الخطبة
الحمد لله الذي كشف عنَّا الغمة، وجلا غياهب الظلمة، وأكمل لنا ديننا وتمَّم علينا النعمة، وشرَّفنا بخير نبي فكنَّا به خير أمة، فعلَّمَنا الكتاب والحكمة، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الأئمة، وأتباعه وأحبابه أولي المناقب الجمَّة.
أما بعد:
فلما أتم المولى فضله عليَّ بانتهاء المجلد السابع .. أمدَّني بمدد من عنده لأفتتح المجلد الثامن، فشرعت به راجيًا من المولى القبول، وإتمام هذا الشرح مع العافية؛ إنه سميع مجيب.
* * *
قال المصنِّف رَحِمَهُ اللهُ تعالى:
стр. 3468
(١) - (٣٥٣) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ
(١) - ١٢٣١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ: "أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ مَعَهُ
===
(١) - (٣٥٣) - (باب ما جاء في صلاة الخوف)
(١) - ١٢٣١ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ في) بيان كيفية (صلاة الخوف) أي: في بيان كيفية فعل الصلاة جماعة في حالة الخوف من هجوم العدو إن صلوا مجتمعين جميعًا، وجملة قوله: (أن يكون الإمام يصلي بطائفة معه) صلة أن المصدرية، أن مع صلتها في تأويل مصدر مرفوع على كونه خبرًا لمبتدأ محذوف جوازًا؛ تقديره: هي؛ أي: كيفيةُ فعل الصلاة في حالة الخوف؛ كَوْنُ الإمامِ؛ أي: أميرِ الجيش أن يُفرِّق القومَ فرقتين، فيصلِّي
стр. 3469
فَيَسْجُدُونَ سَجْدَةً وَاحِدَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الَّذِينَ سَجَدُوا السَّجْدَةَ مَعَ أَمِيرِهِمْ، ثُمَّ يَكُونُونَ مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّوا مَعَ أَمِيرِهِمْ سَجْدَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ أَمِيرُهُمْ وَقَدْ صَلَّى صَلَاتَهُ، وَيُصَلِّي
===
بطائفة منهم؛ أي: تفريقُه القوم فرقتين، فصلاتُه بفرقة منهما معه في الصلاة الثُّنائية مقصورة كانت أو تامة.
(فيسجدون) أي: فتُصلِّي هذه الفرقةُ معه (سجدة واحدة) أي: ركعة واحدة، والظرف في قوله: (معه) متعلق بيسجدون؛ أي: أن يفرق القومَ فرقتين، فيُحرِم بطائفة منهما يَرْكَعُون معه ركعة واحدة؛ يعني: الركعةَ الأولى، (و) الحال أنه (تكون طائفةٌ) أخرى (منهم) أي: من القوم (بينهم) أي: بين القوم المصلِّين (وبين العدو) يحرسُون العدوَّ عن الهجوم على المصلين، وهم في الصلاة.
(ثُمَّ ينصرف) ويذهب الفرقةُ (الذين سجدوا السجدةَ) الأُولى؛ أي: صلوا الركعة الأولى (مع أميرهم) بعد إتمام الثانية لهم، مفارِقينَ للإمام، والإمام ينتظر الفرقة الثانية في القيام الثاني لصلاتِه، (ثم يكونون) أي: يكون الذين صلوا مع الإمام الركعة الأولى (مكان الذين) حرسوا العدو في الركعة الأولى، و (لم يصلوا) الركعة الأولى مع الإمام، (ويتقدم) القوم (الذين لم يصلوا) مع الإمام الركعة الأولى إلى جهة الإمام (فيصلو) ن؛ أي: فيصلي هؤلاء الذين تقدموا إلى الإمام (مع أميرهم سجدة واحدة) أي: ركعة واحدة؛ وهي الركعة الثانية للإمام.
(ثم) بعدما صلى بالفرقة الثانية الركعة الثانية له (ينصرفُ أميرهم) أي: يذهب إلى جهة العدو، (و) الحال أنه (قد صلى) وكمَّل (صلاته ويصلي)
стр. 3470
كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ بِصلَاتِهِ سَجْدَةً لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ .. فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا"، قَالَ: يَعْنِي بِالسَّجْدَةِ: الرَّكْعَةَ.
===
أي: يكمل (كل واحد من الطائفتين) أي: الفرقتين (بصلاته سجدة لنفسه) أي: يكمل كُلٌّ صلاته لنفسه بسجدة؛ أي: بفعل سجدة وركعة لنفسه، والجار والمجرور في قوله: لنفسه متعلق بيصلي كل واحد.
والمعنى: ويكمل كل واحد من الطائفتين صلاته لنفسه بفعل سجدة وركعة منفردين عن الإمام؛ فالفرقة الأولى تكمل صلاتها بنفسها مفارقين للإمام والإمام ينتظر الثانية في قيامه الثاني، وتسلّم وتذهب إلى جهة العدو، والفرقة الثانية تكمل صلاتها مفارقين للإمام، وهو في التشهد منتظرًا لهم فيه، فيسلم بهم، فحازت الأولى فضيلة الإحرام مع الإمام، وحازت الثانية فضيلة السلام مع الإمام، كما هو مبين في كتب الفروع.
(فإن كان خوف) العدو (أشد من ذلك) أي: من احتمال صلاتهم جماعة؛ كأن التحم القتال .. (فـ) كل يصلي بنفسه كيف أمكن له (رجالًا) كانوا (أو ركبانًا) أي: يصلي كل بنفسه راجلًا؛ أي: ماشيًا كان أو راكبًا، (قال) الراوي أو من دونه: (يعني) النبي ﷺ أو ابن عمر (بالسجدة) التي ذكرها في الحديث؛ يعني: في قوله: فيسجدون سجدة واحدة، وفي قوله الذين سجدوا السجدة مع أميرهم، وفي قوله: سجدة لنفسه؛ يعني بها: في كل موضع ذكرها فيه (الركعة) لا السجود الذي هو مقابل الركوع.
قال السندي: قوله: (ويصلي كل واحد من الطائفتين ... ) إلى آخره، يحتمل أن المراد: أنهم يصلون على الترتيب لا أنهم يصلون معًا، وإلا .. لم يبق وجاه العدو سوى الإمام في هذه الحالة، فلا يُرَدُّ، وهذا خلافُ موضوعِ صلاة الخوف، ويحتمل أن المراد: أنهم يصلون معًا كما هو الظاهر، فيخص
стр. 3471
(٢) -١٢٣٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ،
===
هذه الصورة بما إذا كان الخوف قليلًا بحيث لا يضر عدم بقاء أحد وجاه العدو سوى الإمام ساعة ولا يرجى خوف لذلك، أو لأن العدو إذا رآهم في الصلاة ذاهبين آيبين .. لا يقدم عليهم، بخلاف ما لم يفعلوا ذلك. انتهى منه، وما ذكرناه في حلنا هو أصوب، كما في كتب الفروع.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرج البخاري في كتاب صلاة الخوف بنحوه، برقم (٩٤٢)، وفي كتاب التفسير، باب فإن خفتم فرجالًا أو ركبانًا، برقم (٤٥٣٥).
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عمر بحديث سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢) -١٢٣٢ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ (القطان) التميمي أبو سعيد البصري، ثقة إمام الجرح والتعديل، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني يحيى بن سعيد) بن قيس (الأنصاري) النجاري أبو سعيد المدني، ثقة كثير الحديث، ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه التيمي أبي محمد المدني أحد الفقهاء السبعة، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
стр. 3472
عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَقُومُ الْإِمَامُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَتَقُومُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَهُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ قِبَلِ الْعَدُوِّ وَوُجُوهُهُمْ إِلَى الصَّفِّ، فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً، وَيَرْكَعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَيَسْجُدُونَ
===
(عن صالح بن خوات) -بفتح المعجمة وتشديد الواو- ابن جبير بن النعمان الأنصاري المدني، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن أبي حثمة) -بفتحتين بينهما مثلثة ساكنة- عبد الله بن ساعدة بن عامر بن ساعدة الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنه، صحابي صغير، له ستة وعشرون حديثًا، مات في خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن سهل بن أبي حثمة (قال) راويًا عن النبي ﷺ ، كما سيأتي رفعه في آخر الحديث؛ أي: قال (في) بيان كيفية (صلاة الخوف: قال) رسول الله ﷺ : (يقوم الإمام) أي: إمام الجيش وأميرهم حالة كونه (مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم) أي: من الجيش (معه) أي: مع الإمام، (وطائفة) أخرى منهم تقوم (من قبل العدو) أي: في مقابل العدو، فمن بمعنى في، (ووجوههم) أي: في حال أن وجوه هذه الطائفة الأخرى التي تحرس العدو مستقبلة (إلى الصف) الذي تصلي مع الإمام حراسة لهم، وهذا مخصوص بما إذا كان العدو في جهة القبلة.
(فيركع) أي: يصلي الإمام (بهم) أي: بالطائفة التي كانت معه (ركعة) واحدة، ويفارقون الإمام في قيام الركعة الثانية، (ويركعون) ركوع الركعة الثانية (لأنفسهم) والإمام قائم ينتظر الفرقة الثانية التي كانت حارسة العدو في قيامه، (ويسجدون) أي: تسجد هذه الفرقة التي أحرمت مع الإمام سجود
стр. 3473
لِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ فِي مَكَانِهِمْ، ثُمَّ يَذْهَبُونَ إِلَى مَقَامِ أُولَئِكَ، وَيَجِيءُ أُولَئِكَ فَيَرْكَعُ بِهِمْ رَكْعَةً وَيَسْجُدُ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، فَهِيَ لَهُ ثِنْتَانِ وَلَهُمْ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَرْكَعُونَ رَكْعَةً وَاحِدَةً، وَيَسْجُدُونَ سَجْدَتَيْنِ.
===
الركعة الثانية (لأنفسهم سجدتين في مكانهم) الذي وراء الإمام ويسلمون من صلاتهم.
(ثم يذهبون إلى مقامِ) ومَصافِّ (أولئك) الفرقة الثانية التي كانت حارسة للإمام ومن معه في الركعة الأولى، (ويجيء أولئك) القوم الذين حرسوا في الركعة الأولى إلى الإمام، (فيركع) الإمام ويصلي (بهم ركعة) واحدة (ويسجد بهم سجدتين، فهي) أي: فهذه الركعة (له) أي: للإمام (ثنتان) أي: ثانية ثنتين من صلاته، (ولهم) أي: وللفرقة الثانية (واحدة) أي: ركعة واحدة من صلاتهم، ثم يفارقون الإمام ويقومون، (ثم يركعون ركعة واحدة) لتكميل صلاتهم، (ويسجدون سجدتين) ويسلمون من صلاتهم.
قوله: (وطائفة من قبل العدو) قال السندي: بكسر القاف وفتح الموحدة و (من) بمعنى في؛ أي: وطائفة تقوم في جانب العدو، ولعل قوله: (ووجوههم إلى الصف) أي: أنه لا بد لهم من النظر إلى الصف؛ لئلا يهجم عليهم العدو وهم في الصلاة، وهذا مخصوص بما إذا كان العدو في جهة قبلتهم.
قوله: (فيركع بهم ركعة) أي: يصلي بهم تمامَها مع السجدتين، ثم يمكث الإمام مكانه جالسًا حتى يتم هؤلاء؛ أي: الطائفة الأولى لأنفسهم الصلاة، وهذا معنى قوله: (ويركعون لأنفسهم ويسجدون لأنفسهم سجدتين في مكانهم)، قوله: (فهي) أي: الصلاة (له) أي: للإمام (ثنتان) أي: ركعتان، (ولهم) أي: للطائفة الثانية (واحدة)، وهذا ظاهر. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب
стр. 3474
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ: فَسَأَلْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْقَطَّانَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَدَّثَنِي عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ الْقَاسمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
غزوة ذات الرقاع، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة الخوف، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال: يقوم صف مع الإمام وصف وِجاهَ العدو فيصلي بالذين يلونه ركعة، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الخوف، والنسائي في كتاب الصلاة أول كتاب صلاة الخوف.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
(قال محمد بن بشار: فسألت يحيى بن سعيد القطان عن هذا الحديث) الذي رواه لي عنه يحيى الأنصاري، فقلت له: هل سمعته من غيره؟ (فحدثني) يحيى القطان هذا الحديث (عن شعبة) بن الحجاج (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة فاضل، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه (ع).
(عن أبيه) القاسم بن محمد، ثقة، من الثالثة.
(عن صالح بن خوات) ثقة، من الرابعة.
(عن سهل بن أبي حثمة) رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، غرضه: بيان متابعة عبد الرحمن بن القاسم ليحيى بن سعيد الأنصاري في رواية هذا الحديث عن القاسم بن محمد، وفائدتها بيان كثرة طرقه.
стр. 3475
بمِثْلِ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ لِي يَحْيَى: اكْتُبْهُ إِلَى جَنْبِهِ وَلَسْتُ أَحْفَظُ الْحَدِيثَ، وَلكِنْ مِثْلُ حَدِيثِ يَحْيَى.
(٣) -١٢٣٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ،
===
وساق عبد الرحمن عن أبيه (بمثل حديث يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال) محمد بن بشار: (قال لي يحيى) القطان: (اكتبه) أي: اكتب هذا الحديث الذي حدثته لك عن عبد الرحمن بن القاسم (إلى جنبه) أي: إلى جانب الحديث الذي رويته لك عن يحيى الأنصاري (ولست أحفظ) هذا (الحديث) الذي رويته لك عن عبد الرحمن بن القاسم، (ولكن) هو؛ أي: حديث عبد الرحمن (مثل حديث يحيى) الأنصاري؛ أي: نظيره لفظًا ومعنىً.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣) -١٢٣٣ - (٣) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان التميمي العنبري مولاهم أبو عبيدة البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ)، وله ثمان وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3476
عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْخَوْفِ؛ فَرَكَعَ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ، حَتَّى إِذَا نَهَضَ .. سَجَدَ أُولَئِكَ بِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ حَتَّى قَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ، وَتَخَلَّلَ أُولَئِكَ
===
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) بن حرام الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ صلى بأصحابه) جميعًا (صلاة الخوف) بعدما صفهم صفين؛ أي: أحرم بهم جميعًا، (فركع بهم جميعًا) أي: بجميع الصفين، (ثم سجد رسول الله ﷺ والصف الذين يلونه) أي: يلون النبي ﷺ ؛ أي: سجد معه الصف الأول دون الصف الثاني، وهو معطوف على الرسول، (والآخرون) أي: الصف الثاني وهو مبتدأ خَبَرُهُ (قيام) أي: قائمون لحراسة النبي ﷺ ومن سجد معه وهو الصف الأول؛ أي: والصف الثاني مستمرون في القيام لحراستهم.
(حتى إذا نهض) النبي ﷺ والذين معه؛ أي: قاموا إلى الركعة الثانية .. (سجد أولئك) الصف الثاني (بأنفسهم) أي: منفردين عن النبي ﷺ (سجدتين، ثم) بعد فراغهم من سجودهم وقاموا (تأخر الصف المقدم) الذين سجدوا مع النبي ﷺ من وراء النبي ﷺ إلى محلِّ الصف الثاني (حتى قاموا) أي: قام الصف الأول (مقام أولئك) الصف الثاني (وتخلل أولئك) الصف الثاني؛
стр. 3477
حَتَّى قَامُوا مَقَامَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَرَكَعَ بِهِمُ النَّبيُّ ﷺ جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلُونَهُ، فَلَمَّا رَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ .. سَجَدَ أُولَئِكَ سَجْدَتَيْنِ وَكُلُّهُمْ قَدْ رَكَعَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَسَجَدَ طَائِفَةٌ بِأَنْفُسِهِمْ سَجْدَتَيْنِ وَكَانَ الْعَدُوُّ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ.
===
أي: تقدموا من خلالهم وبينهم إلى مقام الصف الأول الذين تأخروا (حتى قاموا) أي: قام أولئك الصف الثاني (مقام الصف المقدم) الذين تأخروا (فركع بهم النبي ﷺ جميعًا) أي: ركع ركوع الركعة الثانية بالصفين جميعًا.
(ثم) بعد فراغهم من الركوع (سجد رسول الله ﷺ أي: سجد هو (والصف الذي يلونه) وهم أهل الصف المؤخر الذين حرسوا في الركعة الأولى، ثم تقدموا في الركعة الثانية، (فلما رفعوا) أي: رفع النبي ﷺ والصف الذي يليه (رؤوسهم) من سجود الركعة الثانية .. (سجد أولئك) الصف المؤخر وهو أهل الصف المقدم الذين تأخروا في الركعة الثانية (سجدتين، وكلهم) أي: وكل القوم (قد ركع مع النبي ﷺ في الركعتين، (وسجد) كل (طائفة) من الصفين (بأنفسهم) منفردين عن النبي ﷺ (سجدتين) وسجدتين مع النبي ﷺ ؛ أي: سجد الصف المقدم في الركعة الأولى مع النبي ﷺ وفي الركعة الثانية بأنفسهم، وسجد المؤخر في الركعة الأولى بأنفسهم وفي الركعة الثانية مع النبي ﷺ ، (وكان العدو) في تلك الصلاة (مما يلي القبلة) منهم، ولذلك أمكن لهم ركوع كل القوم مع النبي ﷺ .
стр. 3478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن روى النسائي بعضه في "الصغرى" من حديث جابر بن عبد الله، ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" عن أحمد بن عبدة به، ورواه ابن حبان في "صحيحه" عن عمرو بن محمد الهمداني عن أحمد بن عبدة به، وأصله في "الصحيحين" من حديث ابن عمر ومن حديث سهل ابن حثمة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3479
(٢) - (٣٥٤) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ
(٤) - ١٢٣٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ،
===
(٢) - (٣٥٤) - (باب ما جاء في صلاة الكسوف)
(٤) - ١٢٣٤ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) اسمه فيروز أو سعيد البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قيس بن أبي حازم) البجلي الأحمسي الكوفي، ثقة مخضرم من الثانية، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري البدري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله من الثقات.
(قال) أبو مسعود: (قال رسول الله ﷺ : إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد من الناس) ولا لحياته، كما في حديث عائشة،
стр. 3480
فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ .. فَقُومُوا فَصَلُّوا".
===
(فإذا رأيتموه) أي: رأيتم كسوفهما .. (فقوموا) إلى الصلاة (فصلوا) صلاته ندبًا لا وجوبًا، والأمر للندب المؤكد بدليل حديث: هل على غيرها؟ فقال: "لا، إلا أن تطوع".
قوله: "لا ينكسفان لموت أحد" قال السندي: قال ذلك؛ لأنها انكسفت يوم مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، فزعم الناس أنها انكسفت لموته، فدفع ﷺ وَهْمَهُم بهذا الكلام، قال القاضي عياض: وفي قوله ﷺ في هذا الحديث: "إن الشمس والقمر لا ينكسفان" بالكاف، وفي حديث عائشة الآتي: (لا ينخسفان) بالخاء المعجمة، وفي غيرهما مما ورد في الكسوف استعمالُ لفظ الكسوف والخسوف في كل من الشمس والقمر.
فإذًا يقال: انكسَفَت الشمسُ، وخَسَفَ القمرُ، وقيل: لا يقال في الشمس إلا الخَسْفُ، وهو في "الأم" مروي عن عروة، ولا يصح؛ لأن القرآن يردُّه، قال الله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (١)، وإنما ورد عنه ما تقدم في الشمس، ثم اختلف: فقيل: هما بمعنىً، وقال الليث: الخسوف ذهابُ الكل، والكسوفُ ذهاب البعض، وقال أبو عمر: الخسوفُ ذهاب لونها، والكسوفُ تغيره. انتهى من "المعلم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها كتاب الكسوف، باب لا تنكسف الشمس لموت أحد، ومسلم في كتاب الكسوف، باب ذكر النداء بصلاة الكسوف، وأبو داوود في كتاب الاستسقاء، باب من قال: أربع ركعات، والنسائي في كتاب الكسوف، باب
стр. 3481
(٥) - ١٢٣٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمِيلُ بْنُ الْحَسَنِ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ
===
الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس، والدارمي، وأحمد بن حنبل.
وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي مسعود بحديث النعمان بن بشير ﵃، فقال:
(٥) - ١٢٣٥ - (٢) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري.
(وأحمد بن ثابت) الجحدري أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وجميل) بفتح الجيم (ابن الحسن) بن جميل العتكي الجهضمي أبو الحسن البصري، صدوق يخطئ، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
كلهم (قالوا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا خالد) بن مهران (الحذاء) المجاشعي أبو المنازل البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: إحدى وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي البصري، ثقة، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن النعمان بن بشير) الأنصاري الخزرجي أبي عبد الله المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما.
стр. 3482
قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ فَزِعًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ، فَلَمْ يَزَلْ يُصَلِّي حَتَّى انْجَلَتْ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ الْعُظَمَاءِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا تَجَلَّى اللهُ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) النعمان: (انكسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته، (فخرج) من الحجرة حالة كونه (فزعًا) أي: خائفًا من وقوع عذاب الله تعالى، حالة كونه (يجر ثوبه) أي: رداءه على الأرض استعجالًا إلى الخروج؛ أي: خرج من بيته مستعجلًا (حتى أتى) إلى (المسجد) النبوي، (فلم يزل يصلي) صلاة الكسوف ركعتين ركعتين مرة بعد مرة، كما في رواية أبي داوود (حتى انجلت) وتنورت الشمس، قال الحافظ في "الفتح": إن كان هذا الحديث محفوظًا .. احتمل أن يكون معنى قوله: (ركعتين ركعتين) أي: ركوعين في كل ركعة، وقد وقع التعبير عن الركوع بالركعة في حديث الحسن البصري عند الشافعي في "مسنده"، ولفظه: (قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين).
(ثم) بعدما فرغ من صلاته (قال: إن أناسًا) من المسلمين (يزعمون أن الشمس والقمر لا ينكسفان إلا لموت عظيم) القدر عند الله تعالى (من العظماء) عند الله، (وليس) الأمر كائنًا (كذلك) أي: كما يقولون من أن انكساف الشمس لموت عظيم، بل (إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد) من الناس (ولا لحياته) أي: حياة أحد من الناس وولادته، (فإذا تجلى الله) سبحانه؛
стр. 3483
لِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ .. خَشَعَ لَهُ".
===
أي: انكشف وظهر (لشيء من خلقه) أي: لشيء من مخلوقاته .. (خشع) ذلك الشيء وخضع وتذلل (له) أي: لرؤيته تعالى هيبة منه حتى تغيرت هيئته.
وقوله: "فإذا تجلى الله لشيء من خلقه ... " إلى آخره، هذه زيادة منكرة موضوعة مدرجة من بعض الرواة.
فإن قلتَ: أيُّ فائدةٍ في قوله: "ولا لحياته" وقد كان تُوُهِّمَ انكسافهما لموت عظيم؟
قلنا: دفعَ به قولَ من كان يتوَهَم منهم أن الانكساف يقع لولادة شرير. انتهى "ابن الملك"، وقيل: ذكره تتميمًا للأقسام، وإلا .. فلم يدَّعِ أحدٌ أن الكسوف يكون لحياة أحد، أو ذكره لدفع توهم من يقول: لا يلزم من نفي كونه سببًا للفَقْدِ ألَّا يكون سببًا لإيجاد، فعمَّمَ الشارعُ النفيَ لدفع هذا التوهم. انتهى من "الإرشاد".
وقد أخرج البخاري عن المغيرة بن شعبة بسنده، قال: كسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ يوم مات ابنه من مارية القبطية (إبراهيم) بالمدينة في السنة العاشرة من الهجرة، وجزم النووي بأنها كانت سنة الحديبية. انتهى "قسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال: يركع ركعتين، رقم (١١٩٣)، والنسائي في كتاب الكسوف، باب نوع آخر، وأحمد بن حنبل في "مسنده".
قال السندي: قوله: "فإذا تجلى الله لشيء ... " إلى آخره، قال الغزالي: هذه الزيادة غير صحيحة نقلًا، فيجب تكذيب ناقلها، وبَنى على ذلك أن قول الفلاسفة في باب الخسوف والكسوف حقٌّ لِمَا قام عليه من البراهين القطعية:
стр. 3484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهو أن خسوف القمر عبارة عن امحاء ضوئه بتوسط الأرض بينه وبين الشمس من حيث أنه يقتبس نوره من الشمس، والأرض كرة والسماء محيطة بها من الجوانب، فإذا وقع القمر في ظل الأرض .. انقطع منه نور الشمس، وأن كسوف الشمس معناه وقوعُ جِرْمِ القمر بين الناظر والشمس؛ وذلك عند اجتماعهما في العِقْدَين في الدائرتين على دقيقة واحدة.
قال ابن القيم: إسناد هذه الزيادة لا مطعن فيه، ورواته كلهم ثقات حفاظ، ولكن لعل هذه اللفظة مدرجة في الحديث من كلام بعض الرواة، ولهذا لا توجد في سائر أحاديث الكسوف، فقد رَوى حديث الكسوف عن النبي ﷺ بضعة عشر صحابيًا فلم يذكر أحد منهم في حديثه هذه اللفظة، فمن هنا نشأ احتمال الإدراج، قال السبكي: قول الفلاسفة كما قال الغزالي، لكن إنكار الغزالي هذه الزيادة غير جيد؛ فإنه مروي في "النسائي" وغيره، وتأويله ظاهر، فأي بُعْدٍ في أن العالم بالجزئياتِ ومقدارِ الكائنات سبحانه يُقدِّر في أزلِ الأزلِ خشوعَها بتوسطِ الأرض بين القمر والشمس ووقوفِ جرم القمر بين الناظر والشمس، ويكون ذالكَ وقت تجليه عليهما، فالتجلي سببٌ لكسوفهما قَضت العادةُ بأنه يقارن توسط الأرض ووقوف جرم القمر لا مانع من ذلك، ولا ينبغي منازعة الفلاسفة فيما قالوا إذا دلت عليه براهين قطعية. انتهى منه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، إلا هذه الزيادة المنكرة الموضوعة المدرجة من بعض الرواة؛ أعني بها: قوله: (فإذا تجلى الله لشيء من خلقه .. خشع له)، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 3485
(٦) -١٢٣٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي مسعود بحديث عائشة ﵄، فقال:
(٦) -١٢٣٦ - (٣) (حدثنا أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن عمرو (بن السرح) -بمهملات ثانيتها ساكنة- الأموي مولاهم أبو الطاهر (المصري) الفقيه، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد الأموي مولاهم الأيلي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة إمام حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كسفت الشمس) أي: تغيرت وزال عنها ضوءها
стр. 3486
فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ فَقَامَ فَكَبَّرَ فَصَفَّ النَّاسُ وَرَاءَهُ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِرَاءَةً طَوِيلَةً، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ قَامَ فَقَرَأَ قِرَاءَةً طَوِيلَةً هِيَ أَدْنَى مِنَ الْقِرَاءَةِ الْأُولَى، ثُمَّ كَبَّرَ فَرَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا
===
(في) زمن (حياة رسول الله ﷺ يوم مات ابنه إبراهيم بالمدينة، سنة الحديبية، كما جزم به النووي، (فخرج رسول الله ﷺ من الحجرة (إلى المسجد) لا إلى الصحراء؛ لخوف الفوات بالانجلاء والمبادرة إلى الصلاة مشروعة، (فقام فكبر) تكبيرة الإحرام، (فصف الناس) بالرفع فاعل؛ أي: اصطفوا (وراءه) ﷺ ، و (صف) يتعدى ويلزم، قال الحافظ في "الفتح": ويجوز النصب في الناس والفاعل محذوف، فالمراد به النبي ﷺ ؛ أي: جعلهم صفوفًا وراءه. انتهى.
(فقرأ رسول الله ﷺ في قيامه (قراءة طويلة) نحوًا من سورة البقرة بعد الفاتحة والتعوذ، ولأبي داوود: قالت: فقام فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة البقرة، (ثم كبر) للركوع (فركع ركوعًا طويلًا) مسبحًا فيه قدر مئة آية من البقرة، (ثم رفع رأسه) من الركوع، (فقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم قام) في رفعه من الركوع، (فقرأ) في قيامه ذلك (قراءة طويلة هي) أي: تلك القراءة (أدنى) أي: أقل (من القراءة الأولى) نحوًا من سورة آل عمران بعد قراءة الفاتحة والتعوذ، ولأبي داوود: قالت: فحزرت قراءته، فرأيت أنه قرأ سورة آل عمران.
(ثم) بعد قراءته في ذلك الرفع (كبر) للركوع الثاني، (فركع ركوعًا طويلًا
стр. 3487
هُوَ أَدْنَى مِنَ الرُّكُوعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ"، ثُمَّ فَعَلَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، فَاسْتَكْمَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ
===
هو أدنى) وأقل (من الركوع الأول) مسبحًا فيه قدر ثمانين آية، (ثم قال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم فعل في الركعة الأخرى) أي: الأخيرة (مثل ذلك) أي: مثل ما فعل في الركعة الأولى، لكن القراءة في أولهما كالنساء، وفي ثانيهما كالمائدة، وهذا نص الشافعي في "البويطي"، قال السبكي: وقد ثبت بالأخبار تقدير القيام الأول بنحو البقرة وتطويله على الثاني والثالث ثم الثاني على الرابع، وأما نقص الثالث عن الثاني أو زيادته عليه .. فلم يرد فيه شيء فيما أعلم، فلأجله لا بعد في ذكر سورة النساء فيه وآل عمران.
نعم؛ إذا قلنا بزيادة ركوع ثالث فيكون أقصر من الثاني، كما ورد في الخبر. انتهى.
والتسبيح في أولهما؛ أي: في أول ركوعي الركعة الثانية بقدر سبعين آية، وفي الرابع بقدر خمسين، قال الأذرعي: وظاهر كلامهم استحباب هذه الإطالة وإن لم يرض بها المأمومون، وقد يفرق بينها وبين المكتوبة بالندرة، أو يقال: لا يطيل بغير رضا المحصورين؛ لعموم حديث: "إذا صلى أحدكم بالناس .. فليخفف"، وتحمل إطالته ﷺ على أنه علم رضا أصحابه، أو أن ذلك مغتفر لبيان تعليم الأكمل بالفعل. انتهى.
(فاستكمل أربع ركعات) أي: ركوعات في ركعتين؛ يعني: أن النبي ﷺ صلى ركعتين كل ركعة بركوعين، وسمي الركوع الزائد ركوعًا باعتبار المعنى اللغوي، وإن كانت الركعة الشرعية هي الكاملة قيامًا وركوعا وسجودًا. انتهى "قسطلاني".
стр. 3488
وَأَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَانْجَلَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ، ثُمَّ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا
===
(و) سجد (أربع سجدات) في ركعتين، كما هو المعتاد في كل صلاة، وفائدة ذكره بيان أن الزيادة منحصرة في الركوع دون السجود، وهذا قول الأئمة الثلاثة، وأما الأحناف .. فيقولون: تؤول رواية تلك الزيادة على رفع بعض القوم رؤوسهم من طول الركوع، ثم عودهم إليه، فعندهم صلاة الكسوف على الأصول المعهود في الصلوات؛ لما رواه أبو داوود عن قبيصة بإسناد صحيح أنه ﷺ صلى ركعتين، فأطال فيهما القيام، ثم انصرف وانجلت الشمس، فقال: "إنما هذه الآيات يخوف الله بها عباده، فإذا رأيتموها .. فصلوا كأحدث؛ أي: أقرب صلاة صليتموها من المكتوبة"، قال ابن الهمام: وهي الصبح؛ فإن الكسوف كان عند ارتفاع قيد رمحين، والأخذ بهذا أولى؛ لوجود الأمر به وهو مقدم على الفعل. انتهى من بعض الهامش.
(وانجلت الشمس) -بنون قبل الجيم من باب انفعل- أي: صفت من السواد (قبل أن ينصرف) من صلاته، (ثم قام) النبي ﷺ خطيبًا (فخطب الناس) أي: وعظهم وذكرهم، وهذا دليل من قال: من سنة صلاة الكسوف الخطبة؛ وهم الشافعي وإسحاق والطبري وفقهاء أصحاب الحديث، وخالفهم في ذلك أبو حنيفة ومالك، وقالا: إن هذه الخطبة إنما كان مقصودها زجر الناس عما قالوا من أن الكسوف إنما كان لموت إبراهيم، وليخبرهم بما شاهده في تلك الصلاة مما أطلع عليه من الجنة والنار. انتهى من "المفهم".
(فأثنى على الله) تعالى أي: وصف الله (بما) أي: بوصف
стр. 3489
هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا .. فَافْزَعُوا إِلَى الصَّلَاةِ".
===
(هو) أي: ذلك الوصف (أهله) أي: لائق بالله تعالى من سائر الكمالات، (ثم قال) رسول الله ﷺ في خطبته: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) تعالى؛ أي: دليلان على وجود الحق تعالى وقهره وكمال إلهيته، وقد خصهما بالذكر؛ لما وقع للناس من أنهما ينخسفان لموت عظيم، وهذا إنما صدر ممن لا علم عنده ممن ضعف عقله واختل فهمه، فرد النبي ﷺ عليهم جهالتهم، وفي ضمن ذلك الرد على من قال بتأثيرات النجوم.
ثم أخبر بالمعنى الذي لأجله ينكسفان؛ وهو أن الله تعالى يخوف بهما عباده؛ لأن ذلك مذكر بالكسوفات التي تكون بين يدي الساعة، ويمكن أن يكون ذلك الكسوف منها، ولذلك قام ﷺ فزعًا يخشى أن تكون الساعة، وكيف لا؟ وقد قال الله : ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ (١)، وخص هنا خسوفهما بالتخويف؛ لأنهما أمران علويان نادران طارئان عظيمان، والنادر العظيم مخوف موجع، بخلاف ما يكثر وقوعه؛ فإنه لا يحصل منه ذلك غالبًا، فلما وقع فيهما من الغلط الكثير للأمم التي كانت تعبدهما، ولما وقع من الجهال من اعتقاد تأثيرهما. انتهى من "المفهم".
(لا ينكسفان لموت أحد) من الناس كإبراهيم ابنه ﷺ ، (ولا لحياته) أي: لحياة أحد من الناس وولادته؛ كولادة شرير، ذكره تتميمًا للمقابلة، كما مر، (فإذا رأيتموهما) أي: رأيتم كسوف الشمس وخسوف القمر .. (فافزعوا) -بفتح الزاي من باب فرح- أي: التجئوا وتوجهوا (إلى الصلاة) المعهودة الخاصة
стр. 3490
(٧) -١٢٣٧ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
===
السابق فعلها منه ﷺ قبل الخطبة؛ لأنها ساعة خوف.
واستنبط من قوله: "فافزعوا" أن الجماعة ليست شرطًا في صحتها؛ لأن فيها إشعارًا بالمبادرة إلى الصلاة والمسارعة إليها، وانتظار الجماعة قد يؤدي إلى فواتها أو إخلاء بعض الوقت من الصلاة.
نعم؛ يستحب لها الجماعة. انتهى من "الإرشاد".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها كتاب الكسوف، باب خطبة الإمام في الكسوف، ومسلم في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال: أربع ركعات، والنسائي في كتاب الكسوف.
فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديثِ أبي مسعود الأنصاري بحديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧) -١٢٣٧ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن إسماعيل) بن البختري -بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة- الحساني -بمهملتين- أبو عبد الله الواسطي نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
стр. 3491
قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عِبَادٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْكُسُوفِ فَلَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا.
===
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي.
(عن الأسود بن قيس) العبدي، ويقال: العجلي الكوفي، يكنى أبا قيس، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن ثعلبة بن عباد) -بكسر المهملة وتخفيف الموحدة- العبدي البصري، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن سمرة بن جندب) -بضم الجيم وسكون النون- ابن هلال الفزاري حليف الأنصار الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين. يروي عنه: (ع).
(قال) سمرة: (صلى بنا رسول الله ﷺ في الكسوف فلا نسمع له صوتًا).
قوله: (لا نسمع له صوتًا) قال القاري في "المرقاة": هذا يدل على أن الإمام لا يجهر بالقراءة في صلاة الكسوف، وبه قال أبو حنيفة وتبعه الشافعي وغيره، قال ابن الهمام: ويدل عليه أيضًا حديث ابن عباس، روى أحمد وأبو يعلى في "مسنديهما" عنه: صليت مع النبي ﷺ ، فلم أسمع منه حرفًا من القراءة، ورواه أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عباس قال: صليت إلى جنب رسول الله ﷺ يوم كسفت الشمس، فلم أسمع له قراءة، قال: ولهما رواية عن عائشة في "الصحيحين" قالت: جهر النبي
стр. 3492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ﷺ في صلاة الخسوف بقراءته، وللبخاري من حديث أسماء: جهر ﵊ في صلاة الكسوف، ورواه أبو داوود والترمذي وحسنه وصححه ولفظه: صلى صلاة الكسوف، فجهر فيها بالقراءة، ثم قال: وإذا حصل التعارض بين الحديثين الصحيحين .. وجب الترجيح بأن الأصل في صلاة النهار الإخفاء. انتهى ما في "المرقاة". انتهى "تحفة الأحوذي".
قلت: أحاديث الجهر نصوص صريحة في الجهر، وأما حديث سمرة .. فهو ليس بنص في السر ونفي الجهر، قال الحافظ ابن تيمية في "المنتقى": وهذا يحتمل أنه لم يسمعه لبعده؛ لأن في رواية مبسوطة له: أتينا والمسجد قد امتلأ. انتهى، وأما حديث ابن عباس بلفظ: صليت إلى جنب رسول الله ﷺ ... إلى آخره .. فهو لا يوازي أحاديث الجهر في الصحة، فلا شك أن أحاديث الجهر مقدمة على حديث سمرة وحديث ابن عباس المذكورين، والله تعالى أعلم. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب من قال أربع ركعات، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء كيف القراءة في الكسوف، والنسائي في كتاب الكسوف، باب نوع آخر، وباب ترك الجهر فيها بالقراءة أخرجه بعضهم مطولًا وبعضهم مختصرًا، قال أبو عيسى: حديث سمرة بن جندب حديث حسن صحيح غريب، وقد صححه ابن حبان والحاكم أيضًا، قال أبو عيسى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا، وهو قول الشافعي وهو أيضًا قول أبي حنيفة ومالك، وقال النووي في "شرح مسلم": إن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد وجمهور الفقهاء أنه يسر في كسوف الشمس؛ لأن الأصل في صلاة النهار الإسرار، وأنه يجهر في خسوف القمر.
стр. 3493
(٨) - ١٢٣٨ - (٥) حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: صلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْكُسُوفِ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ،
===
انتهى، وقال الحافظ في "الفتح": قال الأئمة الثلاثة؛ يعني: مالكًا والشافعي وأبا حنيفة: يسر في الشمس ويجهر في القمر. انتهى، انتهى من "تحفة".
قلت: فإذًا درجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي مسعود، والله تعالى أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أبي مسعود بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨) - ١٢٣٨ - (٥) (حدثنا محرز) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي (ابن سلمة العدني) ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل (الجمحي) المكي، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) -مصغرًا- زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي أبي بكر المكي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أسماء: (صلى رسول الله صلاة الكسوف فقام، فأطال القيام)
стр. 3494
ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَكَعَ فَأَطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصرَفَ فَقَالَ: "لَقَدْ دَنَتْ مِنِّي الْجَنَّةُ
===
جدًّا، (ثم ركع، فأطال الركوع) جدًّا، (ثم رفع) رأسه من الركوع، (فقام) بعد الرفع، (فأطال القيام، ثم ركع) الركوع الثاني في الركعة الأولى، (فأطال الركوع)، ولكنه أدنى من الركوع الأول، (ثم رفع) رأسه من الركوع الثاني، (ثم) بعد الركوع الثاني (سجد، فأطال السجود، ثم رفع) رأسه من السجود الأول، فجلس بين السجدتين، (ثم) بعد الجلوس (سجد) السجود الثاني، (فأطال السجود) الثاني.
(ثم رفع) رأسه من السجود الثاني، (فقام) عقب الرفع إلى الركعة الثانية، (فأطال القيام) الأول من الركعة الثانية، (ثم ركع) الركوع الأول من الركعة الثانية، (فأطال الركوع) الأول من الركعة الثانية، (ثم رفع) رأسه من هذا الركوع، (فقام) القيام الثاني من الركعة الثانية، (فأطال القيام) الثاني، (ثم ركع) الركوع الثاني من الركعة الثانية، (فأطال الركوع) الثاني، (ثم رفع) رأسه من الركوع الثاني، (ثم سجد) السجود الأول للركعة الثانية (فأطال السجود، ثم رفع) رأسه من السجود الأول، (ثم سجد) السجود الثاني لها (فأطال السجود، ثم انصرف) أي: فرغ من الصلاة، وقد تجلت الشمس، كما في بعض الرواية.
(فقال) والذي نفسي بيده؛ (لقد دنت) وقربت (مني الجنة) قال: الحافظ ابن حجر: منهم من حمله على أن الحجب كشفت له دونها فرآها على حقيقتها
стр. 3495
حَتَّى لَوِ اجْتَرَأْتُ عَلَيْهَا .. لَجِئْتُكُمْ بِقِطَافٍ مِنْ قِطَافِهَا، وَدَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ وَأَنَا فِيهِمْ -قَالَ نَافِعٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ-: وَرَأَيْتُ امْرَأَةً تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ لَهَا فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا؛ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خِشَاشِ الْأَرْضِ".
===
وطويت المسافة بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها شيئًا، ومنهم من حمله على أنها مثلت له في الحائط، كما تنطبع الصورة؛ أي: صورة الشيء جمادًا كان أو حيوانًا وتتمثل في المرآة -بكسر الميم وبالمد- فرأى جميع ما فيها، (حتى لو اجترأت) غاية لدنوها؛ أي: دنت إلي دنوا بليغًا حتى لو تشجعت (عليها) أي: على أخذ شيء منها .. (لجئتكم بقطاف من قطافها) أي: بعنقود من عناقيدها، والقطاف -بكسر القاف-: العنقود المقطوع من الشجرة، (ودنت مني) أي: قربت إلى (النار) دنوا بليغًا (حتى) خفت منها، و (قلت: أي رب) أي: يا رب؛ هل تعذبهم (وأنا فيهم) أي: فكيف تعذبهم وأنا فيهم وقد وعدتني، وقلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾؟ (١).
(قال نافع) بن عمر بالسند: (حسبت) أي: ظننت (أنه) أي: أن ابن أبي مليكة (قال) لي: قالت أسماء: قال رسول الله ﷺ : (ورأيت) في النار (امرأة) من بني إسرائيل، أو قال: حميرية، كما في مسلم (تخدشها) وتقشر جلدها (هرة) مملوكة (لها) بأظافيرها، (فقلت) لمن هناك: (ما شأن) وسبب تعذيب (هذه) المرأة؟ (قالوا) لي سبب تعذيبها أنها (حبستها) وربطتها بحبل (حتى ماتت) تلك الهرة (جوعًا) أي: لأجل جوع وعطش؛ (لا هي) أي: لا تلك المرأة (أطعمتها) أي: أطعمت تلك الهرة في مربطها، (ولا هي أرسلتها) وأطلقتها من رباطها فـ (تأكل من خشاش الأرض)
стр. 3496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي: من هوامها وحشراتها، قال النووي: وربطها معصية صغيرة، وإنما كانت كبيرة بإصرارها، فاستحقت التعذيب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأذان، ومسلم في كتاب الكسوف، والنسائي في كتاب الكسوف.
ودرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي مسعود.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3497
(٣) - (٣٥٥) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ
(٩) - ١٢٣٩ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كِنَانَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَمِيرٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ
===
(٣) - (٣٥٥) - (باب ما جاء في صلاة الاستسقاء)
(٩) - ١٢٣٩ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن إسماعيل) بن البختري الحساني الواسطي نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن إسحاق بن عبد الله) بن الحارث (بن كنانة) أبي عبد الرحمن المدني القرشي، مقبول، من السابعة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة القرشي العامري، ويقال: الثقفي، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(قال) إسحاق: (أرسلني أمير من الأمراء) أي: من أمراء المسلمين في المدينة، وفي رواية أبي داوود: قال هشام: أخبرني أبي، قال: أرسلني الوليد بن
стр. 3498
إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَسْأَلُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الاسْتِسْقَاءِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا مَنَعَهُ أَنْ يَسْأَلَنِي قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَوَاضِعًا مُتَبَذِّلًا مُتَخَشِّعًا مُتَرَسِّلًا
===
عتبة وكان أمير المدينة (إلى ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما حالة كوني (أسأله) أي: أسأل ابن عباس (عن) كيفية (الصلاة في الاستسقاء) أي: في طلب سقيا المطر من الله تعالى.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه هشام بن إسحاق، وهو مقبول.
والاستسقاء لغة: طلب سقيا الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعًا: طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص، قاله الحافظ ابن حجر، وقال الجزري في "النهاية": هو استفعال من طلب السقيا؛ أي: إنزال الغيث على البلاد والعباد، يقال: سقى الله عباده الغيث وأسقاهم، والاسم السقيا -بضم السين- واسْتَسْقَيْتُ فلانًا إذا طلبت منه أن يسقيك. انتهى، وقال الرافعي: هو أنواع؛ أدناها الدعاء المجرد، وأوسطها الدعاء خلف الصلوات، وأفضلها الاستسقاء بركعتين وخطبتين، والأخبار قد وردت بجميع ذلك. انتهى.
فسألته (فقال ابن عباس: ما منعه) أي: ما منع ذلك الأمير (أن يسألني) بنفسه بلا واسطة، ثم (قال) ابن عباس: (خرج رسول الله ﷺ إلى مصلى العيد، كما في رواية الشيخين، حالة كونه (متواضعًا) في الظاهر لله تعالى (متبذلًا) -بتقديم التاء على الموحدة- أي: لابسًا ثياب البذلة والمهنة تاركًا ثياب الزينة، قال في "النهاية": التبذل ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة على جهة التواضع (متخشعًا) في الباطن (مترسلًا) أي: غير مستعجل في مشيه، يقال: ترسل الرجل في كلامه ومشيه إذا لم يعجل. انتهى "سندي"
стр. 3499
مُتَضَرِّعًا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا يُصلِّي فِي الْعِيدِ وَلَمْ يَخْطُبْ خُطْبَتَكُمْ هَذِهِ.
===
(متضرعًا) أي: مظهرًا للضرعة؛ وهي التذلل عند طلب الحاجة، وقال في "النيل": قوله: متخشعًا؛ أي: مظهرًا للخشوع؛ ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله .
(فصلى ركعتين كما يصلي في العيد)، استدل به الشافعي ﵀ على أنه يكبر في صلاة الاستسقاء كتكبير العيد، وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة، واستدل له بما أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي عن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن طلحة، قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، فقال: سنة الاستسقاء سنة الصلاة في العيدين ... الحديث، وفيه: وصلى ركعتين كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وقرأ في الثانية ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وكبر فيها خمس تكبيرات، قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. انتهى من "التحفة".
(ولم يخطب خطبتكم هذه) النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد، كما تدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة، ويدل عليه أيضًا قوله في هذا الحديث: فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه، فإنما نفى وقوع خطبة منه ﷺ مشابهة لخطبة المخاطبين، ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه على ذلك، فلا يصح التمسك به لعدم مشروعية الخطبة، وقال الزيلعي: مفهوم الحديث أنه خطب، لكنه لم يخطب كما يفعل في الجمعة، ولكنه خطب خطبة واحدة، فلذلك نفى النوع ولم ينف الجنس، ولم يرو أنه خطب خطبتين، فلذلك قال أبو يوسف: يخطب خطبة واحدة، ومحمد يقول: يخطب خطبتين. ولم أجد له شاهدًا. انتهى، انتهى من "العون".
стр. 3500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعلم: أنه قد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس: ففي حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد: أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وفي حديث عبد الله بن زيد في "الصحيحين" وغيرهما، وكذا في حديث ابن عباس عن أبي داوود، وحديث عائشة عند أبي داوود: أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة، لكنه لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في "الصحيحين" أنه خطب، وإنما ذكر تحويل الظهر إلى الناس واستقبال القبلة والدعاء وتحويل الرداء، قال القرطبي: يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد، وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة، قال في "الفتح": ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك؛ أنه ﷺ بدأ بالدعاء، ثم صلى ركعتين، ثم خطب، فاقتصر بعض الرواة على شيء، وعَبَّرَ بعضهم بالدعاء عن الخطبة، فلذا وقع الاختلاف، والمرجح عند الشافعية والمالكية الشروع في الصلاة، وعن أحمد رواية كذلك، قال النووي: وبه قال الجماهير، وقال الليث: بعد الخطبة، وكان مالك يقول به، ثم رجع إلى قول الجماهير، قال: قال أصحابنا: ولو قدم الخطبة على الصلاة .. صحَّتا، ولكن الأصل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها.
وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير، واختلفت الرواية عن الصحابة في ذلك. انتهى، كذا ذكر القاضي الشوكاني في "النيل"، وقال: وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب جماع أبواب صلاة الاستسقاء، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في
стр. 3501
(١٠) - ١٢٤٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبَّادَ بْنَ تَمِيمٍ يُحَدِّثُ أَبِي عَنْ عَمِّهِ
===
صلاة الاستسقاء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الاستسقاء، باب كيف صلاة الاستسقاء.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن عباس بحديث عبد الله بن زيد ﵃، فقال:
(١٠) - ١٢٤٠ - (٢) (حدثنا محمد بن الصبَّاح) بن سفيان التاجر الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا سفيان) بن عيينة.
(عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ) وهو ابن سبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) عبد الله: (سمعت عباد بن تميم) بن غزية الأنصاري المازني
المدني، ثقة، من الثالثة، وقيل: إن له رؤية. يروي عنه: (ع).
(يحدث أبي) أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(عن عمه) أي: عن عم عباد بن تميم؛ أي: أخي أبيه لأمه وهو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب الأنصاري المازني أبي محمد المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، استشهد يوم الحرة سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع)، وعبد الله بن زيد هو أخو أبي عباد لأمه.
стр. 3502
أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَلَبَ رِدَاءَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
===
تنبيه
اعلم: أن عمه عبد الله بن زيد بن عاصم بن مازن المازني لا عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي الذي رأى الأذان في المنام، وهما مختلفان، ومن ظنهما واحدًا .. فقد غلط وأخطأ. انتهى "تحفة الأحوذي".
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن عمه عبد الله بن زيد (شهد النبي ﷺ أي: حضر مع النبي ﷺ وقد (خرج) أي: النبي ﷺ (إلى المصلى) أي: إلى مصلى العيد، حالة كون النبي ﷺ (يستسقي) أي: يطلب سقيا المطر من الله تعالى، (فاستقبل القبلة) موليًا ظهره إلى الناس، (وقلب رداءه) أي: جعل ظاهره باطنه وباطنه ظاهره، ويمينه شماله وشماله يمينه؛ تفاؤلًا بتغير الحال من الجدب إلى الخصب، (وصلى) صلاة الاستسقاء (ركعتين) كما يصلي العيد، كبر في الأولى سبع تكبيرات، وقرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وكبر في الثانية خمس تكبيرات، وقرأ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. رواه الدارقطني (٣/ ٦٦)، وهذا نص، لكن في إسناده محمد بن عمر بن عبد العزيز بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ضعيف الحديث، ذكره ابن أبي حاتم. انتهى من "المفهم".
وفي الحديث دليل على أن الصلاة في الاستسقاء سنة، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك والجمهور، وهو قول أبي يوسف ومحمد، قال محمد: أما أبو حنيفة .. فكان لا يرى أن في الاستسقاء صلاة.
стр. 3503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: قول الجمهور هو الصواب والحق؛ لأنه قد ثبت صلاته ﷺ في الاستسقاء ركعتين من أحاديث كثيرة صحيحة؛ منها حديث عبد الله بن زيد المذكور في الباب وهو حديث متفق عليه، ومنها حديث أبي هريرة أخرجه أحمد وابن ماجه، ومنها حديث ابن عباس أخرجه أصحاب السنن الأربعة، ومنها حديث عائشة أخرجه أبو داوود، وقال: غريب وإسناده جيد، ورواه ابن حبان في "صحيحه" والحاكم في "المستدرك"، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، فهذه الأحاديث حجة بينة لقول الجمهور، وهي حجة على الإمام أبي حنيفة.
قال بعض العلماء في تعليقه على "موطأ الإمام محمد" بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه: وبه ظهر ضعف قول صاحب "الهداية" في تعليل مذهب أبي حنيفة أن رسول الله استسقى ولم يرو عنه الصلاة. انتهى، فإنه إن أراد أنه لم يرو بالكلية فهذه الأخبار تكذبه، وإن أراد أنه لم يروفي بعض الروايات .. فغير قادح. انتهى من "تحفة الأحوذي" باختصار، وقال في "حاشية شرح الوقاية": ولعل هذه الأحاديث لم تبلغ الإمام أبا حنيفة، وإلا .. لم ينكر استنان الجماعة.
قلت: هذا هو الظن به، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستسقاء، باب تحويل الرداء في الاستسقاء، ومسلم في كتاب صلاة الاستسقاء، وأبو داوود في كتاب الاستسقاء، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في صلاة الاستسقاء، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الاستسقاء، والدارمي ومالك وأحمد.
стр. 3504
(١١) - ١٢٤١ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِهِ قَالَ سُفْيَانُ: عَنِ الْمَسْعُودِيِّ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
* * *
ثم ذكر رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن زيد، فقال:
(١١) - ١٢٤١ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح، أنبأنا سفيان، عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة. أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني القاضي، كنيته اسمه، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عباد بن تميم، عن عمه) عبد الله بن زيد.
(عن النبي ﷺ وساق أبو بكر بن محمد (بمثله) أي: بمثل حديث عبد الله بن أبي بكر.
وهذا السند من سداسياته، غرضه: بيان متابعة أبي بكر لولده عبد الله بن أبي بكر في الرواية عن عباد بن تميم.
(قال سفيان) بن عيينة بالسند السابق راويًا (عن المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه أنه من سمع منه ببغداد .. فبعد الاختلاط، من السابعة، مات سنة ستين ومئة،
стр. 3505
قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو: أَجَعَلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ، أَوِ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ؟ قَالَ: لَا، بَلِ الْيَمِينَ عَلَى الشِّمَالِ.
(١٢) - ١٢٤٢ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي
===
وقيل: سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (عم).
(قال) المسعودي: (سألت أبا بكر بن محمد بن عمرو: أجعل) أي: هل جعل النبي ﷺ في قلب ردائه (أعلاه أسفله أو) جعل (اليمين على الشمال؟ قال) لي أبو بكر في جواب سؤالي: (لا، بل) جعل (اليمين على الشمال) وبالعكس.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا بحديث أبي هريرة ﵁، فقال:
(١٢) - ١٢٤٢ - (٤) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق، كان يحفظ ثم كَبِرَ فصار كتابُه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(والحسن) بن يحيى بن الجعد العبدي أبو علي (بن أبي الربيع) الجرجاني نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله الأزدي، أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضَعْفٌ، وله أوهام إذا حدث من