فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُمْ، وَلِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ الْفَجْرُ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا، وَلَكِنْ هَكَذَا يَعْتَرِضُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ".
===
أي: من أكل سحوره وطعامه (فإنه) أي: فإن بلالًا (يؤذن) قبل الفجر (لينتبه) ويستيقظ (نائمكم) ويتأهب لصلاة الصبح بالغسل ونحوه، وليوتر إن لم يوتر، وليتسحر إن أراد الصوم (وليرجع) -بفتح الياء وكسر الجيم المخففة- أي: وليرد الأذان (قائمكم) بالنصب على المفعولية؛ أي: متهجدكم إلى راحة فينام غفوة، فيقوم إلى صلاة الصبح نشيطًا (وليس الفجر) الذي يتعلق به الأحكام (أن يقول) أي: أن يظهر الضوء (هكذا) أي: مستطيلًا في السماء (ولكن) الفجر الذي يتعلق به الأحكام (هكذا) أي: (يعترض) وينتشر الضوء (في أفق السماء) ونواحيها وأسافلها يمينًا وشمالًا، وهذا هو الفجر الصادق الذي تتعلق به الأحكام.
والحاصل: أن فيكم من قام في الليل ومن نام، ويحتاج القائم إلى أن يخبره أحد بقرب الفجر؛ ليرجع إلى بعض حوائجه، وكذا النائم يستفز للصلاة؛ لأنهم كانوا يصلون بغلس، وليس الفجر أن يقول هكذا؛ أي: ليس الفجر الذي عليه مدار الصوم ظهور النور على هذا الوجه، والقول بمعنى: ظهور النور. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب الأذان، وكتاب الصوم، وكتاب الطلاق، إلى غير ذلك، ومسلم في كتاب الصوم، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب في وقت السحور عن ابن مسعود، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في بيان الفجر عن سمرة بن جندب، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، والنسائي في كتاب الصوم، باب كيف الصوم.
стр. 4587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4588
(٢٤) - (٤٩٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَعْجِيلِ الْإِفْطَارِ
(٦٠) - ١٦٦٩ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ
===
(٢٤) - (٤٩٦) - (باب ما جاء في تعجيل الإفطار)
(٦٠) - ١٦٦٩ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (دق).
(قالا: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة. يروي عنه: (ع)، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل بعد ذلك.
(عن أبيه) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني القاضي مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثمان وثمانين، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: لا يزال) أمر (الناس) أي: أمر هذه
стр. 4589
بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْإِفْطَارَ".
===
الأمة ملتبسًا (بخير) وصلاح، منتظمًا على سنتي وسنة خلفائي (ما عجلوا الإفطار) من الصوم وبادروا إليه بعد تحقق الغروب، فـ (ما) مصدرية ظرفية؛ أي: لا يزالون ملتبسين بخير وصلاح مدة تعجيلهم الفطر؛ لأنه دأب سيد المرسلين؛ ليحصل الحضور في الصلاة بفراغ قلب، وإذا أخروه .. كان ذلك علامةً على فساد يقعون فيه؛ وهو مخالفة سنة الرسول ﷺ ، قاله ملا علي.
وفي التعجيل إظهار العجز المناسب للعبودية، ومبادرة إلى قبول الرخصة من الحضرة الربوبية، ويسن تقديمه على الصلاة؛ للخبر الصحيح: "ولو بشربة ماء"، وصح أن الصحابة كانوا أعجل الناس إفطارًا وأبطأهم سحورًا، وأهل البدعة يؤخرونه إلى اشتباك النجوم، ومتابعة الرسول ﷺ هي الطريق المستقيم، مَنْ تَعَوَّجَ عنها .. فقد ارتكبَ المُعوَّجَ من الضلال ولو في العبادة. انتهى من "المرقاة" بتصرف في العبارة.
وروى ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضًا بلفظ: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم"، وفيه بيان العلة في ذلك، قال المهلب: والحكمة في ذلك ألا يُزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق بالصائم وأقوى له على العبادة، واتفق العلماء على أن محل ذلك إذا تحقق الغروب؛ كما أشرنا إليه آنفًا بالرؤية، أو بإخبار عدلين، وكذا عدل واحد على الأرجح، قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث رد على الشيعة في تأخير الفطر إلى ظهور النجوم، ولعل هذا هو السبب في وجود الخير بتعجيل الفطر؛ لأن الذي يؤخره يدخل في فعل خلاف السنة. انتهى.
والأولى أن يكون السبب ما زاده أبو هريرة في حديثه؛ لأن اليهود والنصارى
стр. 4590
(٦١) - ١٦٧٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو،
===
يؤخرون، أخرجه أبو داوود وابن خزيمة وغيرهما، وتأخير أهل الكتاب له أمد، وهو ظهور النجوم؛ فإن الشيعة لم يكونوا موجودين عند تحديثه ﷺ بذلك. كذا في "الفتح".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصيام، باب تعجيل الإفطار، ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل السحور، والترمذي في كتاب الصوم، باب تعجيل الإفطار، قال: وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة وأنس بن مالك، قال أبو عيسى: حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح، وهو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ استحبوا تعجيل الفطر، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق ومالك في "الموطأ" في كتاب الصيام، باب ما يستحب من تعجيل الفطر وغيرهم.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه.
ثم استشهد المؤلف لحديث سهل بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦١) - ١٦٧٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة عالم حافظ، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي أبي عبد الله المدني،
стр. 4591
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، عَجِّلُوا الْفِطْرَ؛ فَإِنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ".
===
صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا يزال الناس) أي: لا تزال أمتي ملتبسين (بخير) وصلاح واستقامة (ما) مصدرية ظرفية (عجلوا) أي: مدة تعجيلهم (الفطر) من الصوم، (عَجِّلوا) أيها المسلمون (الفطْرَ) أي: بادروا بالفطر من الصوم إذا تحققتم الغروبَ، ولا تؤخروا إلى اشتباك النجوم؛ كأهل الكتاب؛ (فإن اليهود) والنصارى (يؤخرون) الفطر من الصوم.
قال الطيبي: في هذا التعليل دليل على أن قِوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب، وأن في موافقتهم تلفًا للدين. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصوم، باب ما يستحب من تعجيل الفطر، والنسائي، قال المنذري: وهذا الحديث أخرجه أبو داوود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة، وأخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سهل بن سعد عن رسول الله ﷺ .
стр. 4592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وله شاهد من حديث سهل بن سعد، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4593
(٢٥) - (٤٩٧) - بَابُ مَا جَاءَ عَلَى مَا يُسْتَحَبُّ الْفِطْرُ
(٦٢) - ١٦٧١ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ح وَحَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْل، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ أُمِّ الرَّائِحِ
===
(٢٥) - (٤٩٧) - (باب ما جاء على ما يستحب الفطر)
(٦٢) - ١٦٧١ - (١) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي أخو أبي بكر، أكبر منه بسنتين.
(حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي، نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل، عن عاصم) بن سليمان (الأحول) أبي عبد الرحمن البصري التميمي مولاهم، ثقة حافظ، من الرابعة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن حفصة بنت سيرين) أم الهذيل الأنصارية مولاتهم البصرية، ثقة، من الثالثة، ماتت بعد المئة. يروي عنها: (ع).
(عن الرباب) بفتح أولها وتخفيف الموحدة وآخرها موحدة (أم الرائح)
стр. 4594
بِنْتِ صلَيْعٍ، عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ .. فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ .. فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ؛ فَإنَّهُ طَهُورٌ".
===
براء مهملة وهمزة مكسورة بعد الألف وحاء مهملة (بنت صليع) - بمهملتين مصغرًا - الضبية البصرية، مقبولة، من الثالثة. يروي عنها: (عم).
(عن عمها سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر - بتقديم المهملة - ابن عمرو بن الحارث الضبي البصري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (خ عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة.
(قال) سلمان بن عامر: (قال رسول الله ﷺ : إذا أفطر أحدكم) أيها المسلمون؛ أي: أراد الفطر من صومه فرضًا كان أو نفلًا .. (فليفطر على تمر) قيل: لأنه يقوي البصر، ويدفع الضعف الحاصل فيه بالصوم؛ (فإن لم يجد) تمرًا .. (فليفطر على الماء؛ فإنه) أي: فإن الماء (طهور) من الأنجاس الحسية؛ فهو أحق ما يستعمل في الإفطار الذي هو قربة وتتميم لقربة. انتهى "سندي" مع زيادة.
وقوله: "فليفطر على تمر" الأمر فيه للندب، قال البخاري في "صحيحه": باب يفطر بما تيسر من الماء أو غيره، ثم ذكر حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: سرنا مع رسول الله ﷺ وهو صائم، فلما غربت الشمس .. قال: "انزل فاجدح لنا ... " إلى آخره، قال الحافظ في "الفتح": لعل البخاري أشار إلى أن الأمر في قوله: "من وجد تمرًا .. فليفطر عليه، ومن لا .. فليفطر على الماء" .. ليس على الوجوب، وقد شذ ابن حزم فأوجب الفطر على التمر، وإلا .. فعلى الماء. انتهى.
стр. 4595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي قوله: "فليفطر على تمر ... " إلى آخره .. دليل: على مشروعية الإفطار بالتمر، فإن عدم .. فبالماء، ولكن حديث أنس عند الترمذي يدل على أن الرطب أولى من اليابس، فيقدم عليه إن وجد، ولكن قال الترمذي فيه: هذا حديث غريب، وإنما شرع الإفطار بالتمر؛ لأنه حلو، وكل حلو يقوي البصر الذي يضعف بالصوم، وهذا أحسن ما قيل لنا في المناسبة، وقيل: لأن الحلو يوافق الإيمان ويرق القلب، وإذا كانت العلة كونه حلوًا، والحلو له ذلك التأثير .. فليلحق به الحلويات كلها، قاله الشوكاني وغيره. وقال ابن الملك: الأولى أن تحال علته إلى الشارع. انتهى.
قلت: لا شك في كونه أولى. انتهى "تحفة الأحوذي".
قوله: "فإن الماء طهور" أي: بالغ في الطهارة، فيبتدأ به تفاؤلًا بطهارة الظاهر والباطن، قال الطيبي: لأنه مزيل المانع من أداء العبادة، ولذا من الله تعالى به على عباده بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ (١) كذا في "المرقاة"، وقال ابن الملك: يزيل العطش عن النفس. انتهى، ويؤيده قوله ﷺ عند الإفطار: "ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله" أخرجه أبو داوود والنسائي. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصوم، باب ما يفطر عليه، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما يستحب عليه الإفطار، وقال: حديث حسن صحيح.
стр. 4596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 4597
(٢٦) - (٤٩٨) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ مِنَ اللَّيْلِ وَالْخِيَارِ فِي الصَّوْمِ
(٦٣) -١٦٧٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ الْقَطَوَانِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ حَازِم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ
===
(٢٦) - (٤٩٨) - (باب ما جاء في فرض الصوم من الليل والخيار في الصوم)
(٦٣) -١٦٧٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد القطواني) -بفتح القاف والطاء- أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق، يتشيع، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن إسحاق بن حازم) وقيل: ابن أبي حازم البزاز المدني، صدوق تكلم فيه للقدر، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد (بن عمرو بن حزم) الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي أبي عمر المدني، أحد الفقهاء السبعة، وكان ثبتًا عابدًا فاضلًا، كان يشبه بأبيه في الهدي والسمت، من كبار الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) أبيه عبد الله (بن عمر عن حفصة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم.
стр. 4598
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يَفْرِضْهُ مِنَ اللَّيْلِ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) حفصة: (قال رسول الله ﷺ : لا صيام) صحيحًا (لمن لم يفرضه) أي: لمن لم يجزم نيته (من الليل) أي: في بعض ساعات الليل؛ يعني: قبل الفجر الصادق؛ مأخوذ من فرضه؛ إذا قدره وجزمه؛ أي: لمن لم ينوه في الليل نية جازمة بلا تعليق يقيني بلا شك، فحمله كثير منهم على صيام الفرض؛ لأنه المتبادر، وفي رواية الترمذي وأبي داوود: (عن النبي ﷺ قال: "من لم يجمع" -بضم أوله وكسر الميم- من أجمع الرباعي؛ أي: لم يجزم نية (الصيام قبل الفجر، فلا صيام له").
قال في "النهاية": الإجماع: إحكام النية والعزيمة، يقال: أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنىً. انتهى، والمعنى: من لم يصمم العزم على الصوم (قبل الفجر) أي: قبل الفجر الصادق .. (فلا صيام له) ظاهره: أنه لا يصح الصوم بلا نية قبل الفجر فرضًا كان أو نفلًا، وإليه ذهب ابن عمر وجابر بن زيد ومالك والمزني وداوود، وذهب الباقون إلى جواز النفل بنية من النهار، وخصصوا هذا الحديث بما روي عن عائشة أنها قالت: كان النبي ﷺ يأتيني ويقول: "أعندك غداء؟ " فأقول: لا، فيقول: "إني صائم"، وفي رواية: "إني إذًا لصائم"، و (إذًا) للاستقبال، وهو جواب وجزاء، كذا في "المرقاة"، قلت: والظاهر الراجح هو ما ذهب إليه الباقون. انتهى "تحفة الأحوذي".
قال أبو عيسى: حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله، وهو أصح، وإنما معنى هذا الحديث عند بعض أهل العلم: لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل طلوع الفجر في
стр. 4599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رمضان، أو في قضاء رمضان، أو في صيام نذر، إذا لم ينوه من الليل .. لم يجزه، وأما صيام التطوع .. فمباح له أن ينويه بعدما أصبح، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، واستدلوا بحديث الباب وبحديث عائشة المذكور آنفًا، وقال الحافظ في "التلخيص": واختلف الأئمة في رفع هذا الحديث ووقفه: فقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا أدري أيهما أصح؛ يعني: رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم، لكن الوقف أشبه، وقال أبو داوود: لا يصح رفعه.
وقال الترمذي: الموقوف أصح، ونقل في "العلل" عن البخاري أنه قال: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف، وقال النسائي: الصواب عندي أنه موقوف، ولم يصح رفعه، وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد، وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين، وقال في "المستدرك": صحيح على شرط البخاري، قال البخاري: رواته ثقات إلا أنه روي موقوفًا، وقال الخطابي: أسنده عبد الله بن أبي بكر، والزيادة من الثقة مقبولة، وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة، وقال الدارقطني: كلهم ثقات. انتهى كلام الحافظ.
وقال الشوكاني: وقد تقرر في الأصول أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة، وإنما قال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة؛ لأن من رواه مرفوعًا .. فقد رواه موقوفًا باعتبار الطرق، قال: وفي الباب عن عائشة عند الدارقطني، وفيه عبد الله بن عباد، وهو مجهول، وقد ذكره ابن حبان في "الضعفاء"، وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني أيضًا بلفظ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من أجمع الصيام من الليل .. فليصم، ومن أصبح ولم يجمعه .. فلا يصم"، وفي إسناده الواقدي. انتهى كلام الشوكاني.
стр. 4600
(٦٤) -١٦٧٣ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ،
===
قلت: وأما الاختلاف في رفع حديث حفصة .. فأجيب عنه بأن الرفع زيادة، والزيادة من الثقة مقبولة، وأما حمله على نفس الكمال .. فغير ظاهر، والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة، أو إلى نفي الذات الشرعية، هذا عندي، والله تعالى أعلم. انتهى من "التحفة" باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصوم، باب النية في الصيام، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل، والنسائي في كتاب الصوم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في ذلك.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح مرفوع؛ لصحة سنده، ولأن الرفع زيادة، فهي مقبولة من الثقة، ولأن من حفظ .. حجة على من لم يحفظ، والغرض بسوقه: الاستدلال به، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف لحديث حفصة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٤) - ١٦٧٣ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي، نسيب السدي أو ابن بنته أو ابن أخته، صدوق يخطئ رمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (دت ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه بعدما ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 4601
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ "، فَنَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: "إِنِّي صَائِمٌ"، فَيُقِيمُ عَلَى صَوْمِهِ، ثُمَّ يُهْدَى لَنَا شَيْءٌ فَيُفْطِرُ قَالَتْ: وَرُبَّمَا صَامَ وَأَفْطَرَ،
===
(عن طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة صدوق يخطئ، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جَبْرٍ -بفتح الجيم وسكون الموحدة- أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وله ثلاث وثمانون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) الصديقة رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (دخل على رسول الله ﷺ في حجرتي (فقال) لي: (هل عندكم شيء) من طعام؟ وفي رواية صحيحة: "هل عندكم من غداء؟ " -بفتح الغين المعجمة والدال المهملة- وهو ما يؤكل قبل الزوال، كذا في "المرقاة" (فنقول) أي: فقلت له، كما في رواية مسلم: (لا) أي: ما عندنا شيء من غداء (فيقول) أي: فقال لي: (إني صائم) وهذا يدل على جواز نية النفل في النهار (فيقيم) أي: فأقام واستمر (على صومه ثم يهدى لنا شيء) أي: أهدي لنا شيء من هدية طعام (فيفطر) على تلك الهدية.
(قالت) عائشة: (وربما صام) النبي ﷺ ؛ أي: أول النهار (وأفطر) آخره، قال السندي: أي: جمع بينهما؛ أي: بين الصوم والفطر في
стр. 4602
قُلْتُ: كَيْفَ ذَا؟ قَالَتْ: إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يَخْرُجُ بِصَدَقَةٍ فَيُعْطِي بَعْضًا وَيُمْسِكُ بَعْضًا.
===
يوم واحد، قال مجاهد: (قلت) لعائشة: (كيف ذا؟ ) أي: كيف الجمع بين الصوم والإفطار في يوم واحد؟ أي: كيف يصح ذلك؟ (قالت) عائشة في جواب سؤالي: (إنما مثل هذا) أي: إنما صفة هذا الذي يصوم بعض اليوم ويفطر بعضه (مثل الذي يخرج) من بيته (بصدقة) أي: بمال يريد أن يتصدق به (فيعطي بعضًا) من ذلك المال وهو مثل صومه أول النهار (ويمسك بعضًا) آخر منه؛ أي: يمسك الباقي بلا تصدق، وهو مثل إفطاره آخره.
ومقتضاه: أنه يثاب على البعض الذي صامه مع أنه لم يكمل صومه، وذلك محتمل، ولكنه خاص به؛ لأن عمله للتشريع فيثاب عليه ثواب التشريع، والله أعلم. قال القاري: قوله: (فيفطر) أي: على تلك الهدية، قال ميرك: يدل هذا على جواز إفطار النفل، وبه قال الأكثرون، وقال أبو حنيفة: يجوز بعذر، وأما بدونه .. فلا. انتهى من "التحفة".
ويؤيد قول الأكثرين حديث أم هانئ، أخرجه الترمذي وأبو داوود: "الصائم المتطوع أمين أو أمير نفسه؛ إن شاء .. صام، وإن شاء .. أفطر"، قال الخطابي: ففي هذا الحديث نوعان من الفقه: أحدهما: جواز تأخير نية الصوم عن أول النهار إذا كان تطوعًا، والآخر: جواز إفطار الصائم قبل الليل إذا كان متطوعًا به، ولم يذكر فيه إيجاب القضاء، وكان غير واحد من الصحابة يذهب إلى ذلك؛ منهم: ابن مسعود وحذيفة وأبو الدرداء وأبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنهم، وبه قال الشافعي وأحمد بن حنبل، وكان ابن عمر لا يصوم تطوعًا حتى يجمع من الليل، وقال جابر بن زيد: لا يجزئه في التطوع حتى يبيت النية، وقال مالك بن أنس في صوم النافلة: لا أحب أن يصوم أحد إلا أن يكون قد نوى الصيام من الليل. انتهى من "العون".
стр. 4603
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب في الرخصة في ذلك، والترمذي في كتاب الصوم، باب صيام المتطوع من غير تبييت، والنسائي في كتاب الصوم، باب النية في الصوم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول منهما للاستدلال، والاخر للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4604
(٢٧) - (٤٩٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُصْبِحُ جُنُبًا وَهُوَ يُرِيدُ الصِّيَامَ
(٦٥) - ١٦٧٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو الْقَارِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: لَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ؛
===
(٢٧) - (٤٩٩) - (باب ما جاء في الرجل يصبح جنبًا وهو يريد الصيام)
(٦٥) - ١٦٧٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (دق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن جعدة) بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي، ثقة، من الثالثة، وقد أرسل عن ابن مسعود نَحْوَهُ. يروي عنه: (دس ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن عبد (القاري) وقد ينسب إلى جده. يروي عنه: ابنه محمد، ويحيى بن جعدة. ويروي عن: أبي هريرة، وأبي أيوب، قلت: عبد الله بن عمرو بن عبدٍ ذكره ابن حبان والبغوي في الصحابة؛ لأن له رؤية، وكان عابدًا. نتهى "تهذيب"، وفي "التقريب": مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (م د).
(قال) عبد الله بن عمرو: (سمعت أبا هريرة) حالة كونه (يقول).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(لا) أقول هذا الحديث الآتي من قبل نفسي (ورب الكعبة) أي: أقسمت
стр. 4605
مَا أَنَا قُلْتُ: مَنْ أَصْبَحَ وَهُوَ جُنُبٌ .. فَلْيُفْطِرْ، مُحَمَّدٌ ﷺ قَالَهُ.
===
لكم برب الكعبة، وقوله: (ما) نافية مؤكدة للنفي المفهوم من (لا) السابقة؛ أي: ورب الكعبة؛ ما (أنا قلت) هذا الحديث من قبل نفسي ورأيي (من أصبح) أي: دخل في الصباح (وهو) أي: والحال أنه (جنب) أي: ملتبس بالجماع .. (فليفطر) يومه ذلك؛ لأنه لا يصح صومه؛ أي: ما أنا قلت بهذا الحديث برأيي، بل (محمد ﷺ قاله) بالوحي، قال السندي: قوله: (من أصبح جنبًا) لعل الجنابة فيه كناية عن الجماع على ما هو دأب القرآن والسنة في الكناية عن أمثال هذه الأشياء، فلا ينافي هذا الحديثُ الحديثَ الآتي الدالَّ على أن الجنابة لا تبطل الصوم، قالوا: في الكتاب إشارة إلى ذلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ ... ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ (١) يقتضي حل الجماع إلى طلوع الفجر، فمن كان يجامع إلى هذا الحد .. فبالضرورة يصبح جنبًا.
وفي "الزوائد": إسناده صحيح، رواه أحمد من هذا الوجه، وذكره البخاري تعليقًا، وفي "الصحيحين": أن أبا هريرة سمعه من الفضل، زاد مسلم: (ولم أسمعه من النبي ﷺ ، قال شيخنا أبو الفضل: هذا الحديث إما منسوخ أو مرجوح؛ لما في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم، ولمسلم من حديث عائشة التصريح بأنه ليس من خصائصه، وعنده: أن أبا هريرة رجع عن ذلك حين بلغه ذلك الحديث المذكور في "الصحيحين".
стр. 4606
(٦٦) -١٦٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده،
ولكنه منسوخ بما في "الصحيحين" مهمل حكمه، ليس للاستدلال به.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٦٦) - ١٦٧٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مطرف) -بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة- ابن طريف الحارثي أبي بكر الكوفي. روى عن: الشعبي، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن فضيل. ثقة فاضل، من صغار السادسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن) عامر بن شرحبيل الحميري (الشعبي) أبي عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 4607
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبِيتُ جُنُبًا، فَيَأْتِيهِ بِلَالٌ فَيُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَيَقُومُ فَيَغْتَسِلُ، فَأَنْظُرُ إِلَى تَحَدُّرِ الْمَاءِ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَ يَخْرُجُ فَأَسْمَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ مُطَرِّفٌ: فَقُلْتُ لِعَامِرٍ: أَفِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ.
===
(قالت) عائشة: (كان النبي ﷺ يبيت) أي: يصبح (جنبًا فيأتيه بلال فيؤذنه) بلال؛ أي: يعلمه (بالصلاة) بحضور وقت صلاة الصبح (فيقوم) من مرقده (فيغتسل) من جنابته، قالت عائشة: (فـ) أنا (أنظر) أي: فكأني أنظر الآن بعيني (إلى تحدر) ونزول (الماء) أي: ماء الغسل (من رأسه) إلى الأرض (ثم) بعد اغتساله (يخرج) إلى المسجد لصلاة الصبح (فأسمع صوته) أي: صوت قراءته (في صلاة الفجر).
قال السندي: قوله: (فيؤذنه) من الإيذان؛ وهو الإعلام؛ أي: يخبره بحضور وقتها، (إلى تحدر الماء) أي: إلى نزوله وتقاطره من رأسه إلى الأرض.
(قال مطرف) بن طريف بالسند السابق: (فقلت لعامر) الشعبي: (أ) ذلك؛ أي: كونه جنبًا وإتيان بلال إياه (في) شهر (رمضان) خاصة أم في غيره؟ وفي بعض النسخ: (لعل في رمضان) (قال) الشعبي في جواب سؤالي: (رمضان وغيره) من سائر الشهور (سواء) في ذلك، أي: سيان في بيتوتته جنبًا، قال السندي: وهذا محل الاستدلال، وهو في هذه الرواية مرسل ليس من كلام عائشة، لكنه في الرواية الآتية مسند، وهو كافي. انتهى.
فالحديث يدل على صحة الصوم مع الجنابة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 4608
(٦٧) -١٦٧٦ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ سَلَمَةَ عَنِ الرَّجُلِ يُصْبِحُ وَهُوَ جُنُبٌ يُرِيدُ الصَّوْمَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٧) -١٦٧٦ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(قال) نافع: (سألت أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية زوج رسول الله ﷺ ، رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: سألتها (عن الرجل يصبح) أي: يدخل في الصباح بطلوع الفجر (وهو) أي: والحال أنه (جنب) أي: محدث حدثًا أكبر (يريد) أي: يقصد (الصوم) مع جنابته هل يصح صومه أم لا؟ والجملة الفعلية صفة لجنب؛ لوقوعها بعد النكرة (قالت) أم سلمة: (كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا
стр. 4609
مِنَ الْوِقَاعِ لَا مِنِ احْتِلَامٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيُتِمُّ صَوْمَهُ.
===
من الوقاع) أي: من جماع أهله، والمقصود من هذا التنصيص على أن الجنابة كانت اختيارية لا اضطرارية؛ كالاحتلام؛ ليكون نصًا في محل الخلاف، والله أعلم. نتهى "سندي".
(لا من احتلام) لأنه معصوم من تلاعب الشيطان (ثم) بعد إصباحه (يغتسل) من الجنابة (ويتم صومه) أي: يستمر على صومه، وقوله: (لا من احتلام) وهو ما يراه النائم في النوم من صورة امرأة؛ لامتناع الاحتلام في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ لأنه تسويل من الشيطان، فهم معصومون منه، وقوله: (ويتم صومه) معطوف على (يصبح) أي: ثم يستمر صائمًا ولا يفطر، قال الحافظ: وحديث عائشة وأم سلمة في ذلك جاءا عنهما من طرق كثيرة جدًّا بمعنىً واحد، حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر. انتهى.
قال القرطبي: وفي هذا الحديث فائدتان؛ إحداهما: أنه كان يجامع في رمضان ويؤخر الغسل إلى ما بعد طلوع الفجر؛ بيانًا للجواز، والثانية: أن ذلك كان من جماع لا من احتلام؛ لأنه كان لا يحتلم؛ إذ الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال غيره في قولها: (من غير احتلام) إشارة إلى جواز الاحتلام عليه، وإلا .. لما كان للاستثناء معنىً، ورده بأن الاحتلام من الشيطان، وهو معصوم من الشيطان، وأجيب بأن الاحتلام يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بغير رؤية شيء في المنام، وأرادت بالتقييد بالجماع المبالغة في الرد على مَنْ زعم أن فاعل ذلك عمدًا يفطر، وإذا كان فاعل ذلك عمدًا لا يفطر .. فالذي ينسى الاغتسال أو ينام عنه أولى بذلك، قال ابن دقيق العيد: لما كان الاحتلام يأتي للمرء على غير اختياره .. فقد يتمسك به من يرخص لغير المتعمد الجماع، فبين في هذا الحديث أن ذلك كان من جماع؛ لإزالة هذا الاحتمال. انتهى.
стр. 4610
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصوم، باب الصائم يصبح جنبًا، ومسلم في كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في الجنب يدركه الفجر وهو يريد الصوم، قال أبو عيسى: حديث عائشة وأم سلمة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول سفيان والشَّافعيّ وأحمد وإسحاق، وقال قوم من التابعين: إذا أصبح جنبًا .. يقضي ذلك اليوم، والقول الأول هو الأصح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول منسوخ أو مرجوح، والثاني للاستدلال، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4611
(٢٨) - (٥٠٠) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ الدَّهْرِ
(٦٨) -١٦٧٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو دَاوُودَ قَالُوا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ،
===
(٢٨) - (٥٠٠) - (باب ما جاء في صيام الدهر)
(٦٨) -١٦٧٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا عبيد الله بن سعيد) -يقال فيه: عبيد بن سعيد بلا إضافة إلى لفظ الجلالة- ابن أبان بن سعيد بن العاص بن أميَّة بن عبد شمس الأموي أبو محمد الكوفي. روى عن: شعبة، والثوري، ويروي عنه: (م س ق)، وابنا أبي شيبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ).
(ح وحدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو داوود) سليمان بن داوود بن الجارود الطيالسي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالوا) أي: قال كل من عبيد الله بن سعيد ويزيد بن هارون وأبي داوود: (حدثنا شعبة) بن الحجاج العتكي البصري، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مطرف بن عبد الله بن الشخير) العامري الحرشي -بفتحتين-
стр. 4612
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ صَامَ الْأَبَدَ .. فَلَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ".
(٦٩) - ١٦٧٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ
===
أبي عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، من الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن الشخير بن عوف العامري الصحابي المشهور من مسلمة الفتح رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قال) عبد الله: (قال النبي ﷺ : من صام الأبد) أي: الدهر كله .. (فلا صام) أي: ليس له ثواب الصيام على التمام، فكأنه لا صام؛ لقلة أجره (ولا أفطر) لتحمله مشقة الجوع والعطش، وقيل: دعا عليه زجرًا له عن ذلك، وقيل: لا يبقى له حظ من الصوم؛ لكونه يصير له عادة، ولا هو مفطر حقيقةً، فلا حظ له من الإفطار، قيل: النهي إنما هو إذا صام أيام الكراهة، وإلا .. فلا نهي. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الصيام، باب النهي عن صيام الدهر، ورواه الطبراني وابن حبان والدارمي.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
واستشهد المؤلف لحديث عبد الله بن الشخير بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٩) -١٦٧٨ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي
стр. 4613
قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْمَكِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الْأَبَدَ".
===
الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث. أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قال حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وسفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم أبي يحيى الكوفي، ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي العباس المكي) السائب بن فروخ الشاعر الأعمى، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل السهمي أبي محمد، أحد السابقين المكثرين من الصحابة رضي الله تعالى عنهما، مات في ذي الحجة في ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : لا صام من صام الأبد) أي: الدهر، وهذا يقتضي الوعيد الشديد، فيكون حرامًا،
стр. 4614
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإلى الكراهة مطلقًا ذهب ابن العربي من المالكية، فقال: قوله: "لا صام من صام الأبد" إن كان معناه الدعاء عليه .. فيا ويح من أصابه دعاء النبي ﷺ ، وإن كان معناه الخبر .. فيا ويح من أخبر عنه النبي ﷺ أنه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا .. لم يكتب له الثواب؛ لوجوب صدق قوله ﷺ ؛ لأنه نفى عنه الصوم، وقد نفى عنه الفضل، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه النبي ﷺ ؟ ! انتهى من "فتح الملهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التهجد، باب (٢٠)، وفي كتاب الصوم، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به، والترمذي في كتاب الصوم، باب ما جاء في سرد الصوم، والنسائي في كتاب الصوم، باب ذكر الاختلاف على عطاء.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4615
(٢٩) - (٥٠١) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ
(٧٠) - ١٦٧٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِيهِ،
===
(٢٩) - (٥٠١) - (باب ما جاء في صيام ثلاثة أيام من كل شهر)
(٧٠) - ١٦٧٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا شعبة، عن أنس بن سيرين) الأنصاري أبي موسى البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل: سنة عشرين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن المنهال) قال أبو عمر النمري: الصواب: (عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان) ومنهال بن ملحان لا يعرف في الصحابة، والصَّواب: قتادة بن ملحان القيسي، وعبد الملك مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبيه) قتادة بن ملحان القيسي رجل من بني قيس بن ثعلبة البصري الصحابي المعروف ﵁، تفرَّد بالرواية عنه ابنه عبد الملك، روى عن النبي ﷺ حديثًا واحدًا؛ حديث صوم ثلاثة أيام من كل شهر. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الملك بن قتادة، وهو مقبول.
стр. 4616
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِصِيَامِ الْبِيضِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ وَيَقُولُ: هُوَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ، أَوْ كَهَيْئَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ.
===
(عن رسول الله ﷺ أنه) ﷺ (كان يأمر) الناس أمر استحباب لا وجوب (بصيام) أيام الليالي (البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة) وقوله: "ثلاث عشرة" وما عطف عليه في محل الجر بدل من الأيام بدل تفصيل من مجمل؛ أي: بصيام أيام الليالي البيض جمع بيضاء؛ أي: التي يكون القمر فيها من المغرب إلى الصبح؛ أي: أمر بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر (و) كان (يقول: هو) أي: صوم هذه الأيام الثلاثة (كصوم الدهر) والعام كله (أو) قال النبي ﷺ بالشك من الراوي: هيئتهن؛ أي: صفة صيام هذه الأيام الثلاثة.
(كهيئة صوم الدهر) أي: كصفة صيام أيام الدهر كله؛ يعني: في الأجر، وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا ذر؛ إذا صمت من الشهر .. فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة"، وفي "صحيح مسلم" عن أبي قتادة يرفعه: "ثلاث من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، فهذا صيام الدهر كله".
وروى النسائي عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر؛ أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة"، وروى أيضًا عن أبي هريرة قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ بأرنب قد شواها، فوضعها بين يديه، فأمسك فلم يأكل، وأمر القوم أن يأكلوا، وأمسك الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : "ما منعك أن تأكل؟ " قال: إني أصوم ثلاثة أيام من
стр. 4617
(٧٠) - ١٦٧٩ - (م) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَال، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ،
===
كل شهر، قال: "إن كنت صائمًا .. فصم الغد". انتهى من ابن القيم في "شرح أبي داوود".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصوم، باب في صوم الثلاثة من كل شهر، والنسائي في كتاب الصوم، باب كيف يصوم ثلاثة أيام من كل شهر.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شواهد، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث قتادة بن ملحان القيسي، فقال:
(٧٠) - ١٦٧٩ - (م) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة (ابن هلال) أبو حبيب البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومئتين (٢١٦ هـ).
يروي عنه: (ع).
(حدثنا همام) بن يحيى بن دينار العوذي -بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة- المُحَلِمِيُّ مولاهم أبو عبد الله البصري، ثقة، ربَّما وهم، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه (ع).
(عن أنس بن سيرين) الأنصاري البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثماني عشرة، وقيل عشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 4618
حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ قَتَادَةَ بْنِ مِلْحَانَ الْقَيْسِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: أَخْطَأَ شُعْبَةُ وَأَصَابَ هَمَّامٌ.
(٧١) - ١٦٨٠ - (٢) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ،
===
(حدثني عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي) أي: المنسوب إلى بني قيس بن ثعلبة البصري، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبيه) قتادة بن ملحان الصحابي القيسي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، غرضه: بيان متابعة همام بن يحيى لشعبة بن الحجاج.
(عن النبي ﷺ ... ) وساق همام (نحوه) أي: نحو حديث شعبة، قال أبو الحسن راوية المؤلف: (قال) لنا (ابن ماجه: أخطأ شعبة) في قوله: ابن المنهال (وأصاب همام) في قوله: ابن قتادة؛ لأنه ليس من اسمه منهال في الصحابة، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف لحديث قتادة بن ملحان بحديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧١) - ١٦٨٠ - (٢) (حدثنا سهل بن أبي سهل) اسمه زنجلة بن أبي الصغدي الرازي الخياط، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضَّرير التميمي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4619
عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَل، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "مَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ .. فَذلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ" فَأَنْزَل اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ فَالْيَوْمُ
===
(عن عاصم) بن سليمان (الأحول) البصري، ثقة، من الرابعة، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان) النهدي عبد الرحمن بن مل -بلام مشددة مع تثليث الميم- ثقة ثبت عابد مخضرم مشهور بكنيته، من الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها، وعاش مئة وثلاثين سنة، وقيل أكثر. يروي عنه: (ع).
(عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة الربذي المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : من صام ثلاثة أيام من كل شهر) من شهور السنة، أي ثلاثة كانت، ولكن أيام البيض أولى .. (فذلك) الصيام (صوم الدهر) أي: كصيام الدهر كله في الأجر والثواب؛ لأن الحسنة تحسب بعشر أمثالها، فاليوم الواحد يعدل في الأجر عشرة أيام؛ كما قال (فأنزل الله تصديق ذلك) أي: شاهد ذلك أو لأجل تصديق ذلك الذي قاله النبي ﷺ (في كتابه) أي: أنزل في كتابه الكريم في سورة الأنعام: (﴿مَنْ جَاءَ﴾) وعمل (﴿بِالْحَسَنَةِ﴾) الواحدة .. (﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾) (١) جزاء عليها (فـ) حينئذ يعدل (اليوم) الواحد من تلك الأيام الثلاثة
стр. 4620
بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ.
(٧٢) -١٦٨١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْكِ،
===
(بعشرة أيام) في الأجر والثواب، فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله، فيكون كمن صام الدهر. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب الصوم، باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على أبي عثمان في حديث أبي ذر، وقد روى شعبة هذا الحديث عن أبي شمر وأبي التياح عن أبي عثمان عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
فدرجة هذا الحديث: الصحة؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث قتادة بن ملحان بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٢) - ١٦٨١ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي ربيب شعبة، ثقة من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شعبة، عن يزيد الرشك) -بكسر الراء المهملة وسكون الشين المعجمة- هو يزيد بن أبي يزيد الضبعي مولاهم أبي الأزهر البصري الرشك؛ أي: الذراع القسام. يروي عن: مطرف بن الشخير، ويروي عنه: شعبة، ومعمر.
стр. 4621
عَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ كَانَ.
===
وثقه أبو حاتم، وله في "البخاري" فرد حديث، قال أبو عيسى: والرشك هو القسام في لغة أهل البصرة، وقال في "التقريب": ثقة عابد، وهم من لينه، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معاذة) بنت عبد الله (العدوية) أم الصهباء البصرية امرأة صلة بن أشيم، ثقة، من الثالثة. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنها) أي: أن عائشة (قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر) من شهور السنة، قالت معاذة: (قلت) لعائشة: (من أيه؟ ) أي: من أي أجزاء الشهر يصوم؛ من أوله، أو من وسطه، أو من آخره؟ (قالت) عائشة: (لم يكن) ﷺ (يبالي) ويكترث (من أيه) أي: من أي أجزاء الشهر (كان) صومه من الشهر؛ تعني: أحيانًا يصوم من أوله، وأحيانًا من وسطه، وأحيانًا من آخره، والله أعلم.
قوله: (لم يكن يبالي من أيه كان) أي: لم يهتم لتعيين، بل كان يصومها بحسب ما يقتضيه رأيه الشريف، قال الزرقاني: وبه جمع البيهقي بين أحاديث غير عائشة المعينة المختلفة التعيين، فقال: كل من رآه فعل نوعًا .. ذكره، ورأت عائشة جميع ذلك فأطلقت، قال بعضهم: ولعلّه ﷺ لم يواظب على ثلاثة معينة؛ لئلا يظن تعيينها، وقد
стр. 4622
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جعل الله تعالى صيام هذه الثلاثة الأيام من الشهر بمنزلة صيام الدهر؛ كما ذكر في حديث قتادة بن ملحان وحديث أبي ذر آنفًا، ولأن الثلاثة أقل حد للكثرة. انتهى.
قال القرطبي: قولها: (لم يكن يبالي من أيه كان) تعني: أنه لم يكن يعين لصوم الثلاثة زمانًا مخصوصًا من الشهر يداوم عليه، وإنما كان يصومها مرة في أوله، ومرة في آخره، ومرة في وسطه، وهذا -والله أعلم- لئلا يتخيل متخيل وجوبها لو لوزمت في وقت بعينه، أو ليبين فرق ما بين الواجب والتطوع؛ فإن الواجبات في الغالب معينة بأوقات مخصوصة، أو ذلك بحسب تمكنه، والله تعالى أعلم. انتهى.
والحاصل: أن ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر حيث صامها، وفي أي وقت أوقعها، واختلاف الأحاديث في هذا عن النبي ﷺ تدل على أن النبي ﷺ لم يكن يرتب على زمان بعينه من الشهر؛ كما قالته عائشة رضي الله تعالى عنها، وأن كل ذلك قد فعله النبي ﷺ . انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصيام، باب استحباب ثلاثة أيام من كل شهر، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب من قال: لا يبالي من أي الشهر، والترمذي في كتاب الصيام، باب ما جاء في صيام ثلاثة من كل شهر.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 4623
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4624
(٣٠) - (٥٠٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ
(٧٣) -١٦٨٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَامَ مِنْ شَهْرٍ
===
(٣٠) - (٥٠٢) - (باب ما جاء في صيام النبي ﷺ
(٧٣) -١٦٨٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن) عبد الله (بن أبي لبيد) -بفتح اللام- المدني أبي المغيرة نزل الكوفة، ثقة، رمي بالقدر، من السادسة، مات في أول خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(قال) أبو سلمة: (سألت عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سألتها (عن) كيفية (صوم النبي ﷺ تطوعًا؛ أي: سألتها هل يصوم الشهر الكامل أو يصوم بعضه؟ (فقالت) عائشة في جواب سؤالي: (كان) النبي ﷺ (يصوم) التطوع (حتى نقول) نحن معاشر نسائه وخاصته: (قد صام) ﷺ ؛ أي: واظب وداوم على الصيام فلا يفطر؛ لطول مدة صيامه (ويفطر) من صومه مدة طويلة (حتى نقول) نحن أهل بيته: (قد أفطر) أي: واظب على الإفطار فلا يصوم.
قالت عائشة: (ولم أره) ﷺ (صام من شهر) أي: في
стр. 4625
قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ؛ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا.
===
شهر من الشهور (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي (أكثر) مفعول صام؛ أي: ما رأيته فيما مضى من عمري صام في شهر من الشهور صيامًا أكثر (من صيامه من شعبان) أي: في شعبان؛ وذلك لأنه (كان يصوم شعبان كله) أي: معظمه.
وقوله: (كان يصوم شعبان إلا قليلًا) جملة مفسرة لما قبلها، قال الحافظ: وهذا يبين أن المراد بقوله في حديث أم سلمة عند أبي داوود وغيره: إنه كان لا يصوم من السنة شهرًا تامًا إلا شعبان يصله برمضان؛ أي: كان يصوم معظمه، ونقل الترمذي رحمه الله تعالى عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعلّه قد تعشى واشتغل ببعض أمره، قال الترمذي: كان ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك.
وحاصله: أن الرواية الأولى مفسرة للرواية الثانية مخصصة لها، وأن المراد بالكل: الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال، واستبعده الطيبي، قال: لأن الكل تأكيد لإرادةِ الشمولِ، ودفعِ التجوُّزِ، فتفسيره بالبعض منافٍ له، قال الزرقاني في "شرح المواهب": لكن الاستبعاد لا يمنع الوقوع؛ لأن الحديث يفسر بعضه بعضًا، لا سيما والمخرج متحد؛ وهو عائشة، وهي من الفصحاء، وقد نقله ابن المبارك عن العرب، ومن حفظ حجة، وقال الطيبي جمعًا بين الحديثين: يحمل أنَّهُ كان يصومُ شعبان كُلَّه تارةً، ويصوم معظمه أخرى؛ لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان، وقيل: المراد بقوله: (كله): أنه كان يصوم من أوله تارةً، ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا، فلا يخلي شيئًا منه من صيام، ولا يخص