الَّتِي تَخَافُ عَلَى نَفْسِهَا أَنْ تُفْطِرَ، وَلِلْمُرْضِعِ الَّتِي تَخَافُ عَلَى وَلَدِهَا.
===
أي: للحامل (التي تخاف على نفسها) الهلاك أو على جنينها الإسقاط (أن تفطر) من صوم رمضان، (و) رخص أيضًا اللمرضع التي تخاف على ولدها) الهلاك بسبب قلة لبنها أو عدمه، ولا خلاف في جواز الإفطار للحامل والمرضعة إذا خافت المرضعة على المُرْضَع والحامل على الجنين، قال الشوكاني في "النيل": يجوز للحبلي والمرضع الإفطار، وقد ذهب إلي ذلك العترة والفقهاء إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين، وقالوا: إنها تفطر حتمًا، قال أبو طالب: ولا خلاف في الجواز. انتهى.
قال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وبه يقول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد، أما أنهما تقضيان .. فلأنهما في حكم المريض، والمريض يفطر ويقضي، وأما أنهما تطعمان .. فلآثار بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، روى أبو داوود في "سننه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (١): كانت رخصةً للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الطعام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلي والمرضعة إذا خافتا؛ يعني: على أولادهما .. أفطرتا وأطعمتا، وأخرجه البزار كذلك، وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلي: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، فعليك الفداء ولا قضاء عليك، وصحح الدارقطني إسناده.
وروى الإمام مالك في "الموطأ" بلاغًا أن عبد الله بن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، واشتد عليها الصيام، فقال: تفطر وتطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا من حنطة بمد النبي ﷺ ، قال مالك: وأهل
стр. 4517
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العلم يرون عليها القضاء؛ كما قال الله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١)، ويرون ذلك مرضًا من الأمراض مع الخوف على ولدها. انتهى.
وقال بعضهم: تفطران وتطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا .. قضتا ولا إطعام، وبه يقول إسحاق؛ فعنده لا يجمع بين القضاء والإطعام، فإذا أفطرت الحامل والمرضع .. قضتا ولا إطعام، أو أطعمتا ولا قضاء. انتهى من "تحفة الأحوذي"، قال الحافظ في "الفتح": اختلف في الحامل والمرضع ومن أفطر لكبر ثم قوي على القضاء بعد: فقال الشافعي يقضون ويطعمون، وقال: الأوزاعي والكوفيون: لا إطعام. انتهى.
قال البخاري في "صحيحه": قال الحسن وإبراهيم في المرضع والحامل: إذا خافتا على أنفسهما أو ولدهما .. تفطران ثم تقضيان. انتهى، واستدل من قال: إن الحامل والمرضع تفطران وتقضيان ولا إطعام بأن الأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؛ أي: إذا أفطر .. يلزم عليه الصوم بقدر ما فاته ولا أثر للفدية فيه، والحامل والمرضع أعطي لهما حكم المريض، فيلزم عليهما القضاء فقط، ويشهد عليه حديث الباب. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح المتن بما قبله؛ يعني: حديث أنس بن مالك الكعبي، ضعيف السند؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس الكعبي.
* * *
стр. 4518
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4519
(١٣) - (٤٨٥) - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ
(٣٢) - ١٦٤١ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنْ كَانَ لَيَكُونُ عَلَيَّ الصِّيَامُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ فَمَا أَقْضِيهِ حَتَّى يَجِيءَ شَعْبَانُ.
===
(١٣) - (٤٨٥) - (باب ما جاء في قضاء رمضان)
(٣٢) - ١٦٤١ - (١) (حدثنا علي بن المنذر) الطريقي -بفتح الطاء وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف- الكوفي، صدوق يتشيع، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(قال: سمعت عائشة تقول).
وهدا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(إن كان) الشأن (ليكون على الصيام من شهر رمضان) أي: قضاؤه (فما أقضيه حتى يجيء شعبان) قوله: (إن كان ليكون) كلمة إن مخففة من الثقيلة، وفي (كان) ضمير الشأن، واللام في اليكون) مفتوحة؛ للفرق بين المخففة والنافية، قال العيني: وفائدة اجتماع (كان) مع (يكون)
стр. 4520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بذكر إحداهما بصيغة الماضي والأخرى بصيغة المضارع .. تحقيق القضية وتعظيمها؛ تقديره: كان الشأن يكون كذا، وأما تغيير الأسلوب .. فلإرادة الاستمرار وتكرر الفعل. انتهى.
قوله: (فما أقضيه حتى يجيء شعبان) قال العيني: ومما يستفاد من الحديث أن القضاء موسع، ويصير في شعبان مضيقًا، ويؤخذ من حرصها على القضاء في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان، فإن دخل .. فالقضاء واجب أيضًا، فلا يسقط، وأما الإطعام .. فليس في الحديث له ذكر، لا بالنفي ولا بالإثبات، وقد وقع فيه الخلاف، قال البخاري: ولم يذكر الله تعالى الإطعام، إنما قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (١) قال الحافظ: ولا يلزم من عدم ذكره في الكتاب ألا يثبت بالسنة، ولم يثبت فيه شيء مرفوع، وإنما جاء فيه عن جماعة من الصحابة، ونقل الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لم أعلم لهم فيه مخالفًا. انتهى.
وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وأصحابه، ومال الطحاوي إلي قول الجمهور في ذلك، وممن قال بالإطعام ابن عمر، لكنه بالغ في ذلك، فقال: يطعم ولا يصوم، قال الطحاوي: تفرد بذلك ابن عمر. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصوم، باب من يقضي قضاء رمضان في شعبان، ومسلم في كتاب الصيام، باب قضاء رمضان في شعبان، والنسائي في كتاب الصيام، باب وضع الصيام عن الحائض.
стр. 4521
(٣٣) -١٦٤٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٣٣) - ١٦٤٢ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثينن ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير، عن عبيدة) -بضم المهملة مصغرًا- ابن مُعَتِّب -بضم الميم وفتح العين وكسر المثناة المشددة على صيغة اسم الفاعل آخره موحدة- الضبي أبي عبد الرحيم الكوفي الضرير، ضعيف واختلط بأخرة، من الثامنة، وما له في "البخاري" سوى موضع واحد في الأضاحي. روى عن: إبراهيم النخعي، ويروي عنه: (د ت ق)، وعبد الله بن نمير، ووكيع، وهشيم، وغيرهم.
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمرو الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
стр. 4522
قَالَتْ: كُنَّا نَحِيضُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَأْمُرُنَا بِقَضَاءِ الصَّوْمِ.
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبيدة بن معتب، وهو ضعيف.
(قالت) عائشة: (كنا) معاشر أزواج النبي ﷺ (نحيض عند النبي ﷺ فيأمرنا بقضاء الصوم) الذي فاتنا بسبب الحيض دون الصلاة، وفي رواية الترمذي زيادة: (ولا يأمرنا بقضاء الصلاة) الفائتة بسبب الحيض، وقد علل ذلك بأن قضاء الصوم لا يشق؛ لأنه لا يكون في السنة إلا مرة، بخلاف قضاء الصلاة؛ فإنه يشق كثيرًا؛ لأنه يكون غالبًا في كل شهر ستًا أو سبعًا، وقد يمتد إلى عشر، فيلزم قضاء صلوات أربعة أشهر من السنة، وذلك في غاية المشقة، قاله القاري. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في قضاء الحائض الصيام، والنسائي في كتاب الصوم، باب وضع الصيام عن الحائض، قال أبو عيسى: حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن معاذة عن عائشة أيضًا بسند صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داوود والنسائي وابن ماجه.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه مما اتفق عليه أصحاب الأمهات الست، وهذا السند الذي ذكره ابن ماجه ضعيف؛ لأن عبيدة بن معتب اتفقوا على ضعفه، فهذا الحديث: صحيح المتن، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 4523
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: حديثان:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4524
(١٤) - (٤٨٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي كفَّارَةِ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ
(٣٤) - ١٦٤٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: هَلَكْتُ، قَالَ: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ "، قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي
===
(١٤) - (٤٨٦) - (باب ما جاء في كفارة من أفطر يومًا من رمضان) بجماع
* * *
(٣٤) - ١٦٤٣ - (١)) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثانية، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (أتى النبي ﷺ رجل) من المسلمين؛ هو سلمة بن صخر البياضي، قاله عبد الغني بن سعيد المصري، وساق له شاهدًا، ولا أعرف اسم امرأته. انتهى من "تنبيه المعلم على مبهمات مسلم"، (فقال) ذلك الرجل: (هلكت) يا رسول الله؛ أي: وقعت في سبب الهلاك الأخروي، أو تعمدت ما يوجب هلاكي الأخروي، ويروى: (أهلكت) يريد: إهلاك زوجته؛ بتحصيله لها ذنبًا يوجب هلاكها أبدًا. انتهى من بعض هوامش "مسلم".
فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (وما أهلكك؟ ) أي: وما الأمر الذي أوقعك في الهلاك؟ (قال) الرجل: (وقعت على امرأتي) أي: جامعتها
стр. 4525
فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَعْتِقْ رَقَبَةً"، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: "صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ" قَالَ: لَا أُطِيقُ، قَالَ: "أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا"، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: "اجْلِسْ"،
===
(في) نهار (رمضان) ولم أر من ذكر اسم هذه المرأة من شراح الأمهات، (فقال) له (النبي ﷺ : أعتق رقبةً) أي: حرر نفسًا مملوكة من بني آدم، قال الحافظ ابن حجر: واستدل بإطلاق (رقبة) على جواز إعتاق الرقبة الكافرة؛ كقول الحنفية، وهو يَبْتَنِي على أنَّ السبب إذا اختلف واتحد الحكم هل يقيد الحكم أو لا؟ وهل تقييده بالقياس أو لا؟ والأقرب أنه بالقياس، ويؤيده التقييد في مواضع أخرى. انتهى.
قال الأبي: وحمل المطلق على المقيد إذا اختلف الموجب؛ كالظهار مع القتل في الرقبة .. فالذي ينقله الأصوليون أن مذهب مالك وأكثر أصحابه عدم الحمل؛ كمذهب أبي حنيفة، والفطر في رمضان؛ كالظهار. انتهى "فتح".
(قال) الرجل لرسول الله ﷺ : (لا أجد) رقبةً أعتقها ولا أستطيع عليها، فـ (قال) له النبي ﷺ : (صم شهرين متتابعين) أي: متواليين لا مفرقين في أنفسهما، ولا مفرقًا أيامهما، (قال) الرجل: (لا أطيق) ولا أقدر صومهما كذلك، وفي رواية ابن إسحاق زيادة: (وهل لقيتُ ما لقيتُ إلا من الصيام؟ ! ) فـ (قال) له النبي ﷺ : (أطعم ستين مسكينًا) لكل مسكين مدًا بدل صوم شهرين، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجزئه أن يدفع طعام ستين مسكينًا إلي مسكين واحد، قالوا: والحديث حجة عليه؛ فلا يجزئ ذلك. (قال) الرجل لرسول الله ﷺ : (لا أجد) أي: لا أقدر أن أطعم ستين مسكينًا، فـ (قال) له النبي ﷺ : (اجلس) هنا
стр. 4526
فَجَلَسَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ .. إِذْ أُتِيَ بِمِكْتَلٍ يُدْعَى: الْعَرَقَ، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَتَصَدَّقْ بِهِ"
===
حتى يأتيك الفرج، (فجلس) الرجل عند النبي ﷺ (فبينما هو) أي: الرجل كائن (كذلك) أي: جالس عند النبي ﷺ .. (إذ أتي) النبي ﷺ بالبناء للمجهول، وإذ بسكون الذال فجائية؛ كإذا؛ أي: فاجأ الرجل إتيان النبي ﷺ (بمكتل) أي: بزنبيل (يدعى) أي: يسمى ذلك المكتل: (العرق) -بفتحتين- وهو مكيال يسع خمسة عشر صاعًا إلي عشرين، والعرق بفتح الراء لا غير؛ لأنه جمع عرقة؛ وهي الضفيرة من الخوص؛ وهو الزنبيل بكسر الزاي على رواية الطبري، وبفتح الزاي لغيره، وهما صحيحان، وسمي بذلك؛ لأنه يحمل فيه الزبل، ذكره ابن دريد.
قال في "النهاية": هو زنبيل منسوج من نسائج الخوص، وكل شيء مضفور .. فهو عرق، وهذا العرق تقديره عندهم خمسة عشر صاعًا، وهو مفسر في الحديث، وقد تقدم أن الصاع أربعة أمداد، فيكون مبلغ أمداد العرق ستين مدًّا، ولهذا قال الجمهور: إن مقدار ما يدفع لكل مسكين من الستين .. مد، وفيه حجة للجمهور على أبي حنيفة والثوري؛ حيث قالا: يجزئ أقل من نصف صاع لكل مسكين.
(فقال) له النبي ﷺ : خذ هذا العرق و (اذهب) به (فتصدق به) أي: بما فيه من التمر على المساكين؛ ليكون كفارة لجماعك، ولابن إسحاق: (فتصدق عن نفسك)، واستدل به على أن الكفارة عليه وحده دون الموطوءة؛ إذ لم يؤمر بها إلا هو، مع الحاجة إلى البيان، ولنقصان صومها بتعرضه للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل حرمته حتى تتعلق به
стр. 4527
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ؛ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، قَالَ: "فَانْطَلِقْ فَأَطْعِمْهُ عِيَالَكَ".
===
الكفارة، ولأنها غُرْمٌ مالي يتعلَّق بالجماع، فيختص بالرجل الواطئ كالمهر، فلا يجب على المطوءة.
وقال المالكية: إذا وطئ أمته في نهار رمضان .. وجبت عليه كفارتان؛ إحداهما عن نفسه والأخرى عن الأمة وإن طاوعته؛ لأن مطاوعتها كالإكراه للرق، وكذلك يكفر عن الزوجة إن أكرهها على الجماع، وتكفيره عنها بطريق النيابة عنهما لا بطريق الأصالة، فلذلك لا يكفر عنهما إلا بما يجزئهما في التكفير، فيكفر عن الأمة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها، ولا بالصوم؛ لأن الصوم لا يقبل النيابة، ويكفر عن الزوجة بالعتق أو الإطعام، فإن أعسر .. كفرت الزوجة عن نفسها، ورجعت عليه بما كفرت إذا أيسر بالأقل من قيمة الرقبة التي اعتقت أو مكيلة الطعام، وأوجبها الحنفية على المرأة المطاوعة؛ لأنها شاركت الرجل في الإفساد، فتشاركه في وجوب الكفارة؛ أي: سواء كانت زوجةً أو أمة، وقال الحنابلة: ولا يلزم المرأة مع العذر، قال المرداوي: نص عليه، وعليه أكثر الأصحاب، وعنه: تكفر وترجع بها على الزوج، اختاره بعض الأصحاب، وهو الصواب. انتهى من "الإرشاد".
(قال) الرجل: (يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق؛ ما بين لابتيها) أي: ما بين لابتي المدينة؛ وهما الحرتان (أهل بيت أحوج إليه) أي: إلي هذا التمر (منا) أي: من أهل بيتي، فـ (قال) له النبي ﷺ : خذه (فانطلق) به (فأطعمه عيالك) أي: أهلك، أي: لا عن الكفارة، بل هو تمليك مطلق بالنسبة إليه وإلي عياله، وأخذهم إياه بصفة الفقر؛ وذلك لأنه لما عجز عن العتق لإعساره، وعن الصوم لضعفه، فلما حضر ما يتصدق به .. ذكر
стр. 4528
(٣٤) -١٦٤٣ - (م) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عُمَرَ،
===
أنه وعياله محتاجون إليه، فتصدق به ﷺ عليه، وكان من مال الصدقة، وصارت الكفارة في ذمته، وليس استقرارها في ذمته مأخوذًا من هذا الحديث، وأما حديث عَلِيٍّ بلفظ: "فكله أنت وعيالك؛ فقد كفر الله عنك " .. فضعيف لا يحتج به. انتهى "قسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصيام، باب إذا جامع في رمضان وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب الصيام، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، وأبو داوود في كتاب الصيام، باب كفارة من أتى أهله في نهار رمضان، والترمذي في كتاب الصيام، باب كفارة الفطر في رمضان.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث، فقال:
(٣٤) -١٦٤٣ - (م) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، صاحب الشافعي وتلميذه، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الجبار بن عمر) الأيلي -بفتح الهمزة وسكون التحتانية-
стр. 4529
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ فَقَالَ: "وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ".
===
الأموي مولاهم، ضعيف، من السابعة مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثني يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الجبار بن عمر، وهو وإن وثقه ابن سعد في "الطبقات" .. فقد ضعفه يحيى بن معين والبخاري، وغرضه: بيان متابعة سعيد بن المسيب لحميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة.
(عن رسول الله ﷺ ... ) وساق سعيد بن المسيب (بذلك) الحديث السابق الذي رواه حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة بطوله (فقال): أي: فزاد سعيد بن المسيب في روايته: (وصم يومًا مكانه) أي: زاد بعد قوله: "فأطعمه عيالك": (وصم يومًا) واحدًا (مكانه) أي: مكان اليوم الذي أفسدته بالجماع، وهذه الزيادة باطلة؛ لأن عبد الجبار زادها، وهو ضعيف خالف فيها الثقات، فهي منكرة.
وهذه المتابعة انفرد بها ابن ماجه، وهي ضعيفة (٢)(١٩٤).
* * *
стр. 4530
(٣٥) - ١٦٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ الْمُطَوِّسِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُطَوِّسِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٥) - ١٦٤٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي.
(عن حبيب بن أبي ثابت) قيس، وقيل: هند بن دينار الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) يزيد، وقيل: عبد الله (بن المطوس) لين الحديث، من السادسة.
يروي عنه: (عم). روى عن أبيه عن أبي هريرة حديث: "من أفطر في رمضان من غير رخصة".
(عن أبيه المطوس) روى عن أبي هريرة حديث الفطر في رمضان، ويروي عنه ابنه يزيد أبو المطوس، وفي حديثه اختلاف، قلت: وقد علق البخاري حديثه في الصيام، وبينت ذلك في "تعليق التعليق"، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه المطوس، وهو مجهول، وكذا ابنه يزيد بن المطوس.
стр. 4531
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ .. لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ".
===
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أفطر يومًا) واحدًا (من) صوم (رمضان) عمدًا (من غير رخصة) تجوز الفطر؛ كالمرض والسفر .. (لم يجزه) من الإجزاء؛ أي: لم يكف لذلك المفطر بغير رخصة (صيام الدهر) والعام كله قضاء عن ذلك اليوم، ولا يكون صيام الدهر مثلًا له من كل وجه؛ لبقاء إثم التعمد.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصوم، باب التغليظ فيمن أفطر عمدًا، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في الإفطار متعمدًا، والدارمي، وأحمد بن حنبل.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٣)(١٩٥)؛ لضعف سنده، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثالث للاستئناس.
والله أعلم
стр. 4532
(١٥) - (٤٨٧) - بَابُ مَا جَاءَ فِيمَنْ أَفْطَرَ نَاسِيًا
(٣٦) - ١٦٤٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ خِلَاسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا
===
(١٥) - (٤٨٧) - (باب ما جاء فيمن أفطر ناسيًا)
(٣٦) - ١٦٤٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي.
(عن عوف) بن أبي جميلة -بفتح الجيم- العبدي الهجري أبي سهل البصري المعروف بالأعرابي، واسم أبي جميلة بندويه، ويقال: بُنْدَوَيهِ اسمُ أمه، واسم أبيه: رُزَيْنَةُ. انتهى "تهذيب"، وفي "التقريب": ثقة، رمي بالقدر وبالتشيع، من السادسة، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ)، وله ست وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن خلاس) - بكسر أوله وتخفيف اللام- ابن عمرو الهجري -بفتحتين- البصري، ثقة، من الثانية، وكان يرسل، وكان على شرطة علي، وقد صح أنه سمع من عمار. يروي عنه: (ع).
(و) عن (محمد بن سيرين) الأنصاري البصري، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أكل ناسيًا)
стр. 4533
وَهُوَ صَائِمٌ .. فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ".
===
لصومه (وهو صائم) أي: والحال أنه ناوٍ للصوم في الليل في الفرض، أو في أول النهار في النفل؛ أي: أكل أو شرب ناسيًا، وكذا الجماع ناسيًا .. (فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله) تعالى (وسقاه) يعني: أنه لما أفطر ناسيًا .. لم يُنسب إليه من ذلك الفطر شيء، وتمحضت نسبة الإطعام والسقي إلى الله تعالى؛ إذ هو فعله، ولذلك قال في بعض رواياته: "فإنما هو رزق ساقه الله إليه"، قال النووي: وفي الحديث دلالة: لمذهب الأكثرين؛ أن الصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسيًا .. لا يفطر، وممن قال بهذا: الشافعي، وأبو حنيفة، وداوود، وآخرون.
وقال ربيعة ومالك: يفسد صومه وعليه القضاء دون الكفارة، وقال عطاء والأوزاعي والليث: يجب القضاء في الجماع دون الأكل، وقال أحمد: يجب في الجماع القضاء والكفارة، ولا شيء في الأكل، وقال ابن دقيق العيد: ذهب مالك ومن وافقه إلى إيجاب القضاء على من أكل أو شرب ناسيًا، وهو القياس؛ فإن الصوم قد فات ركنه، وهو من باب المأمورات، والقاعدة: أن النسيان لا يؤثر في المأمورات.
قال القرطبي: وأيضًا إن الذي تعرض في الحديث سقوط المؤاخذة عمن أفطر ناسيًا، والأمر بمضيه على صومه وإتمامه، فأما القضاء .. فلا بد له منه؛ إذ المطلوب صيام يوم تام لا يقع فيه خرم، ولم يأت به، فهو باقٍ عليه، هذا عذر أصحابنا عن هذا الحديث الذي جاء بنص "صحيح مسلم"، وفي "كتاب الدارقطني" لهذا الحديث مساق أنصُّ من هذا؛ أعني: عن أبي هريرة قال: (إذا أكل الصائم ناسيًا .. فإنما هو رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه) رواه الدارقطني (٢/ ١٧٨)، قال الدارقطني في إسناده: إسناد صحيح، وكلهم ثقات،
стр. 4534
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي طريق آخر له: (من أفطر في شهر رمضان ناسيًا .. فلا قضاء عليه ولا كفارة) وهو صحيح أيضًا، وهذه النصوص لا تقبل ذلك الاحتمال والشأن في صحتها، فإن صحت .. وجب الأخذ بها، وحكم بسقوط القضاء. انتهى من "المفهم".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: وفي الحديث لطف الله تعالى بعباده، والتيسير عليهم، ورفع المشقة والحرج عنهم، وقد روى أحمد لهذا الحديث سببًا، فأخرج من طريق أم حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق أنها كانت عند النبي ﷺ ، فأتي بقصعة من ثريد، فأكلت معه، ثم تذكرت أنها كانت صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ ! فقال لها النبي ﷺ : "أتمي صومك؛ فإنما هو رزق ساقه الله إليك"، وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل وكثيره، ومن المستظرفات ما رواه عبد الرزاق عن ابن جُرَيْجٍ عن عمرو بن دينار أن إنسانًا جاء إلي أبي هريرة، فقال: أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت وشربت، قال: لا بأس، الله أطعمك وسقاك، ثم قال: دخلت على إنسان آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة: أنت إنسان لم تتعود الصيام. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا، ومسلم في كتاب الصيام، باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر، وأبو داوود في كتاب الصيام، باب من أكل ناسيًا، والترمذي، وابن ماجه.
فدرجته: أنه صحيح في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 4535
(٣٧) - ١٦٤٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي يَوْمِ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ،
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵃، فقال:
(٣٧) - ١٦٤٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة.
(عن هشام بن عروة، عن فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بن العوام زوج هشام بن عروة، ثقة، من الثالثة. يروي عنها: (ع).
(عن) جدتها (أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) أسماء: (أفطرنا) من صوم رمضان ظانين غروب الشمس (على عهد رسول الله ﷺ في يوم) ذي (غيم) أي: سحاب، (ثم) بعدما أفطرنا (طلعت الشمس) أي: خرجت من تحت السحاب، فظهر لنا أنها لم تغرب حين إفطارنا، قال الخطابي: اختلف الناس في وجوب القضاء في مثل هذا: فقال أكثر العلماء: القضاء واجب عليه، وقال إسحاق وأهل الظاهر: لا قضاء عليه ويمسك بقية النهار عن الأكل حتى تغرب الشمس، وروي ذلك عن الحسن البصري، وشبهوه بمن أكل ناسيًا في الصوم، قال الخطابي: الناسي لا يمكنه أن يحترز من الأكل ناسيًا، وهذا يمكنه أن يمكث فلا يأكل حتى يتبين
стр. 4536
قُلْتُ لِهِشَامٍ: أُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: فَلَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ.
===
غيبوبة الشمس؛ فالنسيان خطأ في الفعل، وهذا خطأ في الوقت والزمان، والتحرز منه ممكن. انتهى، انتهى من "العون".
قال أبو أسامة: (قلت لهشام) بن عروة: هل (أمروا) أي: أمر الناس الذين أفطروا كذلك (بالقضاء؟ ) أي: بقضاء صوم ذلك اليوم الذي أفطروا فيه ظانين الغروب؛ أي: هل أمرهم النبي ﷺ بقضاء ذلك؟ أي: أبلغكم أنهم أمروا بقضاء ذلك اليوم؟ (قال) هشام في جواب سؤال أبي أسامة: نعم، أمروا بالقضاء (فلا بد من ذلك) أي: لا بد ولا غنىً من قضاء ذلك اليوم؛ لأنهم قصروا في التحري للصوم؛ لأن الأصل بقاء النهار ما لم يتيقنوا الغروب، ولفظ أبي داوود: (قال: وبد من ذلك؟ ) أي: هل بد من قضاء؟ فحرف الاستفهام مقدر، وفي رواية أبي ذر لصحيح البخاري: (لا بد من قضاءٍ).
قال القسطلاني: وهذا مذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة، وعليه أن يمسك بقية النهار؟ لحرمة الوقت، ولا كفارة عليه، وقد روي عن مجاهد وعطاء وعروة عدم القضاء، وعن عمر يقضي وفي آخر لا، رواهما البيهقي، وضعفت الثانية النافية، وفي هذا الحديث؛ كما قاله ابن المنير أن المكلفين إنما خوطبوا بالظاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا .. فلا حرج عليهم في ذلك. انتهى، انتهى من "العون".
قال ابن القيم في "شرح أبي داوود": وأجود ما فرق به بين المسألتين؛ يعني: مسألة من أخطأ بظنه الغروب، ومسألة من أكل ناسيًا .. أن المخطئ كان متمكنًا من إتمام صومه؛ بأن يؤخر الفطر حتى يتيقن الغروب، بخلاف الناسي؛ فإنه لا يضاف إليه الفعل، ولم يكن يمكنه الاحتراز من النسيان، وهذا وإن كان فرقًا في الظاهر .. فهو غير مؤثر في وجوب القضاء؛ كما لم يؤثر في
стр. 4537
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الإثم اتفاقًا، ولو كان منسوبًا إلى تفريط .. للحقه الإثم، فلما اتفقوا على أن الإثم موضوع عنه .. دل على أن فعله غير منسوب فيه إلي تفريط، لا سيما وهو مأمور بالمبادرة إلى الفطر، والسبب الذي دعاه إلى الفطر غير منسوب إليه في الصورتين؛ وهو النسيان في مسألة الناسي، وظهور الظلمة وخفاء النهار في صورة المخطئ، فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان، وهذا أطعمه الله وسقاه بإخفاء النهار، ولهذا قال صهيب: هي طعمة الله، ولكن هذا أولى؛ فإنها طعمة الله إذنًا وإباحةً، وإطعام الناسي طعمته عفوًا ورفع حرج، فهذا مقتضى الدليل. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصوم، باب إذا أفطر في رمضان ثم طلعت الشمس، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب الفطر قبل غروب الشمس، وأحمد بن حنبل.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وله مشاركة، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4538
(١٦) - (٤٨٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّائِمِ يَقِيءُ
(٣٨) - ١٦٤٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَعْلَى وَمُحَمَّدُ ابْنَا عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ قَالَ: سَمِعْتُ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ
===
(١٦) - (٤٨٨) - (باب ما جاء في الصائم يقيء)
(٣٨) - ١٦٤٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يعلى ومحمد ابنا عبيد) -بغير إضافة- ابن أبي أمية (الطنافسي) الكوفي؛ أما محمد .. فهو المعروف بالأحدب، ثقة يحفظ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع)، وأما يعلى .. فهو المكني بأبي يوسف، ثقة إلا في حديثه عن الثوري، ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين (٢٠٣ هـ)، وله تسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي، صدوق يدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد أبي رجاء المصري، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي مرزوق) التجيبي -بضم المثناة وكسر الجيم- مولاهم المصري -بالميم- نزيل بُرْقَةَ، اسمه: حبيب بن شهيد على الأشهر، ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قال) أبو مرزوق: (سمعت فضالة بن عبيد) بن نافذ بن قيس (الأنصاري) الأوسي، أول ما شهد من المشاهد أحد، ثم نزل دمشق وولي قضاءها، ومات
стр. 4539
يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي يَوْمٍ كَانَ يَصُومُهُ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كُنْتَ تَصُومُهُ قَالَ: "أَجَلْ، وَلكِنِّي قِئْتُ".
===
سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ) رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سمعت فضالة (يحدث أن النبي ﷺ خرج عليهم) من منزله (في يوم كان) في عادته (يصومه) كيوم الخميس مثلًا (فـ) لما وصل إلينا (دعا) أي: طلب (بإناء) فيه ماء ليشربه، فأتي بماء (فشربـ) ـه (فقلنا) له معاشر الحاضرين: (يا رسول الله؛ إن هذا) اليوم الذي كنت تشرب فيه الماء (يوم كنت تصومه) في عادتك، فلم شربت الماء فيه؟
(قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (أجل) أي: نعم، كان هذا اليوم يومًا أصومه في عادتي (ولكني قئت) أي: أخرجت القيء باختياري؛ لغرض إخراج البلغم، فبطل صومي، فلذلك شربت الماء؛ لأنه ربما عاد إلى الجوف ما أخرجه القيء إلي ظاهر الفم، فيبطل صومه، أما إذا غلبه القيء، فخرج منه بغير اختياره .. فلا يبطل صومه؛ لضرورة غلبة القيء؛ كما تقرر هذا التفصيل في كتب الفروع، وكما يدل عليه الحديث التالي بعده، والله أعلم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الدارقطني في "سننه"، وأبو يعلى الموصلي من طريق أبي مرزوق به، وفي آخره: "ولكني قئت وأفطرت".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 4540
(٣٩) - ١٦٤٨ - (٢) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ح وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو الشَّعْثَاءِ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ،
===
ثم استشهد المؤلف لحديث فضالة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٩) - ١٦٤٨ - (٢) (حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم) بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله أربع وستون سنة. يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا الحكم بن موسى) بن أبي زهير البغدادي أبو صالح القنطري، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (٢٣٢ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي -بفتح المهملة وكسر الموحدة- أخو إسرائيل الكوفي الأصل، نزيل الشام، كان مرابطًا بها، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا عبيد الله) بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي المار آنفًا.
(حدثنا علي بن الحسن بن سليمان) الحضرمي أبو الحسن الواسطي، ويقال له: (أبو الشعثاء) الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة بضع وثلاثين ومئتين (٢٣٣ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4541
جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيءُ .. فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ .. فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ".
===
كلاهما (جميعًا) قالا: أي: روى كل من عيسى بن يونس وحفص بن غياث (عن هشام) بن حسان الأزدي القردوسي -بالقاف وضم الدال- أبي عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: من ذرعه القيء) -بالذال المعجمة- أي: سبقه وغلبه في الخروج، وفي رواية أبي داوود زيادة: (وهو صائم) .. (فلا قضاء عليه) لأنه لا تقصير منه (ومن استقاء) وتسبب لخروجه .. (فعليه القضاء) لتقصيره بطلب خروجه وهو صائم، قال ابن الملك: والأكثر على أنه لا كفارة عليه، وفي "شرح السنة": عمل بظاهر هذا الحديث أهل العلم، فقالوا: من استقاء .. فعليه القضاء، ومن ذرعه .. فلا قضاء عليه، لم يختلفوا فيه.
وقال ابن عباس وعكرمة: بطلان الصوم مما دخل وليس مما خرج، روى أبو يعلى الموصلي في "مسنده": حدثنا أحمد بن منيع حدثنا مروان بن معاوية عن رزين البكري قال: حدثتنا مولاة لنا يقال لها: سلمي من بكر بن وائل أنها
стр. 4542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
سمعت عائشة، رضي الله تعالى عنها تقول: دخل عليَّ رسولُ الله ﷺ ، فقال: "يا عائشة؛ هل من كسرة؟ " فأتته بقرص، فوضعه على فيه، فقال: "يا عائشة؛ هل دخل بطني منه شيء؟ كذلك قبلة الصائم إنما الإفطار مما دخل، وليس مما خرج"، ولجهالة المولاة لم يثبته بعض أهل الحديث، كذا في "المرقاة".
وفي "النيل": والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء، ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه، ويجب عليه القضاء، وقد ذهب إلي هذا علي وابن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن علي والشافعي، وحكى ابن المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام، وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبًا أو مستخرجًا ما لم يرجع منه شيء باختياره. انتهى.
قال الخطابي: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء .. فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدًا .. أن عليه القضاء، ولكن اختلفوا في الكفارة: فقال عامة أهل العلم: ليس عليه غير القضاء، وقال عطاء: عليه القضاء والكفارة، وحكي ذلك عن الأوزاعي، وهو قول أبي ثور، وقال: ويدخل في معنى (من ذرعه القيء) كل ما غلب الإنسان؛ من دخول الذباب، ودخول الماء جوفه إذا دخل في ماء غمر، وما أشبه ذلك؛ فإنه لا يفسد صومه شيء من ذلك. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصوم، باب الصائم يتقيأ عمدًا، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء فيمن استقاء عمدًا، قال: وفي الباب عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد، قال
стр. 4543
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ إلا من حديث عيسى بن يونس، وقال محمد: لا أراه محفوظًا.
قلت: وهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مر، ولإجماع أكثر أهل العلم على العمل به، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4544
(١٧) - (٤٨٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ وَالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ
(٤٠) - ١٦٤٩ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْمُؤَدِّبُ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ،
===
(١٧) - (٤٨٩) - (باب ما جاء في السواك والكحل للصائم)
(٤٥) - ١٦٤٩ - (١) (حدثنا عثمان بن محمد بن أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان العبسي أبو الحسن الكوفي، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، وقيل: لا يحفظ القرآن، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ)، وله ثلاث وثمانون سنة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو إسماعيل المؤدب) إبراهيم بن سليمان بن رزين -مكبرًا- الأردني -بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال بعدها نون ثقيلة- نزيل بغداد، مشهور بكنيته، صدوق يغرب، من التاسعة، وقيل: اسم أبيه: إسماعيل. يروي عنه: (ق).
(عن مجالد) -بضم أوله وتخفيف الجيم- ابن سعيد بن عمير الهمداني -بسكون الميم- أبي عمرو الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل أبي عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة، وله نحو من ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4545
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ".
(٤١) - ١٦٥٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو التَّقِيِّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْحِمْصِيُّ،
===
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف مجالد بن سعيد.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : من خير) وأفضل (خصال الصائم) أي: شؤونه وأعماله (السواك) أي: استعمال آلة السواك في الأسنان وما حواليها، وإطلاقه يشمل أول النهار وآخره.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الدارقطني في "سننه" عن أبي القاسم بن منيع عن عثمان بن أبي شيبة به، ورواه البيهقي في "سننه" من طريق يحيى بن معين عن أبي إسماعيل المؤدب به، فذكره، وله شاهد من حديث عامر بن ربيعة رواه البخاري وغيره.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، ولعدم المشاركة، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهو ضعيف متنًا وسندًا (٤)(١٩٦).
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٤١) - ١٦٥٠ - (٢) (حدثنا أبو التَّقِيِّ) بفتح المثناة وكسر القاف (هشام بن عبد الملك) بن عمران اليزني -بفتح التحتية والزاي ثم نون- (الحمصي) صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (د س ق).
стр. 4546
حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ.
===
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يحمد -بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم- الميتمي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ)، وله سبع وثمانون سنة. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا) سعيد بن عبد الجبار (الزبيدي) -بضم الزاي- أبو عثمان الحمصي، وهو سعيد بن أبي سعيد، ضعيف، كان جرير يكذبه، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه الزبيدي، وهو متفق على ضعفه، قال البيهقي في "سننه": هو من مجاهيل شيوخ بقية منفرد بما لا يتابع عليه.
(قالت) عائشة: (اكتحل رسول الله ﷺ في عينيه (وهو صائم) أي: ملتبس بالصوم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٥)(١٩٧)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين، كلاهما ضعيفان، وغرضه بسوقهما: الاستئناس للترجمة.
والله أعلم
стр. 4547
(١٨) - (٤٩٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ
(٤٢) - ١٦٥١ - (١) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ وَدَاوُودُ بْنُ رُشَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
===
(١٨) - (٤٩٠) - (باب ما جاء في الحجامة للصائم)
(٤٢) - ١٦٥١ - (١) (حدثنا أيوب بن محمد) بن زياد الوزان أبو محمد (الرقي) مولى ابن عباس، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(وداوود بن رشيد) -مصغرًا- الهاشمي مولاهم الخوارزمي، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(قالا: حدثنا معمر) -بضم الميم وتشديد الميم المفتوحة على صيغة اسم المفعول (بن سليمان) النخعي أبو عبد الله الرقي، ثقة فاضل، أخطأ الأزدي في تليينه، وأخطأ من زعم أن البخاري روى له، من التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا عبد الله بن بشر) -بكسر الباء ثم بمعجمة- الرقي القاضي، أصله من الكوفة، اختلف فيه قول ابن معين وابن حبان، وقال: أبو زرعة والنسائي: لا بأس به، وحكى البزار أنه ضعيف في الزهري خاصةً، من السابعة. يروي عنه: (س ق).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 4548
عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ".
===
(عن أبي صالح) ذكوان السمان.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ لأن عبد الله بن بشر لم يثبت له سماع من الأعمش، وإنما يقول: كتب إلي أبو بكر بن عياش عن الأعمش. انتهى "سندي".
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : "أفطر الحاجم والمحجوم") قال الخطابي: اختلف الناس في تأويل هذا الحديث: فذهب طائفة من أهل العلم إلي أن الحجامة تفطر الصائم قولًا بظاهر هذا الحديث، هذا قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقالا: عليهما القضاء وليست عليهما الكفارة، وعن عطاء قال: من احتجم وهو صائم في شهر رمضان .. فعليه القضاء والكفارة، وروي عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا يحتجمون ليلًا؛ منهم: ابن عمر وأبو موسى الأشعري وأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم، وكان الأوزاعي يكره ذلك، وقال ابن المسيب والشعبي والنخعي: إنما كرهت الحجامة للصائم من أجل الضعف.
وممن كان لا يرى بأسًا بالحجامة للصائم: سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وتأول بعضهم الحديث فقال: معنى قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" أي: تعرضا للإفطار، أما المحجوم .. فللضعف الذي يلحقه من ذلك إلى أن يعجز عن الصوم، وأما الحاجم .. فلا بد من أن يصل إلى جوفه شيء من طعم الدم، أو من بعض أجزائه إذا ضم شفتيه
стр. 4549
(٤٣) - ١٦٥٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ،
===
على قصب الملازم، وهذا كما يقال للرجل يتعرض للمهالك: قد هلك فلان، وإن كان باقيًا سالمًا، وإنما يراد به: قد أشرف على الهلاك، وكقوله ﷺ : "من جعل قاضيًا .. فقد ذبح بغير سكين" يريد: أنه قد تعرض للذبح. انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه النسائي عن أيوب بن محمد الوزان به، ورواه إبراهيم بن طهمان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفًا، وله شاهد من حديث ثوبان التالي رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، ورواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه من حديث شداد بن أوس، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أبي هريرة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لأن له شواهد، وإن كان في سنده مقال، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد له بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٣) - ١٦٥٢ - (٢) (حدثنا أحمد بن يوسف) بن خالد الأزدي (السلمي) أبو الحسن النيسابوري المعروف بحمدان، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبيد الله) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت في إسرائيل
стр. 4550
أَنْبَأَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو قِلَابَةَ أَنَّ أَبَا أَسْمَاءَ حَدَّثَهُ عَنْ ثَوْبَانَ
===
من أبي نعيم، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(أنبأنا شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه نسبة إلي نحوة؛ بطن من الأزد لا إلى علم النحو، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(أن أبا أسماء) الرحبي عمرو بن مرثد الدمشقي، ثقة، من الثالثة، مات في خلافة عبد الملك. يروي عنه: (م عم).
(حدثه عن ثوبان) بن بجدد الهاشمي مولاهم مولي رسول الله ﷺ أبي عبد الله الشامي، اشتراه النبي ﷺ ثم أعتقه، خدم النبي ﷺ إلي وفاته سفرًا وحضرًا، ثم نزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ) رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 4551
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ".
(٤٤) - ١٦٥٣ - (٣) وَبِإِسْنَادِهِ: عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ شَدَّادَ بْنَ أَوْسٍ
===
(قال) ثوبان: (سمعت النبي ﷺ يقول: "أفطر الحاجم والمحجوم").
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصيام، باب في الصائم يحتجم، ولفظه: (قال شيبان: أخبرني أبو قلابة أن أبا أسماء الرحبي حدثه أن ثوبان مولي رسول الله ﷺ أخبره أنه سمع النبي ﷺ يقول ... ) الحديث، والدارمي في كتاب الصوم، باب الحجامة تفطر الصائم، قال أبو عيسى الترمذي في "جامعه" تعليقًا على هذا الحديث، وهو رقم (٧٧٤) عنده: أصح شيء في هذا الباب حديث ثوبان وشداد بن أوس؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة الحديثين جميعًا؛ حديث ثوبان وحديث شداد بن أوس. انتهى "سندي".
قلت: وحديث ثوبان هذا درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد له ثانيًا بحديث شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه، ولكن ذكره تَعْلِيقًا، فقال:
(٤٤) - ١٦٥٣ - (٣) (وبإسناده) السابق حدثنا يحيى بن أبي كثير (عن أبي قلابة أنه) أي: أن أبا قلابة (أخبره) أي: أخبر ليحيى بن أبي كثير.
(أن شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري أبا يعلى المدني الصحابي المشهور
стр. 4552
بَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْبَقِيعِ، فَمَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَحْتَجِمُ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ ثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ".
===
رضي الله تعالى عنه، وهو ابن أخي حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ ، مات بالشام قبل الستين أو بعدها. يروي عنه: (ع) أخبره (بينما هو) أي: شداد (يمشي مع رسول الله ﷺ بالبقيع) أي: في البقيع؛ اسم موضع شرقي المسجد النبوي، وفيه: مقبرة أهل المدينة، والفاء في قوله: (فمر) على رجل .. زائدة في جواب (بينما) أي: فبينما هو يمشي مع رسول الله ﷺ في البقيع .. مر النبي ﷺ (على رجل يحتجم بعدما مضى) وخلا (من الشهر) أي: شهر رمضان (ثماني عشرة ليلة فقال رسول الله ﷺ للرجل المحتجم والحاجم: (أفطر) كل منكما (الحاجم) منكما (والمحجوم) سواء في الإفطار.
وسند حديث شداد أيضًا من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
ودرجة حديثه أيضًا: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
وقول الراوي: (بعدما مضى من الشهر ثماني عشرة ليلة) يدل على كمال حفظ الراوي الحديث وضبطه؛ بذكر المكان والزمان وحاله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصوم، باب الحجامة والقيء للصائم، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب في الصائم يحتجم، والدارمي في كتاب الصوم، باب ما جاء في الحجامة للصائم، وأحمد في "مسنده"، وقد روى هذا الحديث بضعة عشر صحابيًا، إلا أن أكثر الأحاديث ضعاف، وقال إسحاق: حديث شداد رضي الله تعالى عنه إسناده صحيح تقوم به الحجة، وذكر أبو داوود بعد هذا حديث ثوبان من طريقين، الطريق المقدم
стр. 4553
(٤٥) - ١٦٥٤ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
أجود منهما، وقال أحمد: أحاديث: "أفطر الحاجم والمحجوم"، "ولا نكاح إلا بولي" يشد بعضها بعضًا، وأنا أذهب إليها. انتهى من "العون".
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٥) - ١٦٥٤ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
قال علي بن محمد: (حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان -بفتح المعجمة وسكون الزاي- الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي زياد) الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيًا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مقسم) -بكسر أوله- ابن بجرة -بضم الموحدة وسكون الجيم- مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى ابن عباس؛ للزومه له، صدوق وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ) وما له في "البخاري" سوى حديث واحد. يروي عنه: (خ عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 4554
قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف.
(قال) ابن عباس: (احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم محرم) قال السندي: قوله: (احتجم رسول الله ﷺ وهو صائم محرم) قد يقال: هذا الحديث لا يدل على بقاء الصوم بعد الحجامة؛ لجواز أنه كان في سفر أو كون الصوم صوم تطوع يحل فيه الإفطار، فأفطر بالحجامة، بل قد جاء ما يدل على أنه كان في حجة الوداع، وحينئذ كان في صومه أمران: التطوع والسفر. انتهى منه.
قال الخطابي: قوله: (احتجم وهو صائم) وهذا يؤكد قول من رخص في الحجامة للصائم، ورأى أن الحجامة لا تفسد الصوم، وفيه دليل على أن الحجامة لا تضر المحرم ما لم تقطع شعرًا، وقد تأول حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ذهب إلي أن الحجامة تفطر الصائم، فقال: إنما احتجم النبي ﷺ صائمًا محرمًا وهو مسافر؛ لأنا لا نعلمه كان محرمًا وهو مقيم، وللمسافر أن يفطر بما شاء؛ من طعام وجماع وحجامة وغيرها.
قلت: وهذا التأويل غير صحيح؛ لأنه قد أثبته حين احتجم صائمًا، ولو كان يفسد صومه بالحجامة .. لكان يقال: إنه أفطر بالحجامة؛ كما يقال: أفطر الصائم بشرب الماء وأكل التمر وما أشبههما. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المحصر وجزاء الصيد وفي مواضع أخر، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز الحجامة للمحرم، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب المحرم يحتجم، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحجامة للمحرم دون ذكر لفظ صائم، قال: وفي الباب
стр. 4555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن أنس وابن بحينة وجابر، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
قلت: فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وإن كان سند المؤلف ضعيفًا؛ كما مر، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، وكلها صحاح.
والله أعلم