. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب الصلاة، باب صلاة التسبيح.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه الاستشهاد به لحديث أبي رافع.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3817
(٤١) - (٣٩٣) - بَابُ مَا جَاءَ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ
(١٣١) - ١٣٦١ - (١) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
===
(٤١) - (٣٩٣) - (باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان)
(١٣١) - ١٣٦١ - (١) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني الريحاني المكي، ثقة، من الحادية عشرة، له تصانيف، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا) أبو بكر بن عبد الله بن محمد (بن أبي سبرة) -بفتح المهملة وسكون الموحدة- ابن أبي رُهم بن عبد العزى القرشي العامري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: محمد، وقد ينسب إلى جده، رموه بالوضع، وقال مصعب الزبيري: كان عالمًا من علماء قريش، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن إبراهيم بن محمد) بن علي بن عبد الله بن جعفر القرشي الهاشمي المدني، صدوق، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن معاوية بن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشمي المدني، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (س ق).
(عن أبيه) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي المدني أحد الأجواد
стр. 3818
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ .. فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهارَهَا؛ فَإِنَّ اللهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ:
===
كان يُسمَّى بحر الجود، وُلِد بأرض الحبشة، وله صحبة، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ) وهو ابن ثمانين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن علي بن أبي طالب) بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ وزوج ابنته فاطمة الزهراء رضوان الله تعالى عنهم أجمعين، مات في رمضان سنة أربعين (٤٠ هـ)، وله ثلاث وستون سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ابن أبي سبرة وهو من الوضاعين لا يجوز الاحتجاج به، وفيه أيضًا معاوية بن عبد الله بن جعفر، وهو مقبول.
(قال) علي بن أبي طالب: (قال رسول الله ﷺ : إذا كانت) وجاءت وحصلت (ليلة النصف من شعبان .. فقوموا) بأنواع الذكر والصلاة (ليلها) أي: ليلة هي تلك الليلة، فالإضافة فيها بيانية، وليست الإضافة فيها كالإضافة التي في قوله: (وصوموا نهارها) أي: يوم تلك الليلة التي هي الليلة الخامسة عشر من شهر شعبان؛ لأن الإضافة فيه للبيان، والفرق بينهما أن البيانية هي ما كان المضاف فيها نفس المضاف إليه؛ كخاتم حديد، وأن البيان هي ما كان المضاف فيها جزءًا من المضاف إليه؛ كيد زيد، أو ملكًا له؛ كغلام زيد، أو مختصًا به؛ كباب الدار.
وصوموا نهارها؛ (فإن الله) (ينزل فيها) أي: في ليلة النصف من شعبان نزولًا يليق به نُثبته ولا نكيفه ولا نشبهه (لغروب الشمس) أي: عند غروب الشمس (إلى سماء الدنيا، فيقول) الرب ﷻ وعز كماله:
стр. 3819
أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلىً فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ".
(١٣٢) - ١٣٦٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيُّ
===
(ألا من مُسْتَغْفِرٍ لي) (ألا) حرف عرض، (من) زائدة، (مستغفر) فاعل لفعل محذوف جوازًا؛ تقديره: ألا يوجد مستغفر لي (فأغفر له؟ ) الفاء عاطفة سببية، (أغفر) فعل مضارع منصوب بأن المضمرة وجوبًا بعد الفاء السببية الواقعة في جواب العرض، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبًا؛ تقديره: أنا، يعود على الله، له جار ومجرور متعلق بأغفر، والجملة الفعلية صلة أن المضمرة، أن مع صلتها في تأويل مصدر معطوف على مصدر متصيد من الجملة التي قبلها؛ تقديره: ألا يكن استغفار مستغفر لي فغفراني له، وقس عليه ما بعده من الجمل.
(ألا) يوجد (مسترزق) مني؛ أي: طالب الرزق مني (فأرزقه؟ ألا) يوجد (مُبْتَلىً) بالأمراض المنفرة كالجذام والبرص يشتكي إلي ما أصابه (فأعافيه؟ ) أي: فأكشف عنه ما أصابه، ويقول: (ألا كذا ألا كذا) نحو ألا مريض يستشفيني فأشفيه، وألا فقير يستغنيني فأغنيه، وألا غريب يستردني فأرده إلى وطنه، إلى غير ذلك من الحوائج، وقوله: (حتى يطلع الفجر) غاية لقوله: فيقول.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فهو ضعيف جدًّا؛ لضعف سنده، ولأنه لا شاهد له، فهو ضعيف متنًا وسندًا (١٦)(١٥٤)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس لها ثانيًا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٣٢) - ١٣٦٢ - (٢) (حدثنا عبدة بن عبد الله) الصفار (الخزاعي)
стр. 3820
وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَبُو بَكْرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ
===
أبو سهل البصري كوفي الأصل، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ)، وقيل في التي قبلها. يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن عبد الملك) بن زنجويه البغدادي (أبو بكر) الغَزَّالُ، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(قالا: حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا حجاج) بن أرطاة بن ثور بن هُبَيْرة النخعي أبو أرطاة الكوفي، صدوق كثير الخطأ، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الزبير، (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه انقطاعًا لأن يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من عروة.
(قالت) عائشة: (فقدت النبي ﷺ ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي من مرقده؛ أي: غاب عني ليلة، ولفظ (ذات) مقحم، وكانت تلك الليلة ليلة النصف من شعبان، كما يدل عليه آخر الحديث. انتهى "سندي"،
стр. 3821
فَخَرَجْتُ أَطْلُبُهُ؛ فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ "، قَالَتْ: قَدْ قُلْتُ وَمَا بِي ذَلِكَ، وَلكِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعَرِ غَنَمِ كَلْبٍ".
===
(فخرجت) من حجرتي حالة كوني (أطلبه) وأبحث عنه؛ (فإذا هو) ﷺ حاضر (بالبقيع رافع رأسه إلى السماء) أي: فاجأني رؤيته في البقيع وهو رافع رأسه إلى السماء، (فـ) لما رآني (قال: يا عائشة؛ أكنت تخافين) أي: تظنين (أن يحيف الله عليك ورسوله؟ ) أي: يجوران لك من الحيف؛ وهو الظلم والجور؛ أي: ظننت أن قد ظلمتك بجعل نوبتك لغيرك، وذلك مناف لمنصب الرسالة، وما يظن بي ذلك؛ أي: الجور والظلم، وما ينبغي ظن السوء بالله وبرسوله، وذكر الله معه؛ لتعظيم رسوله والدلالة على أن فعل الرسول عادة لا يكون إلا بإذنه وأمره، وفيه أن القَسْمَ كان واجبًا عليه؛ إذ لا يكون تركه جورًا إلا إذا كان واجبًا. انتهى "سندي".
(قالت) عائشة: (قد قلت) له ﷺ (وما بي) أي: وما في قلبي (ذلك) أي: ظن السوء بالله وبرسوله، (ولكني ظننت أنك أتيت) وذهبت إلى (بعض نسائك) وأزواجك (فقال: إن الله تعالى) أي: فقال: إنما خرجت من عندك؛ لأن الله تعالى (ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا) أي: إلى السماء القريبة إلى الأرض، وجملة إن مستأنفة؛ لبيان موجب خروجه من عندها؛ يعني: خرجت للدعاء لأهل البقيع لما رأيت من كثرة الرحمة في هذه الليلة (فيغفر) لمن استغفره (لأكثر) أي: لذنوب أكثر عددًا (من عدد شعر غنم) بني (كلب)، وإنما قيد بغنمهم؛ لأنهم كانوا أكثر العرب غنمًا.
стр. 3822
(١٣٣) -١٣٦٣ - (٣) حَدَّثَنَا رَاشِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ رَاشِدٍ الرَّمْلِيُّ،
===
قال السندي: قوله: "ولكن ظننت ... " إلى آخره؛ أيْ لكنني ظننت أنك فعلت ما أحل الله لك من الإتيان لبعض نسائك؛ تريد: أنها ما جَوَّزَتْ ذلك ولا زعمَتْهُ من جهةِ كونه حَيْفًا وجورًا، ولكن جوَّزَتْ من جهة أنه في ذاته إتيانُ بعضِ نسائه وهو حلال، والمقصودُ: أنها ما لاحظَتْ ذلك من جهةِ كونه ظلمًا، ولكن لاحظَتْ من جهة كونهِ حلالًا، فلذلك جوَّزَتْهُ، فانظر إلى كمال عقلِها، فإنها قد زعمَتْ ذلك للنبي ﷺ وليس ذلك جورًا، وقال لها: أتخافين مِن الله تعالى ورسوله؟ فإن قالت في الجوابِ: نعم، خِفْتُ ذلك .. يكون قبيحًا، وإن قالت: ما خِفْتُه .. يكون كذبًا، فتفَطَّنْ. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان، رقم (٧٣٩) عن عائشة بلفظه، قال أبو عيسى: حديث عائشة لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الحجاج، وسمعت محمدًا يُضعف هذا الحديث، وقال: يحيى بن أبي كثير لم يسمع من عروة، والحجاج بن أرطاة لم يسمع من يحيى بن أبي كثير.
فهذا الحديث ضعيف (١٧)(١٥٥)؛ لضعف سنده بالانقطاع، وليس له شاهد متصل الإسناد.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا للترجمة بحديث أبي موسى الأشعري ﵁، فقال:
(١٣٣) - ١٣٦٣ - (٣) (حدثنا راشد بن سعيد بن راشد) القرشي أبو بكر (الرملي) صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 3823
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ، عَنْ أَبِي مُوسى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ".
===
(حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي الدمشقي، ثقة، من الثامنة. يروي عنه: (ع)، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ).
(عن) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي أبي عبد الرحمن المصري، صدوق، من السابعة خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن الضحاك بن أيمن) الكلبي، مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عَرْزَبٍ) -بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الزاي ثم موحدة وقد تُبْدَل ميمًا- أبي عبد الرحمن الطبراني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي موسى الأشعري) عبد الله بن قيس الكوفي الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف عبد الله بن لهيعة، وتدليس الوليد بن مسلم، وابن عرزب لم يلق أبا موسى.
(عن رسول الله ﷺ قال: إن الله ليطلع) على أهل الأرض (في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن) قال في "النهاية": هو المعادي للمسلم، قال الأوزاعي: أراد به صاحب البدعة المفارق لجماعة الأمة، وقال الطيبي: لعل المراد ذم البغضة التي تقع بين المسلمين من
стр. 3824
(١٣٣) -١٣٦٣ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَدِ النَّضْرُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ،
===
قبل النفس الأمارة لا للدين، فلا يأمن أحدهم أذى صاحبه من يده ولسانه؛ لأن ذلك يؤدي إلى القتال وما ينهى عنه. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني من حديث معاذ، وله شاهد من حديث عائشة رواه الترمذي وابن ماجه، وهو الحديث المذكور قبل هذا، وهو لا يصلح للاستشهاد به.
فهو ضعيف (١٨)(١٥٦)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به أيضًا.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في هذا الحديث الأخير، فقال:
(١٣٣) -١٣٦٣ - (م) (حدثنا محمد بن إسحاق) بن عون العامري أبو بكر الكوفي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو الأسود النضر بن عبد الجبار) المرادي مولاهم المصري مشهور بكنيته، ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) الحضرمي المصري.
(عن الزبير بن سليم) بالتصغير فيهما، مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن الضحاك بن عبد الرحمن) بن عرزب، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
стр. 3825
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
(عن أبيه) عبد الرحمن بن عرزب الأشعري والد الضحاك، مجهول، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(قال) عبد الرحمن بن عرزب: (سمعت أبا موسى) الأشعري رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ وساق عبد الرحمن بن عرزب (نحوه) أي: نحو حديث والده الضحاك بن عبد الرحمن.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا (١٨)(١٥٦) (م)؛ لأن فيه مجهولين وابن لهيعة، غرضه بسوقه: بيان متابعة عبد الرحمن بن عرزب للضحاك ولده في رواية هذا الحديث عن أبي موسى الأشعري.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
غرضه بسوقها: الاستئناس بها، وكلها ضِعاف.
والله أعلم
стр. 3826
(٤٢) - (٣٩٤) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّجْدَةِ عِنْدَ الشُّكْرِ
(١٣٤) - ١٣٦٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَتْنِي شَعْثَاءُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى
===
(٤٢) - (٣٩٤) - (باب ما جاء في الصلاة والسجدة عند الشكر)
(١٣٤) - ١٣٦٤ - (١) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا سلمة بن رجاء) التميمي أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق يغرب، من الثامنة. يروي عنه: (خ ت ق).
(حدثتني شعثاء) بنت عبد الله الأسدية الكوفية، لا تُعرف، من الخامسة. يروي عنها: (ق).
(عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة الأسلمي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، قال البوصيري: هذا إسناد فيه مقال؛ شعثاء بنت عبد الله لم أر من تكلم فيها لا بجرح ولا بتوثيق، وسلمة بن رجاء لينه ابن معين؛ في "تاريخ الدوري"، وقال ابن عدي: حدث بأحاديث لا يتابع عليها؛ في "الكامل"، وقال النسائي: ضعيف: في "الضعفاء المتروكين"، وقال الدارقطني: ينفرد عن الثقات بأحاديث، وقال أبو زرعة: صدوق؛ في "الجرح والتعديل"، وقال أبو حاتم: ما بحديثه بأس؛ في "الجرح والتعديل"، وذكره ابن حبان في "الثقات".
فإذًا حُكم هذا السند: الحسن؛ لأن فيه سلمة بن رجاء، وهو مختلف فيه.
стр. 3827
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى يَوْمَ بُشِّرَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ رَكْعَتَيْنِ.
(١٣٥) - ١٣٦٥ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبِي،
===
(أن رسول الله ﷺ صلى يوم بُشر بِـ) أنَّه قُطِعَ (رأسُ أبي جهل ركعتين) شكرًا لربه على إهلاكه لأنه فرعون هذه الأمة؛ وذلك يوم بدر.
قال السندي: وكونه صلى شكرًا لا ينافي شرع السجود شكرًا كما جاء، وظاهر الأحاديث أن سجود الشكر مشروع، كما قال محمد بن الحسن من علمائنا وغيره. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو يعلى الموصلي عن القواريري: حدثنا سلمة ... فذكره بزيادة، والدارمي في كتاب الصلاة، باب سجدة الشكر.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن أبي أوفى بحديث أنس بن مالك ﵄، فقال:
(١٣٥) - ١٣٦٥ - (٢) (حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح) السهمي مولاهم (المصري) صدوق رُمي بالتشيع، ولينه بعضهم؛ لكونه حدث من غيرِ أَصْلِه وثَبْتِه، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئتين (٢٨٢ هـ). يروي عنه: (ق).
(أخبرنا أبي) عثمان بن صالح بن صفوان السهمي مولاهم أبو يحيى
стр. 3828
أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبَدَةَ السَّهْمِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُشِّرَ بِحَاجَةٍ فَخَرَّ سَاجِدًا.
===
المصري، صدوق، من كبار العاشرة، وقد ثبت أنه قال: رأيت صحابيًا من الجن، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ) وله خمس وسبعون سنة. يروي عنه: (خ س ق).
(أخبرنا) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد أبي رجاء المصري، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن الوليد بن عَبَدَة) بفتحتين (السهمي) مولى عمرو بن العاص المصري، صدوق، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه، وقال البوصيري: هذا إسناد ضعيف لضعف ابن لهيعة.
(أن النبي ﷺ بشر بحاجة) والتنكير للتعظيم، والكلام على حذف مضاف؛ أي: بشر بقضاء حاجة عظيمة يقتضي قضاؤها شكرًا عظيمًا (فخر ساجدًا) أي: سقط ساجدًا لله شكرًا له.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي بكرة، رواه المصنف برقم (١٣٩٤)، وأبو داوود برقم (٢٧٧٤)، والترمذي برقم (١٥٧٨).
стр. 3829
(١٣٦) -١٣٦٦ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ
===
ودرجته: أنه صحيح بغيره، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن أبي أوفى، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن أبي أوفى بحديث كعب بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٦) -١٣٦٦ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبي عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك) الأنصاري أبي الخطاب المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي ﷺ مات في خلافة سليمان بن عبد الملك الأموي. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السَّلمي بالفتح، المدني
стр. 3830
قَالَ: لَمَّا تَابَ اللهُ عَلَيْهِ .. خَرَّ سَاجِدًا.
(١٣٧) -١٣٦٧ - (٤) حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْخُزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ
===
الصحابي المشهور أحد الثلاثة الذين خلفوا، مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة: لأن رجاله ثقات أثبات، ولكنه موقوف وهو صحيح الإسناد، قال ابن حزم: لا مَغْمَزَ في خبر كعب بن مالك ألبتة، ثم رُوي عن أبي بكر الصديق وعلي بن أبي طالب نحوه.
(قال) كعب: (لما تاب الله عليه) وقَبِلَ توبتَه من ذنب التخلف .. (خر) أي: سقط على الأرض بوجهه (ساجدًا) شكرًا لله تعالى على قبول توبته.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي بكر وعلي رضي الله تعالى عنهما، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن أبي أوفى بحديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٧) -١٣٦٧ - (٤) (حدثنا عبدة) بسكون الموحدة (ابن عبد الله) الصَّفار (الخزاعي) أبو سهل البصري كوفي الأصل، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ)، وقيل: في التي قبلها. يروي عنه: (خ عم).
(وأحمد بن يوسف) بن خالد الأزدي (السلمي) -بضم المهملة وفتح اللام- أبو الحسن النيسابوري المعروف بحمدان، ثقة حافظ، من الحادية
стр. 3831
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ أَوْ بُشِّرَ بِهِ .. خَرَّ سَاجِدًا شُكْرًا للهِ ﵎.
===
عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله ثمانون سنة. يروي عنه: (م د س ق).
(قالا: حدثنا أبو عاصم) النبيل الشيباني الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم البصري الحافظ، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن بكار بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي بكرة) الثقفي البصري، صدوق يهم، من السابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) عبد العزيز بن عبد الله الثقفي البصري، وقد يُنسب إلى جده أبي بكرة، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن) جده (أبي بكرة) الثقفي البصري نفيع بن الحارث بن كلدة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه الحسن؛ لأن فيه بكار بن عبد العزيز وهو مختلف فيه.
(أن النبي ﷺ كان إذا أتاه) وجاءه (أمر يسرُّه) أي: يُبشِّرهُ من باب شَدَّ، (أو) قال الراوي: إذا أتاه أمر (بُشِّرَ به) أي: بذلك الأمر .. (خر) أي: سقط على الأرض (ساجدًا شكرًا لله ﵎ على ذلك الأمر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب الجهاد، باب في سجود الشكر، برقم (٢٧٧٤)، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في سجدة الشكر، رقم (١٥٧٨).
стр. 3832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
قال السندي: قوله: (إذا أتاه أمر) أي: عظيم جليل القدر رفيع المنزلة من هجوم نعمة منتظرة أو غير منتظرة مما يندُر وقوعها لا يستمر وقوعها؛ إذ لا يقال في المستمر: (إذا أتاه)، فلا يرد قول من قال: لو أُلزم العبدُ السجودَ عند كل نعمة متجددة عظيمةِ الموْقِع عند صاحبها .. لكان عليه ألا يَغْفَل عن السجود طرفة عين؛ لأنه لا يخلو عنها أدنى ساعة؛ فإن من أعظم نعمه على العباد نعمة الحياة، وذلك يتجدد عليه بتجدد الأنفاس عليه، على أنه لم يقل أحد بوجوب السجود، ولا دليل عليه، وإنما غاية الأمر أن يكون السجود مندوبًا، ولا مانع منه، وليتأمل، والله أعلم انتهى منه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3833
(٤٣) - (٣٩٥) - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَن الصَّلَاةَ كَفَّارَةٌ
(١٣٨) - ١٣٦٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ وَسُفْيَانُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ، عَنْ أَسْمَاءِ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ،
===
(٤٣) - (٣٩٥) - (باب ما جاء في أن الصلاة كفارة)
(١٣٨) -١٣٦٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ونصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي أبو سلمة الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(وسفيان) بن سعيد الثوري الكوفي ثقة حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عثمان بن المغيرة الثقفي) مولاهم أبي المغيرة الكوفي الأعشى وهو عثمان بن أبي زرعة، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ عم).
(عن علي بن ربيعة) بن نضلة (الوالبي) -بكسر اللام وبالموحدة- أبي المغيرة الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أسماء بن الحكم الفزاري) وقيل: السلمي، أبي حسان الكوفي، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: أعم).
стр. 3834
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثًا .. يَنْفَعُنِي اللهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْرُهُ .. اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ .. صَدَّقْتُهُ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَنِي وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (قال) علي: (كنت إذا سمعت من رسول الله ﷺ حديثًا .. ينفعني الله بما شاء) نفعي به (منه) أي: من ذلك الحديث، وجملة النفع جواب إذا الشرطية؛ أي: ينفعني بالمبادرة إلى العمل به حتى أعمل به، وإن لحقه النسخ قريبًا، كما روي في العمل بالتصدق بين يدي النجوى. انتهى "سندي"، (وإذا حدثني عنه) ﷺ (غيره) ﷺ .. (استحلفته) أي: استحلفت ذلك الغير، (فإذا حلف) لي ذلك الغير على أنه سمع من رسول الله ﷺ .. (صدقته) أي: صدقت ذلك الغير فيما حدثني عن رسول الله ﷺ .
قال السندي: قوله: (وإذا حدثني غيره ... ) إلى آخره، ظاهره أنه لا يصدقه إلا بحلف، وهو مخالف لما عُلم من قبول خبر الواحد العدل بلا حلف، فالظاهر أن مراده بذلك زيادة التوثيق بالخبر والاطمئنان به؛ إذ الحاصل بخبر العدل الظن وهو مما يقبل الضعف والقوة. ومعنى (صدقته) أي: على وجه الكمال والاطمئنان به، وإن كان القبول الموجب للعمل حاصلًا بدونه. انتهى منه.
قال علي: (وإن أبا بكر حدثني) عن رسول الله ﷺ ، (وصدق أبو بكر) فيما حدثنيه عنه، أي: علمت صدقه في ذلك على وجه الكمال بلا حلف، (قال) أبو بكر: (قال رسول الله ﷺ .
стр. 3835
"مَا مِنْ رَجُل يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ ألْوُضوءَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ -وَقَالَ مِسْعَرٌ: ثُمَّ يُصَلِّي- وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ .. إِلَّا غَفَرَ اللهُ لَهُ".
===
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(ما من رجل يذنب ذنبًا) أي: أيًا كان (فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين -وقال مسعر) في روايته: (ثم يصلي-) بلا ذكر ركعتين، بل إنما ذكرهما سفيان (ويستغفر الله) من ذنبه .. (إلا غفر الله له) ذلك الذنب، فدل الحديث على أن الصلاة تكون كفارة للذنب.
قوله: (وصدق أبو بكر) وقال ابن حجر: بيَّن بهذه المقالة علي رضي الله تعالى عنه جلالة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ومبالغته في الصدق حتى سماه رسول الله ﷺ صديقًا، وقال القاري في "المرقاة": وفيه وجه آخر وهو أن الصديق رضي الله تعالى عنه كان ملتزمًا ألا يروي إلا إذا كان محفوظه بالمبنى دون المروي بالمعنى، بخلاف أكثر الصحابة، ولذا قلَّت روايته كأبي حنيفة تبعًا له في هذه الخصوصية، فهذا وجه لقوله: (وصدق أبو بكر) انتهى كلام القاري.
قلت: قال الحافظ في "تهذيب التهذيب": قال محمد بن سعد العوفي: سمعت ابن معين يقول: كان أبو حنيفة ثقة لا يحدث بالحديث إلا بما يحفظه، ولا يحدث بما لا يحفظ. انتهى.
قوله: (يقول ما من رجل) أي: أو امرأة، ومن زائدة لزيادة إفادة الاستغراق (يذنب ذنبًا) أي: أيَّ ذنب كان صغيرة كانت أو كبيرة، وفي رواية الترمذي زيادة: (ثم يقوم) قال الطيبي: ثم للتراخي في الرتبة، والأظهر أنه للتراخي الزماني؛ يعني: ولو تأخر القيام بالتوبة عن مباشرة المعصية؛ لأن التعقيب ليس بشرط، فالإتيان بثم للرجاء، والمعنى: ثم يستيقظ من نوم الغفلة؛
стр. 3836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ (١). انتهى "تحفة الأحوذي".
قوله: (فيتوضأ) كما في رواية ابن السُنيّ، وفي رواية الترمذي: (فيتطهر)، قوله: (ثم يصلي ركعتين) كما في رواية ابن السني وابن حبان والبيهقي، (ثم يستغفر الله) أي: لذلك الذنب، كما في رواية ابن السني، والمراد بالاستغفار: التوبة بالندامة والإقلاع عن الذنب، والعزم على ألا يعود إليه أبدًا، وأن يتدارك الحقوق إن كانت هناك، وثم في الموضعين لمجرد العطف التعقيبي.
وفي رواية أبي داوود والترمذي زيادة لفظة: (ثم قرأ) النبي ﷺ استشهادًا واعتضادًا، أو قرأ أبو بكر تصديقًا وتوفيقًا قولَه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ أي: ذنبًا قبيحًا كالزنا ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: بما دونه كالقبلة، قال الطيبي: أَيْ: أَيُّ ذنب كان مما يؤاخذون به.
انتهى، فيكون تعميمًا بعد تخصيص ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ أي: ذكروا عقابه، قاله الطيبي ... إلى آخر الآية، تمام الآية: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٢). انتهى "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود والترمذي والنسائي، ورواه ابن حبان في "صحيحه" والبيهقي، وقالا: ثم يصلي ركعتين، وذكره ابن خزيمة في "صحيحه" بغير إسناد، كذا في "الترغيب" للمنذري.
стр. 3837
(١٣٩) - ١٣٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ -أَظُنُّهُ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ-
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي بكر الصديق بحديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٩) - ١٣٦٩ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) الفهمي المصري، ثقة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) محمد بن مسلم بن تدرس المكي الأسدي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي الصحابي رضي الله تعالى عنه، عن أبي أيوب الأنصاري، قال الليث بن سعد: (أظنه) أي: أظن أبا الزبير روى عن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي الطائفي عن أبي أيوب الأنصاري لا عن سفيان، والحاصل: أن الليث شك في أن أبا الزبير روى له عن سفيان بن عبد الله الثقفي الصحابي عن أبي أيوب ... إلى آخره. يروي عنه: (م ت س ق).
أو روى له أبو الزبير (عن) ولده (عاصم بن سفيان) بن عبد الله (الثقفي)
стр. 3838
أَنَّهُمْ غَزَوْا غَزْوَةَ السَّلَاسِلِ فَفَاتَهُمُ الْغَزْوُ، فَرَابَطُوا، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ أَبُو أَيُّوبَ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، فَقَالَ عَاصِمٌ: يَا أَبَا أَيُّوبَ؛ فَاتَنَا الْغَزْوُ الْعَامَ، وَقَدْ أُخْبِرْنَا أَنَّهُ مَنْ صَلَّى فِي الْمَسَاجِدِ الْأَرْبَعَةِ
===
وهو صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم) عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ ؛ أي: شك هل روى له أبو الزبير عن سفيان عن أبي أيوب، أو روى له أبو الزبير عن عاصم بن سفيان؟ أي: أظن أبا الزبير روى عن عاصم عن أبي أيوب الأنصاري (أنهم) أي: أن المسلمين (غزوا غزوة السلاسل) زمن معاوية، سميت بذلك؛ لأنهم يربطون الأسير بالسلسة، (ففاتهم الغزو، فرابطوا) أي: حبسوا أنفسهم لحراسة العدو في أطراف بلاد المسلمين، (ثم) بعد المرابطة (رجعوا إلى معاوية) بن أبي سفيان وهو أمير المسلمين يومئذ.
(وعنده) أي: والحال أن عند معاوية (أبو أيوب) الأنصاري خالد بن زيد بن كليب، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، مات بالروم غازيًا سنة خمسين (٥٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(و) عند معاوية أيضًا (عقبة بن عامر) الجهني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين سنة من الهجرة. يروي عنه: (ع)، (فقال عاصم) بن سفيان الثقفي: (يا أبا أيوب؛ فاتنا الغزو) في هذا (العام، وقد أُخْبِرْنَا) بالبناء للمجهول؛ أي: قال عاصم بن سفيان لأبي أيوب: وقد أُخبرنا ممن سمع رسول الله ﷺ (أنه) أي: أن الشأن والحال (من صلى في المساجد الأربعة) قال السندي: أي: مساجد كانت، أو الثلاثة المعهودة والرابع مسجد قباء. انتهى منه.
стр. 3839
غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ، فَقَالَ: يَا بْنَ أَخِي؛ أَدُلُّكَ عَلَى أَيْسَرَ مِنْ ذَلِكَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَوَضَّأَ كَمَا أُمِرَ، وَصلَّى كَمَا أُمِرَ .. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَمَلٍ"، أَكَذَلِكَ يَا عُقْبَةُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
===
(غُفر له ذنبه، فقال) أبو أيوب الأنصاري لعاصم بن سفيان: (يا بن أخي) يعني: أخوة الدين.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
هل (أدلك على) أمر (أيسر) وأسهل (من ذلك) الذي ذكرته؛ أي: من الصلاة في المساجد الأربعة؛ وذلك الأيسر (أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: من توضأ) وضوءًا كاملًا، (كما أمر) به من استكمال فرائضه وآدابه، (وصلى) بذلك الوضوء (كما أمر) باستكمال فرائضها وسننها .. (غُفر له ما تقدم من عمل) سيئ وذنب أيًا كان، ثم قال أبو أيوب لعقبة بن عامر؛ استشهادًا له على ما حدث: (أكذلك يا عقبة؟ ) قال: أي: هل قال رسول الله ﷺ مثل ما قلته وحدثته يا عقبة؟ (قال) عقبة: (نعم) قال رسول الله كذلك مثل ما قلته.
قال السندي: قوله: "كما أمر" ظاهره الأمر وجوبًا، فيكفي في هذا الاقتصار على الواجبات، ويحتمل أن المراد مطلق الطلب الشامل للواجب والمندوب، فلا بد في العمل بهذا من الإتيان بالمندوب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي؛ أخرجه في كتاب الطهارة، باب ثواب من توضأ كما أمر.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله، والله أعلم.
стр. 3840
(١٤٠) - ١٣٧٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ سَعْدٍ
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي بكر بحديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٠) - ١٣٧٠ - (٣) (حدثنا عبد الله) بن الحكم (بن أبي زياد) القطواني -بفتح القاف والمهملة- وقد ينسب لجده، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني) محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني (ابن أخي ابن شهاب) محمد بن مسلم، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمه) محمد بن مسلم الزهري الإمام المشهور، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(حدثني صالح بن عبد الله بن أبي فروة) أبو عروة الأموي مولاهم المدني، وثقه ابن معين، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(أن عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3841
أَخْبَرَهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يَقُولُ: قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ بِفِنَاءِ أَحَدِكُمْ نَهْرٌ يَجْرِي يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، مَا كَانَ يُبَقِّي مِنْ دَرَنِهِ؟ ! "، قَالَ: لَا شَيْءَ، قَالَ: "فَإِنَّ الصَّلَاةَ تُذْهِبُ الذُّنُوبَ كَمَا يُذْهِبُ الْمَاءُ الدَّرَنَ".
===
(أخبره) أي: أخبر لصالح بن عبد الله، (قال) عامر: (سمعت أبان بن عثمان) بن عفان الأموي أبا سعيد المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(يقول) أبان: (قال) والدي (عثمان) بن عفان رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(سمعت رسول الله ﷺ يقول: أرأيت) أي: أخبرني أيها المخاطب (لو كان بفناء) وساحة دار (أحدكم) وبقربها (نهر يجري) أي: يسيل ماء (يغتسل فيه) أي: في ذلك الماء (كل يوم خمس مرات، ما كان) وكلمة ما استفهامية؛ أي: هل كان ذلك الماء (يبقي) ويترك (من درنه؟ ! ) أي: من وسخ ذلك الأحد من شيء لا قليل ولا كثير، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي؛ أي: ما يبقي شيئًا من الدرن والوسخ، أو ما كان درنه يبقى عليه قليله ولا كثيره.
(قال) عثمان: (لا شيء) من درنه يبقى عليه، (قال) رسول الله ﷺ : (فإن الصلاة) الخمس المفروضة (تذهب) وتمحو (الذنوب) كلها؛ فإن الظاهر العموم، (كما يذهب) ويزيل (الماء الدرن) أي: الوسخ.
قال السندي: الفناء -بكسر الفاء والمد-: ما قرب من الدار من المكان الفاضي، والدرن -بفتحتين-: الوسخ، قوله: "فإن الصلاة تذهب الذنوب" خصها العلماء بالصغائر، ولا يخفى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالماء
стр. 3842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في إزالة الدرن؛ إذ ماء النهر المذكور لا يبقي من الدرن شيئًا أصلًا، وعلى تقدير أن يبقى فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير والكبير، فاعتبار بقاء الكبير وارتفاع الصغير قلب لما هو المعقول نظرًا إلى التشبيه، فلعل ما ذكروا من التخصيص مبني على أن للصغائر تأثيرًا في درن الظاهر فقط، كما يدل عليه ما ورد من خروج الصغائر عن الأعضاء عند التوضؤ بالماء، بخلاف الكبائر؛ فإن لها تأثيرًا في درن الباطن، كما جاء: أن العبد إذا ارتكب المعصية .. تحصل في قلبه نقطة سوداء ونحو ذلك، وقد قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١)، وقد عُلم أن أشد الكبائر يذهبها التوبة؛ التي هي ندامة بالقلب، فكما أن الغُسل إنما يذهب بدرن الظاهر دون الباطن .. فكذلك الصلاة تُكَفِّر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، فقال: حدثنا أبو خيثمة، حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، فذكره بإسناده ومتنه، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الشيخان والترمذي والنسائي، ورواه النسائي في "الصغرى والكبرى"، والحاكم في "المستدرك" من طريق سعد بن أبي وقاص، قال الترمذي: وفي الباب عن جابر وأنس وحنظلة الأسدي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد كما بيناه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي بكر بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 3843
(١٤١) - ١٣٧١ - (٤) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ -يَعْنِي: مَا دُونَ الْفَاحِشَةِ- فَلَا أَدْرِي مَا بَلَغَ غَيْرَ أَنَّهُ دُونَ الزِّنَا، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ،
===
(١٤١) - ١٣٧١ - (٤) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنُصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سليمان) بن طرخان (التيمي) البصري أحد سادة التابعين، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان النهدي) عبد الرحمن بن مَلّ بن عمرو بن عدي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة خمس وتسعين، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رجلًا) من الصحابة (أصاب من امرأة) أجنبية (يعني) الراوي: أنه أصاب منها وفعل بها (ما دون الفاحشة) أي: الزنا؛ يعني: فعل بها ما عدا الجماع من المقدمات؛ كالقبلة والمعانقة، قال الراوي: (فلا أدري) ولا أعلم (ما بلغ) وفعل بها من المقدمات (غير أنه) أي: غير أن ما فعل بها (دون الزنا) أي: غير الزنا (فأتى) ذلك الرجل وجاء إلى (النبي ﷺ ، فذكر ذلك) أي: فأخبر ذلك الذي فعل بها من المقدمات (له) ﷺ .
стр. 3844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (أن رجلًا) من الأنصار واختلف في اسمه: قيل: اسمه أبو اليسر كعب بن عمرو، وقيل: عمرون بن غزية بن عمرو الأنصاري أبو حية التمار، وقيل: ابن مُعَتَّب رجل من الأنصار، وقيل: أبو مقبل عامر بن قيس الأنصاري، وقيل: سيهان التمار، وقيل: عباد (أصاب) أي: نال (من امرأة) أجنبية شيئًا من المباشرة (يعني) الراوي: أصاب منها (ما دون الفاحشة) أي: نال منها ما دون الجماع، وفي رواية مسلم (أصاب من امرأة قبلة) بفمه لفمها، ولم أر من ذكر اسمها. انتهى "تنبيه المعلم على مبهمات مسلم".
وذكر العيني في "عمدة القاري" (٢/ ٥١٥) ستة أقوال في تعيين هذا الرجل، ورجح أنه أبو اليَسَر -بفتح المِاء والسين- الأنصاري رضي الله تعالى عنه، كما وقع في رواية الترمذي التصريح بذلك، ولفظها عن أبي اليسر، قال: أتتني امرأة تبتاع تمرًا، فقلت: إن في البيت تمرًا أطيب منه، فدخلت معي في البيت فأهويت إليها فقبلتها، فأتيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدًا، فأتيت عمر رضي الله تعالى عنه، فذكرت ذلك له، فقال: استر على نفسك وتب ولا تخبر أحدأ، فلم أصبر حتى أتيت رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال: "أخلفت غازيًا في سبيل الله في أهله بمثل هذا؟ ! " حتى تمنى أنه لم يكن أسلم إلى تلك الساعة، حتى ظن أنه من أهل النار.
قال: فأطرق رسول الله ﷺ طويلًا حتى أوحى الله تعالى إليه قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ ... ﴾ الآية (١)، قال أبو اليسر: فأتيته فقرأها عليَّ رسول الله ﷺ ، فقال أصحابه: يا رسول الله؛ ألهذا
стр. 3845
فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلِي هَذِهِ؟ قَالَ: "لِمَنْ أَخَذَ بِهَا".
===
خاصة أم للناس عامة؟ قال: بل للناس عامة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وأبو اليسر هو بفتح الياء والسين، واسمه كعب بن عمرو السلمي، وهو من البدريين. انتهى كلام الترمذي.
أي: أصاب منها قبلة؛ أي: دون الفاحشة، وهي الزنا في الفرج، (فأتى) ذلك الرجل (النبي ﷺ ، فذكر ذلك) الذي فعل بها (له) ﷺ .
قال ابن مسعود: (فأنزل الله سبحانه) في شأن ذلك الرجل قوله تعالى: (﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١)، فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله؛ أ) خاصة (لي هذه) الآية؟ (قال) رسول الله ﷺ له: بل هي عامة (لمن أخذ) وعمل (بها) أي: اعتقدها وآمن أو عمل بها؛ بأن أتى بالحسنات بعد السيئات، والله أعلم. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المواقيت، باب الصلاة كفارة، ومسلم في كتاب التوبة، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة هود، رقم (٣١١٤)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 3846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتفسير الآية: ﴿وَأَقِمِ﴾ أنت يا محمد وأُمتك ﴿الصَّلَاةَ﴾ المفروضة في ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ أي: في جانبيه؛ يعني: في أوله وفي آخره؛ وهما الغداة والعشي، كما فسره به الثعلبي، وروي عن ابن عباس أنه فسرهما: بصلاة الفجر وصلاة المغرب، وفسره الضحاك: بالفجر والعصر، ومقاتل: بالفجر والظهر، كما في "عمدة القاري"، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: في ساعات من الليل، والزُّلَفُ -بضم الزاي وفتح اللام- جمع زُلْفَةٍ -بضم الزاي وسكون اللام- كغرف وغرفة؛ وهي ساعة من أول الليل المتصل بالنهار وفيها المغرب، وساعة من آخر الليل المتصل بالنهار وفيها العشاء.
﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني: أن الحسنات تكون كفارة للصغائر؛ فإن ارتكب الإنسان صغيرة .. فإن الحسنات التي يأتي بها بعدها تكفر هذه الصغيرة، ولا يتعدى هذا الحكم إلى الكبائر؛ لما تقرر في موضعه أن الحسنات إنما تكفر الصغائر دون الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (١) قال النووي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٢)، اختلف العلماء في المراد بالحسنات هنا: فنقل الثعلبي أن أكثر المفسرين على أنها الصلوات الخمس، واختاره ابن جرير وغيره من الأئمة، وقال مجاهد: هي قول العبد: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، ويحتمل أن المراد بالحسنات هنا: الحسنات مطلقًا. انتهى منه.
أقول: ويؤيد الوجه الأول ما رواه أبو نعيم في "الحلية" عن أنس: (الصلوات كفارة لما بينهن ... ) الحديث.
стр. 3847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الآيات السابقة ﴿ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ أي: عظة للمتعظين، (قال) ابن مسعود: (فقال) ذلك (الرجل) الذي سأل النبي ﷺ عن واقعته: (ألي) خاصة (هذه) الآية (يا رسول الله) أم عامة لجميع الأمة؟ يعني بها: مَحْوَ السيئاتِ بالحسنات، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : هي عامة (لمن عمل) (أخذ وبها) أي: بهذه الآية؛ بأن فعل الحسنات بعد السيئات (من أمتي) إلى يوم القيامة، وفي رواية للبخاري في المواقيت: الجميع أمتي كلهم) والمراد: أن كون الحسنات مكفرة للصغائر يعم جميع المسلمين؛ فإن الله تعالى يغفر لهم سيئاتهم بما فعلوه من الحسنات، والله تعالى أعلم.
وقد بسطنا الكلام على هذه الآية في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان"، فراجعه إن شئت. انتهى من "الكوكب الوهاج على مسلم بن الحجاج".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: أربعة:
الأول منها: وهو حديث أبي بكر، ذكره للاستدلال.
والثاني: وهو حديث أبي أيوب، ذكره للاستشهاد.
والثالث: وهو حديث عثمان، ذكره للاستشهاد.
والرابع: وهو حديث ابن مسعود، ذكره للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3848
(٤٤) - (٣٩٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَرْضِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا
(١٤٢) - ١٣٧٢ - (١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَرَضَ اللهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً، فَرَجَعْتُ بِذلِكَ
===
(٤٤) - (٣٩٦) - (باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس والمحافظة عليها)
(١٤٢) - ١٣٧٢ - (١) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي (المصري) ثقة من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين. يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس بن يزيد) الأموي مولاهم الأيلي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة على الصحيح، وقيل سنة: ستين. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين.
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : فرض الله) سبحانه عليَّ و (على أمتي) لأن الأصل عدم الخصوصية إلا بدليل يدل على التخصيص (خمسين صلاة) في كل يوم وليلة، كما في رواية مسلم، (فرجعت بذلك)
стр. 3849
حَتَّى آتِيَ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ مُوسَى: مَاذَا افْتَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ عَنِّي شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ:
===
الذي فرض على أمتي؛ يعني: خمسين صلاة من ذلك المستوى ومحل المناجاة، ومررت على إبراهيم الخليل وهو في السماء السابعة، فلم يقل لي شيئًا (حتى آتي) أي: حتى أتيت، والتعبير بالمضارع لاستحضار تلك الحالة العجيبة، أو للدلالة على أنها حاضرة في الذهن بحيث كأنها في الحالة. انتهى "سندي".
أي: حتى أتيت من محل المناجاة ومررت (على موسى) في السماء السادسة، (فقال) لي (موسى: ماذا افترض) أي: ما أوجب (ربك) عليك و (على أمتك؟ قلت) له: (فرض عليَّ) وعلى أمتي (خمسين صلاة) في اليوم والليلة، ففي هذا دلالة على شرف الصلاة من حيث إِنها فرضت في المحل الأعلى، (قال) لي موسى: (فارجع إلى ربك) أي: إِلَى محلِّ مناجاته، فاسأله التخفيف عنكم والحط عنها؛ (فإن أمتك) يا محمد (لا تطيق ذلك) أي: لا يستطيعون القيام بذلك المفروض عليهم من خمسين صلاة في اليوم والليلة.
(فـ) قال رسول الله ﷺ : (راجعت ربي) أي: رجعت إلى محل مناجاة ربي؛ أي: إلى المكان الذي ناجيت فيه ربي؛ فإن الله جعل ذلك المكان محلًا لمناجاة سيدنا محمد ﷺ يناجيه فيه ليجمع له بين الرفعتين الحسية والمعنوية؛ كما جعل الطور محلًا لمناجاة موسى ﵇، فسألته التخفيف، (فوضع عني شطرها) أي: حط عني بعضها؛ أي: خمسًا من تلك الخمسين، (فرجعت) من محل المناجاة، ومررت على إبراهيم حتى وصلت (إلى موسى) فسألني موسى كم حط عنك؟ (فأخبرته) أي: فأخبرت موسى أنه حط عني خمسًا من خمسين (فقال) لي
стр. 3850
ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ؛ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُ رَبِّي فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَقُلْتُ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي".
===
موسى: (ارجع إلى ربك) ثانيًا فاسأله التخفيف؛ (فإن أمتك لا تطيق ذلك) أي: ما بقي من الخمسين.
(فـ) قال رسول الله ﷺ : (راجعت ربي) عشر مرات فحط عني كل مرة خمسًا خمسًا، (فقال) لي ربي في المرة الأخيرة: (هي) أي: الصلاة المفروضة عليك في اليوم والليلة (خمس) عددًا (وهي) أي: تلك الخمس (خمسون) أجرًا، و (لا يبدل القول لدي) أي: لا يغير حكم كونها خمسًا عندي، (فرجعت إلى موسى، فقال) لي في المرة الأخيرة أيضًا: (ارجع إلى ربك) فاسأله التخفيف والحط عن الخمس، (فقلت) لموسى: قد رجعت إلى ربي مرات كثيرة لطلب التخفيف، فأكثرت المراجعة إليه حتى (قد استحييت) -بيائيين بعد المهملة- وخفت (من) المراجعة إلى (ربي).
وقول موسى: (فإن أمتك لا تطيق) كأنه قد علم ذلك من جهة أنهم أضعف من أمته جسدًا وأقل منهم قوة، وأمته قد كُلفت بأقل من هذا فعجزت، والعادة أن ما يعجز عنه القوي يعجز عنه الضعيف.
قوله: (فوضع عني شطرها) لا يلزم أن يكون هذا الوضع بالمراجعة بمرة، بل يجوز أن يكون بالمراجعة بمرات.
نعم؛ المتبادر من هذه الرواية هو الأول، لكن حيث جاء في الروايات الصحيحة أن الوضع كان خمسًا خمسًا حمل هذا عليه توفيقًا بين الروايات.
(فقال) ربي بعد مراجعات كثيرة كما تقدم: (هي خمس) عددًا (وهي) أي: تلك الخمس (خمسون) أجرًا؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها (لا يبدل القول
стр. 3851
(١٤٣) -١٣٧٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ،
===
لدي) هو؛ أي: ذلك القول أن الخمس تساوي خمسين، لا أنها الخمس؛ إذ لو علم ﷺ أن الخمس لا يقبل النسخ .. لما اعتذر عند موسى بقوله: "استحييت من ربي". انتهى من "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة، وفي كتاب الأنبياء، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم (٣٤٩) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات، والنسائي في كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، وأحمد في "مسنده".
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(١٤٣) -١٣٧٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وعشرين ومئتين (٢٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا،
стр. 3852
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُصْمٍ أَبِي عُلْوَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ بِخَمْسِينَ صَلَاةً، فَنَازَلَ رَبَّكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
===
من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن عُصْمٍ) ويقال: بن عُصْمَة (أبي علوان) -بضم المهملة وسكون اللام- الحنفي اليمامي نزيل الكوفة، صدوق، من الثالثة يخطئ، أفرط ابن حبان فيه، وتناقض كلامُه فيه. يروي عنه: (د ت ق).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، كذا وقع عند ابن ماجه؛ والصواب: (عن ابن عمر).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لقصور عبد الله بن عُصم وأبي الوليد عن درجة أهل الحفظ والإتقان.
(قال) ابن عباس: (أُمر نبيكم ﷺ بالبناء للمفعول (بخمسين صلاة، فنازل ربكم) أي: راجع ربكم في النزول والحط عن هذا العددِ إلى (أن يجعلها خمس صلوات).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الترمذي في "الجامع" من حديث أنس بن مالك، وقال: حسن صحيح غريب، قال: وفي الباب عن عبادة بن الصامت وطلحة بن عبيد الله وأبي ذر وأبي قتادة ومالك بن صعصعة وأبي سعيد الخدري.
فدرجته: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس بن مالك.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بن مالك بحديث عبادة بن الصامت ﵄، فقال:
стр. 3853
(١٤٤) - ١٣٧٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الْمُخْدِجِيِّ،
===
(١٤٤) - ١٣٧٤ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) قيل: هو إبراهيم السلميُّ مولاهم البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج البصري إمام أئمة الجرح والتعديل، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري أخي يحيى بن سعيد المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن يحيى بن حبَّان) -بفتح المهملة وتشديد الموحدة- ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني، أبي عبد الله المدني الفقيه، كانت له حلقة في المسجد النبوي، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن مُحَيرِيز) -بمهملة وراء آخره زاي مصغرًا- ابن جنادة بن وهب الجمحي -بضم الجيم وفتح الميم بعدها مهملة- المكي، ثقة عابد، من الثالثة، مات سنة تسع وتسعين (٩٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن المُخْدِجِيّ) -بضم الميم وسكون الخاء- روى عن عبادة بن الصامت حديث الوتر، ويروي عنه عبد الله بن مُحيريز، اسمه رفيع، وقيل: ابنه رفيع، وقيل غير ذلك، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
стр. 3854
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِهِنَّ .. فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا؛ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ قَدِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا
===
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
قال أبو عمر النَّمريُّ: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، وهو صحيح ثابت، والمخدجي فلسطيني، اسمه رفيع؛ وهو بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وقد فتحها بعضهم، وبعدها جيم، قيل: إن ذلك لقب، وقيل: هو نسب له، ومخدج بطن من كنانة. انتهى من "العون".
(قال) عبادة بن الصامت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهن) وأداهن في أوقاتهن، حالة كونه (لم ينتقص) أي: لم ينقص (منهن شيئًا) من أركانهن وشروطهن (استخفافًا) وتساهلًا (بحقهن) أي: بآدابهن .. (فإن الله) سبحانه (جاعل له يوم القيامة عهدًا) أي: مظهر له يوم القيامة هذا العهد، وإلا .. فالجعل قد تحقق، والعهد هو الوعد المؤكد. انتهى "سندي"، أي: مظهر له عهد (أن يدخله الجنة) بإدخاله الجنة.
(ومن جاء بهن) أي: أداهن، حالة كونه (قد انتقص) أي: نقص (منهن) أي: من حقوقهن وشروطهن (شيئًا) قليلًا كان أو كثيرًا (استخفافًا) وتساهلًا
стр. 3855
بِحَقِّهِنَّ .. لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ .. عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ .. غَفَرَ لَهُ".
===
(بحقهن) أي: لقلة الاعتناء والاهتمام بها .. (لم يكن له عند الله عنهد) أي: يدخله (إن شاء .. عذبه) على عدم الاهتمام بها، (وإن شاء .. غفر له) بفضله، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
قال السندي: قوله: "خمس صلوات" مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة تخصصه بالإضافة، خبره جملة (افترضهن)، وجملة (من جاء بهن ... ) إلى آخره، مستأنفة لبيان ما ترتب على افتراضهن، ويحتمل أن تكون جملة افترضهن صفة، والخبر جملة من الشرطية، وقد استدل عبادة بن الصامت بالعدد على عدم وجوب الوتر، كما جاء عنه، لكن دلالة المفهوم للعدد ضعيفة عندهم، إلا أن يقال: قد قويت ها هنا؛ لما لحقها من القرائن المقتضية لاعتبارها ها هنا، وذلك لأنه لو كان فرض سادس في جملة الصلوات كل يوم .. لبين لهم النبي ﷺ بيانًا وافيًا واضحًا بحيث ما خفي على أحد لعموم الابتلاء، فضلًا عن أن يخفى على نحو عباده، فكيف وقد بين لهم ما يوهم خلافه، فظهر بهذا أن المفهوم هنا معتبر.
وقد يقال: لعله استدل على ذلك بقوله: "من جاء بهن ... " إلى آخره، حيث رتب دخول الجنة على أداء الخمس، ولو كان هناك صلاة غير الخمس فرضًا .. لما رتب هذا الجزاء على أداء الخمس، وفيه أنه كيف يحصل دخول الجنة بالصلاة فقط مع وجود سائر الفرائض، فإن جوز ذلك .. فليجوز مثله مع وجود الفرض السادس في جملة الصلوات.
قوله: "استخفافًا بحقهن" قيده بذلك احترازأ عما إذا انتقص سهوًا أو نسيانًا.
قوله: "جاعل له يوم القيامة عهدًا" أي: مظهر له يوم القيامة هذا العهد