← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

آدَمَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالصَّدَقَة، فَقَالَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ: أَيُجْزِينِي مِنَ الصَّدَقَةِ أَنْ أَتَصَدَّقَ عَلَى زَوْجِي وَهُوَ فَقِيرٌ وَبَنِي أَخٍ لِي أَيْتَامٍ وَأَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ هَكَذَا وَهَكَذَا === آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا الأموي مولاهم، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي القاضي، ثقة فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني. (عن زينب بنت أم سلمة) المخزومية ربيبة رسول الله ﷺ الصحابية المشهورة، رضي الله تعالى عنها. (عن أم سلمة) هند بنت أبي أمية رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات. (قالت) أم سلمة: (أمرنا) معاشر النساء (رسول الله ﷺ بالصدقة) المندوبة، ويحتمل العموم (فقالت زينب) بنت معاوية الثقفية (امرأة عبد الله) بن مسعود: (أيجزيني من الصدقة أن أتصدق على زوجي) عبد الله (وهو فقير و) على (بني أخ لي أيتام) تحت حجري وحمايتي (وأنا أنفق عليهم هكذا) أي: أكلًا وشربًا (وهكذا) أي: لباسًا

стр. 4972

وَعَلَى كُلِّ حَالٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَكَانَتْ صَنَاعَ الْيَدَيْنِ. === (و) أنا أنفق عليهم (على كل حال) من أحوال حوائجهم؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ : ("نعم") يجزئ عنك الإنفاق عليهم عن الصدقة على غيرهم، قال النوويّ: المراد به: صدقة التطوع، ويدل عليه سياق الحديث. (قال) الراوي - وهي أم سلمة -: (وكانت) زينب امرأة عبد الله (صناع اليدين) - بتخفيف النون - أي: تصنع باليدين وتكسب، وهذا الوصف مما يستوي فيه المذكر والمؤنث، يقال: رجل صناع وامرأة صناع؛ إذا كان لهما صنعة يَعْمَلَانِها بأيديهما ويَكْسِبَانِها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم وأحمد. فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث زينب امرأة عبد الله. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث: الأوّل للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثالث للاستشهاد. والله أعلم

стр. 4973

(٩٣) - (٥٦٥) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الْمَسْأَلَةِ (١٩٩) - ١٨٠٨ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلَهُ فَيَأْتِيَ الْجَبَلَ === (٩٣) - (٥٦٥) - (باب كراهية المسألة) (١٩٩) -١٨٠٨ - (١) (حدثنا علي بن محمَّد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (وعمرو بن عبد الله) بن حنش -بفتح المهملة والنون بعدها معجمة- ويقال: ابن محمَّد بن حنش (الأودي) ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق). (قالا) أي: قال كل منهما: (حدثنا وكيع) بن الجراح. (عن هشام بن عروة عن أبيه) عروة بن الزبير. (عن جده) زبير بن العوام رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات. (قال) زبير بن العوام: (قال رسول الله ﷺ : لأنَّ يأخذ أحدكم) أيها المؤمنون، قال السندي: بفتح اللام، والكلام من قبيل: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١). انتهى، والفعل في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء مقرون بلام الابتداء أو القسم؛ أي: لأخذ أحدكم (أحبله) جمع حبل؛ وهو ما يربط به الحطب بعضه إلى بعض (فيأتي الجبل) أي: المحتطب جبلًا كان

стр. 4974

فَيَجِيءَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَسْتَغْنِيَ بِثَمَنِهَا. . خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ". === أم لا، فيحتطب (فيجيء بحزمة حطب) أي: بمجموعة من الحطب، حالة كونه حاملًا إياها (على ظهره، فـ) يأتي بها السوق و (يبيعها) أي: يبيع تلك الحزمة للناس (فيستغني بثمنها) عن مسألة الناس. . (خير له) أي: لأحدكم، وهو خبر المبتدإ المؤول من الفعل (من أن يسأل الناس) سواء (أعطوه) مسؤوله (أو منعوه) ذلك المسؤول؛ يعني: يستوي الأمران في أنَّه خير له منه، والمراد: أن ما يلحق الإنسان بالاحتزام من الحطب الدنيوي. . خير له مما يلحقه بالسؤال من التعب الأخروي، فعند الحاجة ينبغي له أن يختار الأوّل ويترك الثاني. انتهى "سندي". ففي الحديث الحث على التعفف عن المسألة، أو التنزه عنها، ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع. . لم يفضل ذلك عليها، وذلك لما يدخل على السائل من ذم السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل. وأما قوله: "خير له". . فليست المفاضلة على بابها؛ إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب، ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه: بحسب اعتقاد السائل وتسميته الذي يعطاه خيرًا، وهو في الحقيقة شر له، والله أعلم. وقال السندي: قوله: "خير من أن يسأل رجلًا" أي: لو فرض في السؤال خير. . لكان هذا خيرًا منه، وإلا. . فمعلوم أنَّه لا خيرية في السؤال. انتهى. وقال الحافظ: ومن المواضع التي وقع فيها التردد من لا شيء له، فالأولى في حقه أن يكتسب للصون عن ذل السؤال، أو يترك وينتظر ما يفتح عليه بغير

стр. 4975

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مسألة؛ فصح عن أحمد مع ما اشتهر من زهده وورعه أنَّه قال لمن سأله عن ذلك: الزم السوق، وقال لآخر: استغن عن الناس؛ فلم أر مثل الغنى عنهم، وقال: ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله، وأن يُعَودُوا أنفسَهم التكسب، ومن قال بترك التكسب. . فهو أحمق يريد تعطيل الدنيا. نقله عنه أبو بكر المروزي، وقال: أجرة التعليم والتعلم أحب إليَّ من الجلوس لانتظار ما في أيدي الناس، وقال أيضًا: من جلس ولم يحترف. . دعته نفسه إلى ما في أيدي الناس، وأُسند عن عمر رضي الله تعالى عنه: كسب فيه بعض الشيء. . خير من الحاجة إلى الناس، وأُسند عن سعيد بن المسيّب أنَّه قال عند موته وترك مالًا: اللهم؛ إنك تعلم أني لم أجمعه إلا لأصون به ديني، وعن سفيان الثوري وعن أبي سليمان الداراني ونحوهما من السلف نحوه، بل نقله البَرْبَهَارِيُّ عن الصحابة والتابعين، وأنه لا يحفظ عن أحد منهم أنَّه ترك تعاطي الرزق مقتصرًا على ما يفتح عليه. انتهى "فتح الملهم". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب الاستعفاف في المسألة، ومسلم في كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس عن أبي هريرة، والنسائيُّ بنحوه في كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، ومالك في "الموطأ"، وأحمد بن حنبل. فدرجته: أنَّه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثمَّ استشهد المؤلف لحديث الزبير بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 4976

(٢٠٠) - ١٨٠٩ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ يَتَقَبَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ === (٢٠٠) - ١٨٠٩ - (٢) (حدثنا علي بن محمَّد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن) محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان، وقيل: سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن محمَّد بن قيس) المدني القاص، ثقة، من السادسة، وحديثه عن الصحابة مرسل. يروي عنه: (م ت س ق). (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن معاوية بن أبي سفيان، صدوق، من الثالثة، أرسل حديثًا، مات على رأس المئة. يروي عنه: (س ق). (عن ثوبان) بن بجدد الهاشمي مولى رسول الله ﷺ ، رضي الله تعالى عنه، صحبه ولازمه، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (م عم). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات. (قال) ثوبان: (قال رسول الله ﷺ : من يتقبل لي) من استفهامية؛ أي: أيكم يتضمن لي (بـ) خصلة (واحدة) وهي: حفظ نفسه

стр. 4977

أَتَقَبَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ "، قُلْتُ: أَنَا، قَالَ: "لَا تَسْأَلِ النَّاسَ شَيْئًا"، قَالَ: فَكَانَ ثَوْبَانُ يَقَعُ سَوْطُهُ وَهُوَ رَاكِبٌ فَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ: نَاوِلْنِيهِ حَتَّى يَنْزِلَ فَيَأْخُذَهُ. === عن سؤال الناس (أتقبل له) أي: أضمن له (بالجنة) قال ثوبان: (قلت) لرسول الله ﷺ : (أنا) أتقبل منك بتلك الخصلة الواحدة، وما هي يا رسول الله؟ (قال) رسول الله ﷺ : هي أن (لا تسأل الناس شيئًا) من أموالهم، قليلًا ولا كثيرًا. (قال) عبد الرحمن بن يزيد: (فكان ثوبان) رضي الله تعالى عنه دائمًا (يقع سوطه) أي: يسقط سوطه من يده على الأرض (وهو) أي: والحال أنَّه (راكب) على الدابة (فلا يقول لأحد) عنده: (ناولنيه) أي: خذ لي هذا السوط من الأرض وأعطنيه (حتى ينزل) من الدابة (فيأخذه) بيده من الأرض، فضلًا من سؤال الناس أموالهم؛ مبالغةً في وفاء ذلك العهد الذي عاهد عليه النبي ﷺ . وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الزكاة، باب فضل من لا يسأل الناس شيئًا، وأحمد في "المسند". ودرجته: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث الزبير بن العوام. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأوّل للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 4978

(٩٤) - (٥٦٦) - بَابُ مَنْ سَأَلَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً (٢٠١) - ١٨١٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاع، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا. . فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرَ جَهَنَّمَ، === (٩٤) - (٥٦٦) - (باب من سأل عن ظهر غنىً) (٢٠١) - ١٨١٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمَّد بن فضيل) بن غزوان -بفتح المعجمة وسكون الزاي- الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة الضبي الكوفي، ثقة، أرسل عن ابن مسعود، من السادسة. يروي عنه: (ع). (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من سأل الناس أموالهم تكثرًا) أي: تجمعًا للمال الكثير، وهو مفعول لأجله؛ أي: سأل المال؛ ليكثر ماله لا للاحتياج إليه. انتهى "ابن الملك"، أو بطريق الإلحاح والمبالغة في السؤال. . (فإنما يسأل جمر جهنم) أي: شعلةً وقطعةً من نار جهنم؛ يعني: أن ما أخذ سبب للعقاب بالنار، وجعله جمرًا؛ للمبالغة في التهديد،

стр. 4979

فَلْيَسْتَقِلَّ مِنْهُ أَوْ لِيُكْثِرْ". (٢٠٢) - ١٨١١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، === فهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (١)؛ أي: ما يوجب نارًا في العقبى، وعارًا في الدنيا، ويحتمل أن يكون جمرًا حقيقةً يعذب بها؛ كما ثبت لمانعي الزكاة (فليستقل منه أو ليكثر) أي: ليطلب منه قليلًا إن شاء أو كثيرًا منه، ولينظر عاقبة أمره. قال القرطبي: هو أمر على جهة التهديد، أو على جهة الإخبار عن مآل حاله، والمعنى: فإنَّه يعاقب على القليل من ذلك وعلى الكثير. انتهى من "المفهم"، قال السندي: والأمر فيه للتهديد أو التوبيخ؛ نظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٢)، والمعنى: سواء عليه استكثر منه أو استقل. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزكاة، باب كراهة المسألة للناس، وأحمد، والبيهقيُّ في "الكبرى" في كتاب الزكاة. ودرجته: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثمَّ استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٢٠٢) - ١٨١١ - (٢) (حدثنا محمَّد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).

стр. 4980

حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ". === (حدثنا أبو بكر بن عياش) بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمَّد، أو عبد الله، أو سالم، ثقة عابد، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن أبي حصين) عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي، ثقة ثبت سني، وربما دلس، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (ع). (عن سالم بن أبي الجعد) رافعٍ الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة (١٠٠ هـ)، أو بعد ذلك، ولم يثبت أنَّه جاوز المئة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا تحل الصدقة) أي: سؤالها، وإلا. . فهي تحل للفقير وإن كان قويًا صحيح الأعضاء إذا أعطاه أحد بلا سؤال منه؛ أي: لا تحل (لغني) بالمال أو بالكسب (ولا) تحل (لذي مرة) - بكسر الميم وتشديد الراء المفتوحة - أي: لصاحب قوة وشدة (سوي) أي: كامل الأعضاء صحيحها سليم من القطع والشلل والزمانة. وفي "التحفة": قوله: "ذي مرة" أي: قوة على الكسب "سوي" أي:

стр. 4981

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === مستوي الخلق، قاله الجوهري، والمراد: استواء الأعضاء وسلامتها، (سوي) أي: صحيح سليم الأعضاء. انتهى من "التحفة". قوله: "ولا تحل الصدقة لغني" في "المحيط" من كتب الحنفية: الغنى على ثلاثة أنواع: غنىً يُوجب الزكاةَ؛ وهو مِلْكُ نصاب حولًا كاملًا، وغنىً يحرم الصدقة ويوجب صدقة الفطر والأضحية؛ وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأموال الفاضلة عن حاجته الأصلية، وغنىً يحرم السؤال دون الصدقة؛ وهو أن يكون له قوت يومه وما يستر عورته، "ولا لذي مرة" أي: ولا لقوي على الكسب "سوي" أي: صحيح البدن تام الخلقة. انتهى من "العون". قال علي الفارسي: فيه نفي كمال الحل لا نفس الحل، أو لا تحل بالسؤال، قال ابن الملك: أي: لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة، وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله، وبه قال الشافعي. قال الخطابي: قد اختلف الناس في جواز الصدقة لمن يجد قوةً يقدر بها على الكسب: فقال الشافعي: لا تحل له الصدقة، وكذلك قال إسحاق بن راهويه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجوز له أخذ الصدقة إذا لم يملك مئتي درهم فصاعدًا. انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي في كتاب الزكاة، باب من لا تحل له الصدقة، وقال: حديث حسن، والنسائيُّ والدارقطني وابن حبَّان وابن خزيمة وأحمد. ودرجة هذا الحديث: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأوّل.

стр. 4982

(٢٠٣) - ١٨١٢ - (٣) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ === ثمَّ استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأوّل بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٢٠٣) -١٨١٢ - (٣) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد بن علي الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني المكي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق). (حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الأموي مولاهم الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن حكيم بن جبير) الأسدي، وقيل: مولى ثقيف الكوفي، ضعيف رمي بالتشيع، من الخامسة. يروي عنه: (عم). (عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي أبي جعفر الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (عم). (عن أبيه) عبد الرحمن بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه حكيم بن جبير، وهو متفق على ضعفه، ولكن له متابع، فلا يضر حكيم؛ كما سيأتي.

стр. 4983

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَأَلَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ. . جَاءَتْ مَسْأَلَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ خُمُوشًا أَوْ كُدُوحًا فِي وَجْهِهِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا === (قال) ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ : من سأل) الناس مالًا (و) الحال أن (له ما يغنيه) من سؤال الناس. . (جاءت مسألته) أي: أثر مسألته للناس (يوم القيامة) حالة كونها (خدوشًا) بضمتين (أو) قال الراوي: حالة كونها (خموشًا، أو) قال الراوي: حالة كونها (كدوحًا) أي: عبوسًا (في وجهه) والشك من الراوي أو ممن دونه، وهذه الكلمات الثلاث -بضم أوائلها- ألفاظ متقاربة المعاني؛ جمع خمش وخدش وكدح، فـ (أو) هنا إما للشك من الراوي؛ إذ الكل يُعْرِبُ عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة ما يقشر أو يجرح، ولعل المراد بها: آثار مستنكرة في وجهه حقيقةً، أو أمارات؛ ليعرف ويشتهر بذلك بين أهل الموقف، أو لتقسيم منازل السائل؛ فإنَّه مقل أو مكثر أو مفرط في المسألة، فذكر الأقسام على حسب ذلك. والخمش أبلغ في معناه من الخدش، وهو أبلغ من الكدح؛ إذ الخمش في الوجه، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد، وقيل: الخدش: قشر الجلد بعود، والخمش: قشره بالأظفار، والكدح: العض، وهي في أصلها مصادر، لكنها لما جعلت أسماءً للآثار. . جمعت، كذا في "المرقاة". انتهى من "تحفة الأحوذي". (قيل) أي: قال بعض الحاضرين لرسول الله ﷺ ، ولم أر من ذكر هذا القائل: (يا رسول الله؛ وما يغنيه؟ ) أي: كم هو، أو أي مقدار من المال يغنيه من مسألة الناس؟ (قال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: الذي يغنيه هو (خمسون درهمًا أو قيمتها) أي: قيمة الخمسين

стр. 4984

مِنَ الذَّهَبِ"، فَقَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ: إِنَّ شُعْبَةَ لَا يُحَدِّثُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: قَدْ حَدَّثَنَاهُ زُبَيْدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ. === (من الذهب) قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، أخرجه النسائي بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "من سأل وله أربعون درهمًا. . فهو الملحف". قلت: وفي الباب أيضًا عن عطاء بن يسار عن رجل من بني أسد له صحبة في أثناء حديث مرفوع قال فيه: "من سأل منكم وله أوقية أو عدلها. . فقد سأل إلحافًا". أخرجه أبو داوود، وعن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل وعنده ما يغنيه. . فإنما يستكثر من النار"، فقالوا: يا رسول الله؛ وما يغنيه؟ قال: "قدر ما يغديه ويعشيه". أخرجه أبو داوود، وصححه ابن حبَّان، كذا في "فتح الباري" انتهى من "التحفة". (فقال رجل) وهو يحيى بن آدم بن سليمان الأموي الكوفي؛ كما مر في السند (لسفيان) الثوري: (إن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير) أصلًا؛ لضعفه، فهذا يدلّ على أن شعبة ترك الرواية عنه (فقال سفيان) الثوري لذلك الرجل الذي قال له ما ذكر: (قد حدثناه) أي: قد حدثنا هذا الحديث المذكور (زبيد) بن الحارث اليامي الكوفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة (عن محمَّد بن عبد الرحمن بن يزيد). فالحديث صحيح؛ لأنَّ حكيم بن جبير لم ينفرد به، فالحديث صحيح؛ لصحة سنده. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء من تحل له الزكاة، وقال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن، وقد تكلم شعبة

стр. 4985

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث، والنسائيُّ في كتاب الزكاة، باب حدّ الغنى، والدارميُّ في كتاب الزكاة، باب من تحل له الصدقة، والدارقطني في كتاب الزكاة، باب الغنى الذي يحرم السؤال. فدرجة هذا الحديث: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده؛ لأنَّ حكيم ابن جبير لم ينفرد به، ولأن له شواهد ومشاركات، وغرضه: الاستشهاد به. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث: الأوّل للاستدلال، والآخران للاستشهاد. والله أعلم

стр. 4986

(٩٥) - (٥٦٧) - بَابُ مَنْ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ (٢٠٤) - ١٨١٣ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ === (٩٥) - (٥٦٧) - (باب من تحل له الصدقة) (٢٠٤) - ١٨١٣ - (١) (حدثنا محمَّد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم مولى عمر، أبي عبد الله المدني، ثقة عالم وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمَّد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات.

стр. 4987

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ الله، أَوْ لِغَنِيٍّ اشْتَرَاهَا بِمَالِه، أَوْ فَقِيرٍ تُصُدِّقَ عَلَيْهِ فَأَهْدَاهَا لِغَنِيٍّ، أَوْ غَارِمٍ". === (قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لا تحل الصدقة لغني) أي: لا يحل له أن يتملكها؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ وليس المراد: لا يحل له أن يأخذها؛ إذ الكلام الآتي ليس في الأخذ فقط، بل في التملك مطلقًا (إلا لخمسة) فتحل لهم وهم أغنياء؛ لأنهم أخذوها بوصف آخر، فتحل (لعامل عليها) أي: على الصدقة؛ من نحو: حاشر وحاسب وكاتب؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وبينت السنة أن شرطه ألا يكون هاشميًا، قيل: ولا مطلبيًا (أو لغاز في سبيل الله) لإعلاء كلمته؛ لقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: لمجاهد ولو كان غنيًا أو لحج، واختاره محمَّد بن الحسن من الحنفية (أو لـ) رجل (غني اشتراها) أي: الصدقة من المستحقين لها (بماله، أو) حصلت له من (فقير تصدق عليه) بالبناء للمجهول (فأهداها) أي: فأهدى ذلك الفقير تلك الصدقة التي تصدق عليه (لغني أو) لـ (غارم) لم يبق عنده بعد قضاء الدين قدر النصاب. انتهى "سندي". وذلك مثل من استدان؛ ليصلح بين طائفتين في دية أو دين تسكينًا للفتنة وإن كان غنيًا، قال تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ (١) بشروط مبسوطة في الفروع. قوله: "فأهداها لغني" فتحل لذلك الغني؛ لأنَّ الصدقة قد بلغت محلها فيه، فالمدار على إهداء الصدقة التي ملكها الفقير أو المسكين، سواء أهداها لجار أو غيره، وفي حديث إهداء بريرة ما تصدق به عليها إلى عائشة قوله ﷺ : "هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية". رواه الشيخان

стр. 4988

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وغيرهما، وكذلك الإهداء ليس بقيد؛ ففي رواية لأحمد وأبي داوود: "أو جاء فقير تصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك". قال ابن عبد البر: هذا الحديث مفسر لمجمل قوله ﷺ : "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" وأنه ليس على عمومه، وأجمعوا على أن الصدقة المفروضة لا تحل لغير الخمسة المذكورين. قال الباجي: فإن دفعها لغني غير هؤلاء عالمًا بغناه. . لم تجزه بلا خلاف، فإن اعتقد فقره. . فقال ابن القاسم: يضمن إن دفعها لغني أو كافر، وأما صدقة التطوع. . فهي بمنزلة الهدية تحل للغني والفقير، ذكره الزرقاني في "شرح الموطأ". قال الخطابي: وفي هذا الحديث بيان أن الغازي وإن كان غنيًا. . له أن يأخذ الصدقة ويستعين بها في غزوه، وهو من سهم السبيل، وإليه ذهب مالك والشافعيُّ وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يعطى الغازي من الصدقة إلا أن يكون منقطعًا به، وسهم السبيل غير سهم ابن السبيل، وقد فرق بينهما في التسمية، وعطف أحدهما على الآخر بالواو، التي هي حرف الفرق بين المذكورين المسبوق أحدهما على الآخر، فقال: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١)، والمنقطع به: هو ابن السبيل، وأما سهم السبيل. . فهو على عمومه وظاهره في الكتاب، وقد جاء في الحديث ما بينه ووكد أمره، فلا وجه للذهاب عنه. وفي قوله: "أو لغني اشتراها بماله" دليل على أن المتصدق إذا تصدق بالشيء ثمَّ اشتراه من المدفوع إليه. . فإن البيع جائز، وكرهه أكثر العلماء مع

стр. 4989

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تجويزهم البيع في ذلك، فقال مالك بن أنس: إن اشتراه. . فالبيع مفسوخ، وأما الغارم الغني. . فهو الرجل يتحمل الحمالة ويدان في المعروف وإصلاح ذات البين، وله مال إن دفع فيها. . افتقر، فيعطى من الصدقة ما يقضى به دينه، فأما الغارم الذي يدان لنفسه وهو معسر. . فلا يدخل في هذا الغني؛ لأنه من جملة الفقراء، وأما العامل. . فإنَّه يعطى منها عمالته على قدر عمله وأجرة مثله، سواء كان غنيًا أو فقيرًا؛ فإنَّه يستحق العمالة إذا لم يفعله تطوعًا، فأما المهدي له الصدقة. . فهو إذا ملكها. . فقد خرجت من أن تكون صدقة، فهي ملك لمالك تام الملك جائز التصرف في ملكه. انتهى كلامه، انتهى من "العون". قوله: "أو غني اشتراها" المراد: أنها حصلت له بسبب آخر غير التصدق؛ كالشراء والهدية، فشمل الإرث وبدل الكتابة؛ بأن كاتب عبدًا، فأخذ صدقةً وأعطاها للسيد في مال الكتابة والمهر وغير ذلك؛ كعوض الخلع، وأما قوله: "أو فقير". . فعطفه على ما قبله بحسب المعنى؛ كأنه قيل: أو غني أهدى له فقير ما تصدق عليه، والأقرب أنَّه على تقدير مضاف؛ أي: صاحب فقير، ولم يذكر ابن السبيل في الحديث؛ لأنه لا يأخذه إلا حال الحاجة، فهو بالنظر إلى تلك الحاجة فقير وإن كان غنيًا في بلده، ثمَّ الحديث دليل على أن الفقر لازم في مصارف الزكاة كلها، والله أعلم. انتهى من "السندي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الزكاة، باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، قال أبو داوود، ورواه فراس وابن أبي ليلى عن عطية عن أبي سعيد عن النبي ﷺ مثله، ومالك في "الموطأ"، وأحمد في "المسند".

стр. 4990

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فدرجة هذا الحديث: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث. والله أعلم

стр. 4991

(٩٦) - (٥٦٨) - بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ (٢٠٥) - ١٨١٤ - (١) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : === (٩٦) - (٥٦٨) - (باب فضل الصدقة) (٢٠٥) -١٨١٤ - (١) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي (المصري) لقبه زغبة -بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة وهو لقب أبيه أيضًا- ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ) وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات. يروي عنه: (م د س ق). (أنبأنا الليث بن سعد) المصري الفهمي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) الليثي أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن سعيد بن يسار) مولى ميمونة، وقيل: مولى شقران، أبي الحباب المدني، ثقة متقن، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ)، وقيل: قبلها بسنة. يروي عنه: (ع). (أنَّه) أي: أن سعيد بن يسار (سمع أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (يقول: قال رسول الله ﷺ ). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات.

стр. 4992

"مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ -. . إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ ﵎ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَل، وَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ". === (ما تصدق أحد) منكم (بصدقة من طيب) أي: من حلال؛ لأنه هو الطيب طبعًا (ولا يقبل الله) سبحانه في الصدقة (إلا الطيب) أي: إلا الحلال. . (إلا أخذها) أي: تقبل تلك الصدقة (الرحمن بيمينه) المقدسة (وإن كانت) تلك الصدقة (تمرةً) أي: شيئًا حقيرًا (فتربو) أي: تزيد وتكبر (في كف الرحمن) أي: كله المقدسة (تبارك) أي: تزايد خيره وإحسانه لعباده (وتعالى) أي: ترفع عما لا يليق به (حتى تكون) تلك الصدقة الحقيرة في كف الرحمن (أعظم) أي: أكبر (من الجبل) العظيم (ويربيها) من التربية؛ أي: يكبرها الرحمن (له كما يربي أحدكم فلوه) أي: ولد فرسه (أو) قال: (فصيله) أي: ولد ناقته. قوله: "ولا يقبل الله إلا الطيب" أي: الحلال. . جملة معترضة؛ لاعتراضها بين الشرط والجزاء؛ لغرض التأكيد، وفيه إشارة: إلى أن غير الحلال لا يقبل، وأن الحلال المكتسب يقع بمحل عظيم، قال القرطبي: وإنما لا يقبل الله الصدقة من الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدق، وهو ممنوع من التصرف فيه، والتصدق به تصرف فيه، فلو قبلت منه. . لزم أن يكون الشيء الواحد مأمورًا به منهيًا عنه من وجه واحد، وهو محال، ولأن أكل الحرام يفسد القلوب، فتُحْرَمُ الرقةَ والإخلاصَ، فلا تُقبل الأعمالُ منه. وفي الحديث إشارة: إلى أنَّه إنما لم يقبل؛ لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبة بينه وبين الطيب بذاته (إلا أخذها) أي: أخذ تلك الصدقة الطيبة (الرحمن) أخذًا يليق به (بيمينه) المقدسة، وأخذها باليمين يدلّ على حسن

стр. 4993

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القبول، ووقوع الصدقة منه موقع الرضا على أكمل الحصول؛ لأنَّ الشيء المرضي يتلقى باليمين في العادة. انتهى "مرقاة". وقوله: (إلا) أداة استثناء مفرغ، والأخذ بمعنى: القبول، ولعل ذكر (الرحمن) للإشعار بأن هذا من فضل رحمته وسعة كرمه، واليمين صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها مع صرف اللفظ عن ظاهره قطعًا لا نؤولها ولا نكيفها ولا نمثلها: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١). (وإن كانت) تلك الصدقة (تمرة) أي: حبةً من تمر، وهو كناية عن حقارتها، والذي في "المشكاة": (بعدل تمرة) أي: بمثلها صورة أو قيمة. انتهى "مرقاة"، (فتربو) أي: تزيد وتكبر (في كف الرحمن) المقدسة، والكف صفة ثابتة لله تعالى، نثبتها ونعتقدها ولا نمثلها، (حتى تكون) تلك التمرة (أعظم من الجبل) الكبير مثل أحد، والظاهر أن المراد بعظمها: أن عينها تعظم؛ لتثقل في الميزان، ويحتمل: أن يكون ذلك معبرًا به عن ثوابها (ويربيها له) أي: يربي الرحمن تلك التمرة لصاحبها؛ من التربية كناية عن الزيادة؛ أي: يزيدها ويعظمها حتى تثقل في الميزان. انتهى "مرقاة". (كما يربي أحدكم فلوه) أي: ولد فرسه (أو) إما للشك من الراوي، أو للتنويع، والفلو -بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو-: هو المهر؛ أي: ولد الفرس، سمي فلوًا؛ لأنه فلى عن أمه؛ أي: فصل وعزل عنها، وقيل: هو كل فطيم من ذات حافر، والجمع أفلاء؛ كعدو وأعداء. وقال أبو زيد: إذا فتحت الفاء. . شددت الواو، وإذا كسرتها. . سكنت اللام؛ كجرو وضرب به المثل؛ لأنه يزيد زيادة بينة، ولأن الصدقة نتاج العمل،

стр. 4994

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وأحوج ما يكون النتاج إلى التربية إذا كان فطيمًا، فإذا أحسن العناية. . انتهى إلى حدّ الكمال، وكذلك عمل ابن آدم لا سيما الصدقة؛ فإن العبد إذا تصدق من كسب طيب. . لا يزال نظر الله إليها حتى يكسوها نعت الكمال، حتى ينتهي بالتضعيف إلى نصابٍ تقع المناسبة بينه وبين ما قدم نسبة ما بين التمرة إلى الجبل. انتهى "فتح الملهم"، أو قال: (فصيله) والفصيل: ولد الناقة إذا فصل من إرضاع أمه، فعيل بمعنى: مفعول؛ كجريح وقتيل بمعنى: مجروح ومقتول. انتهى منه. وهذا تمثيل لزيادة التعظيم، وفي الحديث اقتباس من قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (١)، فالمراد بالربا: جميع الأموال المحرمات، والصدقات تقيد بالحلالات. انتهى "مرقاة". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب، ومسلم في كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من كسب طيب وتربيتها، والترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثمَّ استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عديّ بن حاتم رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 4995

(٢٠٦) - ١٨١٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، === (٢٠٦) - ١٨١٥ - (٢) (حدثنا علي بن محمَّد) الطنافسي الكوفي، ثقة من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا وكيع حدثنا الأعمش عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة - بفتح المهملة وسكون الموحدة - الجعفي الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة بعد سنة ثمانين (٨٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عديّ بن حاتم) بن عبد الله بن الحشرج الطائي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثمان وستين (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات. (قال) عديّ: (قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد) أيها الناس، ظاهر الخطاب للصحابة، ويلحق بهم المؤمنون كلهم سابقهم ومقصرهم، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة؛ أي: ما منكم من أحد (إلا سيكلمه ربه) يوم القيامة، والحال أنَّه (ليس بينه) أي: بين الله (وبينه) أي: وبين أحد منكم (ترجمان) -بفتح أوله وضم الجيم ويضمان ويفتحان- وهو الذي يترجم الكلام؛ أي: ينقله من لغة إلى أخرى، والمراد: أن الله يكلم ويخاطب العبد بلا واسطة، ولم يبين في هذه الرواية ما يقول له، ولكن بينه في رواية أخرى: "ثمَّ ليقولن له: ألم أوتك مالًا؟ فليقولن: بلى، ثمَّ ليقولن: ألم أرسل إليك رسولًا؟ فليقولن: بلى". انتهى "فتح الملهم". والمراد بالترجمان هنا: الرسول؛ لأنَّ الله تعالى لا يخفى عليه لغة، فيكون كلامه تعالى في الآخرة بالوحي لا بالرسول. انتهى من بعض الهوامش.

стр. 4996

فَيَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، وَيَنْظُرُ عَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، وَيَنْظُرُ عَنْ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ". === (فينظر) أحدكم حينما كلمه ربه تعالى (أمامه) أي: قدامه (فتستقبله النار، وينظر عن أيمن منه) أي: إلى جانبه الأيمن (فلا يرى إلا شيئًا قدمه) في الدنيا من أعماله الصالحة (وينظر عن أشأم منه) أي: إلى جانبه الشمال (فلا يرى إلا شيئًا قدمه) من أعماله السيئة، والفاء في قوله: (فمن استطاع منكم) فاء الفصيحة؛ لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا سمعتم ما قلت لكم، وأردتم بيان ما تتقون به من تلك النار. . فأقول لكم: من استطاع وقدر منكم (أن يتقي) ويستتر من تلك (النار، ولو) كان اتقاؤه واستتاره منها (بشق تمرة) - بكسر الشين المعجمة - أي: بنصف حبَّة تمرة؛ أي: ولو كان الاتقاء بتصدق نصف حبَّة تمرة. انتهى من "المبارق". (فليفعل) ذلك الاتقاء والاستتار منها. وفي "فتح الملهم": قوله: "فينظر أيمن منه، فلا يرى إلا ما قدم" أي: ما قدمه من أعماله السيئة، وفي رواية محلّ بن خليفة: "فينظر عن يمينه، فلا يرى إلا النار، وينظر عن شماله، فلا يرى إلا النار"، ورواية خيثمة هي المعتمدة في ذلك، وقوله: (أيمن وأشأم) بالنصب فيهما على الظرفية في رواية إسقاط الجار، والمراد بهما: اليمين والشمال، قال ابن هبيرة: نظر اليمين والشمال هنا كالمثل؛ لأنَّ الإنسان من شأنه إذا دهمه أمر. . أن يلتفت يمينًا وشمالًا، يطلب الغوث. قلت: ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنَّه يترجى أن يجد طريقًا يذهب فيها؛ ليحصل النجاة من النار، فلا يرى إلا ما يفضي به إلى النار؛ كما في رواية محلّ بن خليفة، كذا في "الفتح".

стр. 4997

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قوله: "فينظر أمامه" أي: تلقاء وجهه "فلا يرى إلا النار"، قال ابن هبيرة: والسبب في ذلك: أن النار تكون في ممره، فلا يمكنه أن يحيد عنها؛ إذ لا بد له من المرور على الصراط، وفيه دليل على قرب النار من أهل الموقف، وقد أخرج البيهقي في "الشعب" من مرسل عبد الله بن باباه بسند رجاله ثقات رفعه: "كأني أراكم بالكوم جثىً من دون جهنم"، قوله: "جثىً" -بضم الجيم بعدها مثلثة مقصورًا- جمع جاثٍ، والكوم -بفتح الكاف وسكون الواو-: المكان العالي، الذي يكون عليه أمة محمَّد ﷺ ؛ كما ثبت في حديث كعب بن مالك عند مسلم: (أنهم يكونون يوم القيامة على تل عالٍ). قوله: "ولو بشق تمرة" - بكسر المعجمة -: نصفها أو جانبها؛ أي: اجعلوا بينكم وبينها وقايةً من الصدقة وعمل بر، ولو بشيء يسيرٍ، وفي الحديث: الحث على الصدقة بما قل وما كثر، وألا يحتقر ما يتصدق به، وأن اليسير من الصدقة يستر المتصدق من النار. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الزكاة، باب الصدقة قبل الرد، ومسلم في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة، والترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، باب في القيامة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد والدارميُّ والدارقطني. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. ثمَّ استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث سلمان بن عامر الضبي رضي الله تعالى عنهما، فقال:

стр. 4998

(٢٠٧) - ١٨١٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ أُمِّ الرَّائِحِ بِنْتِ صُلَيْعٍ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ === (٢٠٧) - ١٨١٦ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي (وعلي بن محمَّد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي. (قالا) أي: قال كل منهما: (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي. (عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان أبي عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع). (عن حفصة بنت سيرين) أم الهذيل الأنصارية البصرية، ثقة، من الثالثة، ماتت بعد المئة. يروي عنها: (ع). (عن الرباب) بفتح أولها وتخفيف الموحدة آخرها موحدة (أم الرائح) بتحتانية ومهملة (بنت صليع) - بمهملتين مصغرًا - الضبية البصرية مقبولة، من الثالثة. يروي عنها: (عم). (عن سلمان بن عامر) بن أوس بن حجر بن عمرو بن الحارث (الضبي) الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه سكن البصرة. يروي عنه: (عم). قال مسلم بن الحجاج: وليس في الصحابة ضبي غيره. قلت: من الصحابة: يزيد بن نعامة، قال البخاري: له صحبة، وكدير الضبي مختلف في صحبته، وحنظلة بن ضرار الضبي. قال الدولابي: قتل سلمان يوم الجمل، وهو ابن مئة سنة، ذكره ابن قانع في

стр. 4999

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الْقَرَابَةِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ". === الصحابة في آخرين مذكورين في الكتب المصنفة في الصحابة، فلينظر في قول مسلم. روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه: (خ عم)، وابنة أخيه أم الرائح الرباب بنت صليع بن عامر الضبي، ومحمد وحفصة ابنا سيرين، وغيرهم. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات. (قال) سلمان: (قال رسول الله ﷺ : الصدقة) قال السندي: إطلاقها يشمل الفرض والتطوع، فيدل على جواز أداء الزكاة إلى القرابة مطلقًا؛ أي: التصدق (على المسكين) الأجنبي (صدقة) واحدة؛ أي: لها أجر واحد (و) الصدقة (على ذي القرابة) أي: على المسكين القريب (اثنتان؛ صدقة) مجردة عن صلة رحم (و) صدقة مقرونة بـ (صلة) رحم؛ يعني: أن الصدقة على الأقارب أفضل؛ لأنه خيران، ولا شك أنهما أفضل من واحد. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، وقال: في الباب عن زينب امرأة ابن مسعود وجابر وأبي هريرة، وقال أبو عيسى: حديث سلمان بن عامر حديث حسن، والنسائيُّ في كتاب الزكاة، باب الصدقة على الأقارب، والدارميُّ وأحمد والبيهقيُّ وابن حبَّان وعبد الرزاق، وغيرهم. فدرجته: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد ومشاركات، وغرضه: الاستشهاد به.

стр. 5000

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث: الأوّل للاستدلال، والآخران للاستشهاد. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد: من الأبواب: ستة وتسعون بابًا. ومن الأحاديث: مئتان وأحد عشر حديثًا، منها: ثلاثة وعشرون للاستئناس، وثمانية وثمانون للاستدلال، وواحد مهمل حكمه، وأربعة للمتابعة، والباقي للاستشهاد. والله وليُّ التّوفيق

стр. 5001

إلى هنا انتهى المجلد العاشر من هذا الكتاب الزاخر ويليه المجلد الحادي عشر بإذن خالق البشر، وأوله: كتاب النكاح قال المؤلف عفا الله عنه: أتممت هذا المجلد بفضل الله ومنته يوم الخميس بتاريخ (٦) شعبان (١٤٣٢ هـ) وقت الضحوة، الموافق لـ (٧) تموز يوليو سنة (٢٠١١ م). وكان تاريخ الإياب لتأليف هذا الكتاب يوم الأحد (١) ربيع الثاني من سنة (١٤٣٢ هـ). ولله الحمد في الأوّل والآخر، والظاهر والباطن، على نعمه المتكاثرة، وآلائه المتواترة، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد الدرة الفاخرة، وعلى آله وأصحابه إلى أن تقوم الآخرة. اللهم ذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم الوعيد، والجنة يوم الخلود، مع المقربين الشهود الركَّع السجود، الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود. * * *

стр. 5002

شرح سنن ابن ماجة المسمى مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى جمع وتأليف محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الأثيوبي الهرري الكري البويطي نزيل مكة المكرمة والمجاور بها والمدرس في دار الحديث الخيرية مراجعة لجنة من العلماء برئاسة الأستاذ الدكتور هاشم محمد علي حسين مهدي المستشار برابطة العالم الإسلامي سابقا - مكة المكرمة [المجلد الحادي عشر] كتاب النكاح

стр. 5003

دَار طوق النجَاة لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠ ص. ب: ٥٥٧٤/ ١٣/ بيروت دَار الْمِنْهَاج المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة هَاتِف: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢ الطَّبْعَةُ الأولى ١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وبأيِّ شكل من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بالاقتباس مِنْهُ أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا. الرقم المعياري الدولي ٨ - ٢٠ - ٥٠٣ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN www.alminhaj.com E- Mail: info@alminhaj.com

стр. 5004

شرح سنَن ابْن مَاجَه [١١]

стр. 5005

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5006

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: هَنِيئًا لأَصحابِ خيرِ الورى ... وطُوبى لأَصحابِ أَخْبارِهِ أُولئك فازُوا بِتَذكِيرهِ ... ونحنُ سَعِدْنا بِتذْكَارِهِ وهُم سَبقُونا إِلَى نَصْرِه ... وهَا نَحْنُ أَتْبَاعُ أَنْصَارِه ولمَّا حُرِمْنَا لِقَا عَيْنِهِ ... عَكَفْنَا عَلَى حِفْظِ آثَارِه عَسَى اللهُ يَجْمَعنا كُلَّنَا ... بِرَحْمَتِه معهُ في دَارِهِ وما أحسن قول أبي نواس: يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثمَّ أني مسلم

стр. 5007

كتابُ النِّكاح

стр. 5008

الخطبة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فلما فرغت من الجزء العاشر من تعليقي هذا .. تفرَّغْتُ للشروع في الجزء الحادي عشر مستعينًا بالله وتوفيقه، راجيًا منه الإمهالَ لي في عمري إلى إكماله على الوجه الذي يرضيه؛ لأني قد شرعتُ في هذا اليوم في السنة الخامسة والثمانين من عمري فقلت مستمدًا من الله التوفيق، والهداية لأقوم الطريق في كتابة هذا التعليق: * * * قال المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه، آمين:

стр. 5009

(٧) - كتَابُ النِّكَاحِ === (٧) - (كتاب النكاح) والنِّكَاح في اللغة: يطلق على الضم، يقال: تناكحت الأشجار؛ إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض؛ لما فيه من انضمام أحد الزوجين إلى الآخر في الاستمتاع. وعلى العقد؛ كما في قولهم: فلان نكح فلانة أو بنت فلان؛ أرادوا: عقد عليها. وعلى الوطء؛ كما في قولهم: نكح امرأته أو جاريته؛ أرادوا: وطئها. وشرعًا: عقد يتضمن إباحة وطء، بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته. وأركانه خمسة: زوج، وزوجة، وولي، وشاهدان، وصيغة. والنِّكَاح من الشرائع القديمة المستمرة؛ فإنه شرع من لدن أبينا آدم ﵇ واستمر حتى في الجَنَّة؛ فإنه يجوز للإنسان النِّكَاح في الجَنَّة، وهو من خاصية الإنسان. وفائدته في الدنيا: حفظ النسل، وتفريغ ما يضر حبسه من المني، واستيفاء اللذة والتمتع، وهذه هي التي تبقى في الجَنَّة. انتهى "بيجوري"، ونقل الثعالبي عن بعضهم: أنه قال: النِّكَاح فرح شهر، وغم دهر، وغرم مهر، ودق ظهر. وفائدته: حفظ النسل، وتفريغ ما يضر حبسه، واستيفاء اللذة والتمتع، وهذه هي التي تبقى في الجَنَّة. انتهى "شرح مر على المنهاج". فائدة ذكر ابن عبد السلام أنه كان في شريعة موسى ﵇ جواز النساء من

стр. 5010

(١) - (٥٦٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ النِّكَاحِ (١) - ١٨١٧ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، === غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى ﵇ أنه لا يجوز غير واحدة؛ تغليبًا لمصلحة النساء، وراعت شريعة نبينا محمد ﷺ مصلحة النوعين. والحكمة في أن موسى غلب مصلحة الرجال أن فرعون كان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فناسب أن يغلب في شريعته مصلحة الرجال؛ لقلتهم وكثرة النساء، والحكمة في أن عيسى غلب مصلحة النساء أنه خلق من أمه بلا أب، فناسب أن يغلب في شريعته مصلحة النساء؛ لكونها نوع أصله الذي هو أمه. والحكمة في تخصيص الأربع في هذه الشريعة المحمدية: أن الشخص له طبائع أربع، وأن المقصود من النِّكَاح: الألفة والمؤانسة، وذلك يفوت بالزيادة على الأربع دون الاقتصار على الأربع؛ لأنه إذا دار عليهن بالقسم .. فإنه يغيب عن كلّ واحدة منهن ثلاث ليالٍ، وهي مدة قريبة مغتفرة شرعًا في كثير من الأبواب. انتهى من "البيجوري على الغزي". * * * (١) - (٥٦٩) - (باب ما جاء في فضل النِّكَاح) (١) - ١٨١٧ - (١) (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (م د ق). (حدثنا علي بن مسهر) -بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء- القرشي
следующие страницы →