(١٤٣) -١٣٧٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ،
===
لدي) هو؛ أي: ذلك القول أن الخمس تساوي خمسين، لا أنها الخمس؛ إذ لو علم ﷺ أن الخمس لا يقبل النسخ .. لما اعتذر عند موسى بقوله: "استحييت من ربي". انتهى من "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة، وفي كتاب الأنبياء، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، رقم (٣٤٩) ومسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ إلى السماوات وفرض الصلوات، والنسائي في كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة، وأحمد في "مسنده".
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أنس بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(١٤٣) -١٣٧٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وعشرين ومئتين (٢٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا،
стр. 3852
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُصْمٍ أَبِي عُلْوَانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُمِرَ نَبِيُّكُمْ ﷺ بِخَمْسِينَ صَلَاةً، فَنَازَلَ رَبَّكُمْ أَنْ يَجْعَلَهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
===
من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن عُصْمٍ) ويقال: بن عُصْمَة (أبي علوان) -بضم المهملة وسكون اللام- الحنفي اليمامي نزيل الكوفة، صدوق، من الثالثة يخطئ، أفرط ابن حبان فيه، وتناقض كلامُه فيه. يروي عنه: (د ت ق).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، كذا وقع عند ابن ماجه؛ والصواب: (عن ابن عمر).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لقصور عبد الله بن عُصم وأبي الوليد عن درجة أهل الحفظ والإتقان.
(قال) ابن عباس: (أُمر نبيكم ﷺ بالبناء للمفعول (بخمسين صلاة، فنازل ربكم) أي: راجع ربكم في النزول والحط عن هذا العددِ إلى (أن يجعلها خمس صلوات).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الترمذي في "الجامع" من حديث أنس بن مالك، وقال: حسن صحيح غريب، قال: وفي الباب عن عبادة بن الصامت وطلحة بن عبيد الله وأبي ذر وأبي قتادة ومالك بن صعصعة وأبي سعيد الخدري.
فدرجته: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس بن مالك.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أنس بن مالك بحديث عبادة بن الصامت ﵄، فقال:
стр. 3853
(١٤٤) - ١٣٧٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الْمُخْدِجِيِّ،
===
(١٤٤) - ١٣٧٤ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (ابن أبي عدي) قيل: هو إبراهيم السلميُّ مولاهم البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج البصري إمام أئمة الجرح والتعديل، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد ربه بن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري أخي يحيى بن سعيد المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن يحيى بن حبَّان) -بفتح المهملة وتشديد الموحدة- ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني، أبي عبد الله المدني الفقيه، كانت له حلقة في المسجد النبوي، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن مُحَيرِيز) -بمهملة وراء آخره زاي مصغرًا- ابن جنادة بن وهب الجمحي -بضم الجيم وفتح الميم بعدها مهملة- المكي، ثقة عابد، من الثالثة، مات سنة تسع وتسعين (٩٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن المُخْدِجِيّ) -بضم الميم وسكون الخاء- روى عن عبادة بن الصامت حديث الوتر، ويروي عنه عبد الله بن مُحيريز، اسمه رفيع، وقيل: ابنه رفيع، وقيل غير ذلك، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
стр. 3854
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ، فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ لَمْ يَنْتَقِصْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِهِنَّ .. فَإِنَّ اللهَ جَاعِلٌ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَهْدًا؛ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ قَدِ انْتَقَصَ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا
===
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
قال أبو عمر النَّمريُّ: لم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث، وهو صحيح ثابت، والمخدجي فلسطيني، اسمه رفيع؛ وهو بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وكسر الدال المهملة، وقد فتحها بعضهم، وبعدها جيم، قيل: إن ذلك لقب، وقيل: هو نسب له، ومخدج بطن من كنانة. انتهى من "العون".
(قال) عبادة بن الصامت: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: خمس صلوات افترضهن الله على عباده، فمن جاء بهن) وأداهن في أوقاتهن، حالة كونه (لم ينتقص) أي: لم ينقص (منهن شيئًا) من أركانهن وشروطهن (استخفافًا) وتساهلًا (بحقهن) أي: بآدابهن .. (فإن الله) سبحانه (جاعل له يوم القيامة عهدًا) أي: مظهر له يوم القيامة هذا العهد، وإلا .. فالجعل قد تحقق، والعهد هو الوعد المؤكد. انتهى "سندي"، أي: مظهر له عهد (أن يدخله الجنة) بإدخاله الجنة.
(ومن جاء بهن) أي: أداهن، حالة كونه (قد انتقص) أي: نقص (منهن) أي: من حقوقهن وشروطهن (شيئًا) قليلًا كان أو كثيرًا (استخفافًا) وتساهلًا
стр. 3855
بِحَقِّهِنَّ .. لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ .. عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ .. غَفَرَ لَهُ".
===
(بحقهن) أي: لقلة الاعتناء والاهتمام بها .. (لم يكن له عند الله عنهد) أي: يدخله (إن شاء .. عذبه) على عدم الاهتمام بها، (وإن شاء .. غفر له) بفضله، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
قال السندي: قوله: "خمس صلوات" مبتدأ، وسوغ الابتداء بالنكرة تخصصه بالإضافة، خبره جملة (افترضهن)، وجملة (من جاء بهن ... ) إلى آخره، مستأنفة لبيان ما ترتب على افتراضهن، ويحتمل أن تكون جملة افترضهن صفة، والخبر جملة من الشرطية، وقد استدل عبادة بن الصامت بالعدد على عدم وجوب الوتر، كما جاء عنه، لكن دلالة المفهوم للعدد ضعيفة عندهم، إلا أن يقال: قد قويت ها هنا؛ لما لحقها من القرائن المقتضية لاعتبارها ها هنا، وذلك لأنه لو كان فرض سادس في جملة الصلوات كل يوم .. لبين لهم النبي ﷺ بيانًا وافيًا واضحًا بحيث ما خفي على أحد لعموم الابتلاء، فضلًا عن أن يخفى على نحو عباده، فكيف وقد بين لهم ما يوهم خلافه، فظهر بهذا أن المفهوم هنا معتبر.
وقد يقال: لعله استدل على ذلك بقوله: "من جاء بهن ... " إلى آخره، حيث رتب دخول الجنة على أداء الخمس، ولو كان هناك صلاة غير الخمس فرضًا .. لما رتب هذا الجزاء على أداء الخمس، وفيه أنه كيف يحصل دخول الجنة بالصلاة فقط مع وجود سائر الفرائض، فإن جوز ذلك .. فليجوز مثله مع وجود الفرض السادس في جملة الصلوات.
قوله: "استخفافًا بحقهن" قيده بذلك احترازأ عما إذا انتقص سهوًا أو نسيانًا.
قوله: "جاعل له يوم القيامة عهدًا" أي: مظهر له يوم القيامة هذا العهد
стр. 3856
(١٤٥) - ١٣٧٥ - (٤) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ،
===
الذي عهده في الدنيا على لسان نبيه بإدخاله الجنة، وإلا .. فالجعل قد تحقق على ألسنة رسله، والعهد هو الوعد المؤكد بإحدى المؤكدات المذكورة في علم البلاغة.
قوله: "أن يدخله" أي: بأن يدخله من الإدخال، والمراد الإدخال أولًا، وإلا .. فمطلق الإدخال يكفي فيه مجرد الإيمان، وهذا يقتضي أن المحافظ على الصلوات يوفق للصالحات بحيث يدخله الجنة ابتداء "استخفافًا بحقهن" أي: لقلة الاهتمام والاعتناء بها، والحديث يدل على أن تارك الصلاة مؤمن .. "عذبه" أي: بقدر ذنوبه. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، أبواب الوتر، باب في المحافظة على وقت الصلوات، في باب من لم يوتر، والنسائي في كتاب الصلاة، باب المحافظة على الصلوات الخمس.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم اسشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أنس الأول بحديث آخر له ﵁، فقال:
(١٤٥) -١٣٧٥ - (٤) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي (المصري) أبو موسى الأنصاري، لقبه زُغْبَةُ -بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وقد جاوز التسعين، وهو آخر من حدَّث عن الليث من الثقات. يروي عنه: (م د س ق).
стр. 3857
أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي الْمَسْجِدِ .. دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ فَأَنَاخَهُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ مُتَّكِئٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ
===
(أنبأنا الليث بن سعد) الفهمي المصري، ثقة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته باربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر) أبي عبد الله المدني، صدوق يخطئ، من الخامسة، مات في حدود أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(أنه سمع أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
حالة كون أنس (يقول: بينما نحن) معاشر الصحابة (جلوس) أي: جالسون (في المسجد) النبوي؛ أي: في أوقات جلوسنا في المسجد .. (دخل) علينا (رجل) وهو ضمام بن ثعلبة راكب (على جمل) أي: على فحل إبل، (فأناخه) أي: فأبرك جمله (في المسجد، ثم عقله) أي: ربط يد جمله بحبل لئلا يقوم، (ثم قال) ذلك الرجل (لهم) أي: للناس الحاضرين عنده ﷺ : (أيكم) أي: معاشر الحاضرين (محمد؟ و) الحال أن (رسول الله ﷺ متكئ) أي: متوسد جالس (بين ظهرانيهم) أي: وسطهم.
стр. 3858
قَالَ: فَقَالُوا: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "قَدْ أَجَبْتُكَ"، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا مُحَمَّدُ؛ إِنِّي سَائِلُكَ وَمُشَدِّد عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَلَا تَجِدَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ: "سَلْ مَا بَدَا لَكَ"، قَالَ لَهُ الرَّجُلُ: نَشَدْتُكَ بِرَبِّكَ وَرَبِّ مَنْ قَبْلَكَ؛
===
(قال) أنس: (فقالوا) أي: فقال الحاضرون للرجل مشيرين له إلى النبي ﷺ : محمد (هذا الرجل الأبيض المتكئ) أي: المتوسد، (فقال له) ﷺ (الرجل) السائل: (يا بن عبد المطلب) نسبه إلى جده؛ لكونه مشهورا به بين العرب، وأما أبوه عبد الله .. فقد مات صغيرا فلم يشتهر بين الناس اشتهار جده، (فقال له النبي ﷺ : قد أجبتك) أي: أجبت نداءك إياي، وهذا بمنزلة الجواب بنحو أنا حاضر، أنا مجيب لك، أنا سامع لك.
(فقال له) ﷺ (الرجل) الجمَّال وهو ضمام مرة ثانية: (يا محمد؛ إني سائلك) أي: سائل لك عن حالك وشأنك (ومشدد) أي: مكثر (عليك في المسألة) أي: في السؤال عن حالك، (فلا تجدن عليَّ في نفسك) أي: فلا تغضب عليَّ في قلبك؛ لكثرة سؤالي، (فقال) له النبي ﷺ : (سل ما بدا) وظهر الك) من المسألة؛ أي: سلني عما تريد من المسألة، فلا أجد عليك قلبًا وقالبًا.
ثم (قال له) ﷺ (الرجلُ) الجمَّال: (نشدتك) أي: سألتك يا محمد مقسمًا لك (بربك) الذي خلقك (ورَبِّ من قبلك) أي: وبالرب الذي خلق من قبلك؛ أي: سألتك به تعالى، وهذا بمنزلة القسم، قال له ذلك لزيادة التوثيق والتأييد، كما يؤتى بالتأكيد لذلك، ويقع ذلك في أمر
стр. 3859
اللهُ أَرْسَلَكَ إِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ، نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ، اللهُ أَمَرَكَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ؛ اللهُ أَمَرَكَ أَنْ تَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ مِنَ السَّنَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ نَعَمْ"، قَالَ: فَأَنْشُدُكَ، بِاللهِ اللهُ أَمَرَكَ
===
يهتم بشأنه، ولم يقل ذلك لإثبات النبوة بالحلف؛ فإن الحلف لا يكفي في ثبوتها، ومعجزاته ﷺ كانت مشهورة معلومة، وهي ثابتة بتلك المعجزات. انتهى "سندي".
(الله أرسلك) بمد الهمزة للاستفهام؛ كما في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (١) أي: هل الله أرسلك وبعثك (إلى الناس كلهم) لدعوتهم إلى التوحيد وعبادة الله وحده؟ (فقال) له (رسول الله ﷺ : اللهم) كأنه بمنزلة يا الله؛ أُشهدك على كون ما أقول له حقًّا؛ أي: أقول لك مستشهدًا الله على قولي: (نعم) أرسلني إلى الناس كافة، (قال) الرجل ثانيًا: (فأنشدك) أي: فأسالك مقسمًا لك (بالله آلله) أي: هل الله سبحانه (أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ ) فـ (قال) له (رسول الله ﷺ : اللهم) أي: أقول لك في جوابك مستشهدًا الله على كون جوابي حقًّا: (نعم) أمرني أن أصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة.
ثم (قال) الرجل مرة ثالثة: (فأنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر) يعني: رمضان (من السنة؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهم؛ نعم) أمرني بصومه في السنة، (قال) الرجل (فأنشدك بالله، آلله أمرك
стр. 3860
أَنْ تَأْخُذَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِنَا فَتَقْسِمَهَا عَلَى فُقَرَائِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ نَعَمْ"، فَقَالَ الرَّجُلُ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
===
أن تأخذ هذه الصدقة) المفروضة التي تأخذها (من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال رسول الله ﷺ : اللهم؛ نعم) أمرني الله بأخذها من الأغنياء وتوزيعها على الفقراء.
(فقال الرجل) الجمَّال: (آمنت) أي: صدقت وقبلت (بما جئت به) أي: بجميع ما جئت به من أركان الإسلام المذكورة، وهذا إخبار بما سبق له من الإيمان أو هو إنشاء للإيمان، وقد استُدل بالحديث على جواز القراءة بين يدي الإمام وتقرير العالم به، (وأنا رسول من) بقي (ورائي) ولم يحضرك؛ أي: سفير من لم يحضرك (من قومي، وأنا) اسمي (ضمام) بكسر الضاد المعجمة (بن ثعلبة، أخوبني سعد بن بكر) قبيلة حليمة السعدية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب ما جاء في العلم، رقم (٦٣)، ومسلم في كتاب الإيمان، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب ما جاء في المشرك يدخل المسجد، رقم (٤٨٦)، والنسائي في كتاب الصيام، باب وجوب الصوم، رقم (٢٠٩١)، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أنس الأول بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 3861
(١٤٦) -١٣٧٦ - (٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا ضُبَارَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي السَّلِيلِ، أَخْبَرَنِي دُوَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ:
===
(١٤٦) -١٣٧٦ - (٥) (حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي) القرشي، صدوق عابد، من العاشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا بقية بن الوليد) بن صائد بن كعب بن حريز الكلاعي -بفتح أوله- نسبة إلى ذي الكلاع؛ قبيلة من حمير، أبو يُحمد -بضم التحتانية وكسر الميم بينهما مهملة ساكنة- الحمصي، قالوا: إذا حدث عن الثقات .. فهو ثقة، هاذا حدث عن الضعفاء .. فهو ضعيف، صدوق، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا ضبارة) بضم الضاد المعجمة ثم موحدة مخففة (ابن عبد الله) بن مالك (بن أبي السليل) -بفتح السين المهملة ولامين بينهما تحتانية ساكنة - الحضرمي أبو شريح الحمصي، مجهول، من السادسة، ذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (د س ق).
(أخبرني دويد) مصغرًا (ابن نافع) الأموي مولاهم أبو عيسى الشامي نزل مصر، مقبول وكان يرسل، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن الزهري) محمد بن مسلم المدني.
(قال) الزهري: (قال) لنا (سعيد بن المسيب) بن حزن ابن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، من كبار الطبقة الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع):
стр. 3862
إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيٍّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ : افْتَرَضْتُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ، وَعَهِدْتُ عِنْدِي عَهْدًا أَنَّهُ مَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ لِوَقْتِهِنَّ .. أَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ .. فَلَا عَهْدَ لَهُ عِنْدِي".
===
(إن أبا قتادة) الأنصاري الحارث (بن ربعي) -بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها عين مهملة- السَّلمي -بفتحتين- المدني رضي الله تعالى عنه، شهد أحدًا وما بعدها، مات سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ)، وقيل: سنة ثمان وثلاثين، والأول أصح وأشهر. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه ضبارة بن عبد الله، وهو مختلف فيه.
أي: أن أبا قتادة (أخبره) أي: أخبر لسعيد بن المسيب (أن رسول الله ﷺ قال: قال الله في الحديث القدسي: (افترضت) أي: أوجبت (على أمتك) يا محمد (خمس صلوات) في اليوم والليلة، (وعهدت عندي عهدًا) أي: وعدت لهم وعدًا مكتوبًا عندي على (أنه) أي: على أن الشأن والحال (من حافظ) وواظب (عليهن) أي: على أدائهن بحقوقهن (لوقتهن) أي: في أوقاتهن .. (أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن) أي: على أدائهن في أوقاتهن بحقوقهن .. (فلا عهد له عندي) على إدخاله الجنة، إن شئت .. عذبته على تركه المحافظة عليهن، وإن شئت .. غفرت له ما فرط فيهن وأدخلته الجنة بمجرد الإيمان؛ يعني: أنه لا يستحق الجنة بعمله، بل أمره مفوض إليَّ في تعذيبه أو إدخاله الجنة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في المحافظة على وقت الصلوات، رقم (٤٣٠).
стр. 3863
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح، وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شاهدًا من حديث عبادة بن الصامت السابق في أوائل هذا الباب، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3864
(٤٥) - (٣٩٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ
(١٤٧) - ١٣٧٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الْمَدَنِيُّ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ رَبَاحٍ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ الْأَغَرِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ
===
(٤٥) - (٣٩٧) - (باب ما جاء في فضل الصلاة في المسجد الحرام ومسجد النبي ﷺ
(١٤٧) -١٣٧٧ - (١) (حدثنا أبو مصعب المدني أحمد بن أبي بكر) بن القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه، صدوق، عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس) الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة والفروع.
(عن زيد بن رباح) المدني، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ ت ق).
(وعبيد الله بن أبي عبد الله) سلمان الأغر، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ ت ق).
كلاهما (عن) والده (أبي عبد الله) سلمان (الأغر) الأشجعي مولاهم مولى جهينة المدني، أصله من أصبهان، ثقة، من كبار الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: صلاة) واحدة فرضًا كانت أو نفلًا
стр. 3865
فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ".
===
مفعولة (في مسجدي هذا) الذي أُسس على التقوى (أفضل) أي: أكثر أجرًا (من ألف صلاة فيما سواه) أي: فيما سوى مسجدي هذا من سائر المساجد (إلا المسجد الحرام) أي: إلا المسجد المحرم؛ أي: المعظم؛ لكونه حريم الكعبة فهو صفة للمسجد؛ لأنه مصدر بمعنى اسم مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، وتمام الحديث: "وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي هذا" لاختصاصه بمزيد الثسك، وبكونه قبلة لجميع المسجد ولسائر بقاع الأرض.
وقوله: "صلاة" التنكير فيه للوحدة؟ أي: صلاة واحدة، قال ابن الملك: وهذا عام للفرض والنفل، وقولهم: إن النكرة في سياق الإثبات لا تعم قاعدة أغلبية، وحديث: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة" مخصوص بغير المساجد الثلاثة؛ لأن المساجد الثلاثة إذا كان لها فضل على سائر المساجد فأفضليتها على سائر المواضع من باب أولى، وقيل: كون صلاة البيت أفضل من صلاة المسجد مخصوص بما إذا لم يكن له عذر؛ كأن كان يريد الطواف، ثم الصلاة، أو كان مُتَشوِّشًا في البيت، أو خاف من الغفلة، وإلا .. فلا خلاف في كون صلاة المسجد أفضل من صلاة البيت.
وقوله: "صلاةٌ في مسجدي هذا" أي: الذي أنَا بَنَيْتُهُ، قال النووي: ينبغي أن يَحْرِص المصلِّي على الصلاة في الموضع الذي كان في زمانه ﷺ دون ما زيد فيه بعده؛ لأن التضعيفَ إنما ورَدَ في مسجده، وقد أكَّده بقوله هذا، ووافقه السبكي وغيره على الاختصاص بذلك الموضع، واعترضه ابن تيمية والمحب الطبري بأن المضاعفة لا
стр. 3866
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تختص بما كان موجودًا في زمنه ﷺ ، وبأن الإشارة في الحديث إنما هي لإخراج غيره من المساجد المنسوبة إليه ﷺ ، وبأن الإمام مالكًا سُئل عن ذلك فأجاب: بعدم الخصوصية، وقال: لأنه ﷺ أخبر بما يكون بعده، وزويت له الأرض فعلم بما يحدث بعده.
ولولا هذا .. ما استجاز الخلفاء الراشدون أن يستزيدوا فيه بحضرة الصحابة، ولم ينكَر ذلك عليهم، وبما في "تاريخ المدينة" عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه لما فرغ من الزيادة .. قال: لو انتهى إلى الجبانة، وفي رواية: إلى ذي الحليفة .. لكان الكل مسجد رسول الله ﷺ ، وبما روي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لو زِيد في هذا المسجد ما زيد .. لكان الكل مسجدي"، وفي رواية لو: "بُني هذا المسجد إلى صنعاء .. كان مسجدي" هذا خلاصة ما ذكره ابن حجر في "الجوهر المنظم في زيارة القبر المكرم"، والله أعلم.
وقال العيني ما حاصله: أنه إذا اجتمع الاسم والإشارة؛ كما في قوله ﷺ : "مسجدي هذا" هل تغلب الإشارة أو الاسم؟ فيه خلاف، فمال النووي إلى تغليب الإشارة، وأما مذهبنا .. فالذي يظهر من قولهم أن الاسم يغلب على الإشارة، والله أعلم بالصواب.
قوله: "أفضل من ألف صلاة فيما سواه" أي: فيما سوى مسجدي هذا؛ أي: صلاة في مسجدي أزيد أجرًا من ألف صلاة في غيره، ودخل فيما
стр. 3867
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سواه المسجد الأقصى ومساجد حرم المدينة ومساجد حرم مكة ومساجد سائر بقاع الأرض وأرجائها شرقًا وغربًا، والله أعلم بقدر تلك الزيادة، قيل: هذا مع اتحاد المصلي في الموضعين، فلا يقال مثلا: إن صلاة زيد الظهر بالمسجد النبوي أفضل من صلاة علي بن أبي طالب الظهر بمسجد الكوفة.
قوله: "إلا المسجد الحرام" أي: فإن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة فيما سواه؛ أي: فيما سوى المسجد الحرام مطلقًا؛ أي: سواء كان ذلك السوى المسجد النبوي أو الأقصى أو مساجد حرم مكة أو مساجد حرم المدينة أو مساجد سائر بقاع الأرض، والمراد به: ما كان حريمًا للكعبة، كما يدل عليه حديث ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها عند مسلم، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة" أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة.
فهذا الحديث نص على أن المراد بالمسجد الحرام: ما حول الكعبة، لا مساجد حرم مكة، كما يقول ذلك من ليس له ذوق بقواعد اللغة العربية وفحواها، وهو ما يصح فيه الطواف، مأخوذ من حريم الدار؛ وهو ما يحتاج إليه في الانتفاع بتلك الدار؛ كمبارك الإبل ومرابض الغنم ومواضع الحط والترحال، كما ذكروه في باب إحياء الموات، والموضع الذي يحتاج إليه في الانتفاع بالكعبة المطاف؛ أي: الموضع الذي يصح فيه الطواف؛ وهو ما كان بين المسعى وما على إزائه من سائر الجوانب وبين الكعبة؛ لأنه
стр. 3868
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا يصح الطواف في المسعئ وفي ما على إزائه، ولا يصح تفسير المسجد الحرام بمساجد حرم مكة كلها؛ لأنه يلزم عليه تفضيل مساجد حرم مكة على المسجد النبوي، ولا يقول بذلك من له بصيرة؛ لأن تفضيل مساجد حرم مكة وتفضيل مساجد حرم المدينة على سائر بقاع الأرض لم يرد به نص، وإن ورد تفضيل الحرمين على سائر بقاع الأرض، وإنما ورد النص في تفضيل المساجد الثلاثة ومسجد قباء لا غير، وإنما فضل المسجد الحرام؛ لأنه أول مسجد وضع في الأرض، ولأنه قبلة المساجد كلها.
وإنما فضل مسجد النبي ﷺ على المسجد الأقصى؛ لأنه ﷺ آخر الأنبياء وخاتمهم، وكما فضل هو على الأنبياء، فضل مسجده على سائر مساجد الأنبياء؛ لأن مسجده آخر المساجد المنسوبة إلى الأنبياء، قال القاضي عياض: وهذا ظاهر في تفضيل مسجده ﷺ لهذه العلة، قال القرطبي: لأن ربط الكلام بهذا التعليل يشير بأن مسجده ﷺ إنما فُضِّل على المساجد كلها؛ لأنه متأخر عنها، ومنسوب إلى نبي متأخر عن الأنبياء كلهم، فتدبره إنه واضح.
فقد روي ذلك مرفوعًا عن إبراهيم بن عبد الله بن قارظ بسنده في "صحيح مسلم" أنه قال: أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول قال: رسول الله ﷺ : "إني آخر الأنبياء، وإن مسجدي هذا آخر المساجد" المنسوبة إلى الأنبياء كمسجد الحرام المنسوب إلى إبراهيم وإسماعيل، والمسجد الأقصى المنسوب إلى يعقوب وبنيه؛ لأنه أول من بناه بعد بناء إبراهيم وإسماعيل الكعبة بأربعين سنة، ثم جدده وزخرفه سليمان بن
стр. 3869
(١٤٧) -١٣٧٧ - (م) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
داوود عليهم وعلى نبينا أفضل الصلوات وأزكى التحيات، كما في كتب التواريخ.
والمراد بالمساجد التي أخبر رسول الله ﷺ بأن مسجده الشريف آخرها هي مساجد الأنبياء المفضلة على غيرها؛ وهي: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجده ﷺ ، كما في "المبارق"، أو أنه يبقى آخر المساجد، ويتأخر عن المساجد الآخر في الفناء، فكما أنه تعالى شَرَّف آخر الأنبياء بما شرف، كذلك شرف مسجده الذي هو آخر المساجد؛ بأن جعل الصلاة فيه كألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. انتهى من السندي في "حواشيه على النسائي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب فضل الصلاة في مسجدي مكة والمدينة، ومسلم في كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، والترمذي في كتاب الصلاة، باب أي المساجد أفضل، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي، ومالك، وأحمد، وغيرهم.
فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة فيه، فقال:
(١٤٧) -١٣٧٧ - (م) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 3870
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
(١٤٨) - ١٣٧٨ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ،
===
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: أنه صحيح، وغرضه: بيان متابعة سعيد بن المسيب لأبي عبد الله الأغر.
وساق سعيد بن المسيب (نحوه) أي: نحو حديث أبي عبد الله الأغر.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر ﵃، فقال:
(١٤٨) - ١٣٧٨ - (٢) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا عبد الله بن نُمير) ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 3871
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ".
(١٤٩) - ١٣٧٩ - (٣) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو،
===
(عن النبي ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام") الذي كان حريمًا للكعبة المشرفة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة، والنسائي في كتاب المساجد، باب فضل مسجد النبي ﷺ والصلاة فيه، وأحمد من "مسنده".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث جابر ﵄، فقال:
(١٤٩) - ١٣٧٩ - (٣١) (حدثنا إسماعيل بن) أبي الحارث (أسد) بن شاهين، أبو إسحاق البغدادي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا زكريا بن عدي) بن الصلت التيمي مولاهم أبو يحيى نزيل بغداد، ثقة فاضل، من كبار العاشرة، مات سنة إحدى عشرة أو اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(أنبأنا عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد الرقي أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه
стр. 3872
عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ
===
ربما وهم، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ) عن ثمانين إلا سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الكريم) بن مالك الجزري أبي سعيد مولى بني أمية وهو الخضرمي - بالخاء والضاد المعجمتين - نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء) بن أبي رباح -بفتح الراء والموحدة- اسم أبي رباح: أسلم، القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ) على المشهور. يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: صلاة في مسجدي) هذا (أفضل) أي: أكثر أجرًا (من ألف صلاة فيما سواه) مطلقًا المسجد الأقصى ومساجد حرم مكة وحرم المدينة وسائر بقاع الأرض (إلا المسجد الحرام) أي: إلا المسجد الذي كان حريم الكعبة لا مساجد حرم مكة، كما يقوله بعض من ليس عنده علم بفحوى الكلام، ويرد عليه ما في حديث ميمونة رضي الله تعالى عنها عند مسلم: (إلا مسجد الكعبة)، ولا تُسمى المساجد المحدثة في الحرم المكي مسجد الكعبة؛ لأن مسجد الكعبة ما كان حريمًا لها، كما بسطنا الكلام عليه فيما مر آنفًا، (وصلاة في المسجد الحرام أفضل) أي: أكثر أجرًا
стр. 3873
مِنْ مِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ".
===
(من مئة ألف صلاة فيما سواه) مطلقًا من مساجد بقاع الأرض المسجد النبوي والأقصى وغيرهما.
فكيف تُفَسِّرُ يا أخي المسجد الحرام بمساجد حرم مكة؟ ! فإن في تفسيرك إثباتَ الفضل للمساجد المحدثة في حرم مكة على المسجد النبوي، ففي كلامك تناقض، تأمل يا أخي بجد وإنصاف، ولا تقل: هذا ما سمعنا من آبائنا، ولو كان آباؤكم في خطأ مبين.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3874
(٤٦) - (٣٩٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
(١٥٠) - ١٣٨٠ - (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ أَخِيهِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سَوْدَةَ، عَنْ مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(٤٦) - (٣٩٨) - (باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس)
(١٥٠) - ١٣٨٠ - (١) (حدثنا إسماعيل بن عبد الله) بن خالد بن يزيد العبدري أبو عبد الله (الرقي) السُّكَّري قاضي دمشق، صدوق، من العاشرة، مات بعد الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا ثور بن يزيد) - بزيادة ياء تحتانية في أول اسم أبيه - أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل: سنة ثلاث أوخمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (خ عم).
(عن زياد بن أبي سودة) المقدسي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د ق).
(عن أخيه عثمان بن أبي سودة) المقدسي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن ميمونة) بنت سعد، ويقال: بنت سعيد (مولاة النبي ﷺ وخادمته الصحابية رضي الله تعالى عنها، لها حديث واحد. روت عن: النبي ﷺ ، ويروي عنها: (عم)، وزياد وعثمان ابنا أبي سودة، وغيرهم.
стр. 3875
قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَفْتِنَا فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ: "أَرْضُ الْمَحْشَرِ وَالْمَنْشَرِ، ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ صَلَاةٍ فِي غَيْرِهِ"، قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَحَمَّلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: "فَتُهْدِي لَهُ زَيْتًا يُسْرَجُ فِيهِ؛ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ .. فَهُوَ كَمَنْ أَتَاهُ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) ميمونة: (قلت: يا رسول الله؛ أفتنا) أي أجب سؤالنا واستفتاءنا (في) شأن (بيت المقدس) هل لها فضيلة على غيرها من بقاع الأرض؟ وهل يجوز زيارتها بعد نسخ الاستقبال إليها؟ فـ (قال) لها رسول الله ﷺ في جواب استفتائها: هي (أرض المحشر) أي: أرض يُحشر ويساق إليها النَّاسُ عند قرب القيامة، (و) أرض (المنشر) أي: أرض يجمع فيها الخلائق عند البعث من القبور، (ائتوه) أي: زوروه واذهبوا إليه (فصلوا فيه) أي: فصلوا في مسجد بيت المقدس؛ فإنه مُصلى الأنبياء والمرسلين ومسجدهم؛ (فإن صلاة) واحدة (فيه) أي؛ في مسجد بيت المقدس (كألف صلاة في غيره) من سائر المساجد في الأجر إلا مسجدي هذا والمسجد الحرام.
قالت ميمونة: (قلت) لرسول الله ﷺ : (أرأيت) أي: أخبرني يا رسول الله ماذا أفعل (إن لم أستطع) ولم أقدر (أن أتحمل) وأرتحل وأسافر (إليه؟ ) أي: إلى مسجد بيت المقدس؛ لفقد الزاد والراحلة، (قال) لها النبي ﷺ : (فـ) إن لم تستطيعي أن ترتحلي إليه (تُهدي له) وترسلي (زيتًا يُسْرَجُ) ويوقد ويستصبح (فيه) أي: في مسجده، والزيت هو دُهن الزيتون؛ (فمن فعل ذلك) الإهداء له؛ أي: إهداء الزيت له .. (فهو) أي: فذلك المهدِي له زيتًا (كمن أتاه) وجاءه وزاره في الأجر.
стр. 3876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: قوله: (أفتنا) بفتح الهمزة؛ لأنه من الإفتاء (في بيت المقدس) بكسر الدال والتخفيف، أو بفتحها والتشديد، والميم مفتوحة على الأول، مضمومة على الثاني، والمراد: بيِّن لنا هل تَحِلُّ الصلاة فيه بعد أن نسخ التوجه إليه أم لا؟
قوله: "أرض المحشر والمنشر" أي: يوم القيامة، والمراد أنه يكون الحشر إليه في قرب القيامة، كما تدل عليه الأحاديث الصحيحة.
قوله "في غيره" أي: إلا مسجد المدينة والمسجد الحرام، ومقتضاه: أن الصلاة فيه كالصلاة في مسجد المدينة.
قوله: "أن أتحمل إليه" أي: أرتحل إليه، يقال: تحمل إذا ارتحل، وفي "أبي داوود": فكانت البلاد إذ ذاك حربًا، (فتُهدي) من الإهداء، قيل: يشبه أن يكون سببه أن الصلاة نور، كما في "مسلم" وغيره، وكذا الزيت إذا أُسْرِجَ به، ويؤخذ من الحديث حكم السراج في المسجد. انتهى منه، وفي "العون": في الحديث جواز شد الرحال إلى بيت المقدس، وأداء الصلاة فيه، واتخاذ السرج في المساجد.
قال البوصيري: روى أبو داوود بعضه من حديث ميمونة أيضًا عن النفيلي عن مسكين بن بكير عن سعيد بن عبد العزيز عن زياد ابن أبي سودة عن ميمونة، وإسناد طريق ابن ماجه صحيح رجاله ثقات، وهو أصح من طريق أبي داوود؛ فإن بين زياد بن أبي سودة وميمونة .. عثمان بن أبي سودة، كما صرح به ابن ماجه في طريقه، وكما ذكره العلائي صلاح الدين في "المراسيل"، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا أبو موسى إسحاق بن إبراهيم الهروي، حدثنا عيسى بن يونس ... فذكره بتمامه كما رواه ابن ماجه، ورواه من طريق ثور عن
стр. 3877
(١٥١) - ١٣٨١ - (٢) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْجَهْمِ الْأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ السَّيْبَانِيِّ يَحْيَى بْنِ أَبِي عَمْرٍو،
===
زياد عن أبي أمامة، قالت ميمونة: يا رسول الله؛ أفتنا ... فذكره، وله شاهد من حديث أبي ذر رواه أبو يعلى الموصلي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا، إلا قوله: (فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره) فإنه منكر؛ لمخالفته الراوية الصحيحة، فإن فيها: (إن صلاة فيه بخمس مئة صلاة في غيره سوى مسجدي مكة والمدينة)، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ميمونة بحديث عبد الله بن عمرو ﵃، فقال:
(١٥١) - ١٣٨١ - (٢) (حدثنا عبيد الله بن الجهم الأنماطي) البصري، مقبول مجهول الحال، من الحادية عشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أيوب بن سويد) الرملي أبو مسعود الحميري السيباني - بمهملة مفتوحة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة - صدوق يخطئ متفق على ضعفه، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ)، وقيل: سنة اثنتين ومئتين. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي زرعة) الحمصي (السَّيْبَاني يحيى بن أبي عمرو) -بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة - ثقة، من السادسة، وروايته عن الصحابة مرسلة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (د س ق).
стр. 3878
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الدَّيْلَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُودَ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ .. سَأَلَ اللهَ ثَلَاثًا حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَلَّا يَأْتِيَ هَذَا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ فِيهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا اثْنَتَانِ
===
(حدثنا عبد الله بن الديلمي) اسمه فيروز، ثقة، من كبار التابعين، ومنهم من ذكره في الصحابة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أيوب بن سويد، وهو متفق على ضعفه، وفيه أيضًا عبيد الله بن الجهم، وهو مجهول الحال.
(عن النبي ﷺ قال: لما فرغ سليمان بن داوود من بناء بيت المقدس) أي: من تجديد بنائه؛ لأن أول من بناه يعقوب وبنوه، كما مر قريبًا .. (سأل الله) (ثلاثًا) من الخصال؛ سأله أن يوفقه (حُكْما يصادف) أي: يوافق (حكمه) تعالى؛ يعني: حكمًا موافقًا للحق عنده عند فصل الخصوم، والمراد: التوفيق للصواب عند الاجتهادِ وفصلِ الخصومات بين الناس، (و) أن يعطيه (ملكًا لا ينبغي) ولا يحصل (لأحد) من الناس (من بعده)، ولعلَّ مراده: لا يكون لعِظمِه معجزةٌ له فيكون سببًا للإيمان به والهداية، ولكونه ملكًا أراد أن تكون معجزتُه ما يناسب حالَه.
(و) سأله (ألَّا يأتي هذا المسجد) الذي بناه؛ يعني: مسجدَ بيت المقدس؛ يعني: لا يَدْخُل فيه (أحد) من الناس حالة كونه إلا يريد إلا الصلاة فيه إلا خَرجَ من ذنوبه كيوم ولدته أمه) أي: صافيًا مغفورًا له، (فقال النبي ﷺ : أمَّا اثنتان) من الخصالِ الثلاث؛ وهما الأُوليَان ..
стр. 3879
فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ".
(١٥٢) - ١٣٨٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(فقد أُعطيهما) أي: أُجيبت دعوتُه فيهما، (وأرجو) له من الله تعالى (أن يكون) سليمان (قد أُعطِيَ) الخصلةَ (الثالثة) أي: الأخيرة؛ وهي غفران ذنوبِ مَنْ صلى في مسجد بيت المقدس، ومعنى الرجاءِ له: أن يَدْعُوَ له قبولها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المساجد، باب فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه، وروى أبو داوود بعضه أيضًا من حديث ابن عمرو أيضًا، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمر أيضًا.
فدرجة الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده ضعيفًا؛ لأن له شاهدًا، فالحديث ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ميمونة بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
(١٥٢) -١٣٨٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى الساميُّ البصريُّ، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 3880
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى").
قال السندي: شد الرحال كناية عن السفر، والمعنى: لا ينبغي شد الرحال في السفر من بين المساجد إلا إلى ثلاثة مساجد، أما السفر للعلم وزيارة العلماء والصلحاء وللتجارة ونحو ذلك .. فغير داخل في حيز المنع، وكذلك زيارة المساجد بلا سفر؛ كزيارة مسجد قباء لأهل المدينة غير داخل في حيز النهي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، ومسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج، وباب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وأحمد بن حنبل في "مسنده".
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
قوله: "لا تشد" بالبناء للمفعول "الرحال" نائب فاعل؛ أي: لا تُرحَّل الرواحل والمراكب إلى أي مسجد كان "إلا إلى" واحد من هذه الثلاثة؛ فإنها ترحل إليها؛ لفضلها على غيرها، قال القاضي عياض: شد الرحال كناية عن السفر البعيد، وقد فسر هذا المعنى بقوله في الحديث: إنما يسافر لثلاثة مساجد، فالمعنى: لا يسافر لمسجد بعيد للصلاة فيه إلا لأحد هذه الثلاثة، واختصت الثلاثة بذلك؛ لفضلها على غيرها.
وجملة الشد خبرية اللفظ إنشائية المعنى، فهي في معنى النهي، وهو أبلغ في ثبوت الحكم من صريح النهي؛ لأنه يعطي أن الحكم ثبت وتقرر حتى
стр. 3881
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صار يخبر عنه. انتهى من "أبي"، ولا يقال: إن النهي عن شد الرحال عام مخصوص؛ لجواز شده لطلب العلم والجهاد والتجارة ولزيارة الصالحين على قول من يقول بجواز شدها لزيارتهم، لأن هذه المذكورات لا يتناولها اللفظ حتى يخصص. انتهى أبي.
والمعنى: لا تشدوا إلى غيرها، لأن ما سِوى الثلاثة متساوفي الرتبة غير متفاوت في الفضيلة عربًا وعجمًا شرقًا وغربًا، وكان الترحل إليه ضائعًا وعبثًا. انتهى من "المرقاة".
"مسجدي هذا" بدل من ثلاثة بدل تفصيل من مجمل "ومسجد الحرام، ومسجد الأقصى" قال الأبي: ليس هذا من باب إضافة الشيء إلى نفسه المتفق على منعها، وإنما هي من إضافة الموصوف إلى صفته المختلف في جوازها، فيجيزها الكوفيون، ويمنعها البصريون، ويتأولون ما جاء منها على حذف موصوف؛ فالتقدير: مسجد المكان الحرام، ومسجد المكان الأقصى، كما يقال: مسجد المكان الجامع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ (١)؛ أي: المكان الغربي، ونظائره كثير في كلامهم، قال النووي: وسُمي الأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام. انتهى من "الكوكب".
وفي رواية أبي سفيان عن أبي هريرة عند مسلم أنه سمع أبا هريرة يخبر أن رسول الله ﷺ قال: "إنما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء" والإضافة في مسجد الكعبة للمجاورة؛ وهو المحل الذي يصح فيه الطواف، بخلاف البعيد عنها، كما مر.
стр. 3882
(١٥٣) -١٣٨٣ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ قَزَعَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَإلَى مَسْجِدِي هَذَا".
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ميمونة بحديث أبي سعيد وعبد الله بن عمرو ﵃، فقال:
(١٥٣) -١٣٨٣ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا محمد بن شعيب) بن شابور - بالمعجمة والموحدة - الأموي مولاهم الدمشقي نزيل بيروت، صدوق، من كبار التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ).
يروي عنه: (عم).
(حدثنا يزيد بن أبي مريم) اسم أبيه ثابت الأنصاري الدمشقي، إمام الجامع، لا بأس به، من السادسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ عم).
(عن قزعة) بن يحيى البصري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو بن العاص) ﵃.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ إلى المسجد الحرام، وإلى المسجد الأقصى، وإلى مسجدي هذا").
стр. 3883
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في روايةِ حديثِ أبي سعيد الخدري: البخاريُّ في كتاب الصلاة، باب مسجد بيت المقدس، ومسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في أيُّ المساجد أفضلُ عن أبي سعيد الخدري، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في "مسنده".
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص .. فانفرد به ابن ماجه.
وأما حديث أبي سعيد .. فهو في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه.
وأما حديث عبد الله بن عمرو .. فهو صحيح أيضًا؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه بسوقهما: الاستشهاد بهما.
قال القرطبي: ولا شك في أن هذه المساجد الثلاثة إنما خصت بهذا لفضلها على سائر المساجد كما تقدم، فمن قال في نذره: لله على صلاة في أحدها، وهو في غيرها .. فعليه إتيانها بَعُدَ أو قَرُبَ، فإن قال في نذره: ماشيًا .. فلا يلزمه المشي على المشهور إلا في مسجد مكة خاصة، وأما المسجدان الآخران .. فالمشهور أنه لا يلزم المشي إليهما من نذره، ويأتيهما راكبًا، وقال ابن وهب: يأتيهما ماشيًا كما سمَّى، وهو القياس؛ لأن المشي إلى مكة إنما يلزم من حيث إنه كان قربة موصلة إلى عبادة تفعل في مسجد له حرمة عظيمة، فكذلك يلزم كلُّ مشيِ قربةٍ بتلك الصفة، ولا يلزمه المشي إلى سائر المساجد؛ لأن البعيد منها قد نُهي عن السفر إليها، والقريبة منها متساوية الفضيلة، فيصلي حيث شاء منها، وقد قال بعض أصحابنا: إن كانت قريبة على أميال يسيرة .. فيأتيها، وإن نذر أن يأتيها ماشيًا .. أتى ماشيًا؛
стр. 3884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لأن المشي إلى الصلاة طاعة ترفع به الدرجات وتحط به الخطايا. انتهى من "المفهم" باختصار.
قال المازري: ذهب بعض مشايخنا إلى أن المكي والمدني إذا نذر أحدهما الصلاة في مسجد بيت المقدس .. لا يخرج إليه؛ لأن مسجده أفضل، وأن المقدسي إذا نذر الصلاة في مسجد أحد الحرمين .. يأتيه؛ لأنهما أفضل من مسجده، وقياس قول مالك على هذه الطريقة أن المدني إذا نذر مسجد مكة .. لا يأتيه؛ لأن المدينة عنده أفضل، وإن نذر المكي مسجد المدينة .. أتاه، وقال بعض شيوخنا: الأولى للمكي والمدني أن يأتي كل واحد منهما مسجد الآخر؛ ليخرج من الخلاف الواقع في تفضيل أحدهما على الآخر.
قال الحافظ ابن حجر: واستدل بحديث شد الرحال على أن من نذر إتيان أحد هذه الثلاثة .. لزمه ذلك، وبه قال مالك والشافعي وأحمد والبويطي، واختاره أبو إسحاق المروزي، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشافعي في "الأم": يجب في المسجد الحرام؛ لتعلق النسك به، بخلاف المسجدين الآخرين، وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي، وقال ابن المنذر: يجب إلى الحرمين، وأما الأقصى .. فلا، واستأنس بحديث جابر. انتهى "فتح الملهم".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3885
(٤٧) - (٣٩٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ
(١٥٤) - ١٣٨٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَبْرَدِ مَوْلَى بَنِي خَطْمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَيْدَ بْنَ ظُهَيْرٍ الْأَنْصَارِيَّ وَكَانَ مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كَعُمْرَةٍ".
===
(٤٧) - (٣٩٩) - (باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء)
(١٥٤) - ١٣٨٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر وربما وهم، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا أبو الأبرد) زياد المدني (مولى بني خطمة) مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ت ق).
(أنه سمع أُسيد بن ظُهير) بن رافع (الأنصاري) الأوسي له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات في خلافة مروان بن الحكم. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(وكان) أُسيد بن ظُهير (من أصحاب النبي ﷺ يُحدث عن النبي ﷺ أنه قال: صلاةٌ في مسجد قباء) واحدةٌ فرضًا كانت أو نفلًا (كعُمْرَةٍ) واحدة في الأجر والثواب، وقد روي: (أنه
стр. 3886
(١٥٥) - ١٣٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
===
ﷺ كان يذهب إليه كل يوم سبت راكبًا وماشيًا)، وفي رواية: (كان يزوره راكبًا وماشيًا) رواه البخاري وغيره عن ابن عمر، وكفى ذلك في فضله، وفي الباب ما رواه عمر بن شُبَّة في "أخبار المدينة" بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص قال: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين .. أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء .. لضربوا إليه أَكْبادَ الإبل)، كذا في "فتح الباري"، انتهى "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي، قال: حديث أسيد حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد والحاكم، قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة زياد أبي الأبرد: روى عن أُسيد بن ظُهير، صحح له الترمذي حديثه؛ وهو: (صلاة في مسجد قباء كعمرة)، وهذا حديث منكر، روى عنه عبد الحميد بن جعفر فقط. انتهى.
قلت: لا أدري ما وجه كونه منكرًا، ويشهد له حديث سهل بن حُنيف الآتي وحديث كعب بن عُجرة، والله أعلم.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث سهل بن حثيف ﵁، فقال:
(١٥٥) -١٣٨٥ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم المدني كوفي الأصل، صدوق،
стр. 3887
وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ
===
من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن سليمان الكَرماني) -بفتح الكاف وسكون الراء- المدني القُبَائي -بضم القاف وتخفيفه الموحدة وبالمد- نزيل كرمان، مقبول، من السادسة. يروي عنه: (س ق).
(قال: سمعت أبا أمامة) اسمه أسعد، وقيل: سعد (بن سهل بن حنيف) -بضم المهملة- الأنصاري معروف بكنيته معدود في الصحابة رضي الله تعالى عنه، له رؤية، ولم يسمع من النبي ﷺ ، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وله اثنتان وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(يقول) أبو أمامة: (قال) والدي (سهل بن حنيف) بن واهب الأنصاري الأوسي أبو ثابت المدني البدري، شهد بدرًا والمشاهد، وله أربعون حديثًا، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ) وصلَّى عليه على رضي الله تعالى عنهما، وكبر عليه ستًا. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال رسول الله ﷺ : من تطهر) وتوضأ (في بيته) لعل هذا القيد لم يكن معتبرًا في نيل هذا الثواب، بل ذكره لمجرد التنبيه على أن الذهاب إلى المسجد ليس إلا لمن كان قريبًا منه، بحيث يمكن أن يتطهر
стр. 3888
ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً .. كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ".
===
في بيته ويصلي فيه بتلك الطهارة؛ كأهل المدينة وأهل قباء لا يحتاج إلى شد الرحال؛ إذ ليس ذلك لغير المساجد الثلاثة، وكأنه لهذا لم يذكر هذا القيد في الحديث السابق. انتهى "سندي".
(ثم أتى مسجد قباء) -بضم القاف- يمد ويُقصر يُذكر ويُؤنث يُصرف ويُمنع، اسم موضع بقرب المدينة من عواليها من جهة الجنوب على نحو ميلين؛ وهي محلة بني عمرو بن عوف من الأنصار، نزل بها ﷺ أول ما هاجر، وصلَّى فيه ثلاث ليال بمحل المسجد، ثم وضع أساسه بيده الشريفة وأتم بناءه بنو عمرو بن عوف، وللطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان، قالت: نظرت إليه ﷺ حين قدم ونزل وأسس مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يَهْصُرَهُ؛ أي: يميله، وأنظر إلى التراب على بطنه وسُرته، فيأتي الرجل، فيقول: بأبي وأمي يا رسول الله أكفيك، فيقول: لا، خُذ مثله، حتى أسسه. انتهى "فتح الملهم".
ثم أتى مسجد قباء أيَّ يوم كان (فصلَّى فيه صلاة) واحدة نفلًا كانت أو فرضَّا .. (كان له) من الأجر على صلاته (كأجر عُمرة) أي: كأجر من اعتمر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المساجد، باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3889
(٤٨) - (٤٠٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ
(١٥٦) - ١٣٨٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا رُزَيْقٌ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ،
===
(٤٨) - (٤٠٠) - (باب ما جاء في الصلاة في المسجد الجامع)
(١٥٦) -١٣٨٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو الخطاب الدمشقي) اسمه حماد، روى عن رُزيق، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا رزيق أبو عبد الله الألهاني) -بفتح الهمزة- الحمصي، صدوق له أوهام، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا الخطاب الدمشقي، وهو مجهول.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في بيته) تحسب (بصلاة) واحدة، أي: محسوبة بصلاة واحدة؛ أي: لا يُزاد له في الأجر بسبب خصوص المكان، وهذا لا ينافي الزيادة التي ورد بها الشرع عمومًا؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١).
стр. 3890
وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِئَةِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصى بخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ".
===
(وصلاته في مسجد القبائل) والعشائر تحسب (بخمس وعشرين صلاة) أي: مضاعفة له بسبب الجماعة، (وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّعُ فيه) بالبناء للمفعول من التجميع؛ أي: يصلى فيه الجمعة تحسب (بخمس مئة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى) سمي بالأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام .. تحسب له (بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي) هذا تحسب له (بخمسين ألف صلاة، وصلاةٌ في المسجد الحرام) تحسب له (بمئة ألف صلاة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري في "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لأن أبا الخطاب الدمشقي لا يُعرف حاله، ورزيق فيه مقال، حُكي عن أبي زرعة في "الجرح والتعديل" أنه قال: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "الضعفاء والمجروحين" قال: ينفرد بالأشياء التي لا تُشْبِهُ حديثَ الثقات، لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق. انتهى، والله أعلم. وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" بسند ابن ماجه، وضعفه برزيق، قال: الحافظ في "التقريب": رزيق أبو عبد الله الألهاني الحمصي، صدوق له أوهام، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب": رُواته ثقات إلا أن أبا الخطاب لم تحضرني ترجمتهُ، ولَم يُخَرِّج له أحد من أصحاب الأمهات إلا ابن ماجه. انتهى، قال الذهبي في "الميزان": إنه منكر.