مَاتَ فِيهِ .. كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ فَقَالَ: "ادْعُوا لِي عَلِيًّا"، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ، قَالَ: "ادْعُوهُ"، قَالَتْ حَفْصَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَدْعُو لَكَ عُمَرَ، قَالَ: "ادْعُوهُ"، قَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَدْعُو لَكَ الْعَبَّاسَ، قَالَ: "نَعَمْ"، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا .. رَفَعَ رَأْسَهُ فَنَظَرَ فَسَكَتَ، فَقَالَ عُمَرُ: قُومُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
===
مات فيه) أي: بسببه .. (كان في بيت عائشة) رضي الله تعالى عنها بعدما أَذِنَ له أزواجه.
(فقال) لمن عنده لما اشتد به مرضه: (ادعوا لي علي) بن أبي طالب، فـ (قالت عائشة) له: (يا رسول الله؛ ندعو لك أبا بكر؟ قال) رسول الله ﷺ : (ادعوه) أي: ادعوا لي أبا بكر، (قالت حفصة) بنت عمر رضي الله تعالى عنها: (يا رسول الله؛ ندعو لك عمر؟ ) فـ (قال) رسول الله ﷺ : (ادعوه) أي: فادعوا عمر، (قالت أم الفضل) ابن عباس زوجة العباس، اسمها لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، أخت ميمونة زوجة النبي ﷺ : (يا رسول الله؛ ندعو لك العباس) بن عبد المطلب عمك؟ (قال) رسول الله ﷺ لها: (نعم) ادعوا لي العباس.
(فلما اجتمعوا) عنده ﷺ هؤلاء الثلاثة أبو بكر وعمر والعباس .. (رفع) رسول الله ﷺ (رأسه) من الأرض، (فنظر) إليهم (فسكت) رسول الله ﷺ عن الكلام.
(فقال عمر) للحاضرين: (قوموا عن رسول الله صلدى الله عليه وسلم) وتأخروا عنه.
стр. 3397
ثُمَّ جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بالصلَاةِ، فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا بَكْر رَجُلٌ رَقِيقٌ حَصِرٌ، وَمَتَى لَا يَرَاكَ .. يَبْكِي وَالنَّاسُ يَبْكُونَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ، فَلَمَّا رَآهُ النَّاسُ .. سَبَّحُوا بِأَبِي بَكْرٍ، فَذَهَبَ لِيَسْتَأْخِرَ،
===
(ثم جاء بلال) حالة كونه (يؤذنه ﷺ (بـ) إقامة (الصلاة، فقال) رسول الله ﷺ : (مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت عائشة: با رسول الله؛ إن أبا بكر رجل رقيق) القلب؛ أي: لينه (حصر) أي: ضائق الصدر عن القراءة عندما فقدك -بفتح الحاء وكسر الصاد- أي: لا يقدر على القراءة في تلك الحالة، وكل من لا يقدر على شيء .. فقد حُصر ومُنع منه، ولهذا قيل: حصر عن القراءة نظير حصر المحرم من الحرم، (ومتى لا يراك) معه .. (يبكي، والناس يبكون) بسبب بكائه، (فلو أمرت عمر) أن (يصلي بالناس، فخرج أبو بكر) إلى المسجد (فصلى بالناس).
(فوجد رسول الله ﷺ من نفسه خفة) مرض، (فخرج) إلى المسجد (يُهادى) أي: يُمشى (بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض) أي: تسحبان فيها وتجران.
(فلما رآه الناس) أي: رأى الناس المصلون مع أبي بكر رسول الله ﷺ قد حضر .. (سبحوا) أي: قالوا: سبحان الله؛ إعلامًا (بأبي بكر) حضور النبي ﷺ .
(فذهب) أي: قصد أبو بكر (ليستأخر) أي: ليتأخر عن مكانه إلى ورائه،
стр. 3398
فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ؛ أَيْ: مَكَانَكَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَجَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْتَمُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِأَبِي بَكْرٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْقِرَاءَةِ مِنْ حَيْثُ كَانَ بَلَغَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ وَكِيعٌ: وَكَذَا السُّنَّةُ، قَالَ: فَمَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ ذَلِكَ.
===
(فأومأ إليه النبي ﷺ ، أي: مكانك، فجاء رسول الله ﷺ ، فجلس) رسول الله ﷺ (عن يمينه، وقام أبو بكر، فكان أبو بكر يأتم بالنبي ﷺ ، والناس يأتمون) أي: يقتدون (بأبي بكر، قال ابن عباس: وأخذ رسول الله ﷺ أي: بدأ (من القراءة من حيث) أي من المحل الذي (كان) أي: أبو بكر (بلغ) أي: وصل إليه عندما جلس النبي ﷺ جنبه؛ أي: بدأ من المحل الذي وصل إليه (أبو بكر) عند جلوسه جنبه.
(قال وكيع: وكذا السنة) في القراءة؛ أي: ومثل ما فعل النبي ﷺ في قراءة أبي بكر السنة؛ أي: الطريقة؛ أي: والمستخلف إذا جاء بعد طهارته وقد استخلف أولًا يبدأ القراءة في الصلاة من المحل الذي وصل إليه الخليفة عند رجوعه في الطريقة الشرعية، (قال) ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (فمات رسول الله ﷺ في مرضه ذلك) أي: لَمْ يبرأ منه حتى تسبب ذلك المرض في موته، والله أعلم.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن، حسن السند، وإن انفرد به ابن ماجة؛ لأن له شواهد؛ فقد رواه أحمد في "مسنده" من حديث ابن عباس، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، ورواه ابن حبان في "صحيحه" عن
стр. 3399
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحسن بن سفيان، وأصله في "الصحيحين" من حديث عبيد الله بن عبد الله، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3400
(٦٨) - (٣٤٥) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ خَلْفَ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِهِ
(١٦١) - ١٢٠٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ
===
(٦٨) - (٣٤٥) - (باب ما جاء في صلاة رسول الله ﷺ خلف رجل من أمته)
(١٦١) - ١٢٠٩ - (١) حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري، ثقة، من التاسعة، مات بالبصرة سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حميد) بن أبي حميد الطويل، قيل: اسم أبيه تير، وقيل: تيرويه، وقيل: غير ذلك، ثقة مدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بكر بن عبد الله) بن عمرو بن هلال المزني أبي عبد الله البصري، ثقة ثبت مأمون، من الثالثة، مات سنة ست أو ثمان ومئة (١٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حمزة بن المغيرة بن شعبة) الثقفي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م س ق).
(عن أبيه) المغيرة بن شعبة بن مسعود الثقفي الصحابي المشهور الكوفي،
стр. 3401
قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ وَقَدْ صَلَّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَكْعَةً، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيّ ﷺ .. ذَهَبَ يَتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ
===
أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) ﵁. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) المغيرة: (تخلف) أي: تأخر (رسول الله ﷺ عن القوم؛ أي: عن جيش الصحابة في سفر سافرناه معه. وفي رواية مسلم زيادة: (وتخلفت) أنا (معه ﷺ ، ونزل عن راحلته وذهب لقضاء حاجته، (فلما قضى حاجته) حاجة الإنسان ... (قال) لي: (أمعك ماء) يا مغيرة؟ فقلت له: نعم، معي ماء، (فأتيته بمطهرة) - بكسر الميم وفتحها لغتان - وهي الإناء الذي يُتطهر منه، (فغسل كفيه ووجهه، ثم ذهب يحسر) من باب ضرب؛ أي: يكشف كميه (عن ذراعيه) أي: عن ساعديه ليغسلهما، (فضاق كُمُّ الجبة، فأخرج يده من تحت الجبة وألقى الجبة على منكبيه، وغسل ذراعيه ومسح بناصيته وعلى العمامة وعلى خفيه، ثم ركب) ناقته، (وركبت) أنا (ناقتي).
هذه زيادة في رواية مسلم إلى قول المؤلف: (فانتهينا إلى) منزل (القوم) أي: إلى منزل قوم الصحابة الذين تخلفنا عنهم، (وقد صلى بهم) أي: شرع في الصلاة بهم (عبد الرَّحمن بن عوف) وكمل بهم (ركعة، فلما أحس) وعلم عبد الرَّحمن (بـ) مجيء (النبي ﷺ .. ذهب) وقصد عبد الرَّحمن أن (يتأخر) عن مقامه ويرجع إلى الصف، (فأومأ) أي: فأشار (إليه النبي ﷺ بـ (أن يتم الصلاة) بهم، فلما فرغ النبي
стр. 3402
قَالَ: "وَقَدْ أَحْسَنْتَ، كَذَلِكَ فَافْعَلْ".
===
ﷺ من الصلاة .. (قال) لعبد الرَّحمن: (وقد أحسنت) في الصلاة بهم (كذلك) أي: مثل ما فعلت اليوم بهم (فافعل) فيما يستقبل إذا وقعت مثل هذه الواقعة.
ورواية مسلم: (فلما أحس) وعلم عبد الرَّحمن (بـ) حضور (النبي ﷺ ذهب يتأخر) أي: شرع في المتأخر عن موضعه؛ ليتقدم النبي ﷺ ، (فأومأ إليه) أي: أشار النبي ﷺ إلى عبد الرَّحمن أن اثبت مكانك، (فصلى) عبد الرَّحمن (بهم) أي: بالقوم الركعة الباقية، (فلما سلم) عبد الرَّحمن بهم .. (قام النبي ﷺ لإتمام صلاته) قال المغيرة: (وقمت) أنا معه ﷺ ، (فركعنا) أي: صلينا (الركعة) الباقية لنا (التي سبقتنا) مع القوم؛ أي: التي صُلّيت قبل حضورنا، وكان النبي ﷺ مقتديًا بعبد الرَّحمن مسبوقًا، كما هو الظاهر من قوله: (فركعنا الركعة التي سبقتنا) وكفاه به شرفًا.
وأما تمادي عبد الرَّحمن وتأخر أبي بكر الصديق في حديث آخر رضي الله تعالى عنهما .. فلأن عبد الرَّحمن قد صلى ركعة بالقوم، فتمادى في إمامته؛ لئلا يختل على القوم ترتيب الصلاة، وأما تأخر أبي بكر .. فلكونه في مفتتح الصلاة، قال القاضي عياض: وصلاتهم قبل أن يأتيهم يحتمل أنهم بادروا فضل أول الوقت، أو ظنوا أنه عرّس ليله، أو أنه أخذ غير طريقهم، أو أنه لا يأتي إلَّا وقد صلي، وفزعهم حين أدركهم يصلون يدلُّ على أنهم لَمْ يبادروا لفضل أول الوقت، ولا أنهم أخروا الصلاة حتى خافوا خروج الوقت، فالأشبه أنهم انتظروه، فلما تأخر عن وقته المعتاد .. صلوا. انتهى.
стр. 3403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال المازري: في هذا الحديث تقديم الجماعة إمامًا بغير إذن الإمام، بخلاف الصلاة التي لا تصح إلَّا بإمام كالجمعة والأعياد، وفيه إمامة المفضول للأفضل إذا علم أركان الصلاة، وصلاة الإمام خلف رعيته، وقضاء المسبوق ما بقي له، واتباعه إمامه حتى في جلوسه ولو في غير محل جلوس المسبوق، وأنه لا يقضي إلَّا بعد سلام الإمام، وأن العمل اليسير مغتفر. انتهى.
قال النووي: واعلم أن هذا الحديث فيه فوائد كثيرة؛ منها: جواز اقتداء الفاضل بالمفضول، وجواز صلاة النبي ﷺ خلف بعض أمته، ومنها: أن الأفضل تقديم الصلاة في أول الوقت؛ فإنهم فعلوها في أول الوقت ولم ينتظروا النبي ﷺ ، ومنها: أن الإمام إذا تأخر عن أول الوقت .. استُحب للجماعة أن يقدموا أحدهم فيُصلي بهم إذا وثقوا بحسن ظن الإمام، وأنه لا يتأذى من ذلك ولا يترتب عليه فتنة، فأما إذا لَمْ يأمنوا أذاه .. فإنهم يصلون في أول الوقت فرادي، ثم إن أدركوا الجماعة بعد ذلك .. استحب لهم إعادتها معهم، ومنها: أن من سبقه الإمام ببعض الصلاة أتى بما أدرك معه، فإذا سلم الإمام .. أتى بما بقي عليه ولا يسقط ذلك عنه، بخلاف قراءة الفاتحة؛ فإنها تسقط عن المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا، ومنها: اتباع المسبوق للإمام في أفعاله؛ في ركوعه وسجوده وجلوسه وإن لَمْ يكن ذلك موضع فعله للمأموم، ومنها: أن المسبوق إنما يفارق الإمام بعد سلام الإمام، والله أعلم. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الناصية والعمامة، والنسائي في كتاب الطهارة، باب كيف المسح على العمامة.
стр. 3404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 3405
(٦٩) - (٣٤٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ "
(١٦٢) - ١٢١٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَام بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابهِ يَعُودُونَهُ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا، فَصَلوْا بِصَلَاتِهِ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ .. قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا رَكَعَ .. فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ .. فَارْفَعُوا، وَإذَا صَلَّى جَالِسًا .. فَصَلُّوا جُلُوسًا".
===
(٦٩) - (٣٤٦) - (باب ما جاء في "إنما جُعل الإمام ليؤتم به")
(١٦٢) - ١٢١٠ - (١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (اشتكى رسول الله ﷺ أي: مرض وكان سبب شكايته ما يأتي في حديث أنس الآتي بعد هذا، وكان جالسًا في مشربة له في بيت عائشة، (فدخل عليه ناس من أصحابه) حالة كونهم (يعودونه) من مرضه، (فصلى النبي ﷺ جالسًا، فصلوا) المقتدين به (بصلاته قيامًا، فأشار إليهم) بـ (أن اجلسوا، فلما انصرف) وفرغ من صلاته .. (قال) لهم: (إنما جُعل الإمام ليؤتم به) أي: ليتبع ويقتدى به في أفعاله؛ (فإذا ركع .. فاركعوا) معه، (وإذا رفع) رأسه من الركوع أو السجود .. (فارفعوا) عقبه، (وإذا صلى جالسًا .. فصلوا جلوسًا).
стр. 3406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وسبب شكايته ومرضه أنه سقط من فرسه، فجُرح شقه الأيمن وعجز عن القيام، فكان جالسًا في غرفة عائشة، وعجز عن الخروج إلى المسجد، كما سيأتي قريبًا في حديث أنس، فقيامًا وجلوسًا جمعان لقائم وجالس؛ أي: قائمين جالسين أو مصدران؛ أي: ذوي قيام وجلوس، ونصبهما على الحالية، قال الخطابي في "المعالم": ذكر أبو داوود هذا الحديث من رواية عائشة وأنس وجابر وأبي هريرة، ولم يذكر صلاة رسول الله ﷺ في مرض موته آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وهو آخر الأمرين من رسول الله ﷺ ، ومن عادة أبي داوود فيما أنشأه من أبواب هذا الكتاب أن يذكر الحديث في بابه، ويذكر الحديث الذي يعارضه في باب آخر على أثره، ولم أجده في شيء من النسخ، فلست أدري كيف أغفل ذكر تلك القصة وهي من أمهات السنن، وإليه ذهب أكثر الفقهاء؟ !
ونحن نذكرها؛ لتحصل فائدة ويُحفظ على الكتاب رسمه وعادته، ثم ذكر الخطابي بإسناده عن عائشة حديث صلاة رسول الله ﷺ آخر ما صلاها بالناس وهو قاعد والناس خلفه قيام، وفي آخر الحديث: فأقامه في مقامه، وجعله عن يمينه، فقعد رسول الله ﷺ ، فكبر بالناس، فجعل أبو بكر يكبر بتكبيره، والناس يكبرون بتكبير أبي بكر.
قال الخطابي: قلت: وفي إقامة رسول الله ﷺ أبا بكر عن يمينه وهو مقام المأموم، وفي تكبيره بالناس وتكبير أبي بكر بتكبيره .. بيان واضح أن الإمام في هذه الصلاة رسول الله ﷺ ، وقد صلى قاعدًا والناس من خلفه قيام، وهي آخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ بالناس، فدل على أن حديث عائشة المذكور هنا وحديث أنس
стр. 3407
(١٦٣) - ١٢١١ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
وجابر المذكورين في هذا الباب .. منسوخ بصلاته تلك في مرضه، ويزيد ما قلناه وضوحًا ما رواه أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله ﷺ ... وذكر الحديث، قالت: فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان رسول الله ﷺ يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي به، والناس يقتدون بأبي بكر.
وفي هذا الحديث من الفقه أنه يجوز الصلاة بإمامين أحدهما بعد الآخر من غير حدث يحدث بالإمام الأول، وفيه دليل على جواز تقدم بعض صلاة المأموم على بعض صلاة الإمام، وفيه دليل على قبول خبر الواحد. انتهى من "العون" باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع منها كتاب الأذان، باب إنما جُعل الإمام ليؤتم به، ومسلم في كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، ومالك في "الموطأ"، والشافعي في الرسالة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، ولكنه منسوخ بما تقدم بيانه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث أنس ﵁، فقال:
(١٦٣) - ١٢١١ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 3408
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صُرِعَ عَنْ فَرَسٍ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا نَعُودُهُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا وَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ .. قَالَ: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ .. فَكَبِّرُوا، وَإذَا رَكَعَ .. فَارْكَعُوا،
===
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ صُرع) بضم أوله وكسر ثانيه وهو من الأفعال المجهولة اللفظ المعلومة المعنى؛ أي: سقط (عن فرس) له، يقال: هذا مسقطة له من أعين الناس، كذا في بعض هوامش مسلم، (فجُحش) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: خُدش شقه الأيمن بأن قُشر جلده، وفي "النهاية": (فجُحش) أي: انخدش جلد (شقه الأيمن) وانشجح، فالجُحش مثل الخدش، فمنعه القيام يحتمل أنه لمرض لحقه في بعض الأعضاء والشق الجانب، (فدخلنا نعوده، وحضرت) وقت (الصلاة) المكتوبة، (فصلى بنا قاعدًا، وصلينا وراءه قعودًا) حال أي: قاعدين (فلما قضى الصلاة .. قال: إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبر) للإحرام .. (فكبروا، وإذا ركع .. فاركعوا).
قوله: (فجحش شقة الأيمن) قال الأبي: الأمراض الحسية للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها كغيرهم تعظيم لأجرهم، ولا يقدح في منزلتهم العلية، بل هو تثبيت لأمرهم، لأنهم بشر؛ إذ لو لَمْ يصبهم ما أصاب البشر مع ما ظهر على أيديهم من خوارق العادة .. لقيل فيهم ما قالت النصارى في عيسى ﵇، ويستثنى من ذلك ما هو نقص؛ كالجنون. انتهى منه.
(فدخلنا عليه) حالة كوننا (نعوده) من مرضه، (وحضرت الصلاة) أي:
стр. 3409
وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ .. فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا .. فَصَلُّوا قُعُودًا أَجْمَعُونَ.
===
وقت الصلاة المكتوبة، قال القاضي: أشار ابن القاسم إلى أنه كان نافلة، والأظهر أنه فرض؛ لقوله (حضرت الصلاة) أي: المعهودة، (فصلى بنا) تلك الحاضرة، حالة كونه (قاعدًا) أي: جالسًا لعجزه عن القيام، (فصلينا وراءه) أي: خلفه (قعودًا) أي: قاعدين في جميع الصلاة؛ أي: بعد أن كانوا قيامًا وأومأ لهم ﵊ بالقعود، (فلما قضى الصلاة) وفرغ منها .. (قال: إنما جُعل الإمام) وشرع وقُدّم (ليؤتم) أي: ليُقتدى (به) في الأفعال الظاهرة، ولذا يُصلى الفرض خلف النفل، والنفل خلف الفرض حتى الظهر خلف الصبح والمغرب، والصبح خلف الظهر في الأظهر.
نعم؛ إن اختلف عمل الصلاتين كمكتوبة وكسوف أو جنازة .. فلا على الصحيح؛ لتعذر المتابعة هذا مذهب الشافعي، وقال غيره: يتابعه في الأفعال والنيات مطلقًا.
(فإذا كبر) الإمام للإحرام أو للانتقال .. (فكبروا عقبه) فلا تسابقوه ولا تقارنوه، (وإذا سجد .. فاسجدوا) عقبه، (وإذا رفع) رأسه من الركوع أو السجود .. (فارفعوا) رؤوسكم هذا في رواية مسلم، وكذا في حديث عائشة المذكور قبله.
(وإذا قال) الإمام: (سمع الله لمن حمده .. فقولوا: ربنا ولك الحمد) بإثبات واو العطف وبحذفها، (وإذا سجد .. فاسجدوا) عقبه، (وإذا صلى قاعدًا) أي: جالسًا في جميع الصلاة، وليس المراد منه جلوس التشهد وبين السجدتين؛ إذ لو كان المراد ذلك .. لقال: وإذا جلس .. فاجلسوا؛ ليناسب قوله: فإذا سجد فاسجدوا .. (فصلوا قعودًا أجمعون) بالرفع على أنه تأكيد
стр. 3410
(١٦٤) - ١٢١٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
لضمير الفاعل في حلوا، وما وقع في أكثر نسخ ابن ماجة: (أجمعين) بالنصب على أنه تأكيد لقعودًا غلط؛ لأن ألفاظ التوكيد معارف، فلا تؤكد النكرات وقعودًا حال، والحال لا تكون إلَّا نكرة. انظر أيها الطالب "متن الآجرومية" في باب التوكيد .. تفهم ما قلناه من منطوقها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والنسائي.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث عائشة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٤) - ١٢١٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا هشيم بن بشير) بن القاسم بن دينار السلمي الواسطي، ثقة، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن أبي سلمة) بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني قاضي المدينة. روى عن: أبيه، ويروي عنه: (عم)، وهشيم، صدوق يخطئ، من السادسة، قُتل بالشام سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ) مع بني أمية.
(عن أبيه) أبي سلمة بن عبد الرَّحمن، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
стр. 3411
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ .. فَكَبِّرُوا، وَإذَا رَكَعَ .. فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وِإنْ صَلَّى قَائِمًا .. فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا .. فَصَلُّوا قُعُودًا".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فإذا كبر .. فكبروا، وإذا ركع .. فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده .. فقولوا: ربنا ولك الحمد)، واحتج بهذا أبو حنيفة رحمه الله تعالى على أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد؛ لأن النبي ﷺ قسم الأقوال بين الإمام والمأموم، والشركة فيها تنافي القسمة، كما في قوله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والشافعي وأحمد: إنه يقولها، واستدلوا بما رُوي عن أبي هريرة أنه ﷺ كان يجمع بينهما؛ أي: بين الذكرين، والسكوت عنه لا يقتضي ترك فعله، وأما المأموم .. فيجمع بينهما أيضًا، خلافًا للحنفية، والجواب عنه أن جمعه ﷺ بين الذكرين محمول على حالة الانفراد. انتهى "ابن الملك".
(وإن صلى قائمًا .. فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا .. فصلوا قعودًا) وفي الحديث دلالة على أنه لا يجوز للقائمين أن يصلوا خلف القاعد، وبه قال أحمد ومالك، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى جوازه، قالا: هذا الحديث منسوخ بما رُوي أن النبي ﷺ صلى في مرض موته قاعدًا، وأبو بكر والناس خلفه قائمين، ولم يأمرهم بالقعود. انتهى "ابن الملك".
стр. 3412
(١٦٥) - ١٢١٣ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْح الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: اشْتَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، باب إقامة الصف من تمام الصلاة، ومسلم في كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، والنسائي في كتاب الإمامة، والدارمي.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث عائشة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٦٥) - ١٢١٣ - (٤) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي (المصري، أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي الأسدي مولاهم محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (اشتكى) أي: مرض (رسول الله ﷺ )
стр. 3413
فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكَبِّرُ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ، فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا فَرَآنَا قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْنَا
===
والظاهر أن هذه الشكاية حدثت له لسقوطه عن الفرس، كما مر في حديث أنس، (فصلينا وراءه) أي: خلفه ونحن قائمون (وهو ﷺ (قاعد) في حلاته بعذر المرض، (وأبو بكر) ﵁ (يكبر) بتكبيره، حالة كونه (يُسمع الناس تكبيره ﷺ ؛ أي: يجهر التكبير؛ ليسمع الناس تكبيره ﷺ .
قال ابن حبان: هذا لَمْ يكن إلَّا في مرض موته ﷺ ؛ لأن صلاته في مرضه الأول كان في مشربة عائشة رضي الله تعالى عنها، والمشربة - بفتح الراء وضمها -: هي الغرفة والعلية يُخرن فيها الطعام وغيره، ومعه نفر من الصحابة لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره، بخلاف صلاته في مرض موته بأنها كانت في المسجد بجمع كثير من الصحابة، فاحتاج أبو بكر أن يُسمعهم التكبير، لكن إسماع التكبير لَمْ يتابع عليه أبو الزبير، قاله ابن رسلان.
وأجاب عنه الحافظ بأنه ﷺ لشدة ضعفه لا يجهر إلَّا قليلًا، فأسمعهم أبو بكر، وحُكي عن عياض أنه لَمْ يستخلف في المسجد أحدًا، فلعله صلى به ﷺ من في المشربة ومن في المسجد، فلا بد إذًا من الإسماع لهم.
(فالتفت إلينا) رسول الله ﷺ في حلاته؛ لبيان جواز الالتفات وليطّلع على حالهم فيرشدهم إلى الصواب مع دوام توجه قلبه إلى ربه تعالى، بخلاف غيره ﷺ ، لكنه هذا يقتضي أن رؤيته من ورائه ما كانت على الدوام. انتهى "سندي".
(فرآنا) أي: أبصرنا حالة كوننا (قيامًا) أي: قائمين (فأشار إلينا)
стр. 3414
فَقَعَدْنَا فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا، فَلَمَّا سَلَّمَ .. قَالَ: "إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّومِ يَقُومُونَ عَلَى مُلُوكِهِمْ وَهُمْ قُعُودٌ .. فَلَا تَفْعَلُوا،
===
رسول الله ﷺ بأن اقعدوا، (فقعدنا) خلفه، (فصلينا) مقتدين (بصلاته) ﷺ حالة كوننا (قعودًا) أي: قاعدين (فلما سفم ﷺ من صلاته .. (قال) لنا: (إن كدتم) وقاربتم آنفًا؛ أي: في الزمن القريب" (أن تفعلوا فعل فارس والروم) وفي رواية لمسلم: (إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم) بإثبات لام الابتداء الفارقة بين إن المخففة وإن النافية، وإثباتها أحسن وأوضح من حذفها؛ لأن المقام مقام الإثبات، فقوله: "إن كدتم" إن مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، ولذا دخلت اللام في خبرها في رواية مسلم؛ وهو جملة كدتم؛ فرقًا بينها وبين إن النافية، وقوله: "آنفًا" بالمد ظرف زمان بمعنى قريبًا؛ أي: قاربتم في الزمن القريب - يعني: في الصلاة ورائي قريبًا - (لتفعلون) بي (فعل فارس) بالنصب بلا تنوين؛ لأنه اسم لا ينصرف (والروم) بملوكهم.
كانوا (يقومون على ملوكهم) تعظيمأ لهم (وهم) أي: والحال أن ملوكهم (قعود) أي: قاعدون، (فلا تفعلوا) ذلك القيام عليّ، قال القرطبي: فيه تنبيه على أن علة منع القيام لما يؤدي إليه القيام من التشبه بأفعال المتكبرين، فمُنع لهذه العلة أن يقوم الرجال أو المماليك على رؤوس الملوك أو الأمراء أو الرؤساء أو العلماء؛ لما يؤدي إليه. انتهى "مفهم".
قال النووي: فيه النهي عن قيام الغلمان والتبّاع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة، وأما القيام للداخل إذا كان من أهل الفضل والخير .. فليس من هذا، بل هو جائز، قد جاءت له أحاديث، فقد قام صلى الله عليه وسلم
стр. 3415
ائْتَمُّوا بِأَئِمَّتِكُمْ؛ إِنْ صَلَّى قَائِمًا .. فَصَلُّوا قِيَامًا، وِإنْ صَلَّى قَاعِدًا .. فَصَلُّوا قُعُودًا".
===
لجعفر وعكرمة وأسامة بن زيد ﵃، وقال للأنصار ﵃: "قوموا إلى سيدكم"، وأطبق عليه السلف والخلف، وعمم بعضهم النهي في الجميع إذا كان للتعظيم، وهو ظاهر مذهب مالك رحمه الله تعالى. انتهى منه.
(ائتموا) أي: اقتدوا أيها المأمومون (بأئمتكم) في أفعال الصلاة؛ (إن صلى) الإمام (قائمًا .. فصلوا) وراءه (قيامًا) أي: قائمين (وإن صلى قاعدًا .. فصلوا قعودًا) فتابعوهم في القيام والقعود، فلا تفعلوا فعل فارس والروم مع أئمتكم؛ فإنهم يقومون لعظمائهم وهم جلوس؛ يعني: أن القيام مع قعود الإمام يشبه تعظيم الإمام فيما شُرع لتعظيم الله وحده، فلا يجوز ولا يخفى دوام هذه العلة، فينبغي أن يدوم هذا الحكم، فالقول بنسخه كما عليه الجمهور خفي جدًّا، والله أعلم. انتهى "سندي" على النسائي.
قلت: الصحيح ما عليه الجمهور؛ لأن أحاديث الباب كلها منسوخة بما فعله النبي ﷺ في مرض موته من صلاته قاعدًا وصلاة الناس قائمين وراءه؛ لأنه آخر الأمرين، كما مر مرارًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصلاة، باب ائتمام المأموم بالإمام، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الإمام يصلي من قعود، والنسائي في كتاب الإمامة، باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا، والدارمي في كتاب الصلاة، باب القول بعد رفع الرأس من الركوع، وأحمد في "مسنده".
стр. 3416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، وكلها صحيحة، لكنها منسوخة عند الجمهور، كما مر بيانه.
والله أعلم
стр. 3417
(٧٠) - (٣٤٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ
(١٦٦) - ١٢١٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَحَفْصُ بْنُ غِيَالب وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي:
===
(٧٠) - (٣٤٧) - (باب ما جاء في القنوت في صلاة الفجر)
(١٦٦) - ١٢١٤ - (١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرَّحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(وحفص بن غياث) - بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة - ابن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(ويزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، قال أحمد: كان حافظًا متقنًا، وقال العجلي: ثقة ثبت، وقال أبو حاتم: إمام لا يسأل عن مثله، وقال في "التقريب": ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
كلهم رووا (عن أبي مالك الأشجعي سعد بن طارق) بن أشيم الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات في حدود أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(قال) أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق: (قلت لأبي) طارق بن أشيم - بوزن أكرم - ابن مسعود الأشجعي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى
стр. 3418
يَا أَبَتِ؛ إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ هَا هُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ، فَكَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؛ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ؛ مُحْدَثٌ.
===
عنه، له أربعة عشر حديثًا. يروي عنه: (م ت س ق). وقال (م): لَمْ يرو عنه غير ابنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(يا أبت؛ إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان) بالمدينة، (و (صليت خلف (علي) بن أبي طالب (ها هنا) يعني (بـ) اسم الإشارة: (الكوفة) أي: صليت خلف علي ها هنا بالكوفة، فهما ظرفان متعلقان بصليت المحذوف، كذا في "شرح أبي الطيب" (نحوًا من خمس سنين) وهذا أيضًا متعلق بصليت المحذوف، (فـ) هل (كانوا) أي: فهل كان هؤلاء الخمسة (يقنتون في) صلاة (الفجر؟ ) قال أبو مالك: (فقال) لي والدي في جواب سؤالي: (أي بني) أي: حرف نداء لنداء القريب، وبُني تصغير (ابن) تصغير شفقة، وهو منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة على الياء المدغمة في ياء المتكلم؛ أي: فقال لي أبي: القنوت أمر (محدث) بعد هؤلاء المذكورين من النبي ﷺ والخلفاء الراشدين.
وفي رواية النسائي: (صليت خلف رسول الله ﷺ فلم يقنت، وصليت خلف أبي بكر فلم يقنت، وصليت خلف عمر فلم يقنت، وصليت خلف عثمان فلم يقنت، وصليت خلف على فلم يقنت، ثم قال: يا بني؛ إنها بدعة)، والحديث يدلُّ على عدم مشروعية القنوت، وقد ذهب إلى ذلك أكثر أهل العلم، كما حكاه المصنّف واختلف النافون لمشروعيَّتِهِ هل يُشرع في النوازل أم لا؟ وقد تقدم أن القول الراجح هو أن القنوت مختص
стр. 3419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة إلا تخص به صلاة دون صلاة من الصلوات الخمس.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في ترك القنوت، والنسائي في كتاب التطبيق، باب ترك القنوت، وابن حبان في "صحيحه"، باب ما جاء في القنوت، وأحمد بن حنبل في "مسنده"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وقال سفيان الثوري: إن قنت في الفجر .. فحسن، وإن لَمْ يقنت .. فحسن، وأختار ألا يقنت، ولم ير ابن المبارك القنوت في الفجر، هذا آخر كلام أبي عيسى، وحكاه العراقي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عباس، وقال: وقد صح عنهم القنوت، وإذا تعارض الإثبات والنفي .. قدم المثبت به؛ لما عنده من زيادة العلم، وحكاه عن أربعة من التابعين وعن أبي حنيفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق. انتهى "تحفة الأحوذي".
قال أبو عيسى أيضًا: واختلف أهل العلم في القنوت في صلاة الفجر: فرأى بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم القنوت في صلاة الفجر، وهو قول الشافعي، وقال أحمد وإسحاق: لا يقنت في الفجر إلَّا عند نازلة تنزل بالمسلمين، فإذا نزلت نازلة بالمسلمين .. فللإمام أن يدعو لجيوش المسلمين. انتهى كلامه.
إذا تقرر لك هذا .. فقد علمت أن الحق ما ذهب إليه من قال: إن القنوت مختص بالنوازل، وأنه ينبغي عند نزول النازلة إلا تخص به صلاة دون صلاة، وقد ورد ما يدلُّ على هذا الاختصاص من حديث أنس عند ابن خزيمة، ومن حديث أبي هريرة عند ابن حبان بلفظ: (كان لا يقنت إلَّا أن يدعو لأحد أو
стр. 3420
(١٦٧) - ١٢١٥ - (٢) حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ بَكْرٍ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْلَى زُنْبُورٌ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
===
يدعو على أحد)، وأصله في "الصحيحين". انتهى كلام الشوكاني. انتهى من "تحفة الأحوذي".
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٦٧) - ١٢١٥ - (٢) (حدثنا حاتم بن بكر) بن غيلان (الضبي) أبو عمرو البصري الصيرفي، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن يعلى) السلمي أبو ليلى الكوفي، لقبه (زنبور) -بضم الزاي والموحدة بينهما نون ساكنة آخره راء - ضعيف، من التاسعة، مات بعد المئتين. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا عنبسة بن عبد الرَّحمن) بن عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي، متروك رماه أبو حاتم بالوضع، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن نافع) مولى ابن عمر المدني، ضعيف، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) نافع مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أم سلمة) رضي الله تعالى عنها، ولا يصح لنافع سماع من أم سلمة.
стр. 3421
قَالَتْ: نُهِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْقُنُوتِ فِي الْفَجْرِ.
(١٦٨) -١٢١٦ - (٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه محمد بن يعلي، وعنبسة بن عبد الرَّحمن، وعبد الله بن نافع، فكلهم ضعفاء متروكون، ولم يثبت لنافع سماعه من أم سلمة.
(قالت) أم سلمة: (نهي رسول الله ﷺ بالبناء للمفعول وهو الظاهر؛ أي: نهاه ربه (عن القنوت في) صلاة (الفجر) وهذا إشارة إلى ما جاء أنه ﷺ كان يدعو على بعض المشركين، فنزل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (١)، ويحتمل بناء (هي) للفاعل.
وهذا الحديث شاذ مخالف لما روي في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة ومن حديث أنس بن مالك، فهذا ضعيف جدًّا سندًا، موضوع متنًا (١٠)(١٣٧)، غرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث طارق بن أشيم بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٨) -١٢١٦ - (٣) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر (الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن زريع) - مصغرًا - التيمي العيشي أبو معاوية البصري، ثقة،
стр. 3422
حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقْنُتُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ شَهْرًا ثُمَ تَرَكَ.
===
من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هشام) بن حسان الأزدي القردوسي أبو عبد الله البصري، كان نازلًا في القراديس؛ وهم بطن من الأزد، نزلوا في البصرة، فنسب إليهم كما في "اللباب"، ثقة، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ كان يقنت في صلاة الصبح) حالة كونه (يدعو على حي) أي: قبيلة (من أحياء العرب) وقبائلهم؛ أي: كان يقنت (شهرًا) كاملًا، (ثم) بعدما كمَّل شهرًا (ترك)، وهذا قنوت النازلة لا القنوت الراتب، وأما أصل القنوت في الصبح .. فلم يتركه حتى فارق الدنيا، كذا صح عن أنس رضي الله تعالى عنه، كما رواه مسلم.
قال السندي: قوله: (على حي من أحياء العرب) أي: على قبائل من قبائل العرب، والحي القبيلة من العرب، والجمع أحياء وهو عُصيَّة ورِعْل وذكوان، وهم الذين قتلوا أصحاب بئر معونة، وقال النووي في "شرح المهذب": القنوت في الصبح مذهبنا، وبه قال أكثر السلف ومَنْ بعدهم، وقد عَرَفتَ مُتَمسكاتِهم وما فيها. انتهى.
стр. 3423
(١٦٩) - ١٢١٧ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا رَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ .. قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الرجيع وذكوان، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين مصائب؛ كغلبة الكفار، والقحط، والوباء، في جميع الصلوات، والنسائي في كتاب التطبيق، باب اللعن في القنوت، باب ترك القنوت، وأحمد بن حنبل في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، ولصحة سنده وللمشاركة فيه.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث طارق بن أشيم بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٩) - ١٢١٧ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة فقيه، من الثانية، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (لما رفع رسول الله ﷺ رأسه) من ركوع الركعة الثانية (من صلاة الصبح) وفرغ من ذكر الاعتدال .. قنت قنوت النازلة، و (قال) في قنوته: (اللهم؛ أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام،
стр. 3424
وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، اللَّهُمَّ؛ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ".
===
وعياش بن أبي ربيعة) من شر الكفار وأذاتهم، ودعاؤه ﷺ لهؤلاء الثلاثة بالنجاة؛ لأنهم كانوا أسارى بأيدي الكفار، وحديثهم عند أهل السير مشهور، فلا نطيل بذكره، وقوله: (و) أنج جميع (المستضعفين) من المسلمين المحصورين (بمكة) المكرمة، تعميم بعد تخصيص، قال ابن الملك: قاله النبي ﷺ حين هاجر من مكة وهم بقوا فيها. انتهى.
وقوله: (أنج) من النجاة، والهمزة للتعدية، وقد عُدِّي بالتضعيف أيضًا من النجوة؛ وهو المرتفع من الأرض، وهؤلاء المدعو لهم هم قوم من أهل مكة أسلموا، ففتنهم أهل مكة وعذبوهم وبعد ذلك نجوا منهم وهاجروا إلى النبي ﷺ ، وفي هذا دعاء للمعين وغيره، قال النووي: وفيه استحباب القنوت والجَهْرِ بِهِ، وأنه بعد الركوع، وأنه يَجْمعُ بينَ قوله: سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد، وفيه جوازُ الدعاء لإنسان معين وعلى معيَّن. انتهى.
وكان ﷺ يقول في الدعاء على الكفار: (اللهم؛ اشدد وطأتك) أي: نكايتك وعقوبتك، بهمزة وصل في اشدد، وفتح الواو وسكون الطاء في قوله: وطأتك؛ أي: اشدد عقوبتك (على) كفار قريش أولاد (مضر) اسم قبيلة؛ يعني: خذهم أخذًا شديدًا (واجعلها) أي: واجعل الوطأة أو السنين أو الأيام (عليهم) أي: على كفار مضر (سنين) كما هو مصرَّح في الرواية الآتية في رواية البخاري (كسني يوسف) بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام؛ يعني بها: السبع الذي
стр. 3425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ذكرها في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ (١)، فاستجيب له ﷺ ، فأجدبوا سبعًا أكلوا فيها كلّ شيء حتى أكلوا الميتة والعظام، وكان الواحد منهم يرى بينه وبين السماء دخانًا من شدة الجوع حتى جاء أبو سفيان أبو معاوية - وهو يومئذ كافر - فكلم النبي ﷺ ، فدعا لهم فسقوا، كما بسطنا الكلام على هذه القصة في "تفسيرنا" في سورة الدخان.
وقوله: "سنين" جمع سنة، وفيه شذوذان؛ تغييره من الفتح إلى الكسر، وكونه جمعًا لغير عاقل، وحكمه أيضًا مخالف لجمع السلامة في جواز إعرابه كمسلمين بالحروف وبالحركات على النون، وكونه منونًا وغير منون، منصرفًا وغير منصرف، والسنة كما ذكره أهل اللغة: الجَدْبُ، يقال: أخذتهم السنة إذا أجدبوا أو أقحطوا، قال ابن الأثير: وهي من الأسماء الغالبة نحو الدابة في الفرس والمال في الإبل، وقد خَصُّوها بقَلْبِ لامِها تاء في أَسْنَتُوا إِذَا أَجْدَبُوا. انتهى.
قال القرطبي: والذي استقر عليه أمر رسول الله ﷺ في القنوت ما رواه الدارقطني (٢/ ٤١) بإسناد صحيح عن أنس ﵁ أنه قال: (ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتى فارق الدنيا). انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها في كتاب الأذان، ومنها في كتاب الاستسقاء، ومنها في كتاب الجهاد إلى غير ذلك، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، وأبو داوود في كتاب الصلاة أبواب الوتر،
стр. 3426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
باب القنوت في الصلوات، والنسائي في كتاب التطبيق، والدارمي والدارقطني.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: حديث طارق بن أشيم، ذكره للاستدلال.
والثاني: حديث أم سلمة، ذكره للاستئناس؛ لأنه موضوع.
والثالث: حديث أنس، ذكره للاستشهاد.
والرابع: حديث أبي هريرة، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3427
(٧١) - (٣٤٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ فِي الصَّلَاةِ
(١٧٠) - ١٢١٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ.
===
(٧١) - (٣٤٨) - (باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة)
(١٧٠) - ١٢١٨ - (١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجَرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
كلاهما (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالحِ بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ضمضم بن جَوْسٍ) -بفتح الجيم وسكون الواو ثم المهملة- ويقال: ضمضم بن الحارث بن جوس اليمامي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ أمر بقتل الأسودين) ولو كان قاتلهما (في الصلاة) وإن بطلت صلاته بعمل كثير (العقرب والحية) عطف بيان للأسودين.
قال السندي: إطلاق الأسودين إما لتغليب الحية على العقرب كالقمرين، ولا يسمى الأسود في الأصل إلَّا الحية. انتهى "عون"، أو لأن عقرب المدينة
стр. 3428
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يميل إلى السواد، وقد أخذ من هذا الحديث أن قتلها لا يفسد الصلاة، لكن قد يقال: يكفي في الرخصة انتفاء الإثم في إفساد الصلاة بقتلها، وأما إبقاء الصلاة وصحتها بعد هذا الفعل .. فلا يدلُّ عليه الرخصة، تأمل. انتهى منه.
قال الخطابي في "المعالم": فيه دلالة على جواز العمل اليسير في الصلاة، وأن موالاة الفعل مرتين في حالة واحدة لا تفسد الصلاة؛ وذلك أن قتل الحية غالبًا إنما يكون بالضربة أو الضربتين، وأما إذا تتابع العمل وصار في حد الكثرة .. بطلت الصلاة، وفي معنى الحية كلّ مضر مباح قتله؛ كالزنابير، والشِّبْثَانِ - بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة وفتح المثلثة بعدها ألف ونون - جمع شَبَث بفتحتين، ويجمع أيضًا على أشباث؛ وهي دويبة تكون في الرمل كثيرة الأرجل من أحناش الأرض، ونحوهما، ورخص عامة أهل العلم في قتل الأسودين في الصلاة إلَّا إبراهيم النخعي، والسنة أولى وأحق بالاتباع. انتهى من "العون".
واعلم: أن الأمر بقتل الحية والعقرب مطلق غير مقيد بضربة أو ضربتين، وقد أخرج البيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كفاك للحية ضربة أصَبْتَها أم أخطَأْتَها"، وهذا يوهم التقييد بضربة، قال البيهقي: هذا إن صح .. فإنما أراد - والله أعلم - وقوعَ الكفاية بها في الإتيان بالمأمور، فقد أمر ﷺ وأراد - والله أعلم - قَتْلَها بالزيادة إذا امتنعت بنفسها عند الخطأ، ولم يرد به المَنْعَ من الزيادة على ضربة واحدة.
ثم استدل البيهقي على ذلك بحديث أبي هريرة عند مسلم: "من قتل وزغة في أول ضربة .. فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضربة الثانية .. فله كذا
стр. 3429
(١٧١) - ١٢١٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ وَالْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ الدَّهَّانُ،
===
وكذا حسنة أدنى من الأُولَى، ومن قتلها في الضربة الثالثة .. فله كذا وكذا حسنة أدنى من الثانية"، ذكره في "النيل" انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب العمل في الصلاة، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب السهو، باب قتل الحية والعقرب في الصلاة، والدارمي وأحمد والحاكم في "المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧١) - ١٢١٩ - (٢) (حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم) بن دينار (الأودي) -بفتح الهمزة وسكون الواو- أبو عبد الله الكوفي، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وستين ومئتين (٢٦١ هـ)، ويروي عنه: (خ م س ق).
(والعباس بن جعفر) بن عبد الله بن الزبرقان البغدادي، أصله من واسط، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا علي بن ثابت الدهان) العطار الكوفي، صدوق، من كبار
стр. 3430
حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَدَغَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَقْرَبٌ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: "لَعَنَ اللهُ الْعَقْرَبَ؛ مَا تَدَعُ الْمُصَلِّيَ وَغَيْرَ الْمُصَلِّي، اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ".
===
العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا الحكم بن عبد الملك) القرشي البصري نزيل الكوفة، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (ت س ق).
(عن قتادة) بن دعامة، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف الحكم بن عبد الملك، لكن لَمْ ينفرد به الحكم، فقد رواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن قتادة به، فالسند صحيح بغيره؛ لأن له متابعًا.
(قالت) عائشة: (لدغت) أي: لسعت (النبي ﷺ عقرب وهو في الصلاة، فقال) رسول الله ﷺ : (لعن الله العقرب؛ ما تدع) أي: ما تترك أحدًا من الناس من شرها (المصلي وغير المصلي، اقتلوها) حيث وجدتموها لا تتركوها (في الحل و) لا في (الحرم) لأنَّها مؤذية.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح، وإن كان سنده
стр. 3431
(١٧٢) - ١٢٢٠ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا مِنْدَلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ،
===
ضعيفًا؛ لأن الحكم بن عبد الملك لَمْ ينفرد به، بل له متابع، كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث أبي رافع رضي الله تعالى عنه مولى رسول الله ﷺ ، فقال:
(١٧٢) - ١٢٢٠ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الهيثم بن جميل) -بفتح الجيم- البغدادي أبو سهل نزيل أنطاكية، ثقة، من أصحاب الحديث، وكأنه ترك الحديث فتغير حفظه، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا مندل) - مثلث الميم ساكن النون - ابن علي العنزي -بفتح المهملة والنون ثم زاي- أبو عبد الله الكوفي، ويقال: اسمه عمرو، ومندل لقبه، ضعيف، من السابعة، ولد سنة ثلاث ومئة، ومات سنة سبع أو ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (د ق).
(عن) محمد بن عبيد الله (بن أبي رافع) الهاشمي مولاهم، ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عبيد الله بن أبي رافع المدني الهاشمي مولاهم مولى رسول الله ﷺ ، كان كاتب علي رضي الله تعالى عنه، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
стр. 3432
عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَتَلَ عَقْرَبًا وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ.
===
(عن جده) أبي رافع الهاشمي مولاهم مولى رسول الله ﷺ إبراهيم القِبْطِيِّ المدني رضي الله تعالى عنه، قيل: اسمه أسلم، أو ثابت، أو هرمز، مات في أول خلافة علي رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه مندل بن علي وابن أبي رافع محمد بن عبيد الله، وهما ضعيفان.
(أن النبي ﷺ قتل عقربًا وهو في الصلاة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولا شاهد له ولا مشارك، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده ولا متابع له، فالحديث ضعيف متنًا وسندًا (١١)(١٣٨)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المصنّف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس.
والله أعلم
стр. 3433
(٧٢) - (٣٤٩) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ
(١٧٣) - ١٢٢١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ صَلَاتَيْنِ: عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
===
(٧٢) - (٣٤٩) - (باب النهي عن الصلاة بعد الفجر وبعد العصر)
(١٧٣) - ١٢٢١ - (١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي (وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن خبيب بن عبد الرَّحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري أبو الحارث، ثقة من الرابعة مات سنة مئة واثنتين وثلاثين (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه خبيب بن عبد الرَّحمن وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ نهى عن صلاتين: عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس).
стр. 3434
(١٧٤) - ١٢٢٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَعْلَى التَّيْمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس، ومسلم في كتاب البيوع، باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة، والنسائي في كتاب البيوع، باب تفسير ذلك.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧٤) - ١٢٢٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن يعلى) بن حرملة (التيمي) أبو المحياة -بضم الميم وفتح المهملة والتحتانية المشددة آخره هاء- الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(عن عبد الملك بن عمير) الفرسي اللخمي أبي عمر القبطي، ثقة فقيه تغير حفظه، وربما دلس، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ)، وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
(عن قزعة) بن يحيى البصري الأموي مولاهم مولى زياد بن أبي سفيان، وثقه العجلي، وقال ابن خراش: صدوق، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
стр. 3435
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ".
(١٧٥) - ١٢٢٣ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: لا صلاة) صحيحة أو حاصلة (بعد) صلاة (العصر حتى تغرب الشمس) بجميع قرصها، (وَلَا صلاة) صحيحة أو حاصلة (بعد) صلاة (الفجر حتى تطلع الشمس) وترتفع -كما في رواية البخاري- إلَّا لسبب، أو المراد: لا تصلون بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر، فيكون نفيًا بمعنى النهي، وإذا كانت غيرَ حاصلة .. فتَحرِّي الوَقْتِ لها كُلْفةٌ لا فائدة فيها، وقيل في حكمة النهي: إن قومًا كانوا يتحرون طلوع الشمس وغروبها فيسجدون لها عبادة من دون الله تعالى، فنهى ﷺ أن يُتَشَبَّهَ بهم. انتهى "قسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نُهي عن الصلاة فيها، والنسائي في كتاب المواقيت، باب النهي عن الصلاة بعد العصر، وأحمد، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(١٧٥) - ١٢٢٣ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.