية": والحتم: اللازم الواجب الذي لا بد من فعله. انتهى، (ولا) شأنها (كـ) شأن (صلاتكم المكتوبة) أي: المفروضة في كُفر من جحد بوجوبها، وهو تفسير لما قبله، وفي رواية الترمذي: (ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة) وهي أوضح، قال الخطابي: معنى هذا الكلام التحريض على الوتر والترغيب فيه. انتهى "عون".
(ولكن رسول الله ﷺ أوتر) وفي رواية الترمذي: (ولكن سن رسول الله ﷺ أي: جعله مسنونًا غير حتم، (ثم قال) رسول الله ﷺ : (يا أهل القرآن) ويا حفاظه؛ (أوتروا) أي:
стр. 3227
فَإِنَّ اللهَ وِتْر يُحِبُّ ألْوِتْرَ".
(٩٧) - ١١٤٥ - (٣) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
===
افعلوا الوتر في الليل، قال الطيبي: يريد بالوتر في هذا الحديث قيام الليل؛ فإن الوتر يُطلق عليه كما يُفهم من الأحاديث، فلذلك خصَّ الخطاب بأهل القرآن. انتهى، والإضافة لأدنى ملابسة، أو المعنى: يا أيها المؤمنون به؛ فإن الأهلية عامة لمن آمن به سواء قرأ أم لم يقرأ، وإن كان الأكمل منهم من قرأ وحفظ وعلم وعمل شاملة ممن تولى قيام تلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه، وقوله: "أوتروا" أمر بصلاة الوتر، وهو أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي في آخرها ركعة مفردة، أو يضيفها إلى ما قبلها من الركعات، كذا في "النهاية".
(فإن الله وتر) قال في "النهاية": الوتر: الفرد، وتكسر واوه وتفتح؛ أي: فإن الله سبحانه واحد في ذاته لا يقبل الانقسام والتجزئة، واحد في صفاته فلا شبيه ولا مثيل له، واحد في أفعاله فلا شريك له ولا معين، (يحب الوتر) أي: يُثيب عليه ويقبله من عامله، قال القاضي: كل ما يُناسب الشيء أدنى مناسبة .. كان أحب إليه مما لم يكن له تلك المناسبة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب استحباب الوتر (١٤١٦)، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء أن الوتر ليس بحتم (٤٥٢)، والنسائي في كتاب قيام الليل، والدارمي وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث خارجة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٧) - ١١٤٥ - (٣) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي،
стр. 3228
حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وِتْر يُحِبُّ الْوِتْرَ، فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ"،
===
ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو حفص الأبَّار) -بموحدة- عمر بن عبد الرحمن بن قيس الكوفي نزيل بغداد، صدوق وكان يحفظ وقد عمي، من صغار الثامنة. يروي عنه: (د س ق).
(عن) سليمان (الأعمش) ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي الكوفي الأعمى، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عبيدة) بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته، والمشهور أنه لا اسم له غيرها، ويقال: اسمه عامر، كوفي، ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه، مات قبل المئة بعد سنة ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة إلا أنه منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
(عن النبي ﷺ قال: إن الله) (وتر) أي: فرد في ذاته وصفاته وأفعاله، (يُحب الوتر) أي: يُثيب على صلاة الوتر، (فأوتروا) أي: افعلوا الوتر (يا أهل القرآن) قال الخطابي: تخصيص أهل القرآن بالأمر
стр. 3229
فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: لَيْسَ لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ.
===
فيه يدل على أن الوتر ليس واجبًا، ولو كان واجبًا .. لكان عامًا، وأهل القرآن في عُرف الناس القُرَّاء والحُفَّاظ دون العوام، ويدل على ذلك قوله للأعرابي: "ليس لك ولا لأصحابك".
(فقال أعرابي) من الحاضرين (ما يقول رسول الله ﷺ ؟ قال) رسول الله ﷺ للأعرابي: (ليس) ذلك الوتر (لك ولا لأصحابك) أي: ولا لأمثالك من الأعراب، بل للحُفِّاظ والقراء، قال السندي: قوله: "ليس لك ولا لأصحابك" أي: ممن ليس باهل القرآن .. ظاهره الرفع لا الوقف، وهذا ينافي وجوب الوتر عمومًا أو استنانه إذا قلنا: المراد بالوتر في هذا الحديث صلاة الليل.
نعم؛ ينبغي أن تكون صلاة الليل مخصوصة بأهل القرآن، فيمكن أن يكون التأكيد في حقهم، ويكون في حق الغير ندبًا بلا تأكيد، والله أعلم. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة (٣٣٢)، باب استحباب الوتر.
فدرجة الحديث: أنه صحيح بما قبله، وإن كان سنده منقطعًا على الراجح.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3230
(٤٠) - (٣١٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَا يُقْرَأُ فِي الْوِتْرِ
(٩٨) - ١١٤٦ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو حَفْصٍ الْأَبَّارُ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ طَلْحَةَ وَزُبَيْدٍ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ،
===
(٤٥) - (٣١٧) - (باب ما جاء فيما يُقرأ في الوتر)
(٩٨) - ١١٤٦ - (١) (حدثنا عثمان ابن أبي شيبة، حدثنا أبو حفص الأبار) عمر بن عبد الرحمن بن قيس الكوفي، صدوق، من صغار الثامنة، مات في ولاية هارون الرشيد. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا الأعمش عن طلحة) بن مُصرِّف بن عمرو بن كعب اليامي بتحتانية، أبي محمد الكوفي أحد العلماء، ثقة قارئ فاضل، من الخامسة، مات سنة اثنتي عشرة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(وزُبيد) -مصغرًا- ابن الحارث اليامي، ويقال: الأيامي أيضًا أبي عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئة (١٢٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن ذر) بن عبد الله بن زُرارة المُرْهبي -بضم الميم وسكون الراء وكسر الهاء- الهمداني الكوفي، ثقة عابد رُمِيَ بالإرجاء، من السادسة، مات قبل المئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى) -بفتح فسكون ففتح- مقصورًا، الخزاعي مولاهم الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الكوفي الصحابي الصغير رضي الله تعالى عنه، عاش إلى نيف وسبعين. يروي عنه: (ع).
стр. 3231
عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وَ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).
===
(عن أُبي بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي أبي المنذر المدني سيد القُراء كتب الوحي للنبي ﷺ الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، قيل: مات سنة تسع عشرة (١٩)، وقيل: سنة ثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من ثمانياته، ومن لطائفه: أن فيه رواية صحابي عن صحابي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أُبي بن كعب: (كان رسول الله ﷺ دائمًا (يوتر) أي: يصلي الوتر (بـ"سبح اسم ربك الأعلى") في الركعة الأولى بعد الفاتحة، (و "قل يا أيها الكافرون") في الركعة الثانية بعدها، (و"قل هو الله أحد") في الركعة الثالثة بعدها، وزاد النسائي: (ولا يُسلِّم إلا في آخرهن)، وجاء في عدة طرق أن السور الثلاث بثلاث ركعات، والحديث فيه دليل على أن الإيتار بثلاث.
واحتج بعض الحنفية لما ذهبوا إليه من تعيين الوصل والاقتصار على ثلاث بأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة حسن جائز، واختلفوا فيما زاد عليها أو نقص عنها، قال: فأخذنا بما أجمعوا عليه وتركنا ما اختلفوا فيه، وتعقبه محمد بن نصر المروزي بما رواه من طريق عِراك بن مالك عن أبي هريرة مرفوعًا إلى النبي ﷺ من طريق، وموقوفًا على أبي هريرة من طريق أخرى: (لا توتروا بثلاث تُشَبَّهوا بصلاة المغرب)، وقد صححه الحاكم، وبما رواه محمد بن نصر من طريق عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة والأعرج عن أبي هريرة مرفوعًا، وإسناده على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حبان
стр. 3232
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحاكم، ورواه الدارقطني برواة ثقات: (لا توتروا بثلاث، ولا تشبهوا الوتر بثلاث)، وأخرج ابن نصر عن سليمان بن يسار أحد الفقهاء أنه كره الثلاث في الوتر، وقال: لا يُشبه التطوع الفريضة.
فهذا كُله يقدح في الإجماع الذي زعمه، لكن قول محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ خبرًا ثابتًا صريحًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم؛ ثبت عنه أنه أوتر بثلاث، لكن لم يبين الراوي هل هي موصولة أو مفصولة؟ انتهى.
لكن يرد عليه ما رواه الحاكم من حديث عائشة أنه ﷺ كان يوتر بثلاث لا يقعد إلا في آخرهن فيصليهن بتشهد واحد، قال الحافظ: ويجاب عن محمد بن نصر باحتمال أن حديث أُبي بن كعب المروي في السنن وحديث عائشة هذا لم يَثْبُتَا عنده.
قلت: هذا احتمال ضعيف، والجمع بين حديث الإيتار بثلاث وحديث النهي عن التشبيه بصلاة المغرب: أن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهدين، وقد فعله السلف أيضًا، فروى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر بن الخطاب كان ينهض في الثالثة من الوتر بالتكبير؛ يعني: إذا قام من سجود الركعة الثانية .. قام مُكبِّرا من غير جلوس للتشهد، ومن طريق المسور بن مخرمة أن عمر أوتر بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن، ومن طريق عبد الله بن طاووس عن أبيه أنه كان يوتر بثلاث ولا يقعد بينهن، ومن طريق قيس بن سعد عن عطاء وحمَّاد بن زيد عن أيوب مثله، وروى محمد بن نصر عن ابن مسعود وأنس وأبي العالية أنهم أوتروا بثلاث كالمغرب، وكأنهم لم يبلغهم النهي المذكور. انتهى من "العون".
стр. 3233
(٩٩) -١١٤٧ - (٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِي الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب ما يُقرأ في الوتر، رقم (١٤٢٣)، والنسائي في كتاب قيام الليل، وأحمد بن حنبل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أُبي بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٩) -١١٤٧ - (٢) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صُهبان (الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو أحمد) محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي الزبيري مولاهم الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يونس بن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي أبو إسرائيل الكوفي، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) أبي إسحاق السبيعي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
стр. 3234
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وَ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وَ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ).
===
(عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ كان يوتر بـ "سبح اسم ربك الأعلى"، و"قل يا أيها الكافرون"، و "قل هو الله أحد").
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الصلاة، في باب (٣٤٠) ما جاء فيما يُقرأ في الوتر، رقم (٤٦٢)، والنسائي في كتاب قيام الليل، باب ذكر الاختلاف على أبي إسحاق والدارمي وأحمد وغيرهم، قال أبو عيسى: وقد روي عن النبي ﷺ (أنه قرأ في الوتر في الركعة الثالثة بالمعوذتين و"قل هو الله أحد"، رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه.
ورواه الترمذي في هذا الباب، ورواه الدارقطني والطحاوي والحاكم عن عمرة عن عائشة بلفظ: (إن رسول الله ﷺ كان يوتر بثلاث، يقرأ في الركعة الأولى بـ "سبح اسم ربك الأعلى"، وفي الركعة الثانية "قل يا أيها الكافرون"، وفي الثالثة "قل هو الله أحد"، و"قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس")، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال أبو عيسى: والذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم أن يقرأ بـ "سبح اسم ربك الأعلى"، و"قل يا أيها الكافرون"، و"قل هو الله أحد" يقرأ في كل ركعة من ذلك بسورة، وبه قال
стр. 3235
(٩٩) - ١١٤٧ - (م) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُور أَبُو بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ،
===
الحنفية، قال ابن الهمام: وذلك لأن أبا حنيفة روى في "مسنده" عن حماد عن إبراهيم عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى "سبح اسم ربك الأعلى"، وفي الثانية "قل يا أيها الكافرون"، وفي الثالثة "قل هو الله أحد"). انتهى.
قلت: وإنما اختاره أكثر أهل العلم؛ لأن حديث ابن عباس وأُبي بن كعب بإسقاط المعوذتين، وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين، كذا في "التلخيص". انتهى من "تحفة الأحوذي".
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم ذكر المتابعة في هذا الحديث، فقال:
(٩٩) - ١١٤٧ - (م) (حدثنا أحمد بن منصور) بن سيار البغدادي الرمادي (أبو بكر) ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وستين ومئتين (٢٦٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(قال) أبو بكر: (حدثنا شَبابة) بن سَوَّار المدائني، اسمه مروان أبو عمرو الفزاري مولاهم، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق) السبيعي، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 3236
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
(١٠٠) - ١١٤٨ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو يُوسُفَ الرَّقِّيُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّيْدَلَانِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ،
===
(عن أبيه) أبي إسحاق السبيعي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جُبير) الوالبي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، غرضه: بيان متابعة شَبابة لأبي أحمد الزبيري في روايته عن يونس بن أبي إسحاق.
وساق شَبابة (نحوه) أي: نحو حديث أبي أحمد الزبيري.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أُبي بن كعب بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٠) - ١١٤٨ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(وأبو يوسف الرَّقي محمد بن أحمد) بن محمد بن الحجاج بن ميسرة الكُرَيْزي -بتقديم الراء مصغرًا- (الصيدلاني) ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم
стр. 3237
عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ: بأَيِّ شَيءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، وَفِي الثَّانِيَةِ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، وَفِي الثَّالِثَةِ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ.
===
الحراني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن خُصيف) -بالصاد المهملة آخره فاء مصغرًا- ابن عبد الرحمن الجزري أبي عون، صدوق سيئ الحفظ، من الخامسة، مات سنة سبع وثلاثين ومئة (١٣٧ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (عم).
(عن عبد العزيز بن جريج) المكي الأموي مولاهم، لَيِّن، قال العجلي: لم يسمع من عائشة وأخطأ خُصيف فصرَّح بسماعه من عائشة، من الرابعة. يروي عنه: (عم)، وعبد العزيز هذا هو والد ابن جريج العالم المعروف وابن جريج اسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، هو ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(قال) عبد العزيز: (سألنا عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن عبد العزيز فيه لين، وخُصيف بن عبد الرحمن مختلف فيه.
(بأي شيء) من سور القرآن (كان) رسول الله ﷺ (يوتر) أي: بأي شيء يُصلي صلاة الوتر (رسول الله ﷺ ؟ قالت) لنا في جواب سؤالنا: (كان) رسول الله ﷺ (يقرأ في الركعة الأولى) بعد الفاتحة (بـ "سبح اسم ربك الأعلى"، وفي الثانية "قل يا أيها الكافرون") بعدها، (وفي الثالثة "قل هو الله أحد" والمعوذتين).
стр. 3238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة باب ما يقرأ في الوتر، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء فيما يُقرأ به في الوتر، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، ورواه ابن حبان والدارقطني من طريق يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، قال العقيلي: إسناده صالح، وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد وابن معين زيادة المعوذتين، وروى ابن السكن له شاهدًا من حديث عبد الله بن سرجس بإسناد غريب، كذا في "السبل".
فدرجة هذا الحديث أنه صحيح بما قبله من حديث أُبي بن كعب وحديث ابن عباس إلا زيادة والمعوذتين، بل له شاهد أيضًا في هذه الزيادة، وغرضه الاستشهاد به لحديث أُبي بن كعب.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والثالث للمتابعة، والثاني والرابع للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3239
(٤١) - (٣١٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْوِتْرِ بِرَكعَةٍ
(١٠١) - ١١٤٩ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَيُوتِرُ بِرَكْعَةٍ.
===
(٤١) - (٣١٨) - (باب ما جاء في الوتر بركعة)
(١٠١) - ١١٤٩ - (١) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن سيرين) أخي محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان عشرة ومئة، وقيل: عشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال: كان رسول الله ﷺ يُصلي من) آناء (الليل مثنى مثنى) أي: ركعتين ركعتين، يُسلم من كل منهما، والتكرار فيه توكيد لفظي، وإلا .. فالتكرار فيه في المعنى مستفاد من لفظ مثنى الأول، والمتبادر أنه يُسلم من كل ركعتين، (ويوتر بركعة) واحدة، والحديث حُجة لمن يقول بجواز الوتر بركعة واحدة، ومن لا يقول بذلك .. يحمل مثنى على الجلوس على كل ركعتين. انتهى "سندي"، قال القاضي عياض: فيه صحة الوتر بركعة واحدة،
стр. 3240
(١٠٢) - ١١٥٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ،
===
وأن الركعة الواحدة تكون صلاة، ومنعه أبو حنيفة، وقال: لا تكون صلاة، والحديث يرد عليه. انتهى "أبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الوتر، باب ما جاء في الوتر وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة، وأبو داوود في كتاب الوتر، باب كم الوتر، والترمذي في أبواب الجمعة، باب ما جاء في صلاة الليل مثنى مثنى، والنسائي في كتاب قيام الليل، باب كيف الوتر بواحدة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث آخر لابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٢) - ١١٥٠ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) الأموي الأُبلِّي -بضم الهمزة وتشديد اللام- واسم أبي الشوارب: محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا عبد الواحد بن زياد) العبدي مولاهم البصري أبو بشر أحد الأئمة الأعلام، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، من الثامنة، مات سنة ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عاصم) بن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، من
стр. 3241
عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ"، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ غَلَبَتْنِي عَيْنِي، أَرَأَيْتَ إِنْ نِمْتُ؟ قَالَ: اجْعَلْ أَرَأَيْتَ عِنْدَ ذَلِكَ النَّجْمِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا السِّمَاكُ،
===
الرابعة، لم يتكلم فيه إلا القطان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي مجلز) لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ست، وقيل: تسع ومئة (١٠٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : صلاة الليل) أي: نوافله (مثنى مثنى) أي: ركعتان ركعتان، (والوتر) أي: أقله (ركعة) واحدة، قال أبو مجلز: (قلت) لابن عمر: (أرأيت) أي: أخبرني يا بن عمر (إن غلبتني عيني) أي: إن غلب النوم على عيني .. فكيف أفعل؟ (أرأيت) يا بن عمر (إن) تركت الصلاة و (نِمْتُ) هل يجوز لي؟ (قال) ابن عمر: (اجعل أرأيت) أي: السؤال بكلمة أرأيت (عند ذلك النجم) الطالع في السماء؛ أي: اترك السؤال بأرأيت، واتبع السنة التي أخبرتك بها عن رسول الله ﷺ إن كنت تريد السنة.
قال أبو مجلز: (فرفعت رأسي) إلى السماء؛ لأنظر ذلك النجم (فإذا) رؤية (السماك) فاجأني، والسماك بكسر السين، وفي "الصحاح": السماكان كوكبان، أحدهما يُسمى السِّماك الأعزل؛ أي: الأبعد عن خط الاستواء، وهو من
стр. 3242
ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ قَبْلَ الصُّبْحِ".
(١٠٣) - ١١٥١ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
===
منازل القمر الثمانية والعشرين، وهو في جهة الشمال، وثانيهما يُسمى السماك الرامح، وليس من منازل القمر، وهو في جهة الجنوب، قال أبو مجلز: (ثم أعاد) لي ابن عمر الحديث الذي ذكره لي أولًا (فقال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة) واحدة تفعل في آخر الليل (قبل الصبح) أي: قبل الفجر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب كيف صلاة النبي ﷺ ، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل مثنى مثنى والوتر ركعة من آخر الليل، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب صلاة الليل مثنى مثنى، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الليل مثنى، قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمرو بن عبسة، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم أن صلاة الليل مثنى مثنى، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، ورواه الدارمي وابن حبان في الإحسان.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٣) - ١١٥١ - (٣) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني
стр. 3243
الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ رَجُل فَقَالَ: كَيْفَ أُوتِرُ؟ قَالَ: أَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، قَالَ:
===
مولاهم أبو سعيد (الدمشقي) لقبه دُحيم -مصغرًا- ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي عالم الشام، ثقة فاضل كثير الحديث، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الشامي الإمام العلم الفقيه، ثقة فقيه مأمون كثير الحديث والعلم، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا المطلب بن عبد الله) بن المطلب بن حنطب بن الحارث المخزومي، صدوق كثير التدليس والإرسال، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(قال) المطلب: (سأل ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما، بالنصب مفعول مقدم (رجل) من المسلمين فاعل مؤخر.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولكن فيه انقطاع، قال البخاري: لا أعرف للمطلب سماعًا من أحد من الصحابة إلا قوله: (حدثني) من شهد خُطَب النبي ﷺ ، وقال أبو حاتم: روى عن ابن عمر وما أدري سمع منه أم لا؟ انتهى.
(فقال) الرجل في سؤاله: (كيف أوتر) أي: أُصلي صلاة الوتر، هل أوتر بواحدة أم بثلاث أو خمس؟ (قال) له ابن عمر: (أوتر بواحدة) أي: صل في الوتر ركعة واحدة، وهو بصيغة الأمر من أوتر الرباعي، (قال) الرجل لابن عمر:
стр. 3244
إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: الْبُتَيْرَاءُ، فَقَالَ: سُنَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ؛ يُرِيدُ: هَذِهِ سُنَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ .
(١٠٤) - ١١٥٢ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ،
===
(إني) إن أوترت بواحدة .. (أخشى أن يقول الناس) لي: صلاتك (البُتَيْراءُ) أي: المقطوعة الذنب، ففيه تشبيه بليغ؛ أي: كالبهيمة التي قُطع ذنبها.
(فقال) له ابن عمر: الإيتار بواحدة (سنة الله ورسوله) أي: طريقتهما؛ (يريد) ابن عمر بقوله سنة الله ورسوله: (هذه) الهيئة؛ يعني: الإيتار بواحدة (سنة الله ورسوله ﷺ ، فلا تسمع لما يقوله الناس فيها.
قوله: (البتيراء) تصغير البتراء -بفتح الباء- نظير حمراء وحُميراء؛ وصف مؤنث مذكره الأبتر من البتر وهو القطع، والأبتر هو الحيوان الذي قُطع ذنبه، والصلاة البتيراء، قيل: ما كانت على ركعة، وقيل: التي نواها المصلي ركعتين، ثم قطعها على ركعة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" من حديث عائشة، ورواه البزار في "مسنده" والطبراني في "الأوسط" من حديث سعد بن مالك.
فدرجة الحديث: أنه صحيح بغيره في اللفظ المرفوع منه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن عمر الأول بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠٤) - ١١٥٢ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة) بن
стр. 3245
عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَلِّمُ فِي كُلِّ ثِنْتَيْنِ وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ.
===
سوَّار المدائني أصله من خراسان، اسمه مروان أبو عمرو الفزاري مولاهم، ثقة حافظ رُمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام بن شعبة، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، العامري المدني، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الزهري عن عروة عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (كان رسول الله ﷺ يُسلم في) صلاة الليل من (كل ثنتين) أي: ركعتين (ويوتر بواحدة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكنه له شاهد في "مسلم"، وفي "النسائي".
فهو صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره في هذا الباب أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3246
(٤٢) - (٣١٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي الْوِتْرِ
(١٠٥) - ١١٥٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَّمَنِي جَدِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
(٤٢) - (٣١٩) - (باب ما جاء في القنوت في الوتر)
(١٠٥) - ١١٥٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي أبو عبد الله الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (١٧٧ هـ)، أو ثمان وسبعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن بُريد بن أبي مريم) مالك بن ربيعة السلولي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي الحوراء) ربيعة بن شيبان السعدي البصري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن الحسن بن علي) بن أبي طالب الهاشمي سبط رسول الله ﷺ وريحانته رضي الله تعالى عنهما، وقد صحبه وحفظ عنه، مات شهيدًا بالسم سنة تسع وأربعين (٤٩ هـ)، وقيل: بل مات سنة خمسين، وقيل بعدها، وهو ابن سبع وأربعين. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) الحسن بن علي: (علمني جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 3247
كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: "اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَاهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا
===
كلمات أقولهن) أي: أدعو بهن (في قنوت الوتر)، وفي رواية أبي داوود: (في الوتر) بلا زيادة قنوت، وظاهره الإطلاق في جميع السنة، كما هو مذهب أبي حنيفة، والشافعية يقيدون القنوت في الوتر بالنصف الأخير من رمضان، كما هو مذهب جماعة من الصحابة، فقال لي جدي رسول الله ﷺ : فقل في قنوتك في الوتر: (اللهم؛ عافني) أي: سلمني ونجني من صُنوف الأدواء والأمراض (فيمن عافيتـ) ـه من ذلك؛ أي: مع من عافيته من أسواء الأدواء والأخلاق والأهواء، وقال ابن الملك: من المعافاة التي هي دفع السوء.
(وتولني) أي: تول أمري ولا تكلني إلى نفسي (فيمن توليت) أمره؛ أي: مع جملة من توليت أمرهم وتفضلت عليهم وأحسنت إليهم، قال المظهر: أمر مخاطب من مصدر تولى؛ إذا أحب عبدًا وقام بحفظه وحفظ أمره، (واهدني) أي: ثبتني على الهداية، أو زدني من أسباب الهداية إلى الوصول بأعلى مراتب النهاية (فيمن هديت) أي: في جملة من هديتهم، أو هديته من الأنبياء والأولياء؛ كما قال سليمان ﵇: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (١)، وقال ابن الملك: أي: اجعلني فيمن هديتهم إلى الصراط المستقيم، وقيل: لفظة في فيه وفيما قبله بمعنى مع، قال تعالى ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (٢). انتهى.
(وقني) أي: احفظني (شر ما قضيت) وقدرت لي من قضاء وقدر، فسَلِّم لي العقل والدين، (وبارك) أنزل البركة (لي) وأكثر الخير لمنفعتي (فيما
стр. 3248
أَعْطَيْتَ؛ إِنَّكَ تَقْضي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، سُبْحَانَكَ رَبَّنَا تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ".
===
أعطيت) لي من العُمر والمال والعُلوم والأعمال؛ فـ (إنك) يا إلهي (تقضي) أي: تقدر أو تحكم بكل ما أردت، (ولا يُقضى عليك) فإنه لا معقب لحكمك، ولا راد لقضائك، ولا يجب عليك شيء، و (إنه) أي: إن الشأن والحال (لا يذل) -بفتح وكسر- أي: لا يصير ذليلًا؛ أي: حقيقة ولا عبرة بالصورة (من واليتـ) ـه ونصرته، والموالاة ضد المعاداة.
قال ابن حجر: أي: لا يذل من واليت من عبادك في الآخرة أو مطلقًا، وإن ابتلي بما ابتلي به وسُلِّط عليه من أهانه وأذله باعتبار الظاهر؛ لأن ذلك غاية الرفعة والعزة عند الله تعالى وعند أوليائه، ولا عبرة إلا بهم، ومن ثم وقع للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الامتحانات العجيبة ما هو مشهور، وزاد البيهقي وكذا الطبراني من عدة طرق: (ولا يَعِزُّ من عَادَيْتَ) أي: لا يعز في الآخرة أو مطلقًا وإن أُعطي من نعيم الدنيا ومُلكها ما أُعطي؛ لكونه لم يمتثل أوامره، ولم يجتنب نواهيه. انتهى "تحفة الأحوذي".
(سبحانك) أي: تنزيهًا لك يا (ربنا) عن كل ما لا يليق بك من صفات النقص، فهو على حذف حرف النداء (تباركت) أي: تكاثر خيرك وإحسانك على عبادك في الدارين (وتعاليت) أي: ارتفعت عظمتك وظهر قهرك وقدرتك على من في الكونين، وقال ابن الملك: أي: ارتفعت عن مشابهة كل شيء، قاله علي القاري، وقال الحافظ في "بلوغ المرام": زاد النسائي في آخره: (وصلى الله على النبي).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، رقم (١٤٢٥) والترمذي في كتاب الصلاة، أبواب الوتر،
стр. 3249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم (٤٦٤)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي الحوراء، ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت شيئًا أحسن من هذا الحديث، وفي الباب عن علي رضي الله تعالى عنه، وقد اختلف أهل العلم في القنوت في الوتر: فرأى ابن مسعود القنوت في الوتر في جميع السنة كلها، واختار القنوت قبل الركوع، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول الثوري وابن المبارك وإسحاق وأهل الكوفة، وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه كان لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان، وكان يقنت بعد الركوع، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وبه قال الشافعي وأحمد. انتهى كلام الترمذي.
وأخرجه النسائي في كتاب قيام الليل، باب الدعاء في الوتر، رقم (١٥٩٣)، وأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وعبد الرزاق في "مصنفه"، والدارمي في "مسنده"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، والبغوي في "شرح السنة"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب معرفة الصحابة، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وغيرهم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد كثيرة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
واعلم: أنه قد اختلف في كون القنوت قبل الركوع أو بعده: ففي بعض طرق الحديث عند البيهقي التصريح بكونه بعد الركوع، وقال: تفرد بذلك أبو بكر بن أبي شيبة الحزامي، وقد روى عنه البخاري في "صحيحه"، وذكره ابن حبان في "الثقات" فلا يضر تفرده، وأما القنوت قبل الركوع .. فهو ثابت عند النسائي من حديث أُبي بن كعب وعبد الرحمن بن أَبْزى، وضعف أبو داوود ذكر القنوت
стр. 3250
(١٠٦) - ١١٥٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ،
===
فيه، وثابت أيضًا في حديث ابن مسعود عند ابن أبي شيبة، قال العراقي: وهو ضعيف، قال: ويعضد كونه بعد الركوع فعل الخلفاء الراشدين لذلك، والأحاديث الواردة في الصبح، وقد روى محمد بن نصر عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقنت بعد الركعة وأبو بكر وعمر حتى كان عثمان فقنت قبل الركعة ليدرك الناس، قال العراقي: وإسناده جيد، قال المنذري: وفي رواية قال: هذا يقول في القنوت في الوتر.
وقال الخطابي: وقد اختلف الناس في قنوته في صلاة الفجر، وفي أي موضع منها يكون القنوت هل قبل الركوع أو بعده؟ فقال أصحاب الرأي: لا قنوت إلا في الوتر، ويقنت قبل الركوع، وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق: يقنت في صلاة الفجر، ويكون القنوت فيها بعد الركوع، وقد روي القنوت بعد الركوع في صلاة الفجر عن علي وأبي بكر وعثمان، فأما القنوت في شهر رمضان في الوتر .. فمذهب إبراهيم النخعي وأهل الرأي وإسحاق: أن يقنت في أول رمضان وفي آخره، وقال الزهري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يقنت إلا في النصف الآخر من رمضان، واحتجوا في ذلك بفعل أُبي بن كعب وابن عمر ومعاذ القاري. انتهى، انتهى من "العون".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث الحسن بن علي بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٦) - ١١٥٤ - (٢) (حدثنا أبو عمر حفص بن عمر) بن عبد العزيز الدوري المقرئ الضرير الأصغر صاحب الكسائي، لا بأس به، من العاشرة، مات سنة ست أو ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 3251
حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عَمْرٍ والْفَزَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ الْوِتْرِ: "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ،
===
(حدثنا بهز بن أسد) العمِّيُّ بالعين، أبو الأسود البصري، ثقة، من التاسعة، مات بعد المئتين، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني هشام بن عمرو الفزاري) مقبول، من الخامسة. يروي عنه: (عم)، وقال أحمد بن حنبل: هشام بن عمرو من الثقات، وقال أبو حاتم: شيخ قديم ثقة. انتهى من "العون".
(عن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة (المخزومي) أبي محمد المدني، له رؤية، وكان من كبار ثقات التابعين، مات سنة ثلاث وأربعين (٤٣ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ كان) دائمًا (يقول في آخر الوتر) أي: في عقبه ودُبره بعد الفراغ منه؛ أي: بعد السلام منه؛ كما في رواية، قال مَيْرَكٌ: وفي إحدى روايات النسائي كان يقول: إذا فرغ من صلاته وتبوَّأ مضجعه: (اللهم؛ إني أعوذ) وأتحصن وأتحفظ متوسلًا (برضاك من سخطك) وغضبك؛ أي: برضاك الذي هو من جملة صفات جمالك من سخطك؛ أي: من بقية صفات جلالك، والمعنى: أعوذ بصفات جمالك عن صفات جلالك؛ أي: من أن تسخط
стр. 3252
وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي حَدَّثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ".
===
وتغضب علي، والسُّخْط -بضم السين مع سكون الخاء المعجمة وبفتحتين-: أشد الغضب.
(وأعوذ بمعافاتك) وهو من الإكرام والإنعام (من عقوبتك) وهي من أفعال الغضب والانتقام؛ أي: وأعوذ متوسلًا بمعافاتك من عقوبتك وانتقامك (وأعوذ بك) أي: متوسلًا بصفات جمالك (منك) أي: من صفات جلالك، أو أعوذ بذاتك منك؛ أي: من آثار صفاتك، وفيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (١)، وإشارة إلى قوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) (لا أحصي) أي: لا أقدر إحصاء (ثناء عليك) قدرًا وعددًا (أنت) يا إلهي (كما) أي: على ما (أثنيت) به (على نفسك) أي: على ذاتك؛ أي: أنت على ثناء أثنيت به على نفسك؛ أي: أنت الذي أثنيت على ذاتك ثناءً يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك؟ !
قال السندي: قوله: "إني أعوذ برضاك" أي: متوسلًا برضاك من أن تسخط وتغضب علي، قوله: "وأعوذ بك منك" أي: أعوذ بصفات جمالك من آثار صفات جلالك، فهذا إجمال بعد شيء من التفصيل وتعوذ وتوسل بجميع صفات الجمال من آثار صفات الجلال، وإلا .. فالتعوذ من الذنب مع قطع النظر عن شيء من الصفات لا يظهر، قوله: "لا أُحصي ثناءً عليك" أي: لا أستطيع فردًا من ثنائك على شيء من نعمائك، وهذا بيان لكمال عجز البشر عن أداء حقوق الرب تعالى.
стр. 3253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "أنت كما أثنيت ... " إلى آخره؛ أي: أنت الذي أثنيت على ذاتك ثناء يليق بك، فمن يقدر على أداء حق ثنائك؟ ! فالكاف زائدة، والخطاب في عائد الموصول بملاحظة المعنى؛ نحوْ أنا الذي سمتني أُمِّي حيدرة، ويحتمل أن الكاف بمعنى (على) والعائد إلى الموصول محذوف؛ أي: أنت ثابت دائم على الأوصاف الجليلة التي أثنيت بها على نفسك، والجملة على الوجهين في موضع التعليل، وفيه إطلاق لفظ النفس على ذاته تعالى بلا مشاكلة. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر الحديث، رقم (١٤٢٧)، وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات، باب في دعاء الوتر الحديث، رقم (٣٥٦٦)، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الوتر، وقال: هذا حديث صحيح.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3254
(٤٣) - (٣٢٠) - بَابُ مَنْ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ
(١٠٧) - ١١٥٥ - (١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ كَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيءٍ
===
(٤٣) - (٣٢٠) - (باب من كان لا يرفع يديه في القنوت)
(١٠٧) - ١١٥٥ - (١) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن زُريع) -مصغرًا- التيمي العيشي، ثقة، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي عَروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست وخمسين ومئة (١٥٦ هـ)، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن نبي الله ﷺ كان لا يرفع يديه) رفعًا بليغًا؛ لئلا يُعارض ما في رواية ثابت عن أنس، قال: (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى يُرى بياض إبطيه) أخرجها مسلم، (في شيء
стр. 3255
مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا عِنْدَ الاسْتِسْقَاءِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبْطَيْهِ.
===
من دعائه إلا عند الاستسقاء؛ فإنه) ﷺ (كان يرفع يديه) في الاستسقاء رفعًا بليغًا (حتى يُرى بياض إبطيه).
قال النووي: هذا الحديث يوهم ظاهره أنه لم يرفع يديه إلا في الاستسقاء، وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في الدعاء في مواطن غير الاستسقاء، وهي أكثر من أن تحصر، فيؤول هذا الحديث على أنه لم يرفع الرفع البليغ بحيث يُرى بياض إبطيه إلا في الاستسقاء، أو أن المراد: لم أره يرفع، وقد رآه غيره يرفع، ورواية المثبت مقدمة على رواية النافي؛ لما عنده من زيادة علم. انتهى، والمعنى: كان لا يبالغ في رفع يديه في شيء من الأدعية مثل مبالغته في الاستسقاء، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث على الترجمة. انتهى "سندي".
والحاصل: استحباب الرفع في كل دعاء إلا ما جاء من الأدعية مُقيدًا بما يقتضي عدم الرفع فيه كدعاء الركوع والسجود وغيرهما؛ فقد ورد رفعه ﷺ يديه في مواضع كثيرة؛ فمنها: رفعه يديه حتى يُرى عُفرة إبطيه حين استعمل ابن اللتبية على الزكاة، كما في "الصحيحين"، ومنها: رفعهما في قصة خالد بن الوليد، قائلًا: "اللهم؛ إني أبرأ إليك مما صنع خالد"، رواه البخاري والنسائي، ومنها: رفعهما على الصفا، رواه مسلم وأبو داوود، ومنها: رفعهما ثلاثًا بالبقيع مستغفرًا لأهله، رواه البخاري في رفع اليدين ومسلم، ومنها: رفعهما حين تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ. . .﴾ الآية (١)، قائلًا: "اللهم؛ أمتي أمتي"، رواه مسلم، ومنها: رفعهما حين بعث جيشًا فيهم علي، قائلًا: "اللهم؛ لا تُمتْني حتى تريني عليًّا"، رواه الترمذي،
стр. 3256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومنها: رفعهما حين جمع أهل بيته وألقى عليهم الكساء، قائلًا: "اللهم؛ هؤلاء أهل بيتي"، رواه الحاكم.
وقد جمع النووي في "شرح المهذب" نحوًا من ثلاثين حديثًا في ذلك من "الصحيحين" وغيرهما، وللمنذري فيه جُزْءٌ، قال الروياني: ويكره رفع اليد النجسة في الدعاء، ويحتمل أن يقال: لا يُكره بحائل، وفي "مسلم" و"أبي داوود" عن أنس: (أنه ﷺ كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت إبط يديه)، فقال أصحابنا الشافعية وغيرهم: السنة في دعاء القحط ونحوه من رفع بلاء أن يجعل ظهر كفيه إلى السماء، وهي صفة الرهبة وإن سأل شيئًا يجعل بطونهما إلى السماء ... إلى آخره ما في "القسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستسقاء، باب رفع الإمام يده في الاستسقاء، ومسلم في كتاب الاستسقاء، باب رفع اليدين في الاستسقاء، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، والنسائي في كتاب الاستسقاء، باب كيف يرفع، والدارمي في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 3257
(٤٤) - (٣٢١) - بَابُ مَنْ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ
(١٠٨) - ١١٥٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَائِذُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٤٤) - (٣٢١) - (باب من رفع يديه في الدعاء ومسح بهما وجهه)
(١٠٨) - ١١٥٦ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (دق).
(قالا: حدثنا عائذ) بغير إضافة (بن حبيب) بن الملَّاح -بفتح الميم وتشديد اللام وبمهملة- أبو أحمد الكوفي بياع الهروي، صدوق رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (س ق).
(عن صالح بن حسان الأنصاري) أبي الحارث المدني نزيل البصرة، متروك، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد أبي حمزة (القرظي) المدني، وكان قد نزل الكوفة مدة، ثقة عالم، من الثالثة، ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهم من قال: ولد في عهد النبي ﷺ ، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يُنْبت من سبي بني قريظة، مات محمد سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 3258
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَعَوْتَ اللهَ .. فَادْعُ بِبَاطِنِ كَفَّيْكَ وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ .. فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لاتفاقهم على ضعف صالح بن حسَّان، قال ابن حبان في "المجروحين": يروي الموضوعات عن الثقات؛ كأنه كان يضعها، أو تُوضع له فَيُجِيبُ فيها.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : إذا دعوت الله .. فادْعُ بباطن كفيك، ولا تدع بظهورهما، فإذا فرغت) من الدعاء .. (فامسح بهما) أي بكفيك (وجهك).
فهذا الحديث درجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وانفرد به ابن ماجه، فهو ضعيف السند والمتن (٧)(١٣٤)، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 3259
(٤٥) - (٣٢٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ
(١٠٩) - ١١٥٧ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ زُبَيْدٍ الْيَامِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
===
(٤٥) - (٣٢٢) - (باب ما جاء في القنوت قبل الركوع وبعده)
(١٠٩) - ١١٥٧ - (١) (حدثنا علي بن ميمون الرَّقيُّ) العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا مخلد بن يزيد) القُرشي الحرَّانيُّ، صدوق له أوهام، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام حُجة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زُبيد) بموحدة -مصغرًا- ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب (اليامي) بالتحتانية، أبي عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئة (١٢٢ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى) الخزاعي مولاهم الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولاهم الصحابي الصغير، وكان في عهد عمر رجلًا، وكان على خراسان لعليٍّ رضي الله تعالى عنه، عاش إلى نيف وسبعين. يروي عنه: (ع).
(عن أُبي بن كعب) بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبي المنذر سيد القُرَّاء من فضلاء الصحابة
стр. 3260
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ فَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ.
(١١٠) - ١١٥٨ - (٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ،
===
رضي الله تعالى عنه، قيل: مات سنة تسع عشرة (١٩ هـ)، وقيل: سنة ثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ كان يوتر فيَقْنُتُ قبل الركوع).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب ما يُقرأ في الوتر، والنسائي في كتاب قيام الليل.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به.
وظاهر هذا الحديث أنه قنت قبل الركوع في صلاة الوتر.
نعم؛ يدل هذا الحديث على كونه واجبًا في الوتر. انتهى "سندي".
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أُبي بن كعب بحديث أنس بن مالك ﵄، فقال:
(١١٠) - ١١٥٨ - (٢) (حدثنا نصر بن علي الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سهل بن يوسف) الأنماطي البصري، ثقة رُمِيَ بالقدر، من كبار التاسعة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حُميد) بن أبي حُميد الطويل أبو عبيدة البصري، ثقة مُدلِّس، من الخامسة، مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).