(١٥٥) - ١٣٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ
===
ﷺ كان يذهب إليه كل يوم سبت راكبًا وماشيًا)، وفي رواية: (كان يزوره راكبًا وماشيًا) رواه البخاري وغيره عن ابن عمر، وكفى ذلك في فضله، وفي الباب ما رواه عمر بن شُبَّة في "أخبار المدينة" بإسناد حسن عن سعد بن أبي وقاص قال: (لأن أصلي في مسجد قباء ركعتين .. أحب إلي من أن آتي بيت المقدس مرتين، لو يعلمون ما في قباء .. لضربوا إليه أَكْبادَ الإبل)، كذا في "فتح الباري"، انتهى "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي، قال: حديث أسيد حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد والحاكم، قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة زياد أبي الأبرد: روى عن أُسيد بن ظُهير، صحح له الترمذي حديثه؛ وهو: (صلاة في مسجد قباء كعمرة)، وهذا حديث منكر، روى عنه عبد الحميد بن جعفر فقط. انتهى.
قلت: لا أدري ما وجه كونه منكرًا، ويشهد له حديث سهل بن حُنيف الآتي وحديث كعب بن عُجرة، والله أعلم.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث سهل بن حثيف ﵁، فقال:
(١٥٥) -١٣٨٥ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم المدني كوفي الأصل، صدوق،
стр. 3887
وَعِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْكَرْمَانِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ يَقُولُ: قَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ
===
من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن سليمان الكَرماني) -بفتح الكاف وسكون الراء- المدني القُبَائي -بضم القاف وتخفيفه الموحدة وبالمد- نزيل كرمان، مقبول، من السادسة. يروي عنه: (س ق).
(قال: سمعت أبا أمامة) اسمه أسعد، وقيل: سعد (بن سهل بن حنيف) -بضم المهملة- الأنصاري معروف بكنيته معدود في الصحابة رضي الله تعالى عنه، له رؤية، ولم يسمع من النبي ﷺ ، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وله اثنتان وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(يقول) أبو أمامة: (قال) والدي (سهل بن حنيف) بن واهب الأنصاري الأوسي أبو ثابت المدني البدري، شهد بدرًا والمشاهد، وله أربعون حديثًا، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ) وصلَّى عليه على رضي الله تعالى عنهما، وكبر عليه ستًا. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال رسول الله ﷺ : من تطهر) وتوضأ (في بيته) لعل هذا القيد لم يكن معتبرًا في نيل هذا الثواب، بل ذكره لمجرد التنبيه على أن الذهاب إلى المسجد ليس إلا لمن كان قريبًا منه، بحيث يمكن أن يتطهر
стр. 3888
ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ قُبَاءٍ فَصَلَّى فِيهِ صَلَاةً .. كَانَ لَهُ كَأَجْرِ عُمْرَةٍ".
===
في بيته ويصلي فيه بتلك الطهارة؛ كأهل المدينة وأهل قباء لا يحتاج إلى شد الرحال؛ إذ ليس ذلك لغير المساجد الثلاثة، وكأنه لهذا لم يذكر هذا القيد في الحديث السابق. انتهى "سندي".
(ثم أتى مسجد قباء) -بضم القاف- يمد ويُقصر يُذكر ويُؤنث يُصرف ويُمنع، اسم موضع بقرب المدينة من عواليها من جهة الجنوب على نحو ميلين؛ وهي محلة بني عمرو بن عوف من الأنصار، نزل بها ﷺ أول ما هاجر، وصلَّى فيه ثلاث ليال بمحل المسجد، ثم وضع أساسه بيده الشريفة وأتم بناءه بنو عمرو بن عوف، وللطبراني برجال ثقات عن الشموس بنت النعمان، قالت: نظرت إليه ﷺ حين قدم ونزل وأسس مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يَهْصُرَهُ؛ أي: يميله، وأنظر إلى التراب على بطنه وسُرته، فيأتي الرجل، فيقول: بأبي وأمي يا رسول الله أكفيك، فيقول: لا، خُذ مثله، حتى أسسه. انتهى "فتح الملهم".
ثم أتى مسجد قباء أيَّ يوم كان (فصلَّى فيه صلاة) واحدة نفلًا كانت أو فرضَّا .. (كان له) من الأجر على صلاته (كأجر عُمرة) أي: كأجر من اعتمر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المساجد، باب فضل مسجد قباء والصلاة فيه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3889
(٤٨) - (٤٠٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ
(١٥٦) - ١٣٨٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْخَطَّابِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا رُزَيْقٌ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ،
===
(٤٨) - (٤٠٠) - (باب ما جاء في الصلاة في المسجد الجامع)
(١٥٦) -١٣٨٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو الخطاب الدمشقي) اسمه حماد، روى عن رُزيق، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا رزيق أبو عبد الله الألهاني) -بفتح الهمزة- الحمصي، صدوق له أوهام، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا الخطاب الدمشقي، وهو مجهول.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في بيته) تحسب (بصلاة) واحدة، أي: محسوبة بصلاة واحدة؛ أي: لا يُزاد له في الأجر بسبب خصوص المكان، وهذا لا ينافي الزيادة التي ورد بها الشرع عمومًا؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١).
стр. 3890
وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمْسِ مِئَةِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصى بخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ".
===
(وصلاته في مسجد القبائل) والعشائر تحسب (بخمس وعشرين صلاة) أي: مضاعفة له بسبب الجماعة، (وصلاته في المسجد الذي يُجَمَّعُ فيه) بالبناء للمفعول من التجميع؛ أي: يصلى فيه الجمعة تحسب (بخمس مئة صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى) سمي بالأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام .. تحسب له (بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي) هذا تحسب له (بخمسين ألف صلاة، وصلاةٌ في المسجد الحرام) تحسب له (بمئة ألف صلاة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري في "الزوائد": إسناده ضعيف؛ لأن أبا الخطاب الدمشقي لا يُعرف حاله، ورزيق فيه مقال، حُكي عن أبي زرعة في "الجرح والتعديل" أنه قال: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "الضعفاء والمجروحين" قال: ينفرد بالأشياء التي لا تُشْبِهُ حديثَ الثقات، لا يجوز الاحتجاج به إلا عند الوفاق. انتهى، والله أعلم. وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" بسند ابن ماجه، وضعفه برزيق، قال: الحافظ في "التقريب": رزيق أبو عبد الله الألهاني الحمصي، صدوق له أوهام، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب": رُواته ثقات إلا أن أبا الخطاب لم تحضرني ترجمتهُ، ولَم يُخَرِّج له أحد من أصحاب الأمهات إلا ابن ماجه. انتهى، قال الذهبي في "الميزان": إنه منكر.
стр. 3891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: فدرجةُ هذا الحديث: أنه ضعيف متنًا وسندًا (١٩)(١٥٧)، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث، ذكره للاستئناس.
والله أعلم
стр. 3892
(٤٩) - (٤٠١) - بَابُ مَا جَاءَ فِي بَدْءِ شَأْنِ الْمِنْبَرِ
(١٥٧) - ١٣٨٧ - (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو الرَّقِّيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الطُّفَيْلِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ
===
(٤٩) - (٤٠١) - (باب ما جاء في بدء شأن المنبر)
(١٥٧) -١٣٨٧ - (١) (حدثنا إسماعيل بن عبد الله) بن خالد بن يزيد العبدري أبو عبد الله (الرقي) السكري قاضي دمشق، صدوق، نسب لرأي جَهْم، من العاشرة، مات بعد أربعين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبيد الله بن عمرو) بن أبي الوليد (الرقي) أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ) عن ثمانين إلا سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) -بفتح المهملة- ابن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي محمد المدني، صدوق، في حديثه لين، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن الطفيل بن أُبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي، يقال له: أبو بطن؛ لعظم بطنه، ثقة، يقال: ولد في عهد النبي ﷺ ، من الثانية. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبيه) أُبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن النجار الأنصاري الخزرجي أبي المنذر، من فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنه، اختلف في سنة موته اختلافًا كثيرًا: قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3893
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جِذْعٍ إِذْ كَانَ الْمَسْجِدُ عَرِيشًا، وَكَانَ يَخْطُبُ إِلَى ذَلِكَ الْجِذْعِ، فَقَالَ رَجُل مِنْ أَصْحَابِهِ: هَلْ لَكَ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو لين الحديث.
(قال) أُبي: (كان رسول الله ﷺ يصلي) مستقبلًا (إلى جذع) نخل - بكسر فسكون - أي: إلى أصل نخلة، قيل: الجذع: ساقُ النخلة اليابسُ، وقيل: لا يختص؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (١)، (إذ كان المسجد) أي: المسجد النبوي (عريشًا) أي: مَظلَّة ظُللت بخوص النخلة، والعريش: ما يستظل به كعريش الكرم، وكان المسجد أولًا على تلك الهيئة، (وكان) النبي ﷺ أولًا (يخطب) ويعظ الناس مستندًا بظهره (إلى ذلك الجذع) كما في "التحفة".
(فقال) له ﷺ (رجل من أصحابه) وفي "أبي داوود" أن القائل تميم الداري، ولا منافاة بين هذا وبين ما في الصحيح أنه أرسل إلى امرأة من الأنصار: مُري غلامَكِ، أو فإنها جاءت، فقالت: إن لي غلامًا نجارًا؛ لأنه يمكن أن تميمأ هو الذي دله على المنبر أولًا، ثم أرسل ﷺ إلى المرأة، ولعل تميمًا هو الذي قال للمرأة بذلك أيضًا، فجاءت المرأة إليه ﷺ بذلك الغلام، ثم أرسل ﷺ إليها في ذلك للإسراع والتعجيل حين أَخَّرَتْ في الأمر، وبهذا يظهر التوفيقُ بين الأحاديث التي وردت في هذا الباب. انتهى "سندي".
أي: قال ذلك الرجل لرسول الله ﷺ : (هل لك) رغبة في
стр. 3894
أَنْ نَجْعَلَ لَكَ شَيْئًا تَقُومُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَرَاكَ النَّاسُ وَتُسْمِعَهُمْ خُطْبَتَكَ؛ قَالَ: "نَعَمْ"، فَصَنَعَ لَهُ ثَلَاثَ دَرَجَاتٍ فَهِيَ الَّتِي أَعْلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمَّا وُضِعَ الْمِنْبَرُ .. وَضَعُوهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَقُومَ إِلَى الْمِنْبَرِ .. مَرَّ إِلَى الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَخْطُبُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا جَاوَزَ الْجِذْعَ .. خَارَ حَتَّى تَصَدَّعَ وَانْشَقَّ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَمَّا سَمِعَ صَوْتَ الْجِذْعِ
===
(أن نجعل لك شيئًا) مرتفعًا (تقوم عليه يوم الجمعة) حينَ تعظُ الناس (حتى يراك الناس) وقتَ الخطبة (وتُسمعهم خطبتَك) -بضم التاء- من الإسماع؟ (قال) رسول الله ﷺ : (نعم) لي رغبة في ذلك، (فصَنَع له) ﷺ الرجل (ثلاثَ درجات) أي: منبرًا له ثلاثُ درجات، (فهي) أي: الدرجات الثلاث هي (التي) كانَتْ (أَعْلَى المنبر) وأرفعَه؛ إذ أدنى المنبر درجةٌ وأوسطُه درجتان وأعلاه ثلاثُ درجات.
(فلما) صُنع و (وضع المنبر) لرسول الله ﷺ .. (وضعوه) أي: وضعت الصحابة المنبرَ لرسول الله ﷺ (في موضعه) أي: في موضعِ المنبر (الذي) كان (هو) أي: المنبر (فيه) الآن، (فلما أراد رسولُ الله ﷺ أن يقوم) مستندًا (إلى المنبر .. مر) منتهيًا (إلى الجذع الذي كان) ﷺ (يخطُب) مستندًا (إليه، فلما جاوز الجذعَ) أي: وصل إليه ومر عليه .. (خار) الجذعُ؛ أي: صاح صياحَ البقرة وبكَى، له حَنِينٌ كحنين الإبل (حتى تصدَّع) من الصدع وهو الشقُّ، وقوله: (وانشق) تفسير له، وقوله: (خار) من الخُوار - بالضم - وأصله صياح البقرة، ثم استعير لكل صياح.
(فنزل رسول الله ﷺ من المنبر (لما سمع صوت الجذع)
стр. 3895
فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ حَتَّى سَكَنَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَكَانَ إِذَا صلَّى .. صَلَّى إِلَيْهِ، فَلَمَّا هُدِمَ الْمَسْجِدُ وَغُيِّرَ .. أَخَذَ ذَلِكَ الْجِذْعَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَكَانَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ حَتَّى بَلِيَ، فَأَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ وَعَادَ رُفَاتًا.
===
وحنينَه، (فـ) جاء رسول الله ﷺ و (مسحه بيده) الشريفة (حتى سكن) الجذع وسكت وترَكَ حنينَه، (ثم) بَعْدَ سكونهِ وسكوتِهِ (رجع) رسولُ الله ﷺ (إلى المنبر) وخطب الناس، وصياحُ الجذع وحنينهُ هو من المعجزات الباهرة التي جاءت متواترة، كما صرَّح به عياض وغيره من أصحابِ السير، (فكان) ﷺ بعد ذلك (إذا صلى) أي: أراد الصلاةَ (صلى) متوجهًا (إليه) خوفًا مِن صياحه.
(فلما هُدم المسجد) النبوي للتوسعة (وغُيِّرَ) عن حاله الأول بالبناء للمفعول في الفعلين؛ أي: غُيِّر في عهد عمر رضي الله تعالى عنه حين زاد في المسجد .. (أخذ ذلك الجذعَ أُبيُّ بن كعب) رضي الله تعالى عنه، (وكان) ذلك الجذعُ (عنده) أي: عند أُبَيٍّ (في بيته حتى بَلِي) ذلك الجذع من بابِ سمع؛ أي: حتى صار عتيقًا مُفتَّتًا، (فأكلَتْهُ الأَرَضَةُ) -بفتحات-: دويبة صغيرة تأكل الخشسب وغيرَه، (وعاد) ذلك الجذع؛ أي: صار (رفاتًا) بوزن غراب؛ أي: فتاتًا، والرفاتُ: ما يتكسَّر ويتقطَّع حتى صار ترابًا مختلطًا به.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، كما مر، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى له بحديث أنس بن مالك ﵁، فقال:
стр. 3896
(١٥٨) -١٣٨٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعٍ، فَلَمَّا اتَّخَذَ الْمِنْبَرَ
===
(١٥٨) -١٣٨٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا بهز بن أسد) العمي أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات بعد المئتين، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمار بن أبي عمار) مولى بني هاشم - ويقال: مولى بني الحارث - ابن نوفل أبي عمرو المكي، صدوق، من الثالثة، مات بعد العشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(و) حدثنا أيضًا حماد بن سلمة (عن ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
كلاهما حدثا (أن النبي ﷺ كان يخطب) مستندًا (إلى جذع) النخلة، (فلما اتخذ) النبي ﷺ (المنبر) وصنع له ..
стр. 3897
ذَهَبَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ فَأَتَاهُ، فَاحْتَضَنَهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ: "لَوْ لَمْ أَحْتَضِنْهُ .. لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
(١٥٩) - ١٣٨٩ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ،
===
(ذهب إلى المنبر) ليخطب عليه، (فحن الجذع) أي: صاح وبكى، من الحنين؛ وهو صوت كالأنين يكون عند الشوق لمن يهواه إذا فارقه، ويوصف به الإبل كثيرًا، قال الجوهري: الحنين: الشوق وتوَقَانُ النفس، تقول حَنَّ إليه، وحنين الناقة صوتها في نزعها إلى ولدها.
(فأتاه) النبي ﷺ (فاحتضنه) أي: التزمه واعتنقه من الحضن؛ والحضن ما تحت الإبط إلى الكشح، واحتضن الشيء إذا جعله في حضنه. انتهى "مختار" أي: فضمه إلى حضنه، (فسكن) الجذع؛ أي: سكت وترك الحنين، (فقال) ﷺ : (لو لم أحتضنه) أي: لو لم أضمه إلى حضني .. (لَحَنَّ) وبكى (إلى يوم القيامة).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد بن منيع في "مسنده"، قال: حدثنا أبو نصر، حدثنا حماد ... فذكره بإسناده ومتنه، ورواه عبد بن حميد والحارث بن أبي أمامة، وأحمد بن حنبل في "المسند" والدارمي في المقدمة، وأبو نعيم في "دلائل النبوة".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أُبي بن كعب بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٩) -١٣٨٩ - (٣) (حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) أبو بكر
стр. 3898
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مِنْبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَيِّ شَيءٍ هُوَ؛ فَأَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَعْلَمَ بِهِ مِنِّي، هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ
===
البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الكوفي ثم المكي، ثقة إمام، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه (ع).
(عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(قال) أبو حازم: (اختلف الناس في منبر رسول الله ﷺ من أي شيء) من الأشجار (هو؟ ) أي: منبره ﷺ ، (فأتوا) أي: فأتى الناس (سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فسألوه) أي: فسأل الناس سهل بن سعد من أي شجر منبر رسول الله ﷺ ؛ (فقال) سهل: (ما بقي أحد من الناس) على الأرض (أعلم به) أي: بشيء صنع منه منبر رسول الله ﷺ (مني) أي: أنا أعلم من على الأرض به؛ لأن الذين يعلمون به ماتوا، وأنا أخبركم به وأقول لكم: (هو) أي: منبر رسول الله ﷺ نحت (من) خشب (أثل الغابة) أي: من خشب شجر ينبت في الغابة يسمى بالأثل، قال
стр. 3899
عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ نَجَّارٌ، فَجَاءَ بِهِ فَقَامَ عَلَيْهِ حِينَمَا وُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ فَقَرَأَ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَرَأَ
===
السندي: الأثل اسم نوع من الشجر، والغابة موضع قريب من المدينة معروف من عوالي المدينة جهة الشام. انتهى "كوكب"، فيه أشجار كثيرة ملتفة متراكمة، قال في "المختار": وهو نوع من الطرفاء في الأرميا (بربرس)، والغابة الأجمة -بفتح الهمزة والجيم- جمعها غاب. انتهى منه. وفي رواية مسلم: وهو من طرفاء الغابة، والطرفاء في الأرميا (غاثرًا).
(عمله) أي: نحته (فلان مولى فلانة) من الأنصار هو (نجار) أي: صناع للأبواب والصناديق، (فـ) نحته و (جاء به) أي: بذلك المنبر إلى رسول الله ﷺ ، (فقام) النبي ﷺ (عليه) أي: على ذلك المنبر (حينما وضع) له ذلك المنبر في موضعه الذي كان فيه الآن، (فاستقبل) رسول الله ﷺ القبلة (وقام الناس خلفه) أي: وراءه مقتدين به (فقرأ) الفاتحة وما تيسر له من القرآن.
(ثم ركع) أي: هوى للركوع وهو على المنبر، (ثم رفع رأسه) من الركوع، (فرجع) رجوع (القهقرى) أي: وراءه ونزل من المنبر للسجود على الأرض؛ أي: رجع رجوع الماشي إلى ورائه؛ لئلا ينحرف عن القبلة، قالوا: وهذا عمل قليل لا يبطل الصلاة، وقد فعله ﷺ ؛ ليظهر كيفية الصلاة للقريب والبعيد، ولبيان جواز هذا العمل القليل، فلا إشكال. انتهى "سندي".
(حتى سجد بالأرض) أي: فسجد على الأرض لضيق المنبر عن السجود، (ثم) بعد السجود على الأرض (عاد) أي: رجع (إلى المنبر فقرأ) الفاتحة وما
стр. 3900
ثُمَّ رَكَعَ فَقَامَ ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ.
===
تيسر له من القرآن، (ثم ركع) ركوع الركعة الثانية على المنبر، (فقام) أي: رفع رأسه من الركوع، (ثم رجع القهقرى حتى) نزل إلى الأرض، فـ (سجد) السجدتين للركعة الثانية (بالأرض) أي: على الأرض.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، رقم (٣٧٧)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة، رقم (٤٤/ ٥٤٤).
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
قوله: (عمله فلان مولى فلانة) من الأنصار، اسمها عائشة، واسم الغلام باقوم، أو ميمون، أو مينا - بكسر الميم - أو قبيصة، أو باقول - باللام - أو صباح -بضم الصاد- أو تميم الداري، أو غير ذلك، ويحتمل أن يكون المراد به تميمًا الداري؛ لأنه كثير السفر إلى الروم وأشبه الأقوال بالصواب أنه ميمون، ولا اعتداد بالأخرى لوهائها، وحمله بعضهم على أن الجميع اشتركوا في عمله، وعورض بقوله في كثير من الروايات: (ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد).
وأجيب باحتمال أن المراد بالواحد: الماهر في صناعته، والبقية أعوان له، كذا في "الفتح" و"الإرشاد". انتهى من "الكوكب"، قال الأبي: وأساتيذ المغرب، بل فجميع أساتيذ أهل الأرض الآن يجلسون للتدريس على الكراسي، وهذا الحديث أصل وحجة لهم. انتهى.
وفي رواية هشام بن سعد عن أبي حازم عند الطبراني: (فخطب الناس عليه، ثم أقيمت الصلاة، فكبر وهو على المنبر) فأفادت هذه الرواية تقدم الخطبة على الصلاة. انتهى من "العون".
стр. 3901
(١٦٠) - ١٣٩٠ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا ابْن أَبِي عدِيٍّ،
===
وفي رواية مسلم زيادة: (ثم أقبل على الناس، فقال: يا أيها الناس؛ إني صنعت هذا) العمل من صلاتي على المنبر (لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي) فبين ﷺ أن صعوده على المنبر وصلاته عليه إنما كان للتعليم؛ ليرى جميعهم أفعال صلاته، بخلاف ما إذا كان على الأرض؛ فإنه لا يراه إلا بعضهم.
وفي الحديث جواز العمل اليسير في الصلاة، وكذا الكثير إن تفرق، وجواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل، وارتفاع الإمام على المأمومين، وتشريع الخطبة على المنجر لكل خطيب، واتخاذ المنبر؛ لكونه أبلغ في مشاهدة الخطيب والسماع منه، كذا ذكره القسطلاني في "إرشاد الساري".
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أُبي بن كعب بحديث جابر بن عبد الله ﵃، فقال:
(١٦٠) - ١٣٩٠ - (٤) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ عبد الله بن يزيد المكي أبي عبد الرحمن المقرئ، أصله من البصرة، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا ابن أبي عدي) محمد بن إبراهيم السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 3902
عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُومُ إِلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ أَوْ قَالَ: إِلَى جِذْعٍ، ثُمَّ اتَّخَذَ مِنْبَرًا قَالَ: فَحَنَّ الْجِذْعُ قَالَ جَابِر: حَتَّى سَمِعَهُ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، حَتَّى أَتَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَمَسَحَهُ فَسَكَنَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
===
(عن سليمان) بن طرخان (التيمي) أبي المعتمر البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ) عن سبع وتسعين (٩٧) سنة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي العوقي -بفتح المهملة والواو ثم قاف- البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (كان رسول الله ﷺ إذا خطب (يقوم) مستندًا (إلى أصل شجرة) وخشبها، (أو قال) جابر: مستندًا (إلى جذع) من سواري المسجد، كما في رواية النسائي، (ثم اتخذ منبرًا) يقوم عليه عند الخطبة، فلما صنع المنبر واستوى عليه .. (قال) جابر: (فحن الجذع) أي: صاح وبكى، (قال جابر: حتى سمعه) أي: سمع صوت الجذع (أهل المسجد) وفي رواية النسائي: (اضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد).
(حتى) نزل من المنبر و (أتاه رسول الله ﷺ فمسحه) بيده الشريفة واعتنقها، (فسكن) الجذع؛ أي: سكت وترك الحنين، (فقال بعضهم) أي: بعض الرواة مرفوعًا -كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى
стр. 3903
لَوْ لَمْ يَأْتِهِ .. لَحَنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
===
عنهما-: (لو لم يأته) أي: لم يأت ذلك الجذع النبي ﷺ فمسحه بيده واعتنقه .. (لحن) ذلك الجذع وصاح وبكى (إلى يوم القيامة).
قوله: (فقال بعضهم) لا ينافي ما تقدم في حديث ابن عباس وأنس من أن هذا قد قاله هو ﷺ ؛ لجواز أن هذا البعض قال بعد أن سمعه منه ﷺ ، بل هذا هو المتعين؛ لأن مثله لا يمكن أن يقال مِنْ قِبَلِ الرَأْيِ، فهذا مؤيد لما تقدم لا مناف له.
نعم؛ ظاهره أن جابرًا ما سمعه منه ﷺ ، ولا بُعْدَ فيه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه النسائي في "الصغرى" بسند آخر عن جابر بن عبد الله، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، وكلها صحيحة.
والله أعلم
стр. 3904
(٥٠) - (٤٠٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي طُولِ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ
(١٦١) - ١٣٩١ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
(٥٠) - (٤٠٢) - (باب ما جاء في طول القيام في الصلاة)
(١٦١) - ١٣٩١ - (١) (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (م د ق).
(وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني أبو محمد الأنباري، صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(قالا: حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة له غرائب بعدما أَضَرَّ، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 3905
قَالَ: صَلَّيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ الْأَمْرُ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَتْرُكَهُ.
===
(قال) عبد الله: (صليت ذات ليلة) أي: ليلة من الليالي (مع رسول الله ﷺ ، فـ) أطال رسول الله ﷺ القيام، و (لم يزل قائمًا حتى هممت) وقصدت (بأمر سوء) بفتح السين وإضافة أمر إليه، قال أبو وائل: (قلت) لعبد الله: (وما ذاك الأمر) الذي هممته وقصدته؟ (قال) عبد الله: (هممت) وقصدت (أن أجلس) من طول قيامه، وكان هذا في صلاة الليل النافلة، وإلا .. ففي الفرض قد جاء مراعاة المقتدي بأتم وجه. انتهى "سندي".
(وأتركه) ﷺ قائمًا، وإنما جعله سوءًا وإن كان القعود في النفل جائزًا؛ لأن فيه ترك الأدب معه ﷺ وصورة مخالفته، وقد كان ابن مسعود قويًا محافظًا على الاقتداء به ﷺ ، فلولا أنه طول كثيرًا .. لم يهم القعود، وقد اختلف هل الأفضل في صلاة النفل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام؟ فقال بكل قوم، فأما القائلون بالأول .. فتمسكوا بنحو حديث ثوبان عند مسلم: "أفضل الأعمال كثرة الركوع والسجود"، وتمسك القائلون بالثاني بحديث مسلم أيضًا: "أفضل الصلاة طول القنوت"، والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الناس والأحوال. انتهى "إرشاد الساري".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل، رقم (١١٣٥)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، والترمذي في الشمائل.
стр. 3906
(١٦٢) - ١٣٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، سَمِعَ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ
===
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث ابن مسعود بحديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٢) - ١٣٩٢ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة) - بكسر العين المهملة وبالقاف- الثعلبي - بالمثلثة والمهملة - أبي مالك الكوفي، ثقة رمي بالنصب، من الثالثة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(سمع المغيرة) بن شعبة بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور أسلم قبل الحديبية وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
حالة كونه (يقول: قام رسول الله ﷺ في صلاة الليل (حتى تورمت) وانتفخت (قدماه) الشريفتان من الورم، (فقيل) له، وفي رواية البخاري: (فيقال له): (يا رسول الله؛ قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك
стр. 3907
وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".
===
وما تأخر)، وفي حديث عائشة: (لم تصنع هذا يا رسول الله فقد غفر الله لك؟ ) (قال) وفي رواية البخاري: (فيقول) بلفظ المضارع: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) لربه؟ ! زعموا أن الإكثار في العبادة أضحصيل المغفرة فحين حصولها لا حاجة إلى الإكثار، أشار في الجواب إلى، أن الإكثار فيها قد يكون لأداء شكر النعمة، وعبادتُهُ من هذا القبيل، وهذا النوع مما يقتضي حصولَ المغفرة والمبالغةَ فيه لا النقصانَ. انتهى "سندي".
قوله: "أفلا أكون ... " إلى آخره، الفاء داخلة على مسبب عن محذوف؛ تقديره: أأترك تهجدي وقيامي لما غفر لي فلا أكون عبدًا شكورًا؟ ! يعني: غفران الله لي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له، فكيف أتركه؟ ! كأن المعنى: ألا أشكره وقد أنعم على وخصني بخير الدارير؟ ! فإن الشكور من أبنية المبالغة يستدعي نعمةً خطيرةً، وتخصيص العبد باردكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى، ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء، ولأن العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر.
وفيه أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، لكن ينبغي تقييد ذلك بما إذا لم يفض إلى الملال؛ لأن حالة النبي ﷺ كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه قال: "وجعلت قرة عيني في الصلاة" رواه النسائي، فأما غيره ﷺ فإذا خشي الملل .. ينبغي له ألا يكد نفسه حتى يمل.
نعم؛ الآخذ بالشدة أفضل؛ لأنه إذا كان هذا فعل المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف من جهل حاله وأثقلت ظهره الأوزار ولا يأمن من عذاب النار؟ ! انتهى من "إرشاد الساري".
стр. 3908
(١٦٣) - ١٣٩٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب قيام النبي ﷺ الليل، وفي كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاجتهاد بالعبادة، والنسائي كتاب قيام الليل وتطوع النهار، وابن خزيمة في "صحيحه"، وعبد الرزاق وابن حبان وغيرهم.
فدرجته: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٣) - ١٣٩٣ - (٣) (حدثنا أبو هشام الرفاعي محمد بن يزيد) بن محمد بن كثير العجلي الكوفي قاضي المدائن، ليس بالقوي، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (م ت ق).
(حدثنا يحيى بن يمان) العجلي الكوفي، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا) سليمان (الأعمش، عن أبي صالح) ذكوان السمان.
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن.
стр. 3909
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا".
(١٦٤) - ١٣٩٤ - (٤) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ،
===
(قال) أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ يصلي حتى تورمت قدماه، فقيل له: إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: "أفلا أكون عبدًا شكورًا").
قال البوصيري: هذا الحديث إسناده صحيح؛ لأن مسلمًا احتج بجميع رواته، وانفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الترمذي في "الشمائل" عن الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ به، ورواه أصحاب الكتب الستة من حديث المغيرة بن شعبة، انظر الحديث السابق، ورواه الترمذي من حديث جابر، وقال: حسن صحيح، قال: وفي الباب عن عبد الله بن حبيش وأنس بن مالك وأبي هريرة وعائشة رضي الله تعالى عنهم، وأخرجه النسائي بنحوه، وإسناده حسن، وأبو نعيم في "حلية الأولياء".
ودرجته: أنه صحيح؛ لأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث ابن مسعود بحديث جابر بن عبد الله ﵃، فقال:
(١٦٤) - ١٣٩٤ - (٤) (حدثنا بكر بن خلف أبو بشر) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
стр. 3910
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "طُولُ الْقُنُوتِ".
===
(حدثنا أبو عاصم) الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني النبيل البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (سئل النبي ﷺ : أي) أركان (الصلاة أفضل؟ ) أي: أكثر أجرًا وأحرى بالتطويل، (قال) رسول الله ﷺ : (طول القنوت) أي: القيام الطويل أفضل أجرًا من الركوع الطويل والسجود الطويل مثلًا؛ أي: تطويل القيام أفضل من تطويل غيره من سائر الأركان.
قوله: "طول القنوت" أي: ذات طول القنوت، وقد فسروا القنوت في هذا الحديث بالقيام، وهذا الحديث لا ينافي حديث: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" لجواز أن تكون تلك الأقربية في حال السجود بملاحظة استجابة الدعاء، كما يقتضيه: "فأكثروا الدعاء" وهو لا ينافي أفضلية القيام. انتهى "سندي".
стр. 3911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النواوي: المراد بالقنوت هنا: القيام باتفاق العلماء فيما علمت؛ يعني: أفضل أحوال الصلاة طول القيام، فدل بمفهومه على أن القيام أفضل أركان الصلاة، فهو أفضل من الركوع والسجود؛ يعني: أفضلها وأولاها بالتطويل القيام؛ لأن الشغل فيه القراءة، والقراءة أفضل من الأذكار، وبهذا الحديث استدل أبو حنيفة والشافعي على أن طول القيام أفضل من كثرة السجود ليلًا كان أو نهارًا، وذهب بعضهم إلى أن الأفضل في النهار كثرة السجود، وفي الليل طول القيام؛ لأنَّ مِنْ وَصْفِ صلاة النبي ﷺ في الليل طولَ القيام.
قلنا: ما ذكرتم حكاية فعل والمنطوق أولى. انتهى من "المبارق"، وفي "تحفة الأحوذي": والحديث يدل على أن القيام أفضل من السجود والركوع وغيرهما، وإلى ذلك ذهب جماعة من العلماء، منهم الشافعي. انتهى منه. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب صلاة المسافرين، باب أفضل الصلاة طول القنوت، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب طول القيام، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في طول القيام في الصلاة والدارمي وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والباقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3912
(٥١) - (٤٠٣) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ السُّجُودِ
(١٦٥) - ١٣٩٥ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَكْحُولٍ،
===
(٥١) - (٤٠٣) - (باب ما جاء في كثرة السجود)
(١٦٥) - ١٣٩٥ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(وعبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي لقبه دُحيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
وقوله: (الدمشقيان) نسبة للراويين، كما بيناه في الحل.
(قالا: حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة، من الثامنة، لكنه كثير التدليس والتسوية، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان) العنسي - بالنون - الدمشقي الزاهد، صدوق يخطئ ورُمي بالقدر وتغير بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ)، وهو ابن تسعين. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) ثابت بن ثوبان العنسي الشامي والد عبد الرحمن، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن مكحول) الشامي أبي عبد الله، ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور، من
стр. 3913
عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ أَبَا فَاطِمَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَسْتَقِيمُ عَلَيْهِ وَأَعْمَلُهُ قَالَ: "عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ؛ فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ بِهَا عَنْكَ خَطِيئَةً".
===
الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن كثير بن مرة) الحضرمي أبي شجرة الحمصي، ثقة، من الثانية، ووهم من عدَّه في الصحابة. يروي عنه: (عم).
(أن أبا فاطمة) أُنيس - بالتصغير - أو عبد الله بن أُنيس الليثي أو الدوسي سكن الشام ومصر الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، ويروي عنه: (د س ق) (حدَّثه) أي: أن أبا فاطمة حَدَّث لكثير بن مرة.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو فاطمة: (قلت: يا رسول الله؛ أخبرني بعمل أستقيم) وأواظب (عليه وأعمله) على الدوام، فـ (قال) رسول الله ﷺ لأبي فاطمة: (عليك) أي: الزم (بالسجود) لله تعالى، وواظب على إكثارها ليلًا ونهارًا، والمراد بالسجود: الصلاة المشتملة عليه؛ من إطلاق الجزء وإرادة الكل؛ (فإنك) يا أبا فاطمة (لا تسجد لله سجدة) أي: لا تصلّ مخلصًا عملك لله ركعة .. (إلا رفعك الله بها) أي: بتلك السجدة (درجة) أي: منزلة عنده (وحطَّ) أي: محا (بها) أي: بتلك السجدة (عنك خطيئة) أي: صغيرة من الصغائر؛ لأن الكبيرة لا تكفر إلا بالتوبة.
وهذا الحديث أيضًا لا ينافي فضيلة طول القيام؛ إذ ما أوصاه ﷺ بكثرة السجود دون طول القيام. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي؛ أخرجه في كتاب البيعة، باب الحث على الهجرة، رقم (٤١٧٨).
стр. 3914
(١٦٦) - ١٣٩٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ هِشَامٍ الْمُعَيْطِيُّ، حَدَّثَهُ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمَرِيُّ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي فاطمة بحديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٦) - ١٣٩٦ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني الدمشقي، ثقة متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الدمشقي، ثقة، من الثامنة، مات في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي) الدمشقي، ثقة إمام فقيه، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) الأوزاعي: (حدثني الوليد بن هشام) بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي مُعَيْط - بالتصغير - الأموي أبو يعيش (المُعَيْطِيُّ) ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(حدثه) أي: حدث لوليد بن هشام (معدانُ بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة (اليَعْمَري) -بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة- شامي، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(قال) معدان: (لقيت ثوبان) رضي الله تعالى عنه.
стр. 3915
فَقُلْتُ لَهُ: حَدِّثْنِي حَدِيثًا عَسَى اللهُ أَنْ يَنْفَعَنِي بِهِ، قَالَ: فَسَكَتَ ثُمَّ عُدْتُ فَقُلْتُ مِثْلَهَا، فَسَكَتَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ لِي: عَلَيْكَ بِالسُّجُودِ للهِ؛ فَإِنِّي سمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ للهِ سَجْدَة .. إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةً".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن الوليد بن مسلم مدلس.
وفي رواية الترمذي: (لقيت ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال الحافظ: ثوبان الهاشمي مولى النبي ﷺ صحِبه ولازمه ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ).
قال معدان: (فقلت له) أي: لثوبان (حدثني حديثًا) سمعته من رسول الله ﷺ (عسى الله أن ينفعني به) أي: حقق الله أن ينفعني بذلك الحديث في ديني أو دنياي، (قال) معدان: (فسكت) ثوبان عني، قال معدان: (ثم عدت) أي: رجعت إلى سؤال ثوبان مرةً ثانية، (فقلت) لثوبان (مثلها) أي: مقالةً مثل المقالة الأولى؛ يعني: حدثني حديثًا ... إلى آخره، (فسكت) ثوبان عن جواب سؤالي (ثلاث مرات، فقال لي) في جواب سؤالي في المرة الرابعة: (عليك بالسجود) أي: الزم السجود مخلصًا (لله؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد يسجد لله سجدةً .. إلا رفعه الله بها درجةً، وحطَّ عنه) أي: وضع عنه (بها) أي: بتلك السجدة (خطيئةً) أي: معصية صغيرة.
وفي رواية أحمد ومسلم وأبي داوود عن ثوبان قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "عليك بكثرة السجود؛ فإنك لن تسجد لله سجدة .. إلا رفعك الله بها درجة ... " إلى آخره، قال الشوكاني في "النيل": والحديث يدل على أن كثرة السجود مرغب فيها، والمراد به السجود في الصلاة، وسبب
стр. 3916
قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ.
(١٦٧) - ١٣٩٧ - (٣) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ،
===
الحث عليه ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من أن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (١)، كذا قال النووي: وفيه دليل لمن يقول: إن السجود أفضل من القيامِ وسائرِ أركان الصلاة، كما مر الخلاف فيه.
(قال معدان: ثم) بعدما قال لي ثوبان ذلك (لقيت أبا الدرداء فسألته) عن ذلك (فقال) لي أبو الدرداء (مثل ذلك) أي: مثل ما قال لي ثوبان؛ يعني: عليك بالسجود، وأبو الدرداء اسمه عويمر بن زيد ﵁.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصلاة، باب فضل السجود والحث عليه، والترمذي في كتاب الصلاة، باب ما جاء في كثرة الركوع والسجود وفضله، والنسائي في كتاب التطبيق، باب من سجد لله سجدةً واحدة.
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي فاطمة بحديث عبادة بن الصامت ﵄، فقال:
(١٦٧) -١٣٩٧ - (٣) (حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلم، صدوق يخطئ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 3917
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ الْمُرِّيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ مَيْسَرَةَ بْنِ حَلْبَسٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً .. إِلَّا كَتَبَ اللهُ لَهُ بِهَا
===
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة مدلس، من الثامنة، مات في آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن خالد بن يزيد) بن صالح بن صبيح (المري) -بضم الميم وبالراء- أبي هاشم الدمشقي قاضي البلقاء، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وستين ومئة (١٦٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن يونس بن ميسرة بن حلبس) - بمهملتين في طرفيه وموحدة، على وزن جعفر - وقد يُنسب لجده، ثقة عابد معمر، من الثالثة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن) عبد الرحمن بن عسيلة - بمهملتين مصغرًا - المرادي أبي عبد الله (الصنابحي) ثقة، من كبار التابعين قدم المدينة بعد موت النبي ﷺ بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. يروي عنه: (ع).
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني أحد النقباء، بدري مشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وله اثنتان وسبعون سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن عبادة (سمع رسول الله ﷺ يقول: ما من عبد يسجد) مخلصًا (لله سجدةً .. إلا كتب الله له بها) أي: بتلك السجدة
стр. 3918
حَسَنَةً، وَمَحَا عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةً؛ فَاسْتَكْثِرُوا مِنَ السُّجُودِ".
===
(حسنةً، ومحا عنه بها) أي: بتلك السجدة (سيئة) أي: خطيئة، (ورفع له بها) أي بتلك السجدة (درجة) أي: منزلة عنده، (فاستكثروا) أيها المسلمون (من السجود) بكثرة الصلاة النوافل.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه مسلم والترمذي والنسائي من حديث ثوبان، كما ذكره المؤلف قبل هذا الحديث، وقال أبو عيسى فيه: حديث حسن صحيح، والدارمي وأحمد بن حنبل وابن أبي شيبة في "مصنفه".
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 3919
(٥٢) - (٤٠٤) - بَابُ مَا جَاءَ فِي أَوَّلِ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الصَّلَاةُ
(١٦٨) - ١٣٩٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ حَكِيمٍ الضَّبِّيِّ قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ:
===
(٥٢) - (٤٠٤) - (باب ما جاء في أول ما يحاسب به العبد الصلاة)
(١٦٨) - ١٣٩٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار) العبدي البصري بندار.
(قالا: حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سفيان بن حسين) بن حسن أبي محمد الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة، مات بالري مع المهدي، وقيل: في أول خلافة الرشيد. يروي عنه: (عم).
(عن علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي يُنسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أنس بن حكيم الضبي) البصري، مستور، من الثالثة. يروي عنه: (د ق).
(قال) أنس بن حكيم: (قال لي أبو هريرة) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو ضعيف.
стр. 3920
إِذَا أَتَيْتَ أَهْلَ مِصْرِكَ .. فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ؛ فَإِنْ أَتَمَّهَا وَإِلَّا .. قِيلَ: انْظُرُوا هَلْ لَهُ مِنْ تَطَوُّعٍ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ .. أُكْمِلَتِ الْفَرِيضَةُ مِنْ تَطَوُّعِهِ،
===
(إذا أتيت) وجئت (أهل مصرك) وبلدك ورجعت إليهم؛ يعني: البصرة؛ لأن أنس بن حكيم خاف من أمير البصرة زياد، وأتى المدينة فلقي أبا هريرة، كما في رواية أبي داوود .. (فأخبرهم أني) يعني: أبو هريرة نفسه (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أول ما يحاسب به) ويُناقش عليه (العبد المسلم) وتقييده بالمسلم لعله للاحتراز عن الكافر؛ فإنه يحاسب أولًا بالإيمان.
نعم؛ هذه الأولية في حقوق الله تعالى، فلا يشكل بما جاء أنه يبدأ بالدماء؛ فإن ذلك في المظالم وحقوق العباد، كما سيأتي انتهى "سندي".
(يوم القيامة .. الصلاة المكتوبة) أي: المفروضة؛ (فإن أتمها) أي: أتم المكتوبة بشرائطها وفرائضها وآدابها؛ أي: أدَّاها تامة صحيحة .. كُتبت له تامة، كما في رواية أبي داوود، (وإلا) أي: وإن لم يؤدها تامةً صحيحة بأن أداها ناقصة .. (قيل) للملائكة؛ أي: قال الله لملائكته: (انظروا) إلى أعمال عبدي (هل له) صلاة (من تطوع) ونفل؟ (فإن كان له تطوع) ونفل من صلاة .. (أكملت الفريضة) أي: أكمل ما نقص من الفريضة (من) ثواب (تطوعه) جبرًا للفريضة.
قال العراقي في "شرح الترمذي": هذا الذي ورد من إكمال ما ينقص العبد من الفريضة بما له من التطوع يحتمل أن يراد به ما انتقص من السنن والهيئات المشروعة المرغب فيها من الخشوع والأذكار والأدعية، وأنه يحصل له ثواب
стр. 3921
ثُمَّ يُفْعَلُ بِسَائِرِ الْأَعْمَالِ الْمَفْرُوضَةِ مِثْلُ ذَلِكَ".
===
ذلك في الفريضة، وإن لم يفعله في الفريضة، وإنما فعله في التطوع، ويحتمل أن يراد: ما ترك من الفرائض رأسًا فلم يصله، فيعوض عنه من التطوع، والله تعالى يقبل من التطوعات الصحيحة عوضًا عن الصلاة المفروضة، ولله أن يفعل ما شاء، فله الفضل والمنُّ، بل له أن يسامح وإن لم يصل شيئًا لا فريضةً ولا نفلًا. انتهى من "العون".
(ثم يفعل) بالبناء للمفعول (بسائر الأعمال المفروضة) كالصوم والزكاة (مثل ذلك) أي: مثل ما فعل في الصلاة؛ أي: إن انتقصت فريضة من سائر الأعمال .. تكمل من التطوع؛ فالزكاة مثل الصلاة إن انتقص منها شيئًا .. تكمل من التطوع، وفي رواية تميم الداري زيادة: (ثم الزكاة مثل ذلك، ثم تؤخذ الأعمال على حسب ذلك) كما في أبي داوود، قال في "المرقاة": أي: تؤخذ سائر الأعمال من الجنايات والسيئات على حسب ذلك من الطاعات والحسنات؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، وقال ابن الملك: أي: على حسب ذلك المثال المذكور؛ فمن كان عليه حق لأحد .. يؤخذ من عمله الصالح بقدر ذلك، ويدفع إلى صاحبه. انتهى، انتهى من "العون".
قال العراقي في "شرح الترمذي": لا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث الصحيح: إن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء، فحديث الباب محمول على حق الله تعالى، قال: وحديث الصحيح محمول على حقوق الآدميين فيما بينهم، فإن قيل: فأيهما يقدم: هل محاسبة العباد على حق الله تعالى أو محاسبتهم على حقوقهم؟ فالجواب: أن هذا أمر توقيفي، وظواهر الأحاديث دالة على أن الذي يقع أولًا المحاسبة على حقوق الله تعالى قبل حقوق العباد، كذا في "مرقاة الصعود". انتهى من "العون".
стр. 3922
(١٦٩) - ١٣٩٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ : "كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه".
ودرجته: أنه صحيح وإن كان سند المؤلف ضعيفًا؛ لأن له سندًا صحيحًا في رواية أبي داوود، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث تميم الداري ﵄، فقال:
(١٦٩) - ١٣٩٩ - (٢) (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) أبو جعفر السرخسي ثم النيسابوري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي أبو أيوب البصري، قاضي مكة، ثقة إمام حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين ومئتين (٢٢٤ هـ) وله ثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي أو التميمي مولاهم، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن داوود بن أبي هند) دينار بن عُذَافِر القُشيريُّ مولاهم أبي محمد المصري أو البصري، ثقة متقن كان يهم بأخرة، من الخامسة، مات سنة مئة وأربعين (١٤٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
стр. 3923
عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ح وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، أَنْبَأَنَا حُمَيْدٌ، عَنِ الْحَسَنِ،
===
(عن زرارة بن أوفى) العامري الحرشي - بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة - أبي حاجب البصري، ثقة عابد، من الثالثة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن تميم) بن أوس بن خارجة (الداري) نسبة إلى الدار بن هانئ من لخم، كان راهب عصره وعابد أهل فلسطين، أبي رقية الصحابي المشهور، أسلم سنة تسع، وسكن بيت المقدس بعدما قتل عثمان ﵁، مات سنة أربعين (٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ ح وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح) الزعفراني أبو علي البغدادي صاحب الشافعي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ)، أو قبلها بسنة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة عشرين ومئتين (٢٢٠ هـ)، قاله البخاري وأبو داوود ومطين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أنبأنا حميد) بن أبي الحميد الطويل، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه
стр. 3924
عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَدَاوُودُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .. صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ أَكْمَلَهَا .. كُتِبَتْ لَهُ نَافِلَةً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْمَلَهَا .. قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا، هَلْ تَجِدُونَ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَأَكْمِلُوا بِهَا مَا ضَيَّعَ مِنْ فَرِيضَتِهِ، ثُمَّ تُؤْخَذُ الْأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ".
===
فاضل، رأس أهل الثالثة، مات سنة (١١٠ هـ) عشر ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن رجل) مجهول لعله (عن أنس بن حكيم) الضبي، كما في السند السابق. (عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه رجلًا مجهولًا.
وقوله: (وداوود بن أبي هند) معطوف على حميد؛ أي: وحدثنا حماد عن داوود بن أبي هند (عن زرارة بن أوفى عن تميم الداري عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) النبي ﷺ : (أول ما يحاسب) ويناقش (به العبد يوم القيامة) من أعماله .. (صلاته) المفروضة هل أتمها أم نقصها؛ (فإن أكملها) أي: صلاها تامة كاملة .. (كتبت له نافلة) أي: كاملة مضاعفًا أجرها، (فإن لم يكن أكملها) بفرائضها وشرائطها .. (قال الله سبحانه لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي) في صحيفته (من تطوع) أي: نافلة، فإن وجدتم له صلاة تطوع عملها .. (فأكملوا بها) أي: بنافلته (ما ضيع) ونقص (من فريضته، ثم تؤخذ) وتقبل منه (الأعمال) أي: سائر الأعمال من الصيام والزكاة (على حسب ذلك) المذكور في الصلاة واعتباره؛ أي: إن انتقص فريضة من سائر
стр. 3925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الأعمال .. تكمل من التطوع، وقال ابن الملك: أي: تؤخذ على حسب ذلك المذكور في الطاعات، فمن كان عليه حق لأحد .. يؤخذ من عمله الصالح بقدر ذلك ويدفع إلى صاحبه. انتهى، كما مر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب قول النبي ﷺ : "كل صلاة لا يتمها صاحبها تتم من تطوعه"، والترمذي في كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة، والنسائي في كتاب الصلاة، باب المحاسبة على الصلاة، ومالك في "الموطأ"، والدارمي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم