إِلَى جِبْرَائِيلَ أَنْعَاهْ، وَا أَبَتَاهْ؛ مِنْ رَبِّهِ مَا أَدْنَاهْ، وَا أَبَتَاهْ؛ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، وَا أَبَتَاهْ؛ أَجَابَ رَبًّا دَعَاهْ، قَالَ حَمَّادٌ: فَرَأَيْتُ ثَابِتًا حِينَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَكَى حَتَّى رَأَيْتُ أَضْلَاعَهُ تَخْتَلِفُ.
===
إلى جبرائيل) الأمين ﵇، الجار والمجرور متعلق بقوله: (أنعاه) أي: أخبر خبر موته وأوصله إلى جبرائيل الأمين، (وا أبتاه! ) أي: يا أبتي (من ربه) جار ومجرور متعلق بقوله: (ما أدناه! ) أَيْ: أيُّ شيء أدناه وقرَّبه إلى ربه؛ فـ "ما" تعجبية في محل الرفع مبني على السكون؛ لشبهه بالحرف شبهًا معنويًا؛ لتضمنه معنى التعجب؛ أَيْ: شيءٌ عجيبٌ جعَلَهُ قريبًا إلى ربه، (وا أبتاه! جنة الفردوس) مبتدأ خبره (مأواه) أي: منزله ومقره، (وا أبتاه! أجاب ربًا دعاه).
و(قال حماد) أيضًا بالسند السابق في رواية له: (فرأيت) شيخي (ثابتًا حين حدث) لنا (بهذا الحديث بكى) أي: رأيته باكيًا بكاءً شديدًا (حتى رأيت أضلاعه) أي: أضلاع جنبيه قاربت أن (تختلف) وتشتبك؛ كما تشبك أصابع اليدين" لشدة تنفسه عند بكائه، أو المعنى: رأيت أضلاعه تتحرك وتضطرب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب مرض رسول الله ﷺ ووفاته رقمي: (٤٤٣٣، ٤٤٦٢)، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" في كتاب الجنائز، باب سياق أخبار تدل على جواز البكاء بعد الموت، والدارمي في "المقدمة"، والنسائي في كتاب الجنائز، باب في البكاء على الميت، وأحمد في "المسند".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، وغرضه: الاستشهاد به ثانيًا لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد له ثالثًا بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 4412
(١٩٨) - ١٦٠٣ - (٥) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ .. أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ .. أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيءٍ، وَمَا نَفَضْنَا عَنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْأَيْدِيَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا.
===
(١٩٨) - ١٦٠٣ - (٥) (حدثنا بشر بن هلال الصواف) أبو محمد النميري - مصغرًا - ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي) -بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة- أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا ثابت) بن أسلم البناني.
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (لما كان) فكان تامة بمعنى: حصل؛ أي: لما حصل (اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة .. أضاء منها) أي: من المدينة (كلّ شيء) فيها، وهذا كناية عن فرح أهلها وسرورهم بقدومه ﷺ ، (فلما كان اليوم الذي مات فيه) رسول الله ﷺ .. (أظلم منها) أي: من المدينة (كلّ شيء) فيها، وهذا كناية عن شدة حزن أهلها وتأسفهم بوفاته ﷺ .
(وما نفضنا) أي: ما فرغنا (عن) دفن (رسول الله ﷺ ونفضنا (الأيدي) من تراب دفنه؛ أي: ما خلصنا من دفنه (حتى أنكرنا قلوبنا)
стр. 4413
(١٩٩) -١٦٠٤ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
أي: أنفسنا ولُمْنَاهَا على دفنهِ ﷺ ؛ لشدة حزننا ودهشتنا عند دفنه؛ أي: ما وجدناها على الحالة السابقة، ومعلوم أن البيت يصير مظلمًا إذا بعد عنه السراج والمصباح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي (٤/ ٥٤٩) في كتاب المناقب، باب في فضل النبي ﷺ ، رقم (٢٦١٨)، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٩٩) -١٦٠٤ - (٦) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي بندار.
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه (ع).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم؛ مولى ابن عمر، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 4414
قَالَ: كُنَّا نَتَّقِي الْكَلَامَ وَالانْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُنْزَلَ فِينَا الْقُرْآنُ، فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . . تَكَلَّمْنَا.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (كنا) معاشر الصحابة (نتقي) أي: نتجنب ونتحفظ (الكلام) أي: نبتعد عن إكثار الكلام معهن؛ يعني: كلام المغاضبة والمشاغبة معهن، (و) نتجنب عن (الانبساط) والاسترسال والانشراح (إلى نسائنا) في الكلام (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته؛ (مخافة) أي: كراهية (أن ينزل فينا) أي: في إنذارنا (القرآن، فلما مات) وتوفي (رسول الله ﷺ . . تكلمنا) مع نسائنا وأولادنا بما نشاء؛ لعدم خوفنا من المكالمة والتهديد والتخويف والتأديب؛ لانقطاع الوحي من السماء.
قال السندي: قوله: (كنا نتقي) يريد أنهم كانوا يتقون في وقته ﷺ ؛ مخافة نزول الوحي في النهي عن أشياء ما يفيئوا ويرجعوا عن التورع عنها بعد، فكان ذلك الورع من جملة بركات وجوده ﷺ ، وذهابه من جملة مصائب فقده ﷺ . انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، وأحمد في "مسنده".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث عائشة بحديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 4415
(٢٠٠) - ١٦٠٥ - (٧) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ الْعِجْلِيُّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَإنَّمَا وَجْهُنَا وَاحِدٌ،
===
(٢٠٠) - ١٦٠٥ - (٧) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء) الخفاف أبو نصر (العجلي) مولاهم البصري، صدوق ربما أخطأ، أنكروا عليه حديثًا في فضل العباس، من التاسعة، مات سنة أربع أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن) عبد الله (بن عون) بن أَرْطَبانَ -بفتح فسكون ففتح- المزني مولاهم البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم أبي سعيد الإمام، ثقة، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بن كعب) بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، سيد القراء رضي الله تعالى عنه، مات سنة تسع عشرة، وقيل: اثنتين أو ثلاث وثلاثين (٣٣ هـ) وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات على شرط مسلم، إلا أنه منقطع بين الحسن وبين أبي بن كعب؛ سقط من بينهما عتبة بن ضمرة، وقال ابن المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح. انتهى "تهذيب".
(قال) أُبيٌّ: (كنا مع رسول الله ﷺ ، وإنما وجهنا) أي: قصدنا معاشر الصحابة (واحد) وهو إقامة الدين، ورفض ما سواه، وإعلاء
стр. 4416
فَلَمَّا قُبِضَ. . نَظَرْنَا هكَذَا وَهكَذَا.
(٢٠١) - ١٦٠٦ - (٨) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنِي خَالِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنِي مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ،
===
كلمة الله، (فلما قبض) ومات رسول الله ﷺ . . (نظرنا هكذا وهكذا) أي: تفرقت المقاصد والمهام، فيميل مائل إلى الدنيا، وآخر إلى غيرها. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، إلا أن فيه عبد الوهاب بن خفاف، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٢٠١) - ١٦٠٦ - (٨) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الأسدي (الحزامي) صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
قال: (حدثني خالي محمد بن إبراهيم بن المطلب بن السائب بن أبي وداعة السهمي) البصري، مقبول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثني موسى بن عبد الله بن أبي أمية المخزومي) مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(حدثني مصعب بن عبد الله) بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
стр. 4417
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ الْمُصَلِّي يُصَلِّي لَمْ يَعْدُ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . . فَكَانَ النَّاسُ إِذَا قَامَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي لَمْ يَعْدُ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ جَبِينِهِ، فَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ عُمَرُ، فَكَانَ النَّاسُ إِذَا قَامَ أَحَدُهُمْ يُصَلِّي. . لَمْ يَعْدُ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ الْقِبْلَةِ، وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَكَانَتِ الْفِتْنَةُ، فَتَلَفَّتَ النَّاسُ يَمِينًا وَشِمَالًا.
===
(عن أم سلمة) هند (بنت بن أبي أمية زوج النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه موسى بن عبد الله بن أبي أمية، وهو مجهول.
(أنها قالت: كان الناس في عهد رسول الله ﷺ إذا قام المصلي) حالة كونه (يصلي. . لم يعد) قال السندي: من عدا يعدو من باب دعا يدعو؛ أي: لم يتجاوز (بصر أحدهم موضع قدميه) والمراد: أنهم كانوا على غاية الخشوع، لكن مختار كثير من الفقهاء: أنه ينظر إلى موضع سجوده، وهذا يدل على خلافه. انتهى منه.
(فلما توفي رسول الله ﷺ ، فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي. . لم يعد بصر أحدهم موضع جبينه) والجبين: هو جانبي الجبهة، (فتوفي أبو بكر، وكان عمر) أي: استخلف عنه (فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي. . لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة) أي: جهة القبلة؛ أي: لا يلتفت أحدهم يمينًا وشمالًا، (وكان عثمان بن عفان) أي: استخلف عن عمر، (فكانت الفتنة) والاختلاف بين الناس، (فتلفت) أي: فالتفت (الناس) في صلاتهم (يمينًا وشمالًا) والمراد بقوله: (فكان الناس. . .)
стр. 4418
(٢٠٢) - ١٦٠٧ - (٩) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصمٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ
===
إلى آخره: أنه ذهب عنهم تلك الحالة الأولى؛ يعني: النظر إلى موضع قدميه بتدريج وتأن.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٣٥)(١٩٢)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وغرضه: الاستئناس به.
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث عائشة بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٠٢) - ١٦٠٧ - (٩) (حدثنا الحسن بن علي الخلال، حدثنا عمرو بن عاصم) بن عبيد الله الكلابي القيسي أبو عثمان البصري، صدوق في حفظه شيء، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم البصري أبو سعيد، ثقة ثقة، قاله يحيى بن معين، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وفي "الزوائد": إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ فقد احتجا بجميع رواته.
стр. 4419
قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِعُمَرَ: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزُورُهَا قَالَ: فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا. . بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؛ فَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ؟ قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ، وَلكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، قَالَ: فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا.
===
(قال) أنس: (قال أبو بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما في زمن خلافة أبي بكر: (انطلق بنا) أي: اذهب بنا يا عمر (إلى) بيت (أم أيمن) بركة الحبشية حاضنة رسول الله ﷺ ، وهي والدة أسامة بن زيد، ماتت في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما. يروي عنها: (ق).
حالة كوننا (نزورها؛ كما كان رسول الله ﷺ يزورها) في حال حياته، (قال) أنس: وأنا معهما (فلما انتهينا) ووصلنا (إليها) أي: إلى بيتها. . (بكت) أم أيمن، (فقالا) أي: فقال العمران (لها) أي: لأم أيمن: (ما يبكيك) أي: أي شيء يبكيك يا أم أيمن، (فما عند الله) تعالى من نعيم الآخرة (خير لرسوله) ﷺ ؟
(قالت) أم أيمن في جواب سؤالهما: (إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي) أنا الآن لأجل (أن الوحي قد انقطع) نزوله (من السماء) فأظلمت الأرض بانقطاعه، (قال) أنس: (فهيجتهما) أي: هيجت أم أيمن العمرين وحثتهما (على البكاء) أي: صارت سببًا لبكائهما، (فجعلا) أي: فشرع العمران (يبكيان معها) أي: مع أم أيمن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب فضائل الصحابة،
стр. 4420
(٢٠٣) - ١٦٠٨ - (١٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ
===
باب من فضائل أم أيمن، والبيهقي في "دلائل النبوة"، باب ما جاء في عظم المصيبة التي نزلت بالمسلمين.
وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث عائشة بحديث أوس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٠٣) - ١٦٠٨ - (١٠) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسين بن على) بن الوليد الجعفي الكوفي المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزدي أبي عتبة الشامي الداراني، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأشعث) شراحيل ابن آده -بالمد وتخفيف الدال- (الصنعاني) الجرمي، يقال: آده جد أبيه، وهو ابن شرحبيل بن كليب، ثقة، من الثانية، شهد فتح دمشق. يروي عنه: (م عم).
(عن أوس بن أوس) الثقفي الدمشقي الصحابي المشهور. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أوس بن أوس: (قال رسول الله ﷺ : إن من أفضل أيامكم) يا معشر المسلمين، وفي هذا إشارة إلى أن يوم عرفة أفضل منه أو
стр. 4421
يَوْمَ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟
===
مساو له، قاله: على القاري (يوم الجمعة، فيه) أي: في يوم الجمعة (خلق آدم) أي: طينته، (وفيه النفخة) أي: النفخة الثانية التي توصل الأبرار إلى النعيم الباقي، قال الطيبي: وتبعه ابن حجر المكي؛ أي: النفخة الأولى؛ فإنها مبدأ قيام الساعة ومقدم النشأة الثانية، ولا منع من الجمع، كذا في "المرقاة".
(وفيه): أي: وفي يوم الجمعة (الصعقة) أي: الصيحة، والمراد بها: الصوت الهائل الذي يموت الإنسان من هوله، وهي النفخة الأولى، فالتكرار باعتبار تغاير الوصفين، والأولى ما اخترناه من التغاير الحقيقي. انتهى من "العون"، (فأكثروا علي) أيها المسلمون (من الصلاة) والدعاء لي بالرحمة (فيه) أي: في يوم الجمعة؛ فإن الصلاة على من أفضل العبادات، وهي فيها أفضل من غيرها؛ لاختصاصها بتضاعف الحسنات إلى سبعين على سائر الأوقات، ولكن إشغال الوقت الأفضل بالعمل الأفضل هو الأكمل الأجمل، ولكونه سيد الأيام فيصرف في خدمة سيد الأنام ﵊.
(فإن صلاتكم) علي (معروضة علي) يعني: على وجه القبول فيه، وإلا. . فهي دائمًا تعرض عليه بواسطة الملائكة، إلا عند روضته فيسمعها بحضرته، وقد جاءت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة عليه يوم الجمعة وليلتها، وفضيلة الإكثار منها على سيد الأبرار، (فقال رجل) من الحاضرين عند رسول الله ﷺ عندما حدث الرسول هذا الحديث، وفي رواية أبي داوود: (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ ولم أر من ذكر اسم ذلك الرجل-: (يا رسول الله؛ كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ ) بفتح
стр. 4422
يَعْنِي: بَلِيتَ، قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ".
===
الراء وسكون الميم وفتح التاء (يعني) الرجل بقوله: وقد أرِمْتَ: (بليت) -بفتح الموحدة وكسر اللام- وفنيت يا رسول الله؛ أي: صرت باليًا عتيقًا، والحديث قد مضى للمصنف في باب صلاة الجمعة.
قوله: (وقد أرمت) -بفتح الراء وسكون الميم وفتح التاء المخففة، ويروى بكسر الراء- جملة حالية من ضمير (عليك)، وقيل: على البناء للمفعول من الأرْمِ؛ وهو الأكل؛ أي: صرت مأكولًا للأرض، وقيل: أُرِمَّتْ بالميم المشددة والتاء الساكنة؛ أي: أُرمت العظام، وصارت رميمًا، كذا قاله التوربشتي، قال الطيبي: ويروى: رَمِصْتَ بالميمين؛ أي: صرت رميمًا؛ أي: عظامًا باليًا.
(قال) رسول الله ﷺ : (إن الله) (حرم على الأرض) أي: منعها من (أن تأكل أجساد الأنبياء) فإن الأنبياء في قبورهم أحياء، قال ابن حجر المكي: وما أفاده من ثبوت حياة الأنبياء حياةً بها يتعبدون ويصلون في قبورهم مع استغنائهم عن الطعام والشراب كالملائكة. . أَمْرٌ لا مِرْيَةَ فيه، وقد صنف البيهقي جزءًا في ذلك.
قال المنذري: رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه. انتهى. وأخرجه النسائي، وله علة دقيقة أشار إليها البخاري وغيره، وقد جمعت طرقه في جزء، وفي "النيل" بعد سرد الأحاديث في هذا الباب ما نصه: وهذه الأحاديث فيها مشروعية الإكثار من الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، وأنها تعرض عليه، وأنه حي في قبره، وقد أخرج ابن ماجه بإسناد جيد أنه ﷺ قال لأبي الدرداء: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، وفي رواية للطبراني: "ليس من عبد يصلي علي. . إلا بلغني صلاته"، قلنا: وبعد وفاتك؟ قال: وبعد وفاتي؛ إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
стр. 4423
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد ذهب جماعة من المحققين إلى أن رسول الله ﷺ حي بعد وفاته، وأنه يسر بطاعات أمته، وأن الأنبياء لا يبلون، مع أن مطلق الإدراك كالعلم والسماع ثابت لسائر الموتى، وقد صح عن ابن عباس مرفوعًا: "ما من أحد يمر على قبر أخيه المؤمن"، وفي رواية: "بقبر الرجل كان يعرفه في الدنيا، فيسلم عليه. . إلا عرفه ورد عليه"، ولابن أبي الدنيا: "إذا مر الرجل بقبر يعرفه، فسلم عليه. . رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه وسلم عليه. . رد ﵇"، وصح: "أنه ﷺ كان يخرج إلى البقيع لزيارة الموتى، ويسلم عليهم"، وورد النص في كتاب الله في حق الشهداء أنهم أحياء يرزقون، وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد، فكيف بالأنبياء والمرسلين؟ !
وقد ثبت في الحديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم" رواه المنذري، وصححه البيهقي، وفي "صحيح مسلم": عن النبي ﷺ قال: "مررت بموسى ليلة أسري بي، عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره". انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود والنسائي والبيهقي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، ورواه ابن حبان في "الإحسان" في كتاب الرقائق، باب الأدعية، وإسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، وأحمد وابن أبي شيبة والطبراني، وصححه ابن خزيمة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وله شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث عائشة بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 4424
(٢٠٤) - ١٦٠٩ - (١١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَيْمَنَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ
===
(٢٠٤) - ١٦٠٩ - (١١) (حدثنا عمرو بن سواد) -بتشديد الواو آخره دال- ابن الأسود بن عمرو بن محمد بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح العامري السرحي أبو محمد (المصري) ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري أبي أمية، ثقة حافظ فقيه، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم أبي العلاء المصري، صدوق، من السادسة، مات بعد الثلاثين ومئة، وقيل قبلها، وقيل: قبل الخمسين ومئة بسنة. يروي عنه: (ع).
(عن زيد بن أيمن) مقبول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن عبادة بن نسي) -بضم النون وفتح المهملة الخفيفة- الكندي أبي عمر الشامي، قَاضِي طبريةَ، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، قيل: اسمه عامر، وعويمر لقبه، الصحابي المشهور العابد رضي الله تعالى عنه، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، إلا أنه
стр. 4425
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا"، قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: "وَبَعْدَ الْمَوْتِ؛ إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ"، فَنَبِيُّ اللهِ ﷺ حَيٌّ يُرْزَقُ.
===
منقطع في موضعين؛ لأن عبادة بن نسي روايته عن أبي الدرداء مرسلة، قاله العلائي؛ لأنه مات سنة (١١٨ هـ)، ومات أبو الدرداء سنة (٣٢ هـ)، ورواية زيد بن أيمن عن عبادة بن نسي مرسلة أيضًا، قاله البخاري، ولكن في إرسالها في الموضعين خلاف؛ كما أشرنا إليه. (قال) أبو الدرداء: (قال رسول الله ﷺ : أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة؛ فإنه) أي: فان إكثار الصلاة علي، أو فإن ما ذكر من الصلاة (مشهود تشهده الملائكة) أي: ملائكة الرحمة أو الحفظة، (وإن أحدًا) منكم (لن يصلي عليَّ. . إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها، قال) أبو الدرداء: (قلت) لرسول الله ﷺ : (و) هل تعرض عليك الصلاة (بعد الموت؟ ) أي: بعد موتك (قال) رسول الله ﷺ : بل (و) تعرض علي (بعد الموت) لأني حي في قبري (إن الله) أي: لأن الله (حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فنبي الله ﷺ حي) في قبره (يرزق) من رزق الجنة.
قال السندي: قوله: "فنبي الله" صلوات الله وسلامه عليه. . يحتمل: أن تكون الإضافة فيه استغراقية، ويحتمل أن تكون عهدية، والمراد حينئذ: نفسه ﷺ ، وهو الظاهر، ثم هذا لا ينبغي أن يشك فيه؛ فقد جاء مثله في حق الشهداء، فكيف الأنبياء؟ ! وقد جاء في حياة الأنبياء أحاديث؛ من جملتها: "أنه
стр. 4426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ﷺ رأى موسى يصلي في قبره"، وغير ذلك. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبي ﷺ يوم الجمعة، والبيهقي في كتاب الجمعة، باب ما يؤمر به في ليلة الجمعة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وانقطاعه في موضعين مختلف فيه، فلا يضر؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أحد عشر حديثًا:
الأول منها -وهو حديث عائشة- للاستدلال، واثنان منها للاستئناس، وثمانية منها للاستشهاد؛ كما بينا ذلك عند كل حديث.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد:
من الأبواب: خمسة وستون بابًا.
ومن الأحاديث: مئتان وستة أحاديث، منها خمسة وثلاثون للاستئناس، وثلاثة وستون للاستدلال، واثنان للمتابعة، والباقي للاستشهاد.
والله وليُّ التّوفيق
стр. 4427
إلى هنا انتهى المجلد التاسع من هذا السفر النافع ويليه المجلد العاشر بإذن المولى القادر، وأوله: كتاب الصيام
قال المؤلف غفر الله ذنوبه وستر في الدارين عيوبه: انتهيت من كتابة هذا المجلد يوم السبت بتاريخ (٢٣) ربيع الأول (١٤٣٢ هـ) وقت الغروب، الموافق لـ (٢٦) شباط فبراير سنة (٢٠١١ م).
وكان تاريخ العودة إلى تأليف هذا الكتاب يوم الأربعاء (٢٠) ذو القعدة من سنة (١٤٣١ هـ).
والحمد لله تملأ الميزان، فلك الحمد مولانا ما تعاقب الجديدان، وطلع النَّيِّرانِ، وصلى الله على النبي العدنان، وعلى آله وأصحابه أهل العلم والعرفان.
اللهم يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور؛ كما تجير بين البحور. . أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور، يا عزيز يا غفور.
* * *
стр. 4428
شرح سنن ابن ماجة
المسمى مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الأثيوبي الهرري الكري البويطي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها والمدرس في دار الحديث الخيرية
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
الأستاذ الدكتور هاشم محمد علي حسين مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي سابقا - مكة المكرمة
[المجلد العاشر]
كتاب الصيام - كتاب الزكاة
стр. 4429
دَار طوق النجَاة
لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠
ص. ب: ٥٥٧٤/ ١٣/ بيروت
دَار الْمِنْهَاج
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة
هَاتِف: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وبأيِّ شكل من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بالاقتباس مِنْهُ أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا.
الرقم المعياري الدولي
٨ - ٢٠ - ٥٠٣ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
www.alminhaj.com
E- Mail: info@alminhaj.com
الخطبَّة
الحمد لله بارئ المصنوعات، ومدبر المخلوقات، ومصرف الألسن واللغات، أسبغ على عباده نِعَمه الظاهرات والباطنات، والصلاة والسلام على سيد الكائنات، وأفضل المخلوقات سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه النجوم الزاهرات.
أما بعد:
فلما أتممت المجلد التاسع وأكرمني الله بذلك. . شرعت برقم المجلد العاشر مستمدًا من المولى سبحانه الإعانة، وسائلًا منه القبول وبلوغ المأمول؛ إنه قريب مجيب.
قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه؛ آمين:
стр. 4435
(٥) - كِتَابُ الصِّيَامِ
===
(٥) - (كتاب الصيام)
والصوم والصيام مصدران لصام الأجوف الواوي، يقال: صام يصوم صومًا وصيامًا.
وهو لغةً: الإمساك مطلقًا، ولو عن نحو الكلام، ومنه قوله تعالى حكايةً عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ (١)؛ أي: إمساكًا عن الكلام، ومنه أيضًا قول الشاعر:
خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
فقوله: (صيام) أي: ممسكة عن الكر والفر، وقوله: (غير صائمة) أي: غير ممسكة عن الكر والفر، بل تكر وتفر (تحت العجاج) أي: الغبار الذي ينعقد فوق المقاتلين من آثار الحرب، (وأخرى تعلك اللجما) أي: مهيأة للقتال عليها، عند الاحتياج إليها.
وشرعًا: إمساك مخصوص، في زمن مخصوص، من شخص مخصوص بشرطه، وهذه القيود تحتاج إلى تفصيل يذكر في كتب الفقه، وأما حده على مذهب مالك. . فهو إمساك جميع أجزاء اليوم عن أمور مخصوصة بنية مُوقَعة قبل الفجر.
وقدمه على الحج؛ لأنه أفضل منه، ولهذا قدم عليه في حديث: "بني الإسلام على خمس"، وقيل: الحج أفضل منه؛ لأنه وظيفة العمر، ولأنه يكفر الكبائر والصغائر، وعلى هذا فتقديم الصوم عليه؛ لكثرة أفراد من يجب عليه
стр. 4436
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الصوم بالنسبة لأفراد من يجب عليه الحج. وأصل الصوم من الشرائع القديمة، وأما بهذه الكيفية. . فمن خصوصيات هذه الأمة.
قال في "الإيضاح": واعلم أن الصوم من أعظم أركان الدين، وأوثق قوانين الشرع المتين، به قهر النفس الأمارة بالسوء، وأنه مركَّب من أعمال القلب ومن المنع من المآكل والمشارب والمناكح عامة يومه، وهو أجمل الخصال، غير أنه أشق التكاليف على النفوس، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يبدأ في التكاليف بالأخف؛ وهو الصلاة تمرينًا ورياضةً، ثم يثنى بالوسط؛ وهو الزكاة، ويثلث بالأشق؛ وهو الصوم، وإليه وقعت الإشارة في مقام المدح في قوله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ (١)، وفي ذكر مباني الإسلام في قوله ﷺ : "وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان"، فاقتدت أئمة الشريعة في مصنفاتهم بذلك. انتهى.
وفرض في شعبان في السنة الثانية من الهجرة، فصام ﷺ تسع رمضانات، واحدًا كاملًا، وثمانية نواقص.
ولعل الحكمة في ذلك تطمين نفوس من يصومه ناقصًا من أمته، والتنبيه على مساواة الناقص للكامل من حيث الثواب المترتب على أصل صوم رمضان، لا من حيث ما زاد به الكامل على الناقص من صوم اليوم الزائد وفطره وسحوره؛ فإن ذلك أمر يفوق به الكامل على الناقص.
والأصل في وجوبه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢)؛
стр. 4437
(١) - (٤٧٣) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ الصِّيَامِ
(١) - ١٦١٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ وَوَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
أي: فرض، وقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس. . ." إلى أن قال: "وصوم رمضان".
وهو معلوم من الدين بالضرورة، فيكفر جاحده إلا إن كان قريب عهد بالإسلام أو نشأ بعيدًا عن العلماء، ومن تركه غير جاحد لوجوبه من غير عذر. . حبس ومنع من الطعام والشراب نهارًا؛ ليحصل له صورة الصوم، وربما حمله ذلك على أن ينويه، فيحصل له حينئذ حقيقته.
(١) - (٤٧٣) - (باب ما جاء في فضل الصيام)
(١) - ١٦١٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم أبو معاوية الضرير، ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ووكيع) كلاهما (عن الأعمش)، سليمان بن مهران الأسدي أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) السمان ذكوان الزيات المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 4438
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ؛ الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى مَا شَاءَ اللهُ تَعالى، يَقُولُ اللهُ: إِلَّا الصَّوْمَ؛ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : كل عمل) صالح لـ (ابن آدم يضاعف) أجره قليلًا كان أو كثيرًا (الحسنة) الواحدة تضاعف (بعشر أمثالها) وبما فوقه (إلى سبع مئة ضعف) وبما فوق السبع مئة (إلى ما شاء الله تعالى) مما لا يقادر قَدْرَه إلا الله سبحانه (يقول الله) سبحانه فيما يروي به النبي ﷺ عنه، وفيه إشارة إلى أنه من الأحاديث القدسية.
وقوله: (إلا الصوم) استثناء من حسنات ابن آدم؛ أي: كل حسنة من حسنات ابن آدم يضاعف أجرها من عشر إلى سبع مئة ضعف وإلى ما فوقها، إلا الصوم؛ فإنه لا يعلم قدر جزائه إلا أنا؛ (فإنه) أي: الصومَ يكون (لي) من بين سائر الأعمال، ليس للصائم فيه حظ، أولم يتعبد به أحد غيري، أو هو سر بيني وبين عبدي يفعله خالصًا لوجهي، أو إن فيه صفة الصمدانية؛ وهي التنزيه عن الغذاء (وأنا أجزي) صاحبه (به) وقد علم أن الكريم إذا تولى الإعطاء بنفسه. . كان في ذلك إشارةً إلى تعظيم ذلك العطاء وتفخيمه، ففيه مضاعفة الجزاء من غير عدد ولا حساب. انتهى من "الإرشاد".
(يدع) الصائم؛ أي: يترك (شهوته) أي: شهوة الجماع (وطعامه) وشرابه (من أجلي) أي: لأجل التقرب إلي، واتفقوا على أن المراد بالصائم هنا: من سلم صيامه من المعاصي.
وأدنى درجات الصوم الاقتصار على الكف من المفطرات، وأوسطها أن
стр. 4439
لِلصائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ. . أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ".
===
يضم إليه كف الجوارح عن الجرائم، وأعلاها أن يضم إليهما كف القلب عن الوساوس، وقال بعضهم: معنى: (الصوم لي لا لك) أي: أنا الذي لا ينبغي لي أن أطعم وأشرب، فإذا كان بهذه المثابة، وكان دخولك فيه لأجل كوني شرعته. . فأنا أجزي به، كأنه قال: أنا جزاؤه؛ لأن صفة التنزيه عن الطعام والشراب تطلبني، وقد تلبست بها وليست لك، لكنك اتصفت بها، في حال صومك، فهي تدخلك علي؛ فإن الصبر حبس النفس، وقد حبستها بأمري من الطعام والشراب، فلهذا قال: اللصائم فرحتان: فرحة عند فطره) في الدنيا، وتلك الفرحة لروحه الحيواني لا غير (وفرحة عند لقاء ربه) في الآخرة، وتلك الفرحة لنفسه الناطقة الطبيعية الربانية، فأورثه الصوم لقاء الله؛ وهو المشاهدة. انتهى من "الإرشاد".
(و) عزتي وجلالي (لخلوف فم الصائم) بضم المعجمة واللام على الصحيح المشهور، وضبطه بعضهم بفتح الخاء المعجمة وخطأه الخطابي، وقال في "المجموع": إنه لا يجوز؛ أي: تغير رائحة فم الصائم؛ لخلاء معدته من الطعام. . (أطيب عند الله) تعالى؛ أي: أكثر أجرًا (من ريح المسك) الذي يتطيب به يوم الجمعة عند ذهابه لصلاة الجمعة، وفي لفظ مسلم والنسائي: (أطيب عند الله يوم القيامة)، وقد وقع خلاف بين ابن الصلاح وابن عبد السلام: في أن طيب رائحة الخلوف هل هو في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط؟
فذهب ابن عبد السلام إلى أنه في الآخرة، واستدل برواية مسلم والنسائي هذه، وروى أبو الشيخ بإسناد فيه ضعف عن أنس مرفوعًا: "يخرج الصائمون من قبورهم، يعرفون بريح أفواههم، أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك).
стр. 4440
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وذهب ابن الصلاح إلى أن ذلك في الدنيا، واستدل بحديث جابر مرفوعًا: "فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك". انتهى من "الإرشاد".
واستشكل هذا من جهة أن الله تعالى منزه عن استطابة الروائح الطيبة، واستقذار الروائح المنتنة؛ فإن ذلك من صفات الحيوان، وأجيب عنه: بأنه مجاز أو استعارة؛ لأنه جرت عادتنا بتقريب الروائح الطيبة منا، واستعير ذلك؛ لتقريبه من الله تعالى، وقال ابن بطال: معناه: أي: أَزْكى عند الله تعالى؛ إذ هو تعالى لا يوصف بالشم، وقيل: معناه: أنه تعالى يُجْزِيهِ في الآخرة حتى تكون نكهتُه أطيب من ريح المسك، أو: أن صاحب الخلوف ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك عندنا.
فإن قلت: لم كان خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، ودم الشهيد ريحه ريح المسك مع ما فيه من المخاطرة بالنفس وبذل الروح؟
أجيب: بأنه إنما كان أثر الصوم أطيب من أثر الجهاد؛ لأن الصوم أحد أركان الإسلام، المشار إليها بقوله ﷺ : "بني الإسلام على خمس"، وبأن الجهاد فرض كفاية، والصوم فرض عين، وفرض العين أفضل من فرض الكفاية؛ كما نص عليه الشافعي، وروى الإمام أحمد في "المسند" أنه ﷺ قال: "دينار تنفقه على أهلك ودينار تنفقه في سبيل الله، أفضلهما الذي تنفقه على أهلك"، وجه الدليل: أن النفقة على الأهل التي هي فرض عين أفضل من النفقة في سبيل الله؛ وهو الجهاد الذي هو فرض كفاية. انتهى من "الإرشاد".
قوله: "فرحة عند فطره" أي: يفرح حينئذ طبعًا وإن لم يأكل؛ لما في
стр. 4441
(٢) - ١٦١١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
طبع النفس من محبة الإرسال وكراهة التقتير، قيل: يحتمل أن هذه هي فرحة النفس بالأكل والشرب، ويحتمل أنها فرحها بالتوفيق لإتمام الصوم والخروج عن العهدة، قوله: "وفرحة عند لقاء ربه" أي: بثوابه على الصوم، وقوله: "أطيب عند الله" أي: صاحب الخلوف عند الله أطيب وأكثر قبولًا ووجاهةً وأزيد قربًا منه تعالى مِمَّنْ صاحبَ المسكَ؛ بسبب ريحه عندكم، وهو تعالى أكثر إقبالًا عليه بسببه من إقباله على صاحب المسك بسببه. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الصوم، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب الصوم، باب فضل الصائم، والنسائي في كتاب الصيام، ومالك في "الموطأ" في كتاب الصيام، باب جامع الصيام، وأحمد في "المسند".
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عثمان بن أبي العاص رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢) - ١٦١١ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن مهاجر التجيبي (المصري) ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم أبو الحارث
стр. 4442
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ أَنَّ مُطَرِّفًا مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيَّ دَعَا لَهُ بِلَبَنٍ يَسْقِيهِ، فَقَالَ مُطَرِّفٌ: إِنِّي
===
المصري، عالم مصر وفقيهها ورئيسها، ثقة ثبت فقيه، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد مولى شريك بن الطفيل الأزدي المصري عالمها، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي هند) الفزاري مولى سمرة، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(أن مطرفًا) بن عبد الله بن الشخير -بكسر المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية- العامري الحرشي -بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة- (من بني عامر بن صعصعة) أبي عبد الله البصري أحد سادة التابعين، ثقة عابد، من الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثه) أي: حدث لسعيد بن أبي هند (أن عثمان بن أبي العاص الثقفي) الطائفي، عامل الطائف والبحرين وعمان، استعمله النبي ﷺ على الطائف، الصحابي المشهور، أبا عبد الله البصري، مات في خلافة معاوية بالبصرة سنة إحدى وخمسين (٥١ هـ) رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(دعا) أي: طلب عثمان (له) أي: لأجل مطرف (بلبن يسقيه) أي: يسقي عثمان مطرفًا؛ لأن مطرفًا كان ضيفًا عند عثمان (فقال مطرف) لعثمان: (إني
стр. 4443
صَائِمٌ، فَقَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ".
(٣) - ١٦١٢ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ،
===
صائم، فقال عثمان: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الصيام) أي: ثوابه (جنة) أي: وقاية وستارة (من النار) أي: من عذابها (كجنة أحدكم) أي: كوقاية ترس أحدكم (من) شر (القتال) وضرره من القتل والطعن والقطع؛ أي: كوقاية ترس أحدكم صاحبه من شر العدو.
قال السندي: قوله: "الصيام جنة" -بضم الجيم وتشديد النون-: وقاية وستر من النار، أو وقاية مما يؤدي العبد إليها من الشهوات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب مرسلًا، وابن حبان في "الإحسان" في كتاب الصوم، باب صوم التطوع، وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والطبراني، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣) - ١٦١٢ - (٣) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم -بمهملتين مصغرًا- ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ دس ق).
стр. 4444
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِن فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يُدْعَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَمَنْ كَانَ مِنَ الصَّائِمِينَ. . دَخَلَهُ، وَمَنْ دَخَلَهُ. . لَا يَظْمَأُ أَبَدًا".
===
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) -بالفاء مصغرًا- الديلي مولاهم المدني، أبو إسماعيل، صدوق من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(حدثني هشام بن سعد) المدني أبو عباد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع، من كبار السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني الصحابي المشهور، له ولأبيه صحبة ﵄، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدعى) أي: ينادى (يوم القيامة) فـ (يقال) في ذلك النداء: (أين الصائمون؟ ) أي: المكثرون من الصيام؛ كالعادل والظالم، يقال: لمن يعتاد ذلك لا لمن يفعل ذلك مرة، والظاهر أن الإكثار لا يحصل بصوم رمضان وحده، بل بأن يزيد عليه ما جاء فيه أنه صيام الدهر، (فمن كان من الصائمين. . دخله) أي: دخل ذلك الباب، (ومن دخله. . لا يظمأ أبدًا) أي: أبد الآبدين، وأبدًا: ظرف
стр. 4445
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يستغرق لما يستقبل من الزمان؛ كان له نهاية؛ كزمن الدنيا، أو لا؛ كمدة الآخرة، والمراد هنا: الثاني.
قوله: "دخله" أي: دخل ذلك الباب؛ ليدخل منه إلى الجنة "لم يظمأ أبدًا" ظاهره: أن هذا الوصف مخصوص بمن يدخل الجنة من ذلك الباب، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ في (طه) (١) يدل على أنه لا ظمأ في الجنة أصلًا، إلا أن يقال: ليس المراد هناك: أنه لا ظمأ أصلًا، بل المراد: بيان دوام المشارب على الفور هناك؛ بحيث لا يبقى الإنسان فيها ظمآن، لا أنه لو لم يستعمل. . لم يظمأ أصلًا، والداخل من هذا الباب يرتفع عنه الظمأ من أصله.
أويقال: معنى الحديث: أن من دخله. . لا يظمأ من أول ما دخله، والداخلون من سائر الأبواب يرتفع عنهم الظمأ من حيث استقرارهم فيها، ووصولهم إلى منازلهم المعدة لهم. انتهى "سندي".
قوله: "يقال له: باب الريان" أي: يسمى بهذا الاسم -بفتح الراء وتشديد التحتانية- على وزن فعلان؛ من الري: اسم علم على باب من أبواب الجنة، ووجه تسميته به: إما لأنه بنفسه ريان؛ لكثرة الأنهار الجارية إليه، والأزهار والأثمار الطرية لديه، أو لأن من وصل إليه. . يزول عنه عطش يوم القيامة، ويدوم له الطراوة والنظافة في دار المقام، قال الزركشي: الريان: فعلان كثير الري، نقيض العطش، سمي به؛ لأنه جزاء الصائمين على عطشهم وجوعهم، واكتفى: بذكر (الري) عن (الشبع) لأنه يدل عليه؛ من حيث إنه يستلزمه، وقيل: لأنه أشق من الجوع لا سيما في شدة الحر؛ إذ كثيرًا ما يصبر على الجوع
стр. 4446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دون العطش، ثم قيل: ليس المراد بهم: المقتصرين على رمضان، بل يلازمون النوافل من الصوم. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصوم، باب الريان للصائمين، ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصوم، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في فضل الصوم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في كتاب الصيام، باب فضل الصيام، وابن حبان في "الإحسان"، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والبيهقي، وابن خزيمة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4447
(٢) - (٤٧٤) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ
(٤) - ١٦١٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا. . غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ".
===
(٢) - (٤٧٤) - (باب ما جاء في فضل شهر رمضان)
(٤) -١٦١٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري النجاري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من صام) شهر (رمضان إيمانًا) أي: تصديقًا بأنه حق (واحتسابًا) أجر صومه على الله. . (غفر له ما تقدم من ذنبه) قال السندي: هذا وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات؛ بأنه لو كانت على الإنسان ذنوب. . يغفر له بهذه العبادات؛ أي: إن كانت، فلا يرد أن الأسباب المؤدية إلى عموم المغفرة كثيرة، فعند اجتماعها أي شيء يبقى للمتأخر منها حتى يغفر به؛ إذ المراد: بيان فضيلة
стр. 4448
(٥) - ١٦١٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
===
هذه العبادات؛ بأن لها عند الله هذا القدر من الفضل، فإن لم يكن على الإنسان ذنب. . يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات؛ كما في حق الأنبياء المعصومين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، والنسائي في كتاب الصيام، باب ثواب من قام رمضان وصامه إيمانًا واحتسابًا.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة هذا بحديث آخر له، فقال:
(٥) - ١٦١٤ - (٢) (حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء) بن كريب الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو بكر) اسمه محمد أو عبد الله أو سالم، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه (ابن عياش) -بتحتانية ومعجمة- الأسدي الكوفي المقرئ الحناط -بمهملة ونون- ثقة عابد، إلا أنه لما كبر. . ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان (الأعمش) ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 4449
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ. . صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ
===
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن رسول الله ﷺ قال: إذا كانت) أي: جاءت وحصلت ودخلت (أول ليلة من رمضان) فكان هنا تامة لا خبر لها، وجملتها فعل شرط لإذا، وجوابها جملة (صفدت الشياطين) أي: غلت وقيدت وأوثقت وسلسلت بالأصفاد؛ جمع صفد، والصفد: الغل؛ وذلك لئلا تفسد الشياطين على الصائمين صيامهم (ومردة الجن) جمع مارد؛ كطلبة وجهلة؛ وهو العاتي الشديد المتجرد للشر، ومنه: الأمرد؛ لتجرده من الشعر، وهو تخصيص بعد تعميم، أو عطف تفسير وبيان؛ كالتتميم، وقيل: الحكمة في تقييد الشياطين وتصفيدهم. . كيلا يوسوسوا في الصائمين، وأمارة ذلك: تنزه أكثر المنهمكين في الطغيان عن المعاصي، ورجوعهم بالتوبة إلى الله تعالى، وأما ما يوجد خلاف ذلك في بعضهم. . فإنها تأثيرات من تسويلات الشياطين، أغرقت في عمق تلك النفوس الشريرة، وباضت في رؤوسها.
وقد خص من عموم "صفدت الشياطين" زعيم زمرتهم، وصاحب دعوتهم؛ ليكون الإنْظارُ الذي سأله من الله، فأجيب إليه، فيقع ما يقع من المعاصي بتسويله وإغوائه، ويمكن أن يكون التقييد كناية عن ضعفهم في الإغواءِ والإضلالِ، كذا في "المرقاة"، وقال الحافظ في "الفتح": قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم
стр. 4450
وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ،
===
لحرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين، ويؤيد هذا الاحتمال الثاني قوله في رواية عند مسلم: "فتحت أبواب الرحمة".
(وغُلِّقَتْ أبوابُ النارِ) أي: قُفِّلَتْ، قال القاري: غلقت بالتشديد أكثر، قال السندي: غلقت، أي: تبعيدًا للعقاب عن العباد، وهذا يقتضي: أن أبواب النار كانت مفتوحةً، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ (١)؛ لجواز أن هناك غلقًا قبل ذلك، وغلق أبواب النار لا ينافي موت الكفرة في رمضان وتعذيبهم بالنار فيه؛ إذ يكفي في عذابهم فتح باب صغير من القبر إلى النار غير الأبواب المعهودة الكِبار، (فلم يفتح منها) أي: من أبواب النار (باب) أصلًا.
(وفتحت أبواب الجنة) تقريبًا للرحمة إلى العباد، وهذا يدل على أن أبواب الجنة كانت مغلقة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ (٢) إذ ذلك لا يقتضي دوام كونها مفتحة لهم الأبواب (فلم يغلق منها باب)، وأما الرواية التي فيها: (أبواب الرحمة، وأبواب السماء). . فمن تصرف الرواة، والأصل: "أبواب الجنة"؛ بدليل ما يقابله؛ وهو "غُلِّقَتْ أبوابُ النار"، قال الحافظ: وقال القرطبي بعد أن رجح حمله على ظاهره: فإن قيل: كيف نرى الشرور والمعاصي واقعةً في رمضان كثيرًا، فلو صفدت الشياطين. . لم يقع ذلك؟ فالجواب أنها إنما تَقِلُّ عن الصائمين الصومَ الذي حُوفظ على شروطه وروعيت آدابه، أو المصفد بعض الشياطين لا كلهم، أو المراد: تقليل الشرور