مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ"، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ فَأَقْسَمَتْ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقُمْتُ مَعَهُ، وَمَعَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا .. نَاوَلُوا الصَّبِيَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَرُوحُهُ
===
مسمًّى) أي: إلى وقت معين، قال العيني: والأجل يطلق على الحد الأخير، وعلى مجموع العمر، ومعنى (عنده): في علمه وإحاطته. انتهى.
أي: وكل من الأخذ والإعطاء عنده تعالى؛ أي: في علمه .. مؤجل بأجل معلوم، فإذا علمتم ذلك كله .. فاصبروا واحتسبوا أجر ما نزل بكم من المصيبة؛ فإن كل من مات .. فقد انقضى أجله المسمى، فمحال تقدمه أو تأخره عنه، فمرها أيها الرسول (فلتصبر) على مصيبتها (ولتحتسب) أجرها على الله تعالى؛ أي: ولتنوِ بصبرها طلب الثواب من الله تعالى؛ ليحسب لها ذلك من عملها الصالح، (فأرسلت) تلك البنت (إليه) ﷺ ثانيًا (فأقسمت) من الإقسام؛ أي: فحلفت البنت (عليه) أي: على حضوره ﷺ إليها، وفي رواية مسلم: (فعاد الرسول) أي: رسولها إليه ﷺ ، (فقال) له: (إنها) أي: إن البنت (قد أقسمت) عليك (والله، لتأتينها)، وفي رواية عبد الرحمن بن عوف: أنها راجعته مرتين، وأنه إنما قام في ثالث مرة.
قال أسامة بن زيد: (فقام رسول الله ﷺ وقمت) أنا (معه، ومعه) أيضًا (معاذ بن جبل) بن عمرو الأنصاري الخزرجي (وأُبي بن كعب) بن قيس الأنصاري الخزرجي (وعبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي، (فلما دخلنا) عليها .. (ناولوا الصبي) أو الصبية؛ أي: أعطوه (رسول الله ﷺ وروحه) أي: والحال أن روح الصبي
стр. 4307
تَقَلْقَلُ فِي صَدْرِهِ قَالَ: حَسِبْتُهُ قَالَ: "كَأَنَّهُ شَنَّةٌ"، قَالَ: فَبَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ: مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الرَّحْمَةُ
===
(تقلقل) من باب تزلزل، أي: تتحرك وتضطرب (في صدره) أي: في صدر الصبي.
(قال) أبو عثمان: (حسبته) أي: حسبت أسامة بن زيد (قال) لي: (كأنه) أي: كأن صدر الصبي (شنة) أي: قربة بالية، والقلقلة: حكاية حركة الشيء يسمع له صوت، والشن: القربة البالية اليابسة، شبه البدن بالجلد اليابس الخلق، وحركة الروح فيه بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها. انتهى "نهاية"، والمعنى: وروحه تضطرب وتتحرك لها صوت وحشرجة؛ كصوت الماء إذا ألقي في القربة البالية.
(قال) أسامة بن زيد: (فبكى رسول الله ﷺ أي: سالت عيناه دموعًا بالبكاء، وهذا موضع الترجمة؛ لأن البكاء العاري عن النوح لا يؤاخذ به الباكي والميت، وحديث أم سلمة السابق دل على حرمة البكاء المقترن بالنوح والندب؛ لأنها أرادت ذلك، بدليل قولها: (فجاءت امرأة من الصعيد تريد أن تساعدني) لأن ذلك هو الذي يقبل المساعدة، وحديث أسامة هذا دل على البكاء الجائز؛ بدليل قوله: (فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا) البكاء (يا رسول الله؟ ) وفي رواية عبد الواحد: (قال سعد بن عبادة: تبكي) وزاد أبو نعيم في "مستخرجه": (وتنهى عن البكاء؟ ! ).
فـ (قال) رسول الله ﷺ لأسامة: "هذه" كما في رواية مسلم؛ أي: هذه الدمعة التي تراها مني من حزن القلب بغير تعمد ولا استدعاء .. لا مؤاخذهَ عليها؛ لأنها (الرحمة) أي: علامة الرحمة والشفقة
стр. 4308
الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ فِي بَنِي آدَمَ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ".
===
(التي جعلها الله) تعالى وخلقها (في) قلوب الرحماء من (بني آدم) فلا مؤاخذة عليها، (وإنما يرحم الله من عباده الرحماء) بالنصب على أن (ما) في قوله: "وإنما" كافة، وبالرفع على أنها موصولة؛ أي: وإن الذين يرحمهم الله تعالى من عباده الرحماء؛ جمع رحيم من صيغ المبالغة، ومقتضاه: أن رحمته تختص بمن اتصف بالرحمة وتحقق بها، بخلاف من فيه أدنى رحمة، لكن ثبت في حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داوود وغيره: "الراحمون يرحمهم الرحمن"، والراحمون جمع راحم، فيدخل فيه كل من فيه أدنى رحمة. انتهى من "الإرشاد".
قال القرطبي: قوله: "هذه رحمة" أي: رقة يجدها الإنسان في قلبه تبعثه على البكاء من خشيته، وعلى أفعال الخير والبر، وعلى الشفقة على المبتلى، وعلى المصاب، ومن كان كذلك .. جازاه الله برحمته، وهو المعني بقوله ﷺ : "إنما يرحم الله من عباده الرحماء"، وضد ذلك: القسوة في القلوب الباعثة على الإعراض عن الله تعالى وعن أفعال الخير، ومن كان كذلك .. قيل فيه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري، ومسلم، وأبو داوود، والنسائي، والبيهقي، وعبد الرزاق، وابن الأعرابي في "معجمه".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد له ثانيًا بحديث أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 4309
(١٥٦) - ١٥٦١ - (٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَ ابْنُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِبْرَاهِيمُ .. بَكَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ الْمُعَزِّي
===
(١٥٦) - ١٥٦١ - (٣) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني، صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا يحيى بن سليم) الطائفي، نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبدِ الله بن عثمان (بن خثيم) -مصغرًا- القارئ المكي أبي عثمان، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أسماء بنت يزيد) بن السكن الأنصارية الصحابية، لها أحاديث، ويقال لها: أم سلمة، ويقال: أم عامر، رضي الله تعالى عنهما. يروي عنها: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه.
(قالت) أسماء: (لما توفي ابن رسول الله ﷺ إبراهيم .. بكى رسول الله ﷺ ، فقال له المعزي) -بكسر الزاي المشددة-
стр. 4310
إِمَّا أَبُو بَكْرٍ وَإِمَّا عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ عَظَّمَ اللهَ حَقَّهُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ .. لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ".
===
على صيغة اسم الفاعل؛ من التعزية؛ أي: قال الذي جاء عنده للتعزية، وذلك المعزي (إما أبو بكر، وإما عمر) الشك من الراوي؛ أي: قال ذلك المعزي لرسول الله ﷺ : (أنت أحق من عظم اللهَ) من التعظيم (حقَّهُ) الذي هو النهي عن البكاء والأمر بالصبر.
فـ (قال رسول الله ﷺ : تدمع العين) أي: تسيل عيوننا دموعًا، (ويحزن القلب) أي: قلوبنا لفراق إبراهيم، (ولا نقول) لأجل موت إبراهيم (ما يسخط) ويغضب (الرب) ﷻ ؛ من النوح والندب، (لولا أنه) -بفتح الهمزة- أي: أن الموت (وعد صادق) لا يخلف (وموعود جامع) للخلائق كلها، (وأن الآخر) منا في الموت (تابع للأول) أي: للسابق فيه .. (لوجدنا) أي: لتأسفنا وحزنَّا (عليك) أي: لأجلك (يا إبراهيم أفضل) وأكثر (مما وجدنا) أي: حزنا على غيرك، (وإنا بك) أي: بفراقك (لمحزونون) يا إبراهيم، والمراد بهذا الحزن: هو الحزن الجبلي، وهو لا ينافي الرضا بالقضاء، ولا محذور فيه.
وفي "الزوائد": إسناده حسن، رواه البخاري ومسلم وأبو داوود من حديث أنس.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وله شاهد من حديث أسامة بن زيد رواه الأئمة الستة، ورواه النسائي وابن حبان من حديث أبي هريرة، ورواه ابن سعد في "الطبقات" بسنده عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن شهر بن حوشب
стр. 4311
(١٥٧) - ١٥٦٢ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ،
===
عن أسماء، قال أحمد: روى شهر عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانًا، ورواه البخاري تعليقًا في كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ : "إنا بك لمحزونون"، ومسلم في كتاب الفضائل، باب رحمته ﷺ بالصبيان والعيال، وأبو داوود والبيهقي.
فدرجة الحديث: أنه صحيح بغيره، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث حمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٥٧) -١٥٦٢ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسحاق بن محمد) بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة (الفروي) المدني الأموي مولاهم، صدوق كُفَّ فساء حفظه، من العاشرة، مات سنة ست وعشرين ومئتين (٢٢٦ هـ). يروي عنه: (خ ت ق).
(حدثنا عبد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العمري المدني، ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش) بن رئاب الأسدي،
стр. 4312
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهَا: قُتِلَ أَخُوكِ، فَقَالَتْ: ﵀، وِإنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، قَالُوا: قُتِلَ زَوْجُكِ، قَالَتْ: وَاحُزْنَاهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ لِلزَّوْجِ مِنَ الْمَرْأَةِ لَشُعْبَةً
===
صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (ق). انتهى "تقريب".
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن حبان في أتباع التابعين: قيل: إنه رأى زينب بنت جحش، وليس يصح ذلك عندي. انتهى "تهذيب".
(عن أبيه) محمد بن عبد الله بن جحش الأسدي، من صغار الصحابة، وأبوه من كبار الصحابة، وعمته زينب أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم أجمعين. يروي عنه: (س ق).
(عن) عمته (حمنة بنت جحش) أخت زينب أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، كانت تحت مصعب بن عمير، ثم طلحة، وكانت تستحاض، ولها صحبة، وهي أم ولدي طلحة؛ عمران ومحمد، ويقال: كنيتها أم حبيبة. يروي عنها: (د ت ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.
(أنه) أي: أن الشأن والحال (قيل لها) أي: لحمنة: (قتل أخوك) عبد الله بن جحش في غزوة أحد، أحسن الله صبرك، (فقالت) حمنة: نعم؛ قتل أخي ﵀ تعالى، (وإنا لله وإنا إليه راجعون) للمجازاة على أعمالنا، (قالوا) أي: قال المعزون لها: (قتل زوجك) مصعب بن عمير، أحسن الله صبرك، (قالت): نعم؛ قتل زوجي (واحزناه! ) أي: يا حزني عليه؛ احضر إلي لأتعجب منك، (فـ) لما سمع قولها ذلك .. (قال رسول الله ﷺ : إن للزوج من المرأة لشعبة) أي: لعلقة ومحبة خاصة
стр. 4313
مَا هِيَ لِشَيْءٍ".
(١٥٨) - ١٥٦٣ - (٥) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ،
===
(ما هي) أي: ما تلك الشعبة والمحبة (لشيء) آخر غير الزوج، قال السندي: الشعبة -بضم الشين وسكون العين-: غصن الشجرة، وقطعة من الشيء؛ والمراد هنا: النوع من المحبة والتعلق. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (٢٧)(١٨٤)، لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به.
فائدة
(واحزناه): (وا): حرف نداء وندبة مبني على السكون، (حزنا): منادىً نكرة مقصودة مندوب في محل النصب على المفعولية مبني على ضم مقدر، منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة مناسبة ألف الندبة، وألف الندبة: حرف لا محل له من الإعراب مبني على السكون، والهاء: حرف سكت مبني على السكون، والندبة: نداء المتفجع عليه.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٥٨) - ١٥٦٣ - (٥) - (حدثنا هارون بن سعيد) الأيلي السعدي مولاهم أبو جعفر (المصري) أي: نزيل مصر، ثقة فاضل، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4314
أَنْبَأَنَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِنِسَاءِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَبْكِينَ هَلْكَاهُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ"، فَجَاءَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ حَمْزَةَ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "وَيْحَهُنَّ؛
===
(أنبأنا أسامة بن زيد) بن أسلم العدوي مولاهم المدني، ضعيف من قبل حفظه، من السابعة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ق).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أسامة بن زيد، وهو ضعيف الحفظ.
(أن رسول الله ﷺ مر بنساء) بني (عبد الأشهل) قبيلة من الأنصار حالة كونهن (يبكين) على (هَلْكَاهُنَّ) أي: موتاهن وقتلاهن (يوم أحد، فقال رسول الله ﷺ حين سمع بكاءهن: الكن حمزة) بن عبد المطلب عمه ﷺ (لا بواكي له) جمع باكية، قاله قبل النهي عن البكاء على الميت؛ كما سيشير إليه لفظ الحديث، فلا إشكال. انتهى "سندي".
(فجاء نساء الأنصار) إلى منزل رسول الله ﷺ حالة كونهن (يبكين) على (حمزة) بن عبد المطلب، وكان رسول الله ﷺ نائمًا (فاستيقظ رسول الله ﷺ من نومه (فقال: ويحهن! ) أي: ألزمهن الله الويح والرحمة، والويح: كلمة تقال لمن وقع في
стр. 4315
مَا انْقَلَبْنَ بَعْدُ، مُرُوهُنَّ فَلْيَنْقَلِبْنَ وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ الْيَوْمِ".
(١٥٩) - ١٥٦٤ - (٦) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
هلكة، (ما انقلبن) ورجعن هؤلاء النساء الباكيات إلى بيوتهن (بعد؟ ) أي: الآن؛ أي: إلى هذا الوقت، (مروهن) أي: مروا أيها الرجال هؤلاء الباكيات بالرجوع إلى بيوتهن (فلينقلبن) أي: فليرجعن إلى بيوتهن، (وَلَا يبكين) هؤلاء النساء (على هالك) هلك ومات (بعد) هذا (اليوم)، فحرم من ذلك اليوم البكاء على الميت مع رفع الصوت وتعديد الشمائل.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث ابن عمر أيضًا مختصرًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن عبيد الله بن موسى عن أسامة به، ورواه الحاكم أبو عبد الله من طريق عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد (٣/ ١٩٧) مختصرًا، ورواه البيهقي في "سننه" من طريق الحاكم بزيادة (٤/ ٧٠) في كتاب الجنائز، باب من رخص في البكاء إلى أن يموت الذي يبكى عليه، وله شاهد من حديث أنس بن مالك رواه أبو داوود، والترمذي، والحاكم، والبيهقي في "دلائل النبوة"، والحاكم عن أنس، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والطبراني في "الكبير".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن؛ لأن له شواهد، ضعيف السند؛ لما مر، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٥٩) - ١٥٦٤ - (٦) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي،
стр. 4316
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمَرَاثِي.
===
صدوق مقرئ، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة إمام، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن مسلم العبدي أبي إسحاق (الهجري) -بفتح الهاء والجيم - يذكر بكُنْيَتِهِ، لَيِّنُ الحديث يرفع موقوفات، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن) عبد الله (بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه شهد الحديبية، وعُمِّرَ بعد النبي ﷺ ، مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ)، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إبراهيم الهجري، وهو ضعيف جدًّا؛ ضعفه ابن عيينة، ويحيى بن معين، والنسائي، وغيرهم.
(قال) ابن أبي أوفى: (نهى رسول الله ﷺ عن المراثي) -بفتح الميم والراء المخففة وكسر الثاء المثلثة- جمع مرثية، يقال: رثيت الميت من باب رمى مرثية، ويقال أيضًا: رثوته من باب عدا؛ إذا بكيته وعددت محاسنه وشمائله، وكذا إذا نظمت فيه شعرًا، ورثى له؛ إذا رق، وربما قالوا: رثأت الميت - بالهمز - على خلاف الأصل. انتهى "مختار". وفي "السندي": المراثي: قيل: هو أن يندب الميت، فيقال: وافلاناه واكهفاه، وقال الخطابي: إنما كره من المراثي النياحة على مذهب الجاهلية، فأما الثناء والدعاء للميت ..
стр. 4317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فغير مكروه؛ لأنه رُثِيَ غيرُ واحد من الصحابة، وذُكِرَ فيه وفي الصحابة كثير من المرَاثِي. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن شعبة عن الهجري به، وفيه قصة، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا علي بن عاصم، حدثني إبراهيم الهجري ... فذكر رواية ابن ماجة، وأخرجه البيهقي في كتاب الجنائز، باب سياق أخبار قول علي: إن الميت يعذب بالنياحة عليه، وأحمد عن ابن عمر.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف متنًا وسندًا (٢٨)(١٨٥)، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: سبعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، وثلاثة للاستشهاد، واثنان للاستئناس.
والله أعلم
стр. 4318
(٥٤) - (٤٦١) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمَيِّتِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ
(١٦٠) - ١٥٦٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَاذَانُ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ
===
(٥٤) - (٤٦١) - (باب ما جاء في الميت يعذب بما نيح عليه)
(١٦٠) - ١٥٦٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شاذان) لقبه، اسمه الأسود بن عامر الشامي، نزيل بغداد، يكنئ أبا عبد الرَّحمن، ثقة، من التاسعة، مات في أول سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(ومحمد بن الوليد) بن عبد الحميد القرشي البسري -بضم الموحدة وسكون المهملة - البصري، يلقب بحمدان، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ م س ق).
(قالا: حدثنا محمد بن جعفر) غندر الهذلي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه (ع).
(ح وحدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة ثبت، طلب للقضاء فامتنع، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث بن سعيد العنبري البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4319
وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ".
===
(ووهب بن جرير) بن حازم بن زيد الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالوا) أي: قال كلّ من شاذان ومحمد بن جعفر وعبد الصمد ووهب بن جرير:
(حدثنا شعبة) بن الحجاج، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: "الميت يعذب بما نيح عليه") أي: بالنوح عليه؛ فـ (ما) مصدرية، والنوح: رفع الصوت بالبكاء على الميت مع تعديد الشمائل؛ أي: بما يندب عليه؛ كوا كهفاه، وواجبلاه، ونحوهما، على سبيل التهكم؛ كما وجد في بعض الروايات، والباء يحتمل أن تكون سببية و (ما) مصدرية، وأن يكون الجار والمجرور حالا؛ أي: حالة كونه ملتبسًا بالنوح، ويحتمل أن تكون الباء للآلة، و (ما) موصولة، وتلك الألفاظ تجعل آلة للعذاب؛ حيث تذكر له توبيخًا وتقريعًا عليه. انتهى "سندي".
стр. 4320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث: فحمله الجمهور على من وصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته، فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم؛ لأنه بسببه ومنسوب إليه، قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا عليه من غير وصية منه .. فلا يعذب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، قالوا: وكان من عادة العرب الوصية، قالوا: فخرج الحديث مطلقًا، فحملوه على ما كان معتادًا لهم، وهذا أصح التأويلات.
وقالت طائفة: هذا الحديث محمول على من أوصى بالبكاء والنوح عليه، أو لَمْ يُوصِ بتَرْكِهما؛ فمن أوصى بهما أو أهمل الوصية بتركهما .. يعذب بهما؛ لتفريطه بإهمال الوصية بتركهما، فأما مَنْ وَصَّى بتركهما .. فلا يعذب بهما؛ إذ لا صنع له فيهما، ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول: إيجاب الوصية بتركهما، ومن أهملها .. عذب بهما.
وقالت طائفة: معنى الحديث: أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها؛ كما كانوا يقولون: يا مؤيد النِّسْوانِ، ومُخَرِّبَ العمران، ومُفَرِّقَ الأخدانِ، ومؤتم الولدان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعةً وفخرًا، قال النووي: وهو حرام شرعًا.
وقالت طائفة: معناه: أنه يعذب بسماعه بكاءَ أهله ويَرِقُّ لهم، وإلى هذا ذهب ابن جرير الطبري وغيره، وقال القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، واحتجوا بحديث فيه: أن النبي ﷺ زجر امرأة عن البكاء على أبيها، وقال: "إنَّ أحدكم إذا بكَى .. اسْتَعْبَرَ به صُوَيْحِبُهُ - يعني: الميتَ - فيا عباد الله؛ لا تعذبوا إخوانكم".
стр. 4321
(١٦١) - ١٥٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ،
===
وقالت عائشة: معنى الحديث: أن الكافر أو غيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم، والصحيح من هذه الأقوال قول الجمهور المذكور أولًا؛ كما مر هناك، وأجمع كلّ أهل الطوائف على اختلاف مذهبهم على أن المراد بالبكاء هنا: البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، ومسلم في كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، والنسائي في كتاب الجنائز، باب النياحة على الميت، وأحمد والبيهقي، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، وفي الباب عن ابن عمر وعمران بن حصين، قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦١) - ١٥٦٦ - (٢) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) أبو محمد الجهني
стр. 4322
حَدَّثَنَا أَسِيدُ بْنُ أَبِي أَسِيدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ إِذَا قَالُوا: وَا عَضُدَاهْ وَا كَاسِيَاهْ وَا نَاصِرَاهْ وَا جَبَلَاهْ وَنَحْوَ هَذَا، يُتَعْتَعُ وَيُقَالُ: أَنْتَ كَذَلِكَ؟ أَنْتَ كَذَلِكَ؟ "،
===
مولاهم المدني، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أسيد بن أبي أسيد) -بفتح الهمزة فيهما مكبرًا- أبو سعيد البراد المدني، واسم أبيه: يزيد، صدوق، من الخامسة، مات في أول خلافة المنصور. يروي عنه: (عم).
(عن موسى بن أبي موسى الأشعري) الكوفي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبيه) أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن يعقوب بن حميد مختلف فيه، وعبد العزيز بن محمد صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، وموسى بن أبي موسى مقبول.
(أن النبي ﷺ قال: الميت يعذب ببكاء الحي) عليه أيًا كان (إذا قالوا) أي: الباكون عليه: (وا عضداه) أي: أنه هو الذي كانوا يتقون به، (وا كاسياه وا ناصراه وا جبلاه، ونحو هذا) المذكور؛ نحو: وا كهفاه ووا أنيساه (يُتَعْتَعُ) على صيغة المبني للمفعول؛ أي: يُعَنَّفُ ويُوَبَّخُ ببكائهم، (ويقال) له؛ أي: للميت: أ (أنت كذلك) أي: كما يقولون؟ أي: أأنت كما يقول الباكون عليك؟ وقوله: (أنت كذلك) توكيد لفظي لما
стр. 4323
قَالَ أَسِيدٌ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
===
قبله، قال السندي: "يعذب ببكاء الحي" المراد: قبيلته وأهله، ويحتمل أن المراد بالحي: ما يقابل الميت، (وا عضداه) أي: قُوَّتاهُ؛ يعني: أنه الذي يتقوى به على الأعداء ويُنْصَر به عليهم، قوله: "يتعتع" بالبناء للمفعول؛ من تَعْتَعْتُ الرجلَ؛ إذا عَنَّفْته وأَقْلَقْته، والعنف: هو الأخذُ بمجامع الشيء وجرُّهُ بقهرٍ. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي، والنسائي بعضه من حديث عائشة، وأصله في "الصحيحين" من حديث عمر بن الخطاب، أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية البكاء على الميت، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، قال الحافظ في "التلخيص": ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في "الصحيح" عن النعمان بن بشير قال: أغمي على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: وا جبلاه، وا كذا، وا كذا، فلما أفاق .. قال: ما قلت شيئًا .. إلَّا قيل لي: أنت كذا؟ فلما مات .. لَمْ تبك عليه. انتهى من "تحفة الأحوذي".
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ كما صححه الحاكم وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر.
(قال أسيد) بن أبي أسيد بالسند السابق: (فقلت) أنا حين أخبرني هذا الحديثَ موسى بن أبي موسى: (سبحان الله! ) أي: تنزيهًا لله تعالى؛ تعجبًا من هذا الحديث؛ أي: فكيف يصح هذا الحديث؛ فـ (إن الله) تعالى (يقول) في كتابه العزيز في سورة الأنعام: (﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾) (١) أي: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، فهذا الحديث يعارض هذه الآية، فكيف يصح؟ !
стр. 4324
قَالَ: وَيْحَكَ؛ أُحَدِّثُكَ أَنَّ أَبَا مُوسَى حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَتَرَى أَنَّ أَبَا مُوسَى كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ تَرَى أَنِّي كَذَبْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى؟ !
(١٦٢) - ١٥٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،
===
(قال) لي موسى بن أبي موسى: (ويحك! ) أي: ألزمك الله الويح والرحمة (أُحَدِّثُك) أنا يا أسيد (أن أبا موسى حدثني عن رسول الله ﷺ ، فترى) أي: فتظن أنت يا أسيد (أن أبا موسى كذب على النبي ﷺ ، أو ترى) أنت (أني كذبت على أبي موسى) بهذا الحديث، فكيف تتعجب منه؟ ! فالحديث صحيح لا شك في صحته، فالأمر إليك فيه.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بن الخطاب بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٢) - ١٥٦٧ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو) بن دينار الجمحي مولاهم المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) - بالتصغير - زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4325
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَتْ يَهُودِيَّةٌ مَاتَتْ، فَسَمِعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ يَبْكُونَ عَلَيْهَا قَالَ: "فَإِنَّ أَهْلَهَا يَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا تُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا".
===
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (إنما كلانت يهودية) من يهود المدينة (ماتت، فسمعهم) أي: فسمع أهلها (النبي ﷺ يبكون عليها، قال) النبي ﷺ : (فإن أهلها يبكون عليها، وإنها تعذب في قبرها) بشركها؛ أي: والحال أنَّها تعذب في قبرها بشركها لا ببكائهم؛ لأنه ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، قال السندي: قولها: إنما كانت يهودية ... إلى آخره، قالت ذلك عائشة حين بلغها حديث: "إن الميت يعذب ببكاء الحي عليه"، فأنكرت ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وقالت: وما كان الحديث كذلك، وإنما كان الحديث على هذا الوجه؛ وهو: "إن يهودية ماتت ... " إلى آخره، ولا وجه لهذا الإنكار بعد صحة الحديث من وجوه كثيرة، ومجيئه عن الصحابة العديدة، وأما المعارضة المذكورة .. فقد عرفت دفعها، وورود هذا الكلام في اليهودية لا يمنع ورود ذلك الكلام، وهذا ظاهر، نعم، عائشة ما بلغها الحديث إلَّا عن عمر أو عن ابن عمر، فرأت أنه من سهوهما، والله أعلم. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجنائز، باب قول النبي ﷺ : "يعذب الميت ببكاء أهله عليه"، وأخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب الجنائز، باب يعذب الميت ببكاء أهله عليه عن عائشة.
стр. 4326
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4327
(٥٥) - (٤٦٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ
(١٦٣) - ١٥٦٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى".
===
(٥٥) - (٤٦٢) - (باب ما جاء في الصبر على المصيبة)
(١٦٣) - ١٥٦٨ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن مهاجر التجيبي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أخبرنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد أبي رجاء المصري، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ) وقد قارب الثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن سعد بن سنان) ويقال له: سنان بن سعد مقلوبًا، الكندي المصري، وصوب الثاني البخاري وابن يونس، صدوق له أفراد، من الخامسة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أنس بن مالك) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : إنما الصبر) الكامل الذي يترتب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقة فيه. انتهى "نووي"، أو: الصبر المأجور عليه صاحبه والمحمود عليه فاعله .. هو ما كان (عند الصدمة الأولى).
стр. 4328
(١٦٤) - ١٥٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، ومسلم في كتاب الجنائز، باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى، وأبو داوود في كتاب الجنائز، باب الصبر عند الصدمة، والنسائي في كتاب الجنائز، باب شق الجيوب، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء أن الصبر في الصدمة الأولى، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب من هذا الوجه، ورواه ثابت البناني عن أنس بن مالك، فقال أبو عيسى فيه: هذا حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٤) - ١٥٦٩ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، وهنا روى عن أهل بلده، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا ثابت بن عجلان) الأنصاري السلمي أبو عبد الله الحمصي، صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (خ د س ق).
стр. 4329
عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ابْنَ آدَمَ؛ إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى .. لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ".
===
(عن القاسم) بن عبد الرَّحمن الدمشقي أبي عبد الرَّحمن صاحب أبي أمامة، صدوق يُغْرِبُ كثيرًا، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي أمامة) صدي - مصغرًا - ابن عجلان الباهلي الصحابي المشهور سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات؛ لأن إسماعيل بن عياش روى عن أهل بلده؛ فهو صدوق.
(عن النبي ﷺ فيما يرويه عن ربه (قال) النبي ﷺ : (يقول الله سبحانه) جل وعلا: يا (بن آدم) بحذف حرف النداء تخفيفًا (إن صبرت) على المصيبة، (واحتسبت) أجر صبرك على الله، وطلبت منه الأجر عليه (عند الصدمة الأولى) والظرف تنازع فيه الفعلان قبله .. (لَمْ أرض لك ثوابًا دون الجَنَّة) أي: لَمْ أرض أن يكون لك جزاء على صبرك إلَّا دخول الجَنَّة ابتداءً بلا محاسبة، وإلا .. فاصل الدخول يكفي فيه مجرد الإيمان. انتهى "سندي" بتصرف.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث أنس بن مالك، رواه الترمذي والنسائي، وابن ماجة أخرجه قبل هذا الحديث، برقم (١٥٩٦).
ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
* * *
стр. 4330
(١٦٥) - ١٥٧٠ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قُدَامَةَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث أبي سلمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٥) - ١٥٧٠ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عبد الملك بن قدامة) -بضم القاف- ابن إبراهيم بن محمد بن حاطب (الجمحي) المدني، ضعيف، من السابعة. انتهى "تقريب". يروي عنه: (ق)، قال الساجي: وثقه ابن معين، ووثقه العجلي، وقال ابن عبد البر: مدني ثقة شريف. انتهى "تهذيب".
(عن أبيه) قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب الجمحي، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(عن عمر بن أبي سلمة) بن عبد الأسد المخزومي، ربيب رسول الله ﷺ ، الصحابي الصغير رضي الله تعالى عنه، أمه أم سلمة زوج النبي ﷺ ، وأَقَرَهُ علي على البحرين، ومات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) والدته (أم سلمة) هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، تزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة سنة أربع، وعاشت بعد ذلك ستين سنة، ماتت سنة اثنتين وستين (٦٢ هـ)، وقيل: سنة إحدى وستين. يروي عنها: (ع).
стр. 4331
أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَفْزَعُ إِلَى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
===
(أن) زوجها (أبا سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي أخا النبي ﷺ رضاعةً، وابن عمته برة بنت عبد المطلب، كان من السابقين، شهد بدرًا، ومات في حياة النبي ﷺ في جمادى الآخرة سنة أربع بعد أحد رضي الله تعالى عنه، فتزوج النبي ﷺ زوجته أم سلمة. يروي عنه: (ت س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ومن لطائفه: أنه اجتمع فيه ثلاثة من الأصحاب روى بعضهم عن بعض، وفيه رواية زوجة عن زوج، ورواية ولد عن والدة.
أي: أن أبا سلمة (حدثها) أي: حدث لأم سلمة (أنه) أي: أن أبا سلمة (سمع رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يصاب) أي: يُنال ويُبتلى (بمصيبة فَيفْزع) أي: يبتدر ويسرع (إلى) قول (ما أمر الله به) أي: بقوله في كتابه العزيز (من قوله) تعالى: (﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾) أي: ما من مسلم ومسلمة يصاب بمصيبة؛ أي: بشدة تنزل به في نفسه أو في أهله أو في ماله، والمصيبة: ما أصاب الإنسان من خير أو شر، ولكن اللغة قصرها على الشر، "فيفزع" أي: يبتدر ويسرع عندما أصابته "إلى" قول "ما أمر الله به" أي: بقوله في ضمن مدح الصابرين بقوله في سورة البقرة: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ﴾ خلقًا وإيجادًا ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (١) للمحاسبة والمجازاة؛ فإن كلّ خصلة ممدوحة في الكتاب الكريم
стр. 4332
اللهُمَّ؛ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتِي فَأْجُرْنِي فِيهَا وَعَوِّضْنِي مِنْهَا .. إِلَّا آجَرَهُ اللهُ
===
تتضمن الأمر بها؛ كما أن المذمومة فيه تقتضي النهي عنها، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (١).
قال القرطبي: قوله: "فيقول ما أمر الله به" هو تنبيه على قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ....... ﴾ إلى آخره (٢)، مع أنه ليس فيها أمر بذلك القول، وإنما تضمنت مدح من قاله، فيكون ذلك القول مندوبًا، والمندوب مأمور به؛ أي: مطلوب، وإن جاز تركه، وقال أبو المعالي: لَمْ يختلف الأصوليون في أن المندوب مطلوب، وإنما اختلفوا هل يسمى مأمورًا به؛ قلت: وهذا الحديث يدلُّ على أنه يسمى بذلك، وقوله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (٣) كلمة اعتراف بالملك لمستحقه، وتسليم له فيما يجريه في ملكه، وتهوين للمصيبات بتوقع ما هو أعظم منها، وبالثواب المرتب عليها، وتذكير المرجع والمال الذي حكم به ذو العزة والجلال.
ثم قال بعد قوله الآية المذكورة: (اللهم؛ عندك احتسبت) أي: ادخرت أجر الصبر على (مصيبتي، فأجرني) أي: أثبني وأعطني الأجر على مصيبتي، وهو مقروءٌ بسكون الهمزة وضم الجيم، ويجوز مد الهمزة على أنه من باب الأفعال؛ أجره يأجره، وآجره يؤجره، بالقصر والمد؛ إذا أثابه وأعطاه الأجر (فيها) أي: عليها، (وعوضني) - بتشديد الواو - من التعويض؛ أي: واجعل لي عوضًا وبدلًا (منها) أي: مما فاتني في هذه المصيبة خيرًا من الفائت فيها، والمعنى: ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع؛ أي: فيبادر إلى قول ما أمر الله بقوله، ثم يقول: اللهم؛ عندك احتسبت مصيبتي ... إلى آخره .. (إلَّا آجره الله
стр. 4333
عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا وَعَاضَهُ خَيْرًا مِنْهَا"، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ .. ذَكَرْتُ الَّذِي حَدَّثَنِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهُمَّ؛ عِنْدَكَ احْتَسَبْتُ مُصِيبَتِي هَذِهِ فَأْجُرْنِي عَلَيْهَا، فَإِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: وَعُضْنِي خَيْرًا مِنْهَا .. قُلْتُ فِي نَفْسِي: أُعَاضُ خَيْرًا مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ ! ثُمَّ قُلْتُهَا،
===
وأثابه (عليها) أي: على تلك المصيبة؛ أي: إلَّا أثابه على الصبر عليها، (وعاضه) أي: وأعطاه عوضًا (خيرًا منها) أي: من الفائت فيها.
والخلاصة: أي: ليس مسلم أصابته مصيبة في نفسه أو أهله أو ماله، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم؛ أجرني على مصيبتي، وأبدل لي خيرًا منها .. إلَّا آجره الله عليها، وأبدله خيرًا منها وأفضل مما أصابته المصيبة فيه، إن كان مما يخلف؛ كالولد والأهل والمال، فخرج به الوالدان.
(قالت) أم سلمة بالسند السابق: (فلما توفي) ومات (أبو سلمة .. ذكرت) أي: تذكرت الحديث (الذي حدثني) به أبو سلمة في حياته (عن رسول الله ﷺ وهو الحديث المذكور آنفًا (فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم؛ عندك احتسبت مصيبتي هذه) التي هي وفاة أبي سلمة (فأجرني) أي: فأعطني الأجر والثواب (عليها) أي: على الصبر عليها، (فإذا أردت أن أقول: وعُضْنِي) أي: وأعطني عوضًا (خيرًا) أي: . أفضل (منها) أي: مما فاتني بها، وهو أبو سلمة .. (قلت في نفسي: أُعاضُ) مضارع مغير الصيغة مسند إلى المتكلم مع تقدير حرف الاستفهام الإنكاري؛ أي: هل أعطى رجلًا (خيرًا) أي: أفضل (من أبي سلمة؟ ! ) أي: ما أُعطى ذلك؛ لأنه لا يوجد من هو خير منه.
(ثم) بعدما توقفت عن القول به (قلتها) أي: قلت كلمة الاسترجاع
стр. 4334
فَعَاضَنِي اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ ، وَآجَرَنِي فِي مُصِيبَتِي.
(١٦٦) - ١٥٧١ - (٤) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السُّكَيْنِ، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ،
===
والدعاء بعده، (فعاضني الله) أي: فأبدلني الله تعالى وأعطاني رجلًا خيرًا من أبي سلمة (محمدًا ﷺ ، وآجرني) أي: أثابني (في مصيبتي) أي: أعطاني الأجر والثواب على الصبر في مصيبتي هذه؛ تعني: موت أبي سلمة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم؛ أخرجه في "صحيحه" في كتاب الجنائز، باب ما يقال في المصيبة، وأبو داوود في كتاب الجنائز، باب الاسترجاع، والترمذي في كتاب الدعوات، قال أبو عيسى: هذا الحديث غريب من هذا الوجه، وابن عبد البر في "التمهيد" بنحوه عن أبي سلمة.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أنس بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٦) - ١٥٧١ - (٤) (حدثثا الوليد بن عمرو بن السكين) - مصغرًا - البصري أبو العباس، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو همام) محمد بن الزبرقان الأهوازي، صدوق، ربما وهم من الثامنة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا موسى بن عبيدة) - مصغرًا - ابن نشيط - مكبرًا - الربذي -بفتحتين- أبو عبد العزيز المدني، ضعيف ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا،
стр. 4335
حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، أَوْ كَشَفَ سِتْرًا؛ فَإِذَا النَّاسُ يُصَلُّونَ وَرَاءَ
===
وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث وليس بحجة، وقال الساجي؛ منكر الحديث، وكان رجلًا صالحًا. وكان القطان لا يحدث عنه، وقد حدث عنه وكيع، وقال: كان ثقة، وقد حدث عن عبد الله بن دينار أحاديث لَمْ يتابع عليها، فهو مختلف فيه إلَّا فيما روى عن عبد الله بن دينار، ففيه ضعيف اتفاقًا، من صغار السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا مصعب بن محمد) بن عبد الرَّحمن بن شرحبيل العبدري المكي، لا بأس به، من الخامسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرَّحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة مكثر، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه موسى بن عبيدة؛ فهو مختلف فيه إلَّا فيما روى عن عبد الله بن دينار؛ فهوفيه ضعيف اتفاقًا.
(قالت) عائشة: (فتح رسول الله ﷺ بابًا) أي: خوخة (بينه ﷺ (وبين الناس) المصلين في المسجد وهو في بيتي يوم توفي؛ كما جاء في بعض أحاديث الوفاة، (أو) قالت عائشة: (كشف سترًا) بينه وبين الناس، والشك من أبي سلمة؛ (فإذا الناس) مجتمعون في المسجد حالة كونهم (يصلون) صلاة الظهر؛ كما في بعض الرواية (وراء) أي:
стр. 4336
أَبِي بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللهَ عَلَى مَا رَأَى مِنْ حُسْنِ حَالِهِمْ؛ رَجَاءَ أَنْ يَخْلُفَهُ اللهُ فِيهِمْ بِالَّذِي رَآهُمْ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّمَا أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَوْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ .. فَلْيَتَعَزَّ بِمُصيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي،
===
خلف (أبي بكر) الصديق إمامًا لهم، و (إذا) فجائية؛ أي: فاجأه رؤية الناس المصلين خلف أبي بكر، (فحمد الله) أي: محمد رسول الله ﷺ ربه؛ شكرًا له (على ما رأى) منهم (من حسن حالهم) حيث اجتمعوا في المسجد وصلوا خلف أبي بكر؛ (رجاء أن يخلفه الله عنه (فيهم) أي: في إصلاح أحوالهم إذا مات (ب) سبب الحال (الذي رأى) مت (هم) من اجتماعهم وصلاتهم خلف أبي بكر، والباء سببية متعلقة برجاء، وقوله: (أن يخلفه الله) من خلفه من باب نصر؛ إذا كان خليفةً له فيمن بقي بعده؛ أي: رجاء أن يكون الله خليفة له في إصلاح حال الأمة، بالوجه الذي رآهم عليه من الاجتماع على الخير.
(فقال) خوفًا من تفرقهم بعده بسبب ما يلحقهم من المصائب والفتن: (يا أيها الناس؛ أيما أحد من الناس، أو) قالت عائشة: أيما أحد (من المؤمنين) والشك من أبي سلمة فيما قالته عائشة من اللفظين (أصيب) ذلك الأحد (بمصيبة) من المصائب؛ موتًا كانت أو غيره، كانت في أهله أو ولده أو في نفسه .. (فليتعز) أي: فليخفف ثقل تلك المصيبة وشدة همها على نَفْسِه (بـ) تذكر (مصيبته بـ) موتـ (ي) معرضًا (عن) الهم بتلك (المصيبة التي تصيبه بـ) موت (غيري) من أهله وأولاده، وعن الحزن بها؛ فإن المصيبة الصغيرة تضمحل وتنعدم في جنب الكبيرة؛ فحيث صبر على الكبيرة التي هي موتي .. لا ينبغي أن يبالي بالصغيرة التي هي موت غيري؛ من أهله وأولاده وأصدقائه وأحبائه.
стр. 4337
فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي".
(١٦٧) - ١٥٧٢ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَاب، عَنْ أُمِّهِ،
===
(فإن أحدًا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي) أي: لن يصاب بعدي بمصيبة (أشد) وأثقل (عليه من مصيبتي) أي: من مصيبة موتي؛ لأن موتي فيه انطفاء نور الوحي، وانقطاع خبر السماء، وانهدام عماد الدين، وانقطاع منبع الإيمان، جزاه الله عنا وعن جميع المسلمين أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" من طريق موسى بن عبيدة به.
ودرجته: أنه حسن؛ لحسن سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٧) - ١٥٧٢ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح) الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن زياد) بن أبي يزيد؛ وهو هشام بن أبي هشام أبو المقدام القرشي، ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني، متروك، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أمه) أي: عن أم هشام، لَمْ يعرف حالها، وهي مجهولة، ولم أر من ذكر ترجمتها، وقيل: عن أبيه، وهو مجهول أيضًا، ولم أر ترجمته.
стр. 4338
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ فَذَكَرَ مُصِيبَتَهُ فَأَحْدَثَ أسْتِرْجَاعًا وِإنْ تَقَادَمَ عَهْدُهَا .. كَتَبَ اللهُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَهُ يَوْمَ أُصِيبَ".
===
(عن فاطمة بنت الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية زوج الحسن بن الحسن، ثقة، من الرابعة، ماتت بعد المئة. يروي عنها: (د ت ق).
(عن أبيها) حسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي عبد الله المدني، سبط رسول الله ﷺ وريحانته، رضي الله تعالى عنه، استشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين (٦١ هـ)، وله ست وخمسون سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه هشام بن زياد، وهو متروك، وأمه أيضًا مجهولة.
(قال) الحسين بن علي: (قال النبي ﷺ : من أصيب بمصيبة) في أهله أو ولده مثلًا (فذكر) أي: تذكر (مصيبته) أي: مصيبة موته ﷺ (فأحدث) أي: جدد في وقت تذكره بموت النبي ﷺ (استرجاعًا) أي: قول: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أي: قاله قولًا جديدًا وقت التذكر؛ كأنه مات ﷺ في ذلك الوقت (وإن تقادم عهدها) أي: طال زمن مصيبة موت النبي ﷺ .. (كتب الله له) أي: لمن تذكر مصيبة موت النبي ﷺ وجدد الاسترجاع لها (من الأجر) والثواب (مثله) أي: مثل ثواب الاسترجاع الذي قيل (يوم أصيب) النبي ﷺ بمصيبة الموت.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وهكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده"، فقال: حدثنا يزيد بن هشام بن أبي هشام
стр. 4339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن أمه عن فاطمة بنت الحسين، فذكره بإسناده ومعناه، وقد اختلف النساخ هل هو عن أبيه أو أمه؟ ولا يعرف لهما حال، ورواه يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن ابن علية عن هشام بن زياد عن أبيه عن فاطمة، وتابعه أحمد بن أبي السرح عن يزيد بن هارون عن هشام، ورواه الطبراني عن ابن عباس وفيه بقية وهو مدلس. انتهى "مجمع الزوائد"، ورواه ابن السني في "عمل اليوم والليلة"، باب ما يقول إذا أصيب بولده عن مرثد مختصرًا، والعقيلي في "الضعفاء الكبير" في ترجمة فطر بن خليفة الحناط الكوفي.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف متنًا وسندًا (٢٩)(١٨٦)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: خمسة:
الأول للاستدلال، والأخير للاستئناس، والثلاثة الباقية للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4340
(٥٦) - (٤٦٣) - بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوَابِ مَنْ عَزَّى مُصَابًا
(١٦٨) - ١٥٧٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ أَبُو عُمَارَةَ مَوْلَى الْأَنْصَارِ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ،
===
(٥٦) - (٤٦٣) - (باب ما جاء في ثواب من عزى مصابًا)
(١٦٨) - ١٥٧٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد) القطواني -بفتح القاف والطاء- أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدووا يتشيع، وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا قيس أبو عمارة) الفارسي (مولى الأنصار) فيه لين، من السابعة، مات قبل الستين ومئة. يروي عنه: (ق).
(قال) قيس: (سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(يحدث عن أبيه) أي: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري - بالنون والجيم - المدني القاضي، وقد ينسب إلى جده، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يكنى أبا محمد، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن جده) أي: عن جد أبيه، وهو عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان الأنصاري النجاري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، شهد الخندق فما بعدها،
стр. 4341
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ .. إِلَّا كَسَاهُ اللهُ سُبْحَانَهُ مِنْ حُلَلِ الْكَرَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
وكان عامل النبي ﷺ على نجران، مات بعد الخمسين، وقيل: في خلافة عمر، وهو وهم. يروي عنه: (س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن قيسًا أبا عمارة مختلف فيه، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الذهبي في "الكاشف": ثقة، وقال البخاري: فيه نظر.
(عن النبي ﷺ أنه قال: ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة) أي: يأمره بالصبر عليها؛ أي: على المصيبة؛ بنحو قوله: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك .. (إلَّا كساه الله سبحانه) وتعالى؛ أي: إلَّا ألبسه الله تعالى (من حلل الكرامة) أي: من لباس الكرامة والإجلال (يوم القيامة) إظهارًا لفضله على رؤوس الأشهاد؛ أي: إلَّا ألبسه من الحلل الدالة على الكرامة عنده تعالى، أو من حلل الكرامة؛ وهي حلل نسجت من الكرامة، وهذا مبني على تجسيم المعاني، وهو أمر لا يعلمه إلَّا الله تعالى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده" هكذا، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" من طريق إسماعيل بن أبي أويس عن قيس أبي عمارة، ورواه عبد بن حميد، قال: حدثنا خالد بن مخلد، فذكره بالإسناد والمتن، وله شاهد من حديث ابن مسعود، رواه الترمذي وابن ماجة، وروى الترمذي نحوه من حديث أبي برزة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 4342
(١٦٩) - ١٥٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ عَزَّى
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عمرو بن حزم بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٩) - ١٥٧٤ - (٢) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر -بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(قال حدثنا علي بن عاصم) بن صهيب الواسطي التيمي مولاهم، صدوق يخطئ ويُصِرُّ، ورُمِيَ بالتشيع، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ)، وقد جاوز التسعين. يروي عنه: (د ت ق).
(عن محمد بن سوقة) -بضم المهملة- الغنوي -بفتح المعجمة والنون الخفيفة- أبي بكر الكوفي العابد، ثقة مرضي، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيش النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمرو الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن عاصم، وهو متروك.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : من عزى) أي:
стр. 4343
مُصَابًا .. فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ".
===
من صَبَّرَ شخصًا (مصابًا) بمصيبة الموت؛ بنحو قوله: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك .. (فله) أي: فلذلك المعزي (مثل أجره) أي: مثل أجر ذلك المصاب بمصيبته، قوله: "من عزى مصابًا" أي: ولو بغير موت؛ بالإتيان لديه، أو بالكتابة إليه بما يهون المصيبة عليه، وبِحَمْلِهِ بالصبر بوعد الأجر، أو بالدعاء بنحو: أعظم الله لك الأجر، والهمك الصبر، ورزقك الشكر .. "فله" أي: فللمعزي "مثل أجره" أي: مثل أجر المصاب على صبره؛ لأن الدال على الخير كفاعله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب الجنائز، في باب ما جاء في أجر من عزى مصابًا، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث علي بن عاصم، وقال العلائي: إنه رواه إبراهيم بن مسلم الخوارزمي عن وكيع عن قيس بن الربيع عن محمد بن سوقة موقوفًا على عبد الله بن مسعود، قال القاري: لكن له حكم المرفوع، ويعضده حديث ابن ماجة بسند حسن مرفوعًا: "ما من مسلم يعزي أخاه بمصيبة .. إلَّا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة".
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند؛ لضعف علي بن عاصم، حسن المتن بما قبله، ولأن له سندًا آخر صحيحًا، ولكنه موقوف؛ كما ذكره العلائي، وغرضه: الاستشهاد به، فالحديث: ضعيف السند، حسن المتن.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4344
(٥٧) - (٤٦٤) - بَابُ مَا جَاءَ فِي ثَوَابِ مَنْ أُصِيبَ بِوَلَدِهِ
(١٧٠) - ١٥٧٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَمُوتُ لِرَجُلٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ".
===
(٥٧) - (٤٦٤) - (باب ما جاء في ثواب من أصيب بولده)
(١٧٠) - ١٥٧٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: لا يموت لرجل) وكذا المرأة (ثلاثة من الولد فيلج النار) بنصب الفعل؛ لوقوعه في جواب النفي؛ من الولوج، وهو الدخول؛ أي: فيدخل النار (إلَّا تحلة القسم) أي: إلَّا قدر ما تنحل به القسم؛ أي: اليمين، والمراد بالقسم: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (١).
قال السندي: قوله: "لا يموت لرجل" ذكره اتفاقي لا مفهوم له، فكذا المرأة، ويحتمل أنه قيد به؛ لثبوت الحكم لها بالدلالة الالتزامية؛ لأنَّها أضعف قلبًا، وأكثر حزنًا، فإذا كان جزاء الرجل ما ذكر .. فكيف هي؟ !
قوله: "فيلج" أي: فيدخل؛ من الولوج، والمشهور عندهم نصبه على أنه جواب النفي، لكن يشكل ذلك: بأن الفاء في جواب النفي تدل على سببية
стр. 4345
(١٧١) - ١٥٧٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ
===
الأول للثاني، قال تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ (١)، وموت الأولاد ليس سببًا لدخول النار، بل سبب للنجاة منها وعدم الدخول فيها، بل لو فرض صحة السببية .. فهي غير مرادة هنا؛ لأن المطلوب أن من مات له ثلاثة أولاد لَمْ يبلغوا الحنث ذكورًا كانوا أو إناثًا .. لَمْ يدخل بعد ذلك النار إلَّا قدر تحلة القسم.
وأجيب عن الإشكال بأن الفاء هنا مجردة عن معنى السببية، فتكون بمعنى واو المعية، والمعنى حينئذ: لا يجتمع موت ثلاثة من الولد ودخول النار إلَّا تحلة القسم، والتحلة -بفتح التاء المثناة فوق وكسر المهملة وتشديد اللام- أي: إلَّا قدر ما ينحل به اليمين، قال الجمهور: المراد بالقسم: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢). انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجنائز، باب فضل من مات له ولد فاحتسب، ومسلم في كتاب الأدب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، وأحمد، والحميدي.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عتبة بن عبد السلمي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧١) - ١٥٧٦ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني