(١٤٠) - ١٧٤٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَبُو بَكْرٍ،
===
وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد لحاجة ما خلا الجمعة والغائط والبول، فأما ما سوى ذلك؛ من عيادة مريض وشهود جنازة .. فلا يخرج له، وقال مالك والشافعي: لا يخرج المعتكف في عيادة مريض ولا شهود جنازة، وهو قول عطاء ومجاهد، وقالت طائفة: للمعتكف أن يشهد الجمعة، ويعود المريض، ويشهد الجنازة، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، ومسلم في كتاب الطهارة، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجة، والترمذي في كتاب الصوم، باب المعتكف يخرج لحاجته أم لا؟
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٤٠) - ١٧٤٩ - (٢) (حدثنا أحمد بن منصور) بن سيار (أبو بكر) البغدادي الرمادي، ثقة حافظ، طعن فيه أبو داوود لمذهبه في الوقف في القرآن، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وستين ومئتين (٢٦٥ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 4797
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ، حَدَّثَنَا الْهَيَّاجُ الْخُرَاسَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الْخَالِقِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُعْتَكِفُ يَتْبَعُ الْجِنَازَةَ وَيَعُودُ الْمَرِيضَ".
===
(حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الهياج) بن بسطام التيمي البرجمي -بضم الموحدة والجيم بينهما راء ساكنة- أبو خالد (الخراساني) الهروي، ضعيف، روى عنه ابنه خالد منكرات شديدة، من السابعة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (١٧٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عنبسة بن عبد الرحمن) بن عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي، متروك رماه أبو حاتم بالوضع، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الخالق) غير منسوب عن أنس مجهول، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأنه اجتمع فيه ثلاثة ضعفاء: الهياج، وعنبسة، وعبد الخالق.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : المعتكف يتبع الجنازة) في تجهيزها إلى القبر (ويعود المريض).
وهذا حديث موضوع (١٨)(٢١٠)، وقد روى الأئمة الستة ما يخالفه من حديث عائشة مرفوعًا: (كان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كانوا معتكفين)، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
стр. 4798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 4799
(٦٤) - (٥٣٦) - بَابُ مَا جَاءَ فِي الْمُعْتَكِفِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَيُرَجِّلُهُ
(١٤١) - ١٧٥٠ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهُوَ مُجَاوِرٌ فَأَغْسِلُهُ وَأُرَجِّلُهُ
===
(٦٤) - (٥٣٦) - (باب ما جاء في المعتكف يغسل رأسه ويرجله)
(١٤١) - ١٧٥٠ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كان رسول الله ﷺ يدني) -بضم الياء- من الإدناء؛ أي: يقرب (إلي) بتشديد الياء (رأسه) الشريف؛ لأغسله وأرجله (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (مجاور) أي: معتكف (فأغسله) أي: فأغسل رأسه (وأرجله) -بضم الهمزة وتشديد الجيم المكسورة- من
стр. 4800
وَأَنَا فِي حُجْرَتِي، وَأَنَا حَائِضٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ.
===
الترجيل؛ وهو تسريح شعر الرأس بالمشط؛ وهو استعمال المشط في الرأس؛ أي: أمشطه وأدهنه.
قال الحافظ في "الفتح": وفي الحديث جواز التنظف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقًا بالترجيل، والجمهور أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد، وعن مالك تكره فيه الصنائع والحرف حتى طلب العلم. انتهى، وقال ابن الملك: وفيه دليل على أن المعتكف لو أخرج بعض أجزائه من المسجد .. لا يبطل اعتكافه. انتهى "تحفة الأحوذي".
(وأنا) أي: والحال أني جالسة (في حجرتي) أي: في بيتي لا أَخْرُجُ إلى المسجد (وأنا) أي: والحال أني (حائض) أيضًا (وهو) أي: والحال أنه ﷺ جالس (في المسجد) لم يَخْرج منه، ولكن أَخْرَجَ رأسَه إلي.
قال الخطابي: وفيه من الفقه أن المعتكف ممنوع من الخروج من المسجد إلا لغائط أو بول، وفيه أن ترجيل الشعر مباح للمعتكف، وفي معناه: حلق الرأس، وتقليم الأظفار، وتنظيف الأبدان من الشعث والدرن، وفيه أن بدن الحائض طاهر غير نجس، وفيه أن من حلف لا يدخل بيتًا، فأدخل رأسه فيه وسائر بدنه خارج .. لم يحنث. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاعتكاف، باب لا يدخل البيت إلا لحاجة، وفي كتاب الحيض، باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، ومسلم في كتاب الحيض، باب جواز غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وأبوداوود في كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته، والترمذي في كتاب الصوم، باب المعتكف يخرج لحاجته أم لا؟
стр. 4801
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الحيض، باب ترجيل الحائض رأس زوجها وهو معتكف في المسجد، وفي كتاب الطهارة، باب الذي يقرأ القرآن ورأسه في حجر امرأته الحائض.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 4802
(٦٥) - (٥٣٧) - بَابٌ: فِي الْمُعْتَكِفِ يَزُورُهُ أَهْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ
(١٤٢) - ١٧٥١ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(٦٥) - (٥٣٧) - (باب: في المعتكف يزوره أهله في المسجد)
(١٤٢) - ١٧٥١ - (١) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا عمر بن عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر) التيمي المدني، صدوق، ولي قضاء البصرة، ومات بالمدينة سنة ست وستين ومئة (١٦٦ هـ)، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عثمان بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي المدني قاضيها، مقبول، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (د ق).
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم.
(قال أخبرني علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب زين العابدين، ثقة ثبت عابد فقيه فاضل مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ إحدى أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
стр. 4803
أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً مِنَ الْعِشَاءِ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ مَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ مَسْكَنِ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَمَرَّ بِهِمَا رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات.
(أنها) أي: أن صفية (جاءت إلى رسول الله ﷺ حالة كونها (تزوره) من الزيارة (وهو معتكف في المسجد) النبوي (في العشر الأواخر من شهر رمضان فتحدثت) صفية من المحادثة (عنده) ﷺ (ساعةً) أي: زمنًا قليلًا (من) وقت (العشاء) الآخرة (ثم) بعد المحادثة (قامت) صفية من عنده ﷺ حالة كونها تريد أن (تنقلب) وترجع إلى بيتها، من الانقلاب؛ وهو الرجوع.
(فقام معها رسول الله ﷺ حالة كونه يريد أن (يقلبها) ويرجعها إلى بيتها، لأن بيتها بعيد من المسجد في دار أسامة بن زيد، والوقت ليل (حتى إذا بلغت) صفية ووصلت ورسول الله معها (باب المسجد) النبوي (الذي) صفة للباب؛ أي: الذي (كان) ذلك الباب (عند مسكن) وبيت (أم سلمة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها .. (فمر) الفاء زائدة في جواب إذا الشرطية، أي: حتى إذا بلغت صفية باب المسجد المذكور .. مر (بهما) أي: جاوز بهما؛ أي: على النبي ﷺ وعلى صفية (رجلان من الأنصار) قال ابن العطاء في "شرح العمدة": هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا.
وفي رواية هشام: (وكان بيتها في دار أسامة، فخرج النبي صلى الله عليه
стр. 4804
فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ نَفَذَا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"، قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
وسلم معها، فلقيه رجلان)، وظاهره أنه ﷺ خرج من باب المسجد، وإلا .. فلا فائدة في قوله لها في حديث هشام الآتي: "لا تعجلي حتى أنصرف معك" ولا فائدة لقلبها لباب المسجد فقط؛ لأن قلبها إنما كان لبعد بيتها، وفي رواية عبد الرزاق: (فذهب معها حتى أدخلها في بيتها).
(فسلما) أي: فسلم الرجلان (على رسول الله ﷺ ، وفي رواية معمر: (فنظرا إلى رسول الله ﷺ ، ثم أجازا) أي: مضيا (ثم نفذا) أي: مضيا ومشيا، وفي رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عند ابن حبان: (فلما رأياه .. استحييا فرجعا).
(فقال لهما رسول الله ﷺ : امشيا (على رسلكما) - بكسر الراء وسكون السين المهملة - أي: على هيئتكما وعادتكما ولا تتعجلا، وليس شيء تكرهانه (إنها) أي: إن المرأة التي كانت معي (صفية بنت حيي) - بمهملة ثم مثناة تحتية مصغرًا - ابن أخطب، وكان أبوها رئيس خيبر (قالا) أي: قال الرجلان: (سبحان الله يا رسول الله! ) أي: تنزه الله عن أن يكون رسوله متهمًا بما لا ينبغي، أو كناية عن التعجب من هذا القول (وكبر عليهما) -بضم الباء- أي: عظم وشق عليهما (ذلك) أي: ما قال النبي ﷺ ؛ يعني: قوله: "على رسلكما، هي صفية" وفي رواية هشيم: (فقالا: وهل نظن بك إلا خيرًا؟ ! ).
(فقال) لهما (رسول الله ﷺ : إنما قلت لكما ذلك؛
стр. 4805
"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا".
===
لـ (أن الشيطان يجري من ابن آدم) الرجال والنساء، فالمراد الجنس (مجرى الدم) أي: يصل بوسوسته محل وصول الدم، ووجه الشبه: شدة الاتصال وعدم المفارقة، وهو كناية عن الوسوسة (وإني خشيت أن يقذف) ويرمي (في قلوبكما شيئًا) من سوء الظن برسول الله ﷺ ، ولمسلم وأبي داوود من حديث معمر: (شرًّا) ولم يكن النبي ﷺ نسبهما أنهما يظنان به سواءً؛ لما تقرر عنده من صدق إيمانهما، ولكن خشي عليهما أن يوسوس لهما الشيطان ذلك؛ لأنهما غير معصومين، فقد يفضي بهما ذلك إلى الهلاك، فبادر إلى إعلامهما حسمًا للمادة وتعليمًا من بعده إذا وقع له مثل ذلك. انتهى من "الإرشاد".
قال الشافعي: معناه: أنه خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة، فبادر إلى إعلامهما بمكانهما نصيحة لهما، قاله العيني، وقال الخطابي: حكي لنا عن الشافعي أنه قال: كان ذلك منه ﷺ شفقةً عليهما؛ لأنهما لو ظنا به ظن سوء .. كفرا، فبادر إلى إعلامهما ذلك؛ لئلا يهلكا، وفيه أنه خرج من المسجد معها؛ ليتبلغ منزلها، وفي هذا حجة من رأى أن الاعتكاف لا يفسد إذا خرج في واجب، وأنه لا يمنع المعتكف من إتيان المعروف. انتهى من "العون".
والحديث صريح في أن النبي ﷺ خشي أن يلقي الشيطان في قلوبهما شيئًا مما يؤديهما إلى الهلاك، ففي الحديث أن الشيطان له تسلط عظيم على الإنسان، فلا ينبغي للإنسان أن يغفل عنه في وقت ما، بل ينبغي له أن يبقى خائفًا من مكائده على الدوام، فليكن على حذر منه، والله أعلم. انتهى "سندي".
стр. 4806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف إلى باب المسجد لحوائجه؟ وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب من رؤي خاليًا بامرأة وكانت زوجة ... إلى آخره، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب المعتكف يدخل البيت لحاجته. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 4807
(٦٦) - (٥٣٨) - بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ تَعْتَكِفُ
(١٤٣) - ١٧٥٢ - (١) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ:
===
(٦٦) - (٥٣٨) - (باب المستحاضة تعتكف)
(١٤٣) - ١٧٥٢ - (١) (حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح) الزعفراني أبو علي البغدادي صاحب الشافعي، وقد شاركه في الطبقة الثانية من شيوخه، ثقة، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ) أو قبلها بسنة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عفان) - بتشديد الفاء - ابن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة عشرين ومئتين (٢٢٠ هـ) قاله البخاري ومطين. انتهى من "الخلاصة". يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن زريع) - بتقديم الزاي مصغرًا - أبو معاوية البصري التيمي، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خالد) بن مهران (الحذاء) أبو المنازل البصري، ثقة يرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله مولى ابن عباس، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(قال) عكرمة: (قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 4808
اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الْحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ فَرُبَّمَا وَضَعَتْ تَحْتَهَا الطَّسْتَ.
===
(اعتكفت) بتاء التأنيث (مع رسول الله ﷺ امرأة من نسائه) أي: أزواجه، ولأبي ذر: امرأة مستحاضة من أزواجه؛ وهي أم سلمة كما في "سنن سعيد بن منصور" (فكانت) تلك المرأة (ترى) في دمها (الحمرة) تارة (والصفرة) أخرى (فربما وضعت) تلك المرأة (تحتها) أي: تحت فرجها (الطست) لئلا يُصِيبَ الدمُ المسجدَ.
فيه جواز صلاتها واعتكافها، لكن مع الأمن من التلويث؛ كدائم الحدث، ذكره القسطلاني، وقال الشوكاني في "النيل": والحديث يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد، وصحة اعتكافها وصلاتها، وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث، ويلحق بها دائم الحدث، ومن به جرح يسيل. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف المستحاضة، وأبو داوود في كتاب الصوم، باب في المستحاضة تعتكف، والدارمي وأحمد.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 4809
(٦٧) - (٥٣٩) - بَابٌ: فِي ثَوَابِ الاعْتِكَافِ
(١٤٤) - ١٧٥٣ - (١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مُوسَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ عَبِيدَةَ الْعَمِّيِّ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ،
===
(٦٧) - (٥٣٩) - (باب: في ثواب الاعتكاف)
(١٤٤) -١٧٥٣ - (١) (حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم) بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا محمد بن أمية) بن آدم الساوي - بالمهملة - أبو أحمد مولى المعيطيين، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وعشرين ومئتين (٢٢٦ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عيسى بن موسى البخاري) أبو أحمد الأزرق، لقبه غنجار -بضم المعجمة وسكون النون بعدها جيم- صدوق ربما أخطأ وربما دلس، مكثر من التحديث عن المتروكين، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن عبيدة) -بفتح أوله- ابن بلال (العمي) -بفتح المهملة وتشديد الميم- البصري نزيل بخارى، مجهول الحال، من الخامسة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن فرقد) بن يعقوب (السبخي) -بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة- أبي يعقوب البصري، صدوق عابد لين الحديث كثير الخطأ، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
стр. 4810
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ: "هُوَ يَعْكِفُ الذُّنُوبَ، وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا".
===
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، وروايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة، قتل بين يدي الحجاج الجائر سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه فرقد السبخي، وهو ضعيف مجهول الحال، وفيه أيضًا عيسى بن موسى البخاري، وهو كثير التحديث عن المتروكين.
(أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: هو) أي: الاعتكاف (يعكف) من بابي ضرب ونصر؛ أي: يحبس (الذنوب) ويمحوها عن صاحبه (ويجرى) على صيغة المبني للمفعول؛ أي: يكتب (له من الحسنات) أي: لصاحب الاعتكاف (كـ) الكاف اسم بمعنى: مثل في محل الرفع نائب فاعل يجرى؛ أي: يجرى ويكتب له مثل أجر (عامل الحسنات كلها) فرائضها وسننها، بدنيتها وماليتها؛ أي: يعطى ثواب من عمل جميع الحسنات والخيرات كلها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف جدًّا (١٩)(٢١١)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 4811
(٦٨) - (٥٤٠) - بَابٌ: فِيمَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ
(١٤٥) - ١٧٥٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الْمَرَّارُ بْنُ حَمُّويَهْ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ،
===
(٦٨) - (٥٤٠) - (باب: فيمن قام في ليلتي العيدين)
(١٤٥) - ١٧٥٤ - (١) (حدثنا أبو أحمد المرار) بفتح أوله وتشديد الراء (ابن حمويه) -بفتح المهملة وضم الميم المشددة وفتح الواو وسكون الياء- الثقفي الهمَذَاني -بفتح الميم والمعجمة- ثقة حافظ فقيه، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (٢٥٤ هـ). يروي عنه: (خ ق).
(حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول الحمصي القرشي، صدوق له أوهام، وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا بقية بن الوليد) بن صائد الكلاعي الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ثور بن يزيد) أبي خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل: ثلاث أو خمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (خ عم).
(عن خالد بن معدان) الكلاعي، ثقة عابد يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي أمامة) الباهلي صدي -بضم الصاد مصغرًا- ابن عجلان الصحابي
стр. 4812
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِله .. لَمْ يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ".
===
المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لتدليس بقية بن الوليد، لكن لم ينفرد به بقية عن ثور بن يزيد؛ فقد رواه الأصبهاني في كتاب "الترغيب" من طريق عمر بن هارون البلخي -وهو ضعيف- عن ثور به.
(عن النبي ﷺ قال: من قام) أي: سهر بالصلاة والأذكار (ليلتي العيدين) الفطر والأضحى (محتسبًا) أي: محتسبًا أجره على الله مخلصًا عمله (لله) تعالى .. (لم يمت قلبه) أي: لم يخل قلبه عن الإيمان، بل ينشرح به (يوم تموت القلوب) عن الإيمان وتضيق لشدة السكرات عند الغرغرة، أو عند الفزع الأكبر؛ لشدة الأهوال يوم القيامة.
قوله: "من قام ليلتي العيدين" ظاهره أن يحيي كل الليلة وطولها بالعبادة، والمرجو أن قيام التهجد يكفي، "يوم تموت القلوب" أي: لكثرة الذنوب، والمراد: إن أدركه ذلك اليوم .. يكون هو مخصوصًا من بين الناس بحياة القلب. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث عبادة بن الصامت، رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، والأصبهاني من حديث معاذ بن جبل، ورواته ثقات إلا بقية بن الوليد، وهو لم ينفرد في الرواية عن ثور بن يزيد.
قلت: إذًا يتقوى الحديث بمجموع طرقه، فيرتقي من الضعف إلى درجة
стр. 4813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحسن، فيكون حسنًا بغيره، فيكون غرض المؤلف بسوقه: الاستدلال به على الترجمة، فلا غبار عليه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
وقد وصلنا إلى هذا المحل في كتابة هذه التعليقات قبيل الظهر يوم الخميس (٢٤) من شهر جمادى الأولى سنة (١٤٣٢) من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلوات والصلات والتحيات، وعلى آله وجميع الصحابات.
* * *
والآن نشرع في كتاب الزكاة، فنقول:
قال المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه، آمين:
стр. 4814
كتاب الزّكاة
стр. 4815
(٦) - كِتَابُ الزَّكَاةِ
(٦٩) - (٥٤١) - بَابُ فَرْضِ الزَّكَاةِ
(١٤٦) - ١٧٥٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ الْمَكِّيُّ،
===
(٦) - (كتاب الزكاة)
(٦٩) - (٥٤١) - (باب فرض الزكاة)
والزكاة في اللغة: هي التطهير والإصلاح والنماء والمدح، ومنه: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١)، وفي الشرع: اسم لما يخرج عن مال مخصوص، أو بدن مخصوص، على وجه مخصوص، يصرف لشخص مخصوص. سمي بها ذلك المال؛ لأنها تطهر المال من الخبث، وتقيه من الآفات، والنفس من رذيلة البخل، وتثمر لها فضيلة الكرم ويستجلب بها البركة في المال، ويُمْدَحُ المُخْرَجُ عنه. انتهى من "الإرشاد".
* * *
(١٤٦) - ١٧٥٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع بن الجراح) بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا زكريا بن إسحاق المكي) ثقة رُمي بالقدر، من السادسة. يروي عنه: (ع).
стр. 4816
عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ؛ فَإِنْ
===
(عن يحيى بن عبد الله) بن محمد بن يحيى (بن صيفي) المكي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي معبد مولى ابن عباس) اسمه نافذ -بفاء ومعجمة- المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ بعث معاذًا) ابن جبل (إلى اليمن) لتعليم أهله أركان الإسلام؛ كأنه بعثه إليها في ربيع الأول قبل حجة الوداع، وقيل: في آخر سنة تسع عند منصرفه من تبوك، وقيل: عام الفتح سنة ثمان، واختلف هل بعثه واليًا أو قاضيًا؟ فجزم النسائي بالأول، وابن عبد البر بالثاني، واتفقوا على أنه لم يزل عليها إلى أن قدم في عهد عمر، فتوجه إلى الشام، فمات بها. انتهى "سندي".
قيل: سبب رجوعه من اليمن أنه أخبر في المنام أن رسول الله ﷺ ارتحل إلى الآخرة، فمر على أبي موسى الأشعري، فأخبره بذلك المنام، فجاء إلى المدينة، والله أعلم.
(فقال) النبي ﷺ لمعاذ حين ودعه: (إنك) يا معاذ (تأتي قومًا أهل كتاب) أي: اليهود؛ لأنهم كثروا في اليمن في ذلك الوقت (فادعهم) أولًا (إلى شهادة) وإقرار (أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن
стр. 4817
هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ .. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ .. فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ،
===
هم أطاعوا) وقبلوا (لذلك) المذكور من الشهادتين؛ أي: انقادوا للإسلام، وهو من قبيل حذف العامل على شريطة التفسير والاشتغال؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (١) .. (فأعلمهم أن الله) تعالى (افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) أي: في جميعهما (فإن هم أطاعوا لذلك) أي: انقادوا وقبلوا للصلوات الخمس .. (فأعلمهم) من الإعلام؛ أي: أخبرهم (أن الله افترض) أي: فرض (عليهم صدقةً) واجبةً (في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) قال البخاري في "صحيحه": (باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء حيث كانوا)، ثم ذكر هذا الحديث.
قال الحافظ: ظاهر الحديث أن الصدقة ترد على فقراء من أخذت من أغنيائهم، وقال ابن المنير: اختار البخاري جواز نقل الزكاة من بلد المال؛ لعموم قوله: "فترد في فقرائهم" لأن الضمير يعود على المسلمين؛ فأي فقير منهم ترد عليه الصدقة في أي جهة كان، فقد وافق عموم الحديث. انتهى، والذي يتبادر إلى الذهن من هذا الحديث .. عدم النقل، وأن الضمير يعود على المخاطبين، فيختص بذلك فقراؤهم، لكن رجح ابن دقيق العيد الأول، قال: إنه وإن لم يكن الأظهر، إلا أنه يقويه أن أعيان أشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر في الزكاة؛ كما لا تعتبر في الصلاة، فلا يختص بهم الحكم، وإن اختص بهم خطاب المواجهة. انتهى.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة: فأجاز النقل الليث وأبو حنيفة
стр. 4818
فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ .. فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ".
===
وأصحابهما، ونقله ابن المنذر عن الشافعي واختاره، والأصح عند الشافعية والمالكية والجمهور: ترك النقل، فلو خالف ونقل .. أجزأ عند المالكية على الأصح، ولم يجزئ عند الشافعية على الأصح، إلا إذا فقد المستحقون لها، ولا يبعد أنه اختيار البخاري؛ لأن قوله: (حيث كانوا) يشعر بأنه لا ينقل عن بلد وفيه ممن هو متصف بصفة الاستحقاق. انتهى كلام الحافظ.
قلت: والظاهر عندي عدم النقل، إلا إذا فقد المستحقون لها، أو يكون في النقل مصلحة أنفع وأهم من عدمه، والله تعالى أعلم.
قال الحافظ: وفيه إيجاب الزكاة في مال الصبي والمجنون؛ لعموم قوله: "من أغنيائهم" قاله عياض، وفيه بحث، وأن الزكاة لا تدفع إلى الكافر؛ لعود الضمير في فقرائهم إلى المسلمين، سواء قلنا بخصوص البلد أو العموم. انتهى.
(فإن هم أطاعوا) أي: انقادوا وقبلوا (لذلك) أي: وجوب الصدقة .. (فإياك وكرائم أموالهم) جمع كريمة؛ وهي خيار المال وأفضله؛ أي: احذر وابتعد من أخذ خيار أموالهم في الزكاة (واتق دعوة المظلوم) أي: اتق الظلم بأخذها؛ خوفًا من دعوة المظلوم عليك فيه؛ أي: اتق الظلم خشية أن يدعو عليك المظلوم (فإنها) أي: فإن دعوة المظلوم (ليس بينها وبين الله) أي: بين وصولها إلى محل القبول والاستجابة (حجاب) أي: مانع، بل هي معروضة عليه تعالى.
قال السيوطي: أي: ليس لها ما يصرفها، ولو كان المظلوم فيه ما يقتضي أنه لا يستجاب لمثله؛ من كون مطعمه حرامًا أو نحو ذلك، حتى ورد في بعض طرقه: "وإن كان كافرًا" رواه أحمد من حديث أنس، قال ابن العربي: ليس
стр. 4819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بين الله وبين شيء حجاب عن قدرته وعلمه وإرادته وسمعه وبصره، ولا يخفى عليه شيء، وإذا أخبر عن شيء أن بينه وبينه حجاب .. فإنما يريد منعه. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، وفي كتاب المغازي وغيرهما، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، وأبو داوود في كتاب الزكاة، باب زكاة السائمة، والنسائي في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، والترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في كراهية أخذ خيار المال في الصدقة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 4820
(٧٠) - (٥٤٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي مَنْعِ الزِّكَاةِ
(١٤٧) - ١٧٥٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَعْيَنَ وَجَامِعِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ سَمِعَا شَقِيقَ بْنَ سَلَمَةَ يُخْبِرُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ،
===
(٧٠) - (٥٤٢) - (باب ما جاء في منع الزكاة)
(١٤٧) - ١٧٥٦ - (١) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) أصالةً، المكي نزولًا، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق صنف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن أعين) الكوفي مولى بني شيبان، صدوق شيعي، له في "الصحيحين" حديث واحد متابعةً، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(و) عن (جامع بن أبي راشد) الكاهلي الصيرفي الكوفي، ثقة فاضل، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(سمعا) أي: سمع عبدُ الملك وجامعٌ أَبَا وائل (شقيقَ بن سلمة) الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(يخبر عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 4821
عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ قَال: "مَا مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ .. إِلَّا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ حَتَّى يُطَوِّقَ عُنُقَهُ"، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... ﴾ الْآيَةَ.
===
(عن رسول الله ﷺ قال: ما من أحد لا يؤدي) ولا يدفع (زكاة ماله .. إلا مُثلَ) وصُوِّر (له) مالُه (يوم القيامة شجاعًا) -بضم المعجمة وكسرها- الحيةُ الذكر، وقيل: الحية مطلقًا، والظاهر المصوَّر له: جميعُ المال أو قَدْرُ الزكاة فقط (أقرع) أي: لا شعر على رأسه؛ لكثرة سمه، وقيل: هو الأبيض الرأس من كثرة السم. انتهى "سندي".
(حتى يطوق) بالبناء للمفعول، من التطويق؛ أي: حتى يجعل ذلك الشجاع كالطوق في (عنقه) والطوق: ما يلبس في العنق كالقلادة، قيل: (حتى) للتعليل؛ أي: لكي يطوقه، أو هي غاية لمحذوف؛ أي: يفر منه حتى يطوقه في عنقه، قال ابن مسعود: (ثم قرأ علينا) معاشر الحاضرين (رسول الله ﷺ مصداقه) أي: شاهد قوله: (من كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ... ﴾ الآية) من سورة آل عمران (١)، وظاهر هذه الآية أن الذي يجعل له طوقًا قدر الزكاة؛ لأنه الذي بخل به، وظاهر الحديث أنه الكل، يمكن أن يقال في الجمع: المراد في الآية: ما بخلوا بزكاته؛ وهو كل المال، والله أعلم بحقيقة الحال.
ولا تنافي بين هذا وبين قوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ ... ﴾ الآية (٢)؛ إذ يمكن أن يجعل بعض أنواع المال طوقًا، وبعضها
стр. 4822
(١٤٨) -١٧٥٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ
===
يحمى عليه في نار جهنم، أو يعذب حينًا بهذه الصفة، وحينًا بتلك الصفة. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، وفي "مسلم" بنحوه في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، والنسائي في كتاب الزكاة، باب التغليظ في مانع الزكاة، والدارمي ومالك.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٨) - ١٧٥٧ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران الكاهلي (الأعمش) الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن المعرور بن سويد) الأسدي أبي أمية الكوفي، ثقة، من الثانية، توفي سنة بضع وثمانين، عاش مئة وعشرين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة الربذي رضي الله تعالى عنه.
стр. 4823
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ وَلَا غَنَمٍ وَلَا بَقَرٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا .. إِلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا .. عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : ما من صاحب إبل ولا غنم ولا بقر لا يؤدي) أي: لا يدفع (زكاتها) عنها .. (إلا جاءت) تلك المواشي (يوم القيامة) حالة كونها (أعظم) أي: أكبر (ما كانت) عليه في الدنيا من حيث الذات (وأسمنه) أي: أسمن ما كانت عليه في الدنيا من حيث الصفة، قوله: "أعظم وأسمن" بالنصب حال، وما مصدرية. انتهى من "التحفة".
حالة كونها (تنطحه) أي: تطعنه وتضربه (بقرونها) جمع قرن راجع للبقر والمعز (و) حالة كونها (تطؤه) أي: تدوسه وتمشي عليه (بأخفافها) وأرجلها، وهذا راجع للإبل؛ لأن الخف مخصوص بها؛ كما أن الظلف مخصوص بالبقر والغنم والظباء، والحافر مختص بالفرس والبغل والحمار، والقدم بالآدمي، قاله السيوطي (كلما نفدت) روي بكسر الفاء مع الدال المهملة؛ من النفاد، وبفتحها مع الذال المعجمة؛ من النفوذ، قاله السيوطي؛ أي: كلما مرت عليه وخرجت عنه (أخراها) أي: أخرى تلك المواشي الواطئة عليه؛ أي: أخيرها ..
(عادت) أي: رجعت (عليه أولاها) أي: التي مشت ومرت عليه أولًا.
وقوله: (حتى يقضى بين الناس) غاية لمحذوف؛ تقديره: أي: يعذب بها هكذا بالنطح والوطء في الموقف حتى يقضى ويفصل بين الناس؛ بسوق أهل السعادة إلى الجنة، وسوق أهل الشقاوة إلى النار؛ أي: يعذب بها هكذا في الموقف إلى نهايته بفصل القضاء.
стр. 4824
(١٤٩) - ١٧٥٨ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، ومسلم في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، والترمذي في كتاب الزكاة، باب التشديد في منع الزكاة، قال أبو عيسى: حديث أبي ذر حديث حسن صحيح.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٩) - ١٧٥٨ - (٣) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي -بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف- أبي شبل -بكسر المعجمة وبسكون الموحدة- المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني مولى الحرقة -بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف- ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
стр. 4825
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَأْتِي الْإِبِلُ الَّتِي لَمْ تُعْطِ الْحَقَّ مِنْهَا تَطَأُ صَاحِبَهَا بأَخْفَافِهَا، وَتَأْتِي الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ تَطَأُ صَاحِبَهَا بأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، وَيَأْتَي الْكَنْزُ شُجَاعًا أَقْرَعَ فَيَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهُ فَيَفِرُّ فَيَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ؟
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: تأتي الإبل التي لم تعط) بالبناء للفاعل (الحق) أي: الزكاة (منها) يوم القيامة حالة كونها (تطأ) وتدوس (صاحبها) أي: مالكها (بأخفافها، وتأتي البقر والغنم) حالة كونها (تطأ صاحبها بأظلافها وتنطحه بقرونها) أي: تطعنه بها، قوله: وتنطحه -بفتح الطاء- ولأبي الوقت: تنطحه -بكسرها- على الأشهر، بل قال الزين العراقي: إنه المشهور في الرواية.
وفيه أن الله يحيي البهائم ليعاقب بها مانع الزكاة، والحكمة في كونها تعاد كلها مع أن حق الله فيها إنما هو في بعضها؛ لأن الحق في جميع المال غير متميز (ويأتي الكنز) وهو المال الذي لم تدفع زكاته (شجاعًا) أي: حية عظيمة (أقرع) أي: لا شعر على رأسه؛ لكثرة سمه وطول عمره (فيلقى) الشجاع (صاحبه) من باب رضي؛ أي: صاحب الكنز ومالكه ويراه (يوم القيامة فيفر) أي: يهرب (منه) أي: من الشجاع (صاحبه) أي: صاحب الكنز (مرتين، ثم يستقبله) أي: يستقبل الشجاع صاحب الكنز ويأتيه من قبالته وقدامه (فيفر) أي: فيهرب منه (فيقول) صاحب الكنز للشجاع: (ما لي ولك؟ ) أي: أي شيء ثبت لي ولك؟ أي: أي معاملة بيني وبينك حتى تطلبني لأجلها وأنا أفر منك؟
стр. 4826
فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ أَنَا كَنْزُكَ، فَيَتَّقِيهِ بِيَدِهِ فَيَلْقَمُهَا".
===
(فيقول) الشجاع لصاحبه: قم لأجلي لا تفر مني (أنا كنزك) أي: مالك الذي لم تدفع زكاته (أنا كنزك) مرتين توكيدًا، يخاطبه بذلك؛ ليزداد غصة وتهكمًا عليه، فيقوم صاحب المال له (فيتقيه) أي: فيتقي صاحب الكنز الشجاع ويدفعه (بيده) أي: يجعل يده وقايةً وسترًا بينه وبين الشجاع (فيلقمها) أي: يلقم الشجاع يده بفمه ويمضغها؛ كما يمضغ الفحل غصن الشجر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب إثم مانع الزكاة، ومسلم في كتاب الزكاة، والترمذي في كتاب الزكاة، باب التشديد في منع الزكاة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 4827
(٧١) - (٥٤٣) - بَابُ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ .. فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
(١٥٠) - ١٧٥٩ - (١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
===
(٧١) - (٥٤٣) - (باب ما أدي زكاته .. فليس بكنز)
(١٥٠) - ١٧٥٩ - (١) (حدثنا عمرو بن سواد) -بتشديد الواو- ابن الأسود بن عمرو العامري أبو محمد (المصري) -بالميم لا بالباء -كما في "التقريب"، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرها، فهو ثقة فيما روى عنه العبادلة، فروايته هنا صحيحة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن عُقيل) -مصغرًا- ابن خالد بن عَقيل -مكبرًا- الأيلي أبي خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة ثم الشام ثم مصر، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبلها بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
стр. 4828
حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ أَسْلَمَ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ فَلَحِقَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ لَهُ: قَوْلُ اللهِ : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ كَنَزَهَا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا
===
(حدثني خالد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب) القرشي العدوي أخو زيد بن أسلم، صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(قال) خالد بن أسلم: (خرجت) من المدينة إلى البوادي لحاجة (مع عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما (فلحقه) أي: لحق عبد الله بن عمر رجل (أعرابي) أي: من سكان البوادي، لم أر من ذكر اسمه (فقال) ذلك الأعرابي (له) أي: لابن عمر: (قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾) (١) ما حكمه، هل منسوخ أم محكم؟ فـ (قال له ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما، في جواب سؤاله.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن عبد الله بن لهيعة فيما روى عنه العبادلة روايته صحيحة، فلا يضر السندَ.
قوله: (فقال له: قولُ الله: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾) بالرفع على أنه مبتدأ، خبره محذوف تقديره: قول الله هذه الآية، هل هو منسوخ بفرض الزكاة أم محكم؟ وفي رواية البخاري: (أخبرني عن قول الله: ﴿وَالَّذِينَ﴾) إلى آخره، هل هو محكم أم لا؟ فقال له ابن عمر: هذا؛ أي: كونها كنزًا توجب العقوبة قبل فرض الزكاة؛ لِأنَّه (مَنْ كَنَزها فلم يؤدِّ زكاتها) بإفراد الضمير، والسابق اثنان؛ كينفقونها، على تأويل مرجع الضمير بالأموال، أو يرجع الضمير
стр. 4829
فَوَيْلٌ لَهُ؛ إِنَّمَا هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَل الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ .. جَعَلَهَا اللهُ طَهُورًا لِلْأَمْوَالِ،
===
إلى الفضة؛ لأنها أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب، أو اكتفى ببيان حكمها عن حكم الذهب. انتهى من "الإرشاد".
وعبارة السندي: قوله: (من كنزها) أي: الأموال، أو الدراهم والدنانير، أو الفضة، وترك على ذلك ذكر الذهب؛ للمقايسة بل للأولوية، ومثله الضمير في قوله: ﴿لَا يُنْفِقُونَهَا﴾ (١). انتهى منه.
(فويل له) الفاء رابطة لجواب (مَن) الشرطية؛ أي: من كنز الذهب والفضة ولم يؤد ما فضل عن حاجته قبل نزول فرض الزكاة .. فويل له؛ أي: حزن وهلاك ومشقة وعقوبة له، وارتفاع (ويل) على الابتداء، خبره محذوف؛ تقديره: كائن له؛ (إنما هذا) أي: كون ترك إنفاق ما فضل عن حاجته من المال المكنوز ويلًا (قبل أن تنزل الزكاة) أي: قبل نزول فرض الزكاة؛ فهي منسوخة بنزول فرض الزكاة، قال ابن بطال: يريد بما قبل نزول الزكاة قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (٢) أي: ما فضل عن الكفاية، فكانت الصدقة فرضًا بما فضل عن كفايته قبل نزول الزكاة.
(فلما أنزلت) أي: الزكاة بعد الهجرة في السنة الثانية قبل فرض رمضان .. (جعلها الله) تعالى؛ أي: جعل الله إخراج الزكاة (طهورًا للأموال) أي: مطهرة لها وطهورًا لمخرجيها عن رذائل الأخلاق، ونسخ حكم الكنز، لكن قال البرماوي: وإذا حمل ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ على (لا يؤدون زكاتها) .. فلا نسخ. انتهى "قسطلاني".
стр. 4830
ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَالَ: مَا أُبَالِي لَوْ كَانَ لِي أُحُدٌ ذَهَبًا .. أَعْلَمُ عَدَدَهُ وَأُزَكِّيهِ وَأَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللهِ .
(١٥١) - ١٧٦٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ،
===
(ثم التفت) الأعرابي إلى ورائه للذهاب والرجوع (فقال) أي: الأعرابي: إذًا؛ أي: إذا كانت هذه الآية منسوخة بنزول الزكاة .. (ما أبالي) ولا أكترث ولا أهتم بوعيد هذه الآية؛ لأني (لو كان لي أحد) أي: مثل جبل أحد (ذهبًا .. أعلمُ عددَه) جواب (لو) الشرطية؛ أي: أَعدُّ ذلك الذهبَ وأَعْلَم عددَه (وأزكيه) أي: أزكي ذلك الذهب بحسابه (وأعملُ فيه) أي: في ذلك الذهب؛ أي: فيما بقي منه عن الزكاة (بطاعة الله) تعالى بإنفاقه على عيالي، وصرفه في الخيرات بتوفيق الله تعالى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب ما أدي زكاته .. فليس بكنز، أخرجه تعليقًا من طريق الزهري دون قوله: (ثم التفت، فقال ... ) إلى آخره، ورواه أبو داوود في "الناسخ والمنسوخ" عن الزهري، والحاكم، والبيهقي، وأبو نعيم في "المستخرج".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مر آنفًا، وللمشاركة فيه، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٥١) - ١٧٦٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أحمد بن عبد الملك) بن واقد الحراني أبو يحيى الأسدي، ثقة تُكلم فيه بلا حجة،
стр. 4831
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ دَرَّاجٍ أَبِي السَّمْحِ، عَنِ ابْنِ حُجَيْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
من العاشرة، مات سنة إحدى وعشرين ومئتين (٢٢١ هـ). يروي عنه: (خ س ق).
(حدثنا موسى بن أعين) الجزري مولى قريش أبو سعيد، ثقة عابد، من الثامنة مات سنة خمس، أو سبع وسبعين ومئة (١٧٧ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن دراج) -بتشديد الراء آخره جيم- ابن سمعان (أبي السمح) -بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة- قيل: اسمه عبد الرحمن، ودراج لقبه، السهمي مولاهم المصري القاص، صدوق، وفي حديثه عن أبي الهيثم ضعف. انتهى "تقريب"، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (عم)، وقال الدوري عن ابن معين: دراج ثقة، وأبو الهيثم ثقة، وقال الآجري: أحاديثه مستقيمة إلا ما كان عن أبي الهيثم عن أبي سعيد.
قلت: وذكره ابن حبان في "الثقات" في عبد الرحمن بن حجيرة. انتهى من "التهذيب"، فدراج مختلف فيه.
(عن) عبد الرحمن (بن حجيرة) -بمهملة وجيم مصغرًا- المصري القاضي، وهو ابن حجيرة الأكبر، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 4832
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ .. فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه دراجًا، وهو مختلف فيه، وغيره كلهم ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: إذا أديتَ) أيها المسلم (زكاة مالك) المفروضة .. (فقد قضيت) وأديت ودفعت (ما) يجب (عليك) من حقوق الإسلام، فلا مؤاخذة عليك فيما تركته من صدقات النفل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء إذا أديت الزكاة .. فقد قضيت ما عليك، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.
قال السندي: قوله: "فقد قضيت ما عليك" من حق المال، وهذا مبني على دخول صدقة الفطر في الزكاة، وكذا النفقة اللازمة.
وعبارة "التحفة على الترمذي": (إذا أديت) أي: أعطيت (زكاة مالك) الذي وجبت عليك فيه زكاة .. (فقد قضيت) أي: أديت من الحق الواجب فيه، ولا تطالب بإخراج شيء منه.
قال أبو الطيب السندي: في "شرح الترمذي": قوله: (ما عليك) أي: من حقوق المال، وهذا يقتضي أنه ليس عليه واجبٌ ماليٌّ غيرُ الزكاة، وباقي الصدقات كلها تطوع، وهو يشكل بصدقة الفطر والنفقات الواجبة، إلا أن يقال: الكلام في حقوق المال، وليس شيء من هذه الأشياء من حقوق المال؛ بمعنى: أنه يوجبه المال، بل يوجبه أسباب أخر؛ كالفطر والقرابة والزوجية وغير ذلك. انتهى، انتهى منه.
قول الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وأخرجه ابن ماجه والحاكم،
стр. 4833
(١٥٢) - ١٧٦١ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ،
===
وقال: صحيح؛ كما في "شرح الجامع الصغير للمناوي"، وقال الحافظ في "الفتح" بعد نقل تحسين الترمذي: وصححه الحاكم، وهو على شرط ابن حبان، وعن أم سلمة عند الحاكم، وصححه ابن القطان أيضًا، وأخرجه أبو داوود.
وقال ابن عبد البر: في سنده مقال، وذكر شيخنا؛ يعني: الحافظ العراقي في "شرح الترمذي": أن سنده جيد، قال الحافظ: وفي الباب حديث عن جابر، أخرجه الحاكم بلفظ: (إذا أديت زكاة مالك .. فقد أذهبت عنك شره)، ورجح أبو زرعة والبيهقي وغيرهما وقفه. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وكثرة شواهده، فغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٥٢) - ١٧٦١ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا الأموي مولاهم، ثقة فاضل حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 4834
عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّهَا سَمِعَتْهُ؛ تَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ".
===
(عن شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حمزة) ميمون الأعور القصاب مشهور بكنيته، ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن فاطمة بنت قيس) بن خالد الفهرية، أخت الضحاك، صحابية مشهورة، وكانت من المهاجرات الأول، وعاشت إلى نهاية خلافة معاوية. يروي عنها: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا حمزة ميمون الأعور، وهو متفق على ضعفه.
(أنها سمعته؛ تعني) فاطمة بضمير سمعته: (النبي ﷺ يقول: "ليس في المال حق سوى الزكاة").
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقًّا سوى الزكاة، قال أبو عيسى: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة الأعور يُضعَّفُ.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٢٠)(٢١٢)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وغرضه بسوقه: الاستئناس به.
* * *
стр. 4835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس.
والله أعلم