الخطبَة
نحمدك ربنا يا من له الفضل والعطاء، ونشكرك يا من له الشكر والثناء؛ على ما وفقتنا به وشرفتنا من خدمة لأحاديث المصطفى سيدنا محمد ﷺ وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الهداة المهديين، آمين آمين يا رب العالمين.
أما بعد:
فلما فرغت من تسويد المجلد الأول بعون الله وتوفيقه .. شرعت بتسطير المجلد الثاني بعونه وتسهيله، راجيًا منه الإمداد لي من قطرات الفيوضات الربانية، وسحائب الجود الصمدانية، ووابل الإلهامات الإلهية، إنه الكريم الفتاح الحليم.
* * *
قال المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا به، آمين:
стр. 422
(١١) - (٦) - فَضْلُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ ﵁
(١) -١٢٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ
===
(١١) - (٦) - (فضل طلحة بن عبيد الله ﵁
قال (ط): هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن كعب بن تميم بن مرة بن كعب، وفي مرة يجتمع مع رسول الله ﷺ ، شهد المشاهد كلها إلا بدرًا؛ فإن رسول الله ﷺ كان بعثه وسعيد بن زيد يتجسسان على عير قريش، فلقيا رسول الله ﷺ منصرفه من بدر، فضرب لهما بسهميهما وأجريهما، فكانا كمن شهدها، وسماه رسول الله ﷺ يومئذ طلحة الخير، ويوم ذات العسرة بطلحة الفياض، ويوم حنين بطلحة الجود، وثبت يوم أحد مع رسول الله ﷺ ، ووقاه بيده فشلّت، وجرح يومئذ أربعة وعشرين جرحًا.
وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وقال ﷺ : "من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض .. فلينظر إلى طلحة"، وقال فيه أيضًا: "طلحة ممن قضى نحبه" أي: ممن وفى بنذره، وقتل يوم الجمل، ويقال: إن سهمًا أصابه في حلقه، فقال: باسم الله، وكان أمر الله قدرًا مقدورًا، ويقال: إن مروان قتله، ودفن بالبصرة، وهو ابن ستين سنة، ويقال: ابن اثنين وستين سنة، وقيل: أربع وستين سنة، رضي الله تعالى عنه ورحمه. انتهى.
* * *
(١) - ١٢٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
стр. 423
وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الصَّلْتُ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ طَلْحَةَ مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
===
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش - بمهملة ونون مفتوحتين ثم معجمة - (الأودي) ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
قال: (حدثنا الصلت) -بفتح أوله المهمل وسكون ثانيه آخره مثناة - ابن دينار (الأزدي) الهنائي -بضم الهاء - نسبة إلى هناءة؛ بطن من الأزد أبو شعيب المجنون، مشهور بكنيته، البصري.
قال أحمد: متروك الحديث، ترك الناس حديثه، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال عمرو بن علي: كثير الغلط متروك الحديث، وقال أبو داوود: ضعيف، وبالجملة: اتفقوا على ضعفه وتركه، وقال في "التقريب": متروك ناصبي، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا أبو نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة -بضم القاف وكسرها مع سكون الطاء فيهما - العبدي العوقي -بفتح المهملة والواو ثم قاف - البصري.
وثقه ابن معين والنسائي، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان ومئة (١٠٨ هـ) أو تسع ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم بصريان، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وحكم": الضعف؛ لأن فيه الصلت بن دينار، وهو متروك.
(أن طلحة) بن عبيد الله (مر على النبي ﷺ وهو جالس
стр. 424
فَقَالَ: "شَهِيدٌ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ".
(٢) - ١٢٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ،
===
مع القوم (فقال) النبي ﷺ : هذا المار علينا (شهيد يمشي على وجه الأرض) وظاهرها، وهذا من مجاز الأَوْل؛ أي: سيموت شهيدًا، وهذا معدود من معجزاته ﷺ ؛ فإنه استشهد في وقعة الجمل، كما هو معروف، قال القاري: يحتمل أن يكون إيماء إلى حصول الشهادة له في مآله الدالة على حسن خاتمته وكماله، وقيل: إنه ذاق ألم الموت في الله وهو حي، فهو لما ذاق من الشدائد في سبيل الله كأنه مات. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب منقبة طلحة بن عبيد الله، ولفظه: (من سره) أي أحبه وأعجبه وأفرحه (أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض .. فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الصلت بن دينار، وقد تكلم بعض أهل العلم في الصلت بن دينار وضعفه، كما قد عرفت، وأخرجه الحاكم أيضًا.
قلت: فهذا الحديث ضعيف (١)(٢٢)؛ لضعف سنده، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة ثانيًا بحديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، فقال:
(٢) - ١٢٤ - (٢) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع بن سليط بن إبراهيم العبدي أبو الأزهر النيسابوري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
стр. 425
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَحْيَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ
===
قال: (حدثنا عمرو بن عثمان) بن سيَّار - بسين مهملة وتحتية مشددة ثم راء مهملة - الكلابي مولاهم أبو عمر الرقي. روى عن: زهير بن معاوية، ويروي عنه: (ق)، وأبو الأزهر النيسابوري.
ضعيف، وقال النسائي والأزدي: متروك الحديث من كبار العاشرة، مات سنة عشرة أو تسع عشرة ومئتين. يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا زهير بن معاوية) بن حديج - بمهملتين وياء وجيم مصغرًا - ابن الرجيل - مصغرًا - ابن زهير بن خيثمة الجعفي أبو خيثمة الكوفي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة اثنتين أو ئلاث أو أربع وسبعين ومئة، وكان مولده سنة مئة. يروي عنه: (ع).
قال: (حدثني إسحاق بن يحيى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني.
روى عن: عمه موسى بن طلحة، ويروي عنه: زهير بن معاوية.
اتفقوا على ضعفه وتركه، وقال في "التقريب": ضعيف، من الخامسة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن) عمه (موسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي أبي عيسى المدني نزيل الكوفة، ثقة جليل، من الثانية، ويقال: إنه ولد في عهد النبي ﷺ ، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن معاوية بن أبي سفيان) صخر بن حرب بن أمية الأموي أبي عبد الرحمن الشامي، الخليفة، الصحابي الجليل أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات في رجب سنة ستين (٦٠ هـ)، وقد قارب الثمانين. يروي عنه: (ع)، له مئة وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على أربعة، وانفرد (خ) بأربعة عشر، و (م) بخمسة.
стр. 426
قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى طَلْحَةَ فَقَالَ: "هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ".
===
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، وواحد شامي، وواحد كوفي، وواحد رقي، وواحد نيسابوري، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويين ضعيفين: عمرو ابن عثمان، وإسحاق بن يحيى.
(قال) معاوية: (نظر النبي ﷺ إلى طلحة) بن عبيد الله التيمي، (فقال) النبي ﷺ : (هذا) الرجل (ممن قضى) ووفى (نحبه) أي: نذره وعزمه على أن يموت في سبيل الله تعالى أو يحارب أعداء الله تعالى أشد المحاربة، فقد مات أو حارب كما ترى، قيل: وكان في الصحابة من عزموا على ذلك، فطلحة ممن وفى بذلك. انتهى "سندي".
قال في "النهاية": النحب: النذر؛ كأنه ألزم نفسه أن يصدق أعداء الله في الحرب فوفى به، وقيل: النحب: الموت؛ كأنه ألزم نفسه أن يقاتل حتى يموت. انتهى.
وقال التوربشتي: النذر والنحب: المدة والوقت، ومنه قضى فلان نحبه إذا مات، وعلى المعنيين يحمل قوله سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ (١) فعلى النذر؛ أي؛ نذره فيما عاهد الله عليه من الصدق في مواطن القتال والنصرة لرسول الله ﷺ ، وعلى الموت؛ أي: في سبيل الله؛ وذلك أنهم عاهدوا الله أن يبذلوا نفوسهم في سبيله، فأخبر أن طلحة ممن وفى بنفسه، أو ممن ذاق الموت في سبيله وإن كان حيًّا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة الأحزاب، وفي كتاب المناقب، باب مناقب طلحة بن عبيد الله،
стр. 427
(٣) - ١٢٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "طَلْحَةُ مِمَنْ قَضَى نَحْبَهُ".
===
وقال: هذا الحديث غريب لا نعرفه من حديث معاوية إلا من هذا الوجه.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٢)(٢٣)؛ لضعف سنده كما علمت آنفًا، وغرضه: الاستئناس به أيضًا.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁، فقال:
(٣) - ١٢٥ - (٣) (حدثنا أحمد بن سنان) - بنونين - ابن أسد بن حبان - بكسر المهملة ثم الموحدة - القطان أبو جعفر الواسطي.
وقال أبو حاتم: ثقة، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ) وقيل قبلها. روى عنه: (خ م د س ق).
قال: (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (أنبأنا إسحاق) بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني.
(عن) عمه (موسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي المدني.
(قال) موسى بن طلحة: (كنا عند معاوية) بن أبي سفيان ﵁، (فقال) معاوية: (أشهد) بالله وأقسم به والله (لسمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه") ووفى نذره.
стр. 428
(٤) - ١٢٦ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ
===
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، واثنان واسطيان، وواحد شامي، وحكمه: الضعف؛ لأن في سنده إسحاق بن يحيى وهو ضعيف متروك، وغرضه بسوقه: بيان متابعة يزيد بن هارون لزهير بن معاوية في رواية هذا الحديث عن إسحاق بن يحيى.
ودرجه الحديث: أنه ضعيف (٣)(٢٤)، وكرر متن الحديث؛ لما في هذا الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بأثر قيس بن أبي حازم، فقال:
(٤) -١٢٦ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا وكيع) ابن الجراح الكوفي.
(عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي أبي عبد الله الكوفي، واسم أبي خالد: سعد، ويقال: هرمز، ويقال: كثير، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قيس) بن أبي حازم البجلي أبي عبد الله الكوفي، واسم أبي حازم عوف بن عبد الحارث بن عوف، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) قيس بن أبي حازم: (رأيت يد طلحة) بن عبيد الله (شلاء)
стр. 429
وَقَى بِهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ.
===
- بتشديد اللام ممدودة - من الشلل؛ وهو: نقص في الكف وبطلان عملها؛ أي: يابسة لا تعمل؛ لأنه (وقى) من باب رمى من الوقاية؛ أي: حفظ (بها رسول الله ﷺ يوم) غزوة (أحد) من ضربات الكفار ورمياتهم حين أراد بعض المشركين أن يضربه؛ أي: جعل يده وقاية وسترًا لرسول الله ﷺ ، بل قد جعل نفسه وقاية له ﷺ ، وكان يقول: عقرت يومئذ في سائر جسدي حتى عقرت في ذكري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الأثر: البخاري؛ أخرجه في كتاب المغازي، وفي كتاب المناقب أيضًا، باب ذكر طلحة بن عبيد الله.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
وإنما قدم حديث جابر وحديث معاوية عليه مع ضعفهما؛ لأنهما حديثان مرفوعان وإن كانا ضعيفين، وهذا الأثر موقوف على قيس بن أبي حازم.
* * *
وجملة ما ذكره في فضل طلحة ﵁: أربعة أحاديث:
الأول والثاني للاستئناس، والثالث للمتابعة، والرابع للاستدلال.
والله أعلم
стр. 430
(١١) - (٧) - فَضْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁
(٥) -١٢٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ،
===
(١١) - (٧) - (فضل سعد بن أبي وقاص ﵁
اسم أبي وقاص: مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، يكنى أبا إسحاق، أسلم قديمًا وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال: مكثت ثلاثة أيام وأنا ثالث الإسلام، وقال: أنا أول من رمى سهمًا في سبيل الله، وشهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، ونال الولاية العظيمة من قبل عمر وعثمان، وهو أحد أصحاب الشورى، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
وتوفي في قصره بالعقيق، على عشرة أيام من المدينة، وصلى عليه مروان، وهو إذ ذلك والي المدينة، وأدخلت جنازته المسجد، وصلى عليه أزواج النبي ﷺ وهن في حجرهن، ودفن في جبة صوف لقي المشركين فيها يوم بدر، وأوصى أن يكفن فيها، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ) وهو ابن بضع وسبعين سنة، ويقال: ابن اثنتين وثمانين سنة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، روي له من الحديث مئتان وسبعون حديثًا.
* * *
(٥) - ١٢٧ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
قال: (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري.
(حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري.
(عن سعد بن إبراهيم) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني.
(عن عبد الله بن شداد) بن الهاد الليثي المدني، من كبار التابعين الثقات.
стр. 431
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ؛ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: "ارْمِ سَعْدُ؛ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي".
===
(عن علي) بن أبي طالب ﵁.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وثلاثة بصريون، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) علي بن أبي طالب: (ما رأيت رسول الله ﷺ ولا سمعته (جمع أبويه) في الفداء (لأحد) من الناس (غير سعد بن) أبي وقاص (مالك) بن وهيب؛ (فإنه) ﷺ (قال له) أي: لسعد بن مالك (يوم) غزوة (أحد: ارم) يا (سعد) بتقدير حرف النداء، أمر من رمى يرمي مبني على حذف حرف العلة، (فداك) بالقصر خبر مقدم، أي: فداؤك من كل مكروه وبلية (أبي وأمي) مبتدأ مؤخر، ولا يلزم من قوله: ما رأيت ... إلى آخره .. أنه ما جمع لغيره، فلا ينافي ما تقدم من جمعه للزبير فيما تقدم؛ لأنه إنما نفى سماعه لا جمعه ﷺ أبويه لغيره، والله أعلم.
وقال القاضي عياض: ذلك بمبلغ علمه، وقد جاء أنه قال ذلك للزبير وغيره، قال المازري: كره بعضهم التفدية بالمسلم، والصحيح الجواز؛ لأنه ليس فيها حقيقة تفدية، وإنما هو كلام بر. انتهى "أبي".
قال القاضي: هذا الحديث حجة من أجاز التفدية، وكرهها عمر والحسن، ولا حجة فيه من حيث إنه يفدي بمسلم؛ فإن عائشة فدت بأبويها، وهما مسلمان. انتهى.
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في مواضع؛ في الجهاد والأدب والمغازي، ومسلم؛ أخرجه في الفضائل، والترمذي؛ أخرجه في المناقب، مناقب سعد بن أبي وقاص، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 432
(٦) - ١٢٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ح وَحَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَإسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ،
===
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث على بحديث سعد بن أبي وقاص ﵄، فقال:
(٦) - ١٢٨ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر بن المحرر بن سالم التجيبي -بضم التاء - مولاهم أبو عبد الله المصري. قال النسائي: ما أخطأ في حديث واحد قط، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
قال: (أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا حاتم بن إسماعيل) الحارثي مولاهم أبو إسماعيل المدني.
قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا، وفي "التقريب": صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة. يروي عنه: (ع).
(وإسماعيل بن عياش) الحمصي العنسي - بالنون - صدوق عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة. يروي عنه: (عم)، وفائدة المقارنة تقوية السند.
стр. 433
عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: لَقَدْ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَبَوَيْهِ فَقَالَ: "ارْمِ سَعْدُ؛ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي".
===
(عن يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني.
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي أبي محمد المدني، أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(قال) سعيد: (سمعت سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني الصحابي الجليل ﵁.
وهذان السندان من خماسياته؛ رجال الأول منهما: ثلاثة مدنيون، واثنان مصريان، والثاني: ثلاثة مد نيون، واثنان دمشقيان، أو أربعة مدنيون، وواحد دمشقي، وحكمهما: الصحة.
حالة كونه (يقول): والله؛ (لقد جمع لي رسول الله ﷺ يوم أحد) في التفدية (أبويه) تكرمة لي، (فقال) في جمعهما لي: (ارم) يا (سعد؛ فداك) أي: فداؤك عن كل مكروه (أبي وأمي).
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، وفي المغازي، ومسلم؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، والترمذي؛ في كتاب المناقب.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث علي بحديث آخر لسعد بن أبي وقاص ﵄، فقال:
стр. 434
(٧) - ١٢٩ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ وَخَالِي يَعْلَى وَوَكِيعٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: إِنِّي لَأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ.
===
(٧) - ١٢٩ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (٢٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(وخالي يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الإيادي، مولاهم أبو يوسف الطنافسي الكوفي. روى عن: إسماعيل بن أبي خالد، ويروي عنه: ابن أخته علي بن محمد، (ق). قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ضعيف في سفيان، ثقة في غيره، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين. يروي عنه: (ع).
(ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
(عن إسماعيل) بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قيس) بن أبي حازم البجلي الأحمسي أبي عبد الله الكوفي، ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(قال) قيس بن أبي حازم: (سمعت سعد بن أبي وقاص) ﵁ حالة كونه (يقول: إني لأول العرب) قال الطيبي: واللام في (العرب) للجنس لا تفيد التعريف، وقوله: (رمى) بالبناء للفاعل (بسهم في سبيل الله) صفة للعرب، فهو كقوله:
стр. 435
(٨) - ١٣٥ - (٤) حَدَّثَنَا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ،
===
ولقد أمر على اللئيم يسبني ... ......................
انتهى.
والكلام في العرب الموجودين في ذلك الوقت، فلا يرد أنه من أين علم ذلك مع جواز أن يكون فيمن سبق من رمى به في سبيل الله؟ ويحتمل أنه علم بالسماع منه ﷺ ، قيل: إنه كان في أول سرية في الإسلام في ستين من المهاجرين أميرهم عبيدة بن الحارث، عقد له النبي ﷺ لواء - وهو أول لواء عقد - لقتال أبي سفيان بن حرب والمشركين، فلم يقع بينهم قتال، غير أن سعدًا رمى إليهم بسهمه، فكان أول سهم رمي في الإسلام، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة، أول حرب وقعت بين المسلمين والمشركين. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، وفي كتاب الأطعمة، وفي كتاب الرقاق، ومسلم؛ أخرجه في كتاب الزهد، باب الدنيا سجن المؤمن، والترمذي؛ في كتاب الزهد، باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي ﷺ .
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث علي بحديث آخر لسعد ﵄، فقال:
(٨) - ١٣٠ - (٤) (حدثنا مسروق بن المرزبان) -بفتح الميم وسكون الراء وضم الزاي وفتح الباء بعدها ألف ثم نون - ابن مسروق بن معدان الكندي أبو سعيد بن أبي النعمان الكوفي. روى عن: يحيى بن أبي زائدة، وأبي الأحوص،
стр. 436
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الْإِسْلَامِ.
===
وحفص بن غياث، ويروي عنه: (ق)، وأبو زرعة، وابن أبي عاصم، وغيرهم.
قال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا يحيى) بن زكرياء (بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي مولاهم أبو سعيد الكوفي.
وثقه العجلي والنسائي، وقال ابن معين: لا أعلمه أخطأ إلا في حديث واصل، وقال في "التقريب": ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هاشم بن هاشم) بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة، من السادسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(قال: سمعت سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي أبا محمد المدني الأعور سيد التابعين، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
حالة كونه (يقول: قال سعد بن أبي وقاص) ﵁: (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه).
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون واثنان كوفيان، وحكمه: الصحة، وقول سعد ذلك بحسب ما علمه، وإلا .. فقد أسلم قبله غيره.
(ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام) وهذا محمول على الأحرار
стр. 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
البالغين؛ لتخرج خديجة وعلي، أو قاله بحسب ما اطلع عليه؛ لأن من أسلم إذ ذلك كان يخفي إسلامه، وقال ابن عبد البر: إنه أسلم قديمًا بعد ستة هو سابعهم وهو ابن سبع عشرة سنة، قبل أن تفرض الصلاة على يد أبي بكر الصديق ﵄. انتهى "قسطلاني".
قوله: (وإني لثلث الإسلام) -بضمتين أو سكون الثاني - وذلك بحسب ما اطلع عليه، قال ابن حجر: والسبب فيه أن من كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه، ولعله أراد بالاثنين الآخرين أبا بكر وخديجة، قيل: والصواب أن المراد ثلث الرجال الأحرار، وما في "الاستيعاب" أنه أسلم وهو سابع سبعة .. فالمراد به سبعة أشخاص، وقوله: (ولقد مكثت سبعة أيام ... ) إلى آخره يريد أنه بقي بعد الإسلام سبعة أيام على هذه، ثم أسلم من أسلم. انتهى "سندي".
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب سعد بن أبي وقاص، وأخرجه أيضًا في كتاب مناقب الأنصار. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والباقي للاستشهاد، وكلها صحيحة.
والله أعلم
стр. 438
(١١) - (٨) - فَضائِلُ الْعَشَرَةِ ﵃
(٩) - ١٣١ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْمُثَنَّى أَبُو الْمُثَنَّى النَّخَعِيُّ، عَنْ جَدِّهِ رِيَاحِ بْنِ الْحَارِثِ،
===
(١١) - (٨) - (فضائل العشرة ﵃
المذكور منهم في هذه الترجمة تسعة، ومراد المصنف بفضائل العشرة: غالبهم ومعظمهم.
* * *
(٩) - ١٣١ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي.
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل أبو عمرو الكوفي.
وثقه ابن معين وأبو حاتم، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل: سنة إحدى وتسعين. يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا صدقة بن المثنى) بن رياح - بكسر الراء المهملة ثم التحتانية آخره حاء مهملة - ابن الحارث (أبو المثنى النخعي) الكوفي. روى عن: جده، ويروي عنه: عيسى بن يونس.
قال الاجري عن أبي داوود: ثقة، وقال أحمد: شيخ صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووثقه العجلي، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن جده رياح بن الحارث) النخعي أبي المثنى الكوفي، قيل: إنه حج مع عمر. روى عن: ابن مسعود، وعلي، وسعيد بن زيد، وعمار بن ياسر، ويروي عنه: ابنه جرير، وحفيده صدقة ابن المثنى، و (د س ق).
стр. 439
سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَاشِرَ عَشَرَةٍ فَقَالَ: "أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدٌ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي الْجَنَّةِ"، فَقِيلَ لَهُ مَنِ التَّاسِعُ؟
===
ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال في "التقريب": ثقة، من الثانية.
(سمع) رياح بن الحارث (سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل) العدوي المدني أبا الأعور ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، والمهاجرين الأولين، شهد المشاهد كلها بعد بدر، له ثمانية وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديثين، وانفرد البخاري بآخر، قال الواقدي: توفي بالعقيق فحمل إلى المدينة، فدفن بها سنة خمسين (٥٠ هـ) أو بعدها بسنة أو سنتين، وكان يوم مات ابن بضع وسبعين سنة، وكان رجلًا طوالًا آدم أشعر.
وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد دمشقي، وحكمه: الصحة.
أي: سمع رياح بن الحارث سعيد بن زيد، حالة كون سعيد (يقول: كان رسول الله ﷺ عاشر عشرة) يدخلون الجنة؛ أي: جاعل تسعة عشرة، فمن سواه تسعة وهو ﷺ العاشر، كما هو القاعدة في فاعل صيغ من اسم العدد وأضيف إلى عدده، (فقال) سعيد بن زيد: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وسعد) بن أبي وقاص (في الجنة، وعبد الرحمن) بن عوف (في الجنة، فقيل له) أي: لسعيد بن زيد: (من التاسع؟ ) أي: من الجاعل لهؤلاء الثمانية تسعة مفهومة من قولك
стр. 440
قَالَ: أَنَا.
(١٠) - ١٣٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ،
===
عاشر عشرة؟ (قال) سعيد بن زيد راوي الحديث: (أنا) التاسع، والنبي ﷺ هو العاشر من العشرة الذين يدخلون الجنة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في الخلفاء.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث سعيد بن زيد ﵁، فقال:
(١٠) - ١٣٢ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقيل: هو إبراهيم السلمي مولاهم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج البصري.
(عن حصين) بن عبد الرحمن السلمي أبي الهذيل الكوفي، ثقة تغير حفظه في الآخر، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هلال بن يساف) - بكسر التحتانية ثم مهملة ثم فاء - الأشجعي مولاهم أبي الحسن الكوفي، من الثالثة.
стр. 441
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ ظَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "اثْبُتْ حِرَاءُ؛ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ"،
===
وثقه ابن معين، وقال العجلي: تابعي كوفي، ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن ظالم) - بكسر اللام - التميمي المازني الكوفي. روى عن: سعيد بن زيد حديث عشرة في الجنة، ويروي عنه: (عم)، وهلال بن يساف.
وثقه العجلي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العقيلي: عبد الله بن ظالم عن سعيد بن زيد كوفي لا يصح حديثه، وكذا ذكره ابن عبدي عن البخاري، وقال في "التقريب": صدوق لينه البخاري، من الثالثة. (عم).
(عن سعيد بن زيد) العدوي أبي الأعور المدني ﵁، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، وثلاثة كوفيون، وواحد مدني، وحكمه: الحسن؛ لأن عبد الله بن ظالم مختلف فيه، وغرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة عبد الله بن ظالم لرياح بن الحارث في رواية هذا الحديث عن سعيد بن زيد.
(قال) سعيد بن زيد: (أشهد على رسول الله ﷺ أني سمعته) ﷺ (يقول) وهو على حراء، فتحرك بهم: (اثبت) أي: اسكت ولا تتحرك يا (حراء؛ فما عليك) أي: ليس عليك (إلا نبي أو صديق أو شهيد) أراد به الجنس؛ فإن المذكورين بعد الصديق كلهم شهداء، و (أو) لمنع الخلو، وقيل: بمعنى الواو، واستشكل بسعد بن أبي وقاص؛ لأنه غير مقتول، فقد ذكر في "جامع الأصول" أنه مات في قصره بالعقيق قريبًا من
стр. 442
وَعَدَّهُمْ: رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ، وَسَعْدٌ، وَابْنُ عَوْفٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ.
===
المدينة، ودفن بالبقيع، اللهم إلا أن يدخل في الصديق، واسم الصديق وإن غلب على أبي بكر ﵁، لكن مفهومه غير منحصر فيه، وقد سبق ما جاء من علي: أنا الصديق الأكبر، وقد روي ذلك مرفوعًا أيضًا فيما رواه الطبراني من حديث حذيفة، كما رواه العقيلي في "الضعفاء"، وابن عدي في "الكامل" في مناقب علي، أن النبي ﷺ قال: "هذا أول من آمن، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر ... " الحديث، أو المراد بالشهيد: من له ثواب الشهداء؛ كالمبطون وأمثاله.
(وعدهم) أي: عد سعيد بن زيد أولئك الذين كانوا على الجبل، فقال: هم (رسول الله ﷺ ، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وابن عوف، وسعيد بن زيد).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث بهذا السند: أبو داوود والترمذي، ولفظه مع شرحه: (عن سعيد بن زيد أنه قال: أشهد على التسعة أنهم في الجنة، ولو شهدت على العاشر .. لم آثم) -بفتح المثلثة - مضارع مسند إلى المتكلم؛ أي: لم أقع في الإثم (قيل) لسعيد: (وكيف ذلك؟ قال) سعيد: (كنا مع رسول الله ﷺ بحراء) بوزن كتاب، أو بوزن علي، عن عياض يؤنث ويمنع؛ جبل بمكة فيه غار تحنث فيه النبي ﷺ ، (فقال رسول الله ﷺ لما تحرك الجبل بنا هيبة من النبي ﷺ ومعجزة له: (اثبت) يا (حراء) ولا تتحرك؛ (فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، قيل) لسعيد بن زيد: (ومن هم؟ ) أي: من أولئك الذين كانوا مع النبي ﷺ على حراء؟ (قال) سعيد بن
стр. 443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زيد: أحدهم (رسول الله ﷺ ، و) ثانيهم (أبو بكر، و) ثالثهم (عمر، و) رابعهم (عثمان، و) خامسهم (على، و) سادسهم (طلحة، و) سابعهم (الزبير، و) ثامنهم (سعد، و) تاسعهم (عبد الرحمن بن عوف، قيل) لسعيد بن زيد: (فمن) هو (العاشر؟ قال) سعيد: العاشر (أنا)، ثم قال الترمذي: (هذا الحديث حسن صحيح).
وأخرجه أحمد وأبو داوود والنسائي وابن ماجه، وأخرجه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة في مناقب عثمان، وأخرجه مسلم والنسائي أيضًا من حديثه. انتهى من "الترمذي" مع شرحه "تحفة الأحوذي".
فدرجه الحديث: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: بيان المتابعة.
وكرر متن الحديث؛ لما بين الروايتين من المخالفة.
* * *
وجملة ما ذكره في فضائل العشرة ﵃: حديثان:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 444
(١١) - (٩) - فَضْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁
(١١) -١٣٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا،
===
(١١) - (٩) - (فضل أبي عبيدة ابن الجراح ﵁
أبو عبيدة - مصغرًا - هو: عامر بن عبد الله بن الجراح - على زنة فعال ﵁ بن هلال بن أمية بن عتبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وفي فهر يجتمع مع رسول الله ﷺ ، وفهر هو من قريش، ومنه تقرشت قريش على الصحيح، لا من النضر بن كنانة المذكور، وإلى فهر تجتمع بطون قريش كلها، ومن لم يكن من ولد فهر .. فليس بقرشي، وبطون قريش خمسة وعشرون، وهو أمين الأمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وقد شهد المشاهد كلها، توفي سنة ثماني عشرة (١٨ هـ).
* * *
(١١) -١٣٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الدمشقي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي.
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي.
(ح وحدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
قال: (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري.
قال: (حدثنا شعبة) بن الحجاج البصري.
(جميعًا) حال من سفيان وشعبة؛ أي: حالة كونهما مجتمعين في
стр. 445
عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَهْلِ نَجْرَانَ: "سَأَبْعَثُ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"،
===
الرواية (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي.
(عن صلة بن زفر) - بكسر الصاد وتخفيف اللام وضم الزاي وفتح الفاء - العبسي بموحدة أبي العلاء الكوفي. روى عن: حذيفة بن اليمان. ويروى عنه: أبو إسحاق السبيعي.
قال ابن خراش: كوفي، ثقة، وقال الخطيب: كان ثقة، وقال شعبة: قلب صلة من ذهب؛ يعني: أنه منور كالذهب، والقلب -بفتح القاف وسكون اللام والموحدة - معروف؛ وهو عضو صنوبري الشكل في الجانب الأيسر من الصدر، وهو أهم أعضاء الحركة الدموية "تحفة"، وقال في "التقريب": ثقة تابعي، من الثانية، مات في حدود السبعين (٧٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي حليف الأنصار أبي عبد الله الكوفي الصحابي الجليل ﵁.
وهذان السندان من سداسياته؛ الأول منهما رجاله: خمسة منهم كوفيون وواحد دمشقي، والثاني منهما: ثلاثة كوفيون وثلاثة بصريون، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما كلهم ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال لأهل نجران) بلدة معروفة في اليمن، سميت باسم نجران ابن هود ﵇؛ لأنه أول من نزلها، وهم العاقب والسيد؛ فالعاقب اسمه عبد المسيح، والسيد اسمه الأيهم - بسكون الياء التحتانية - وأبو الحارث بن علقمة، حين جاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: ابعث لنا أمينًا حق أمين.
(سأبعث معكم رجلًا أمينًا) أي: رجلًا ثقة مرضيًا (حق أمين) أي: كامل
стр. 446
قَالَ: فَتَشَرَّفَ لَهَا النَّاسُ، فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ ابْنَ الْجَرَّاحِ.
===
الأمانة أو مستحقًا لأن يقال له: أمين، أو بلغ في الأمانة الغاية القصوى، قال القرطبي: الأمانة: ضد الخيانة؛ وهي قوة الرجل على القيام بحفظ ما وكل إلى حفظه؛ مأخوذة من قولهم: ناقة أمون؛ أي: قوية على الحمل. انتهى.
قيل: الأمانة كانت صفة مشتركة بين أبي عبيدة وبين غيره من الصحابة، لكن النبي ﷺ خص بعضهم بصفات غلبت عليه، وكان بها أخص، وقيل: خصه بالأمانة لكمال هذه الصفة فيه. انتهى "سندي".
(قال: فتشرف) أي: تطلع (لها) أي: للولاية ورغبوا فيها حرصًا على تحصيل هذه الصفة المذكورة وهي الأمانة، لا على الولاية من حيث هي، وفي نسخة: (فتشرف له) أي: للبعث (الناس، فبعث أبا عبيدة بن الجراح).
قال النواوي: أصحابه ﷺ فضلاء مختارون لمختار، وإنما أخبر عن كل واحد بما هو الأغلب فيه؛ ففي "الترمذي" من حديث أنس ﵁: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياءً عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضهم زيد، وأقرؤهم أُبي، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة".
ولما دخل عمر الشام يتفقد أحوال الناس أراد أن يدخل منزل أبي عبيدة، وهو أمير الشام حينئذ، قال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين؛ لئن دخلت لتعصرن عينيك، فدخله فلم ير فيه ما يقع عليه البصر أكثر من سلاحه وأداة رحل بعيره، فبكى عمر، وقال: صدق رسول الله ﷺ ؛ أنت أمين هذه الأمة، وفي طريق: أنه لما دخل عمر منزله ووجد فيه ما ذكر، وجد فراشه طنفسة رحله، ومتوسده حقيبة، فقال عمر: ألا اتخذت ما اتخذ أصحابك؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ هذا يبلغني المقيل، وقَتَل أباه يوم بدر، وأتى برأسه إلى
стр. 447
(١٢) - ١٣٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
===
رسول الله ﷺ ، وفيه نزل: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... ﴾ الآية (١). انتهى من "الأبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح، وفي المغازي، وفي كتاب أخبار الآحاد، ومسلم؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، والترمذي؛ أخرجه في باب مناقب أبي عبيدة، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
فحينئذ درجته: الصحة، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث حذيفة بحديث عبد الله بن مسعود ﵄، فقال:
(١٢) - ١٣٤ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي، مولاهم أبو زكرياء الكوفي، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبو يوسف الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة، وقيل: إحدى وستين، وقيل: اثنتين وستين (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) جده (أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله، ثقة، من الثالثة،
стр. 448
عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ: "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ".
===
مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن صلة بن زفر) العبسي الكوفي، ثقة، من الثانية، مات في حدود السبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي ﵁.
وهذا السند من سداسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال لأبي عبيدة بن الجراح: "هذا أمين هذه الأمة") المحمدية الحنيفية، قال الحافظ: صفة الأمانة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر بأن له مزيدًا في ذلك، لكن خص النبي ﷺ كل واحد من الكبار بفضيلة، ووصفه بها بقدر زائد فيها على غيره؛ كالحياء لعثمان، والقضاء لعلي، ونحو ذلك.
وهذا الحديث انفرد به المؤلف، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في فضل أبي عبيدة ﵁ إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، وكلاهما صحيحان.
والله أعلم
стр. 449
(١١) - (١٠) - فَضْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁
(١٣) - ١٣٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
(١١) - (١٠) - (فضل عبد الله بن مسعود ﵁
هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عبد الهذلية، وكان سبب إسلامه أنه كان يرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمر به رسول الله ﷺ ، فقال: "يا غلام؛ هل من لبن؟ " قال: نعم، ولكني مؤتمن، فقال: "هل من شاة حائل لم ينز عليها فحل؟ " فأتيته بشاة شوص، فمسح ضرعها فنزل اللبن، فحلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: "اقلص" فقلص، قلت: يا رسول الله؛ علمني من هذا القول، فقال له: "رحمك الله؛ إنك غُلَيِّمٌ معلم"، فأسلَم، فضمه رسول الله ﷺ إليه، فكان يلج عليه، ويلبسه نعله ويمشي معه وأمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، فقال له: "إذنك على أن يُرفع الحجاب، وأن تسمع سوادي حتى أنهاك".
وهاجر إلى الحبشة مرتين، ثم من مكة إلى المدينة، وصلى إلى القبلتين، وشهد المشاهد كلها، وكان يشبه في هديه وسمته رسول الله ﷺ ، وشهد له بالجنة، وشهد له كثير من الصحابة أنه أعلمهم بكتاب الله تعالى قراءةً وعلمًا، وفضائله كثيرة، توفي بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، ودفن بالبقيع، وصلى عليه عثمان، وقيل: عمار، وقيل: الزبير ليلًا بوصية منه، ولم يعلم عثمان فعاتبه، روى من الحديث ثمان مئة وأربعين حديثًا، منها في "الصحيحين" مئة وعشرون حديثًا ﵁ وأرضاه.
* * *
(١٣) - ١٣٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
стр. 450
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أَحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشْوَرَةٍ .. لَاسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ".
===
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.
(عن أبي إسحاق) السبيعي الكوفي عمرو بن عبد الله.
(عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني الحوثي -بضم الحاء- بطن من همدان، أبي زهير الكوفي. روى عن: على، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، ويروي عنه: (عم)، وأبو إسحاق السبيعي، والشعبي.
وقال مسلم في مقدمة "صحيحه" عن الشعبي: حدثني الحارث الأعور وكان كذابًا، وقد وثقه ابن معين والنسائي وأحمد بن صالح وابن أبي داوود وغيرهم، وتكلم فيه الثوري وابن المديني وأبو زرعة وابن عبدي والدارقطني وابن سعد وأبو حاتم وغيرهم، والجمهور على توهينه مع رواياتهم لحديثه في الأبواب، وفي "التقريب": في حديثه ضعف، مات في خلافة ابن الزبير سنة خمس وستين (٦٥ هـ).
(عن علي) بن أبي طالب ﵁.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله كلهم كوفيون إلا عليًّا؛ فإنه مدني، وحكمه: الحسن، لأن فيه راويًا مختلفًا فيه، وهو الحارث الأعور.
(قال) علي: (قال رسول الله ﷺ : لو كنت مستخلفًا) أي: جاعلًا (أحدًا) خليفة أو أميرًا (عن غير مشورة) أي: مشاورة .. (لاستخلفت ابن أم عبد) وقوله: (من غير مشورة) -بفتح فسكون ففتح- وفي "الجامع الصغير": "لو كنت مؤمرًا على أمتي أحدًا من غير مشورة منهم .. لأمرت عليهم ابن أم عبد" قال التوربشتي: ومن أي وجه روي هذا الحديث، فلا بد أن يؤول
стр. 451
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على أنه ﷺ أراد به تأميره على جيش بعينه، أو استخلافة في أمر من أموره حال حياته، ولا يجوز أن يحمل على غير ذلك؛ فإنه وإن كان من العلم والعمل بمكان، وله الفضائل الجمة والسوابق الجلة؛ فإنه لم يكن من قريش، وقد نص رسول الله ﷺ على أن هذا الأمر في قريش، فلا يصح حمله إلا على الوجه الذي ذكرناه. انتهى "تحفة".
قوله: "لاستخلفت" أي: لجعلت خليفة "ابن أم عبد" وهو عبد الله بن مسعود، وكانت أمه تكنى أم عبد.
قلت: يحتمل أن يكون هذا قبل التنصيص على أن هذا الأمر في قريش، على أن سوق الحديث لإفادة أن ما يحتاج إلى المشورة مما يتوقف عليه أمر الاستخلاف من الكمالات كلها موجودة في ابن مسعود وجودًا بيّنًا بحيث لا حاجة في استخلافه إلى شهرة معرفة تلك الكمالات، وهذا لا ينافي عدم صحة استخلافه؛ لعدم كونه من قريش، فليتأمل. انتهى "سندي".
وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب مناقب عبد الله ابن مسعود ﵁، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث الحارث عن علي، وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم، والحارث فيه ضعف، كما مر.
قلت: وهذا الحديث درجته: أنه حسن؛ لأن الحارث مختلف في ضعفه، فيحمل تضعيف من ضعفه على التشيع والرفض؛ لأن الجرح لا يقبل إلا بسبب مبين، والتشيع وكذا سائر البدع لا يثبت به الجرح، وغرضه: الاستدلال به.
стр. 452
(١٤) - ١٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث علي بحديث أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، فقال
(١٤) -١٣٦ - (٢) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني المكي، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم أبو زكرياء الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو بكر) محمد (بن عياش) بن سالم الأسدي الكوفي الحناط - بمهملة - المقرئ أحد الأعلام، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، وقيل: غير ذلك، والصحيح أن اسمه كنيته، قال أحمد: ثقة ربما غلط، وقال في "التقريب": ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) ابن بهدلة اسم أمه، وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم أبي بكر الكوفي، المقرئ صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زر) بن حبيش - مصغرًا - ابن حباشة الأسدي أبي مريم الكوفي، ثقة مخضرم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) وهو ابن مئة وسبع وعشرين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي ﵁.
стр. 453
أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ بَشَّرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ .. فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ".
(١٥) - ١٣٧ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ،
===
(أن أبا بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته؛ رجاله خمسة منهم كوفيون، وواحد مدني، وواحد مكي، وحكمه: الصحة.
(بشراه أن رسول الله ﷺ قال: من أحب أن يقرأ القرآن غضًا) أي: طريًا جديدأ لم يتغير (كما أنزل) أي: كائنًا على هيئته التي أنزل عليها .. (فليقرأه على قراءة ابن أم عبد) أي: على طريقته في القراءة وهيئاته فيها، وقيل: أراد خصوص الآيات التي سمعها منه رسول الله ﷺ من أول (سورة النساء) إلى قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (١).
وهذا الحديث مما انفرد ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لكون رجاله ثقات، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث علي بحديث عبد الله ﵄، فقال:
(١٥) - ١٣٧ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
قال: (حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي أبو محمد الكوفي.
وثقه ابن معين في كل شيء، وقال في "التقريب": ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 454
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذْنُكَ عَلَيَّ أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ،
===
(عن الحسن بن عبيد الله) بن عروة النخعي أبي عروة الكوفي، ثقة فاضل، من السادسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ)، وقيل بعدها بثلاث. يروي عنه: (م عم).
(عن إبراهيم بن سويد) النخعي الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي الكوفي.
قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وقال الدارقطني: هو أخو الأسود، وابن أخي علقمة، وكلهم ثقات، وقال في "التقريب": ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) في الجماجم. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي ﵁.
وهذا السند من سداسياته، ومن ألطف لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة.
(قال) عبد الله: (قال لي رسول الله ﷺ : إذنك) - بكسر الهمزة وسكون الذال - مصدر مضاف إلى مفعول، و (على) متعلق بمحذوف؛ تقديره: في الدخول على، وإذنك مبتدأ خبره جملة قوله: (أن ترفع الحجاب) -بضم الياء- ورفع الحجاب مبنيًا للمفعول، هكذا في رواية مسلم وفي رواية ابن ماجه: (أن ترفع) -بفتح التاء المثناة- من فوق مسندًا إلى ضمير المخاطب و (الحجاب) بالنصب على المفعولية، وإذنك حينئذ مصدر مضاف إلى الفاعل، والإذن بمعنى الاستئذان، والمعنى عليه: أي استئذانك في الدخول علي .. رفع
стр. 455
وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنْهَاكَ".
===
الحجاب؛ أي: كشفك الستور عن الباب واستماع سوادي بعد الدخول على حتى أنهاك عن الاستماع، فلا تحتاج إلى الاستئذان لفظًا، والمعنى الأول على الرواية الأولى هو الصواب، كما قاله النواوي والقرطبي.
قال النواوي: الرواية في (يرفع) أنه مبني للمفعول، ولا يجوز غيره وكذا قال القرطبي؛ والمعنى: إذني إياك في الدخول على رفع الحجاب والستور عن الباب؛ أي: علامة إذني لك في الدخول كشف الستور عن الباب.
(و) لك إذا دخلت على (أن تسمع) أي: أن تستمع (سوادي) أي: مناجاتي ومساررتي (حتى أنهاك) وأزجرك عن الاستماع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم؛ أخرجه في كتاب السلام، باب (٦).
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
وعبارة السندي: قوله: "أن تسمع سوادي" في "النهاية": السواد - بالكسر -: السرار؛ كأنه جوز له في الدخول عليه حيث يسمع كلام الله ويعلم مع وجوده إلى أن ينهاه، ولعل ذلك إذا لم يكن في الدار حرمة؛ وذلك لأنه كان يخدمه ﷺ في الحالات كلها؛ فيهيئ طهوره، ويحمل معه المطهرة إذا قام إلى الوضوء، ويأخذ نعله، ويضعها إذا جلس، وحين ينهض، فيحتاج إلى كثرة الدخول عليه. انتهى.
وقال القاضي عياض: والسواد - بكسر السين -: السرار - بكسر السين والراء المكررة - أي: السر، ويقال: ساودته مساودة وسوادًا؛ أي: ساررته، وأصل ذلك دنو سواد الشخص من سواد الآخر، وهذا السواد - الذي هو الشخص -بفتح السين لا غير، وفيه أن من له من الكبراء حجاب من باب أو غيره إذا فتح الباب
стр. 456
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو رفع الحجاب للدخول عليه .. لا يفتقر في الدخول عليه إلى إذن بالقول، وكذلك الرجل في بيته مع خدمه وحشمه إذا أرخى حجابه .. فلا يدخل عليه إلا بإذن، فإذا رفعه .. جاز لهم الدخول عليه بلا إذن بالقول.
قال القرطبي: هذا إذن خاص جعله لابن مسعود أنه إذا جاء بيت النبي ﷺ ووجد الستر قد رفع .. دخل بغير إذن بالقول.
وهذا مع قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ... ﴾ الآية (١)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (٢)، ولهذا كانت الصحابة تذكر هذا من فضائل ابن مسعود، ويقولون: كان يؤذن له إذا حجبنا، وكان له من التبسط في بيت النبي ﷺ ما لم يكن لغيره، لما علمه ﷺ من حاله وخلقه وإلفه بيته ﷺ . انتهى من "الأبي".
* * *
وجملة ما ذكره في فضل ابن مسعود ﵁: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد، وكلها صحيحة.
والله أعلم
стр. 457
(١١) - (١١) - فَضْلُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁
(١٦) - ١٣٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي سَبْرَةَ النَّخَعِيِّ،
===
(١١) - (١١) - (فضل العباس بن عبد المطلب ﵁
هو عباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي أبو الفضل عم رسول الله ﷺ ، أظهر إسلامه يوم الفتح، وكان فيما قيل يكتمه بإذن رسول الله ﷺ ، عداده في المكيين، مات سنة اثنتين وثلاثين، له خمسة وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بحديث، و (م) بثلاثة.
* * *
(١٦) -١٣٨ - (١) (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان - بمعجمتين مفتوحتين - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي أبو محمد الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سبرة) بسكون الباء الموحدة (النخعي) الكوفي اسمه عبد الله بن عابس. روى عن: محمد بن كعب القرظي، ويروي عنه: (د ت ق)، والأعمش.
قال ابن معين: لا أعرفه، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة.
стр. 458
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنَّا نَلْقَى النَّفَرَ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فَيَقْطَعُونَ حَدِيثَهُمْ، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ
===
(عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد (القرظي) أبي حمزة المدني، من حلفاء الأوس، وكان أبوه من بني قريظة، سكن الكوفة ثم المدينة. روى عن: العباس بن عبد المطلب، ولكن روايته عنه مرسلة.
قال ابن سعد: كان ثقة عالمًا كثير الحديث ورعًا، وقال العجلي: مدني تابعي ثقة رجل صالح عالم بالقرآن، وقال البخاري: كان أبوه ممن لم ينبت يوم قريظة، وقال في "التقريب": ثقة عالم، من الثالثة، ولد سنة أربعين" (٤٠ هـ) مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العباس بن عبد المطلب) الهاشمي المكي ﵁.
وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد مكي، وواحد مدني، وفي "الزوائد": هذا إسناد رجاله ثقات، إلا أنه قيل: رواية محمد بن كعب عن العباس مرسلة، فحينئذ حكم هذا السند: الضعف؛ لانقطاعه.
(قال) العباس: (كنا) معاشر بني عبد المطلب (نلقى) -بفتح القاف من لقي بكسرها من باب رضي- أي: نرى (النفر) -بفتح الفاء- أي: الجماعة المجتمعين (من قريش وهم) أي: والحال أنهم (يتحدثون) فيما بينهم، (فيقطعون) أي: يتركون (حديثهم) أي: عند لقائنا بغضًا وعدواة لنا لا إخفاء للحديث عنا؛ لكونه سرًّا، وإلا .. فلا لوم على إخفاء الأسرار.
(فذكرنا ذلك) الذي رأينا من قريش الرسول الله ﷺ ، فقال) رسول الله ﷺ : (ما بال أقوام) أي: ما شأن أقوام
стр. 459
يَتَحَدَّثُونَ؛ فَإِذَا رَأَوُا الرَّجُلَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي .. قَطَعُوا حَدِيثَهُمْ؟ ! وَاللهِ؛ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّهُمْ لِلَّهِ وَلِقَرَابَتِهِمْ مِنِّي".
===
(يتحدثون، فإذا رأوا الرجل من أهل بيتي) أي: من قرابتي .. (قطعوا حديثهم؟ ) أي: تركوا حديثهم بغضًا له، (والله) أي: أقسمت بالله الذي لا إله غيره؛ (لا يدخل قلب رجل) منهم (الإيمان حتى يحبهم) أي: حتى يحب الرجل منهم أهل قرابتي الله) أي: لأجل أخوة الله (ولقرابتهم) أي: ولقرابة أهل قرابتي (مني) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١).
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف، فدرجته: أنه صحيح لغيره؛ لأنه وإن كان في سنده انقطاع على ما قيل، فله شاهد رواه الترمذي: أن العباس دخل على رسول الله ﷺ مغضبًا، فقال: "ما أغضبك؟ "، قال: ما لنا ولقريش؛ إذا تلاقوا بينهم .. تلاقوا بوجوه بشرة، وإذا لقونا .. لقونا بغير ذلك؟ ! فغضب رسول الله ﷺ حتى احمر وجهه، ثم قال: "والذي نفسي بيده؛ لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبهم لله ولرسوله ... " الحديث. انتهى.
قلت: قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فهذا الحديث الذي أخرجه المؤلف: ضعيف السند، صحيح المتن لهذا الشاهد، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى لهذه الترجمة بحديث عبد الله بن عمرو ﵄، فقال:
стр. 460
(١٧) - ١٣٩ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الضَّحَّاكِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو
===
(١٧) - ١٣٩ - (٢) (حدثنا عبد الوهاب بن الضحاك) بن أبان السلمي العرضي -بضم المهملة وسكون الراء بعدها معجمة- نسبة إلى عرض؛ مدينة صغيرة بين الفرات ودمشق، وهي من أعمال حلب، قاله ابن الأثير، أبو الحارث الحمصي، سكن سلمية - بتقديم الميم على الياء التحتية - بلد من نواحي حمص.
قال أبو داوود: كان يضع الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال العقيلي والدارقطني والبيهقي: متروك، وقال صالح بن محمد: منكر الحديث، عامة حديثه كذب، وبالجملة: اتفقوا على أنه كذاب وضاع منكر الحديث متروكه، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (ق).
قال: (حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن صفوان بن عمرو) بن هرم السكسكي أبي عمرو الحمصي، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وخمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير) الحضرمي الحمصي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن كثير بن مرة الحضرمي) أبي القاسم الحمصي، ثقة تابعي شامي، من الثانية، ووهم من عده من الصحابة. يروي عنه: (عم).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي أبي محمد الشامي ﵄، له سبع مئة حديث، مات ليالي الحرة