قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
هَنِيئًا لأَصحابِ خيرِ الورى ... وطُوبى لأَصحابِ أَخْبارِهِ
أُولئك فازُوا بِتَذكِيرهِ ... ونحنُ سَعِدْنا بِتذْكَارِهِ
وهُم سَبقُونا إِلَى نَصْرِه ... وهَا نَحْنُ أَتْبَاعُ أَنْصَارِه
ولمَّا حُرِمْنَا لِقَا عَيْنِهِ ... عَكَفْنَا عَلَى حِفْظِ آثَارِه
عَسَى اللهُ يَجْمَعنا كُلَّنَا ... بِرَحْمَتِه معهُ في دَارِهِ
وما أحسن قول أبي نواس:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرةً ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثمَّ أني مسلم
стр. 5007
كتابُ النِّكاح
стр. 5008
الخطبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فلما فرغت من الجزء العاشر من تعليقي هذا .. تفرَّغْتُ للشروع في الجزء الحادي عشر مستعينًا بالله وتوفيقه، راجيًا منه الإمهالَ لي في عمري إلى إكماله على الوجه الذي يرضيه؛ لأني قد شرعتُ في هذا اليوم في السنة الخامسة والثمانين من عمري فقلت مستمدًا من الله التوفيق، والهداية لأقوم الطريق في كتابة هذا التعليق:
* * *
قال المؤلف رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه، آمين:
стр. 5009
(٧) - كتَابُ النِّكَاحِ
===
(٧) - (كتاب النكاح)
والنِّكَاح في اللغة: يطلق على الضم، يقال: تناكحت الأشجار؛ إذا تمايلت وانضم بعضها إلى بعض؛ لما فيه من انضمام أحد الزوجين إلى الآخر في الاستمتاع.
وعلى العقد؛ كما في قولهم: فلان نكح فلانة أو بنت فلان؛ أرادوا: عقد عليها.
وعلى الوطء؛ كما في قولهم: نكح امرأته أو جاريته؛ أرادوا: وطئها.
وشرعًا: عقد يتضمن إباحة وطء، بلفظ إنكاح أو تزويج أو ترجمته.
وأركانه خمسة: زوج، وزوجة، وولي، وشاهدان، وصيغة.
والنِّكَاح من الشرائع القديمة المستمرة؛ فإنه شرع من لدن أبينا آدم ﵇ واستمر حتى في الجَنَّة؛ فإنه يجوز للإنسان النِّكَاح في الجَنَّة، وهو من خاصية الإنسان.
وفائدته في الدنيا: حفظ النسل، وتفريغ ما يضر حبسه من المني، واستيفاء اللذة والتمتع، وهذه هي التي تبقى في الجَنَّة. انتهى "بيجوري"، ونقل الثعالبي عن بعضهم: أنه قال: النِّكَاح فرح شهر، وغم دهر، وغرم مهر، ودق ظهر. وفائدته: حفظ النسل، وتفريغ ما يضر حبسه، واستيفاء اللذة والتمتع، وهذه هي التي تبقى في الجَنَّة. انتهى "شرح مر على المنهاج".
فائدة
ذكر ابن عبد السلام أنه كان في شريعة موسى ﵇ جواز النساء من
стр. 5010
(١) - (٥٦٩) - بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ النِّكَاحِ
(١) - ١٨١٧ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ،
===
غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى ﵇ أنه لا يجوز غير واحدة؛ تغليبًا لمصلحة النساء، وراعت شريعة نبينا محمد ﷺ مصلحة النوعين.
والحكمة في أن موسى غلب مصلحة الرجال أن فرعون كان يقتل أبناءهم، ويستحيي نساءهم، فناسب أن يغلب في شريعته مصلحة الرجال؛ لقلتهم وكثرة النساء، والحكمة في أن عيسى غلب مصلحة النساء أنه خلق من أمه بلا أب، فناسب أن يغلب في شريعته مصلحة النساء؛ لكونها نوع أصله الذي هو أمه.
والحكمة في تخصيص الأربع في هذه الشريعة المحمدية: أن الشخص له طبائع أربع، وأن المقصود من النِّكَاح: الألفة والمؤانسة، وذلك يفوت بالزيادة على الأربع دون الاقتصار على الأربع؛ لأنه إذا دار عليهن بالقسم .. فإنه يغيب عن كلّ واحدة منهن ثلاث ليالٍ، وهي مدة قريبة مغتفرة شرعًا في كثير من الأبواب. انتهى من "البيجوري على الغزي".
* * *
(١) - (٥٦٩) - (باب ما جاء في فضل النِّكَاح)
(١) - ١٨١٧ - (١) (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (م د ق).
(حدثنا علي بن مسهر) -بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء- القرشي
стр. 5011
عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ بِمِنًى فَخَلَا بِهِ عُثْمَانُ فَجَلَسْتُ قَرِيبًا مِنْهُ،
===
الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي، ثقة فقيه إلَّا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات دون المئة سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة بن قيس) بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) علقمة: (كنت مع عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه (بمنًى، فخلا به) أي: بابن مسعود؛ أي: انفرد به (عثمان) بن عفان رضي الله تعالى عنه؛ هو من الخلوة عن الناس، وقوله: (بمنًى) أي: في أيام الموسم.
قال الحافظ: كذا وقع لفظ (بمنًى) في أكثر الروايات، وفي رواية زيد بن أبي أنيسة عن الأعمش عند ابن حبان: (بالمدينة) وهي شاذة، والصواب ما هنا بلفظ (منًى).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
قال الحافظ: وهذا الإسناد مما ذكر أنه أصح الأسانيد؛ وهو رواية الأعمش عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن علقمة عن ابن مسعود، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون.
قال علقمة: (فجلست قريبًا منه) أي: من ابن مسعود، وكان مقتضى السياق
стр. 5012
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: هَلْ لَكَ أَنْ أُزَوِّجَكَ جَارِيَةً بِكْرًا تُذَكِّرُكَ مِنْ نَفْسِكَ بَعْضَ مَا قَدْ مَضَى،
===
قريبًا منهما (فقال له) أي: لابن مسعود (عثمان: هل لك) يا أبا عبد الرَّحمن رغبة في (أن أزوجك) وأنكحك (جاريةً) أي: شابةً (بكرًا؟ ) لعل عثمان رأى منه قشفًا ورثاثة هيئةٍ، فحمل ذلك على فقده الزوجة التي ترفهه، قاله الحافظ.
وقوله: (جاريةً بكرًا) يؤخذ منه ة أن معاشرة الزوجة الشابة تزيد في القوة والنشاط، بخلاف عكسها فبالعكس، كذا في "الفتح".
قال النووي: فيه استحباب نكاح الشابة؛ لأنَّها المحصلة لمقاصد النِّكَاح؛ فإنها ألذ استمتاعًا، وأطيب نكهةً، وأرغب في الاستمتاع الذي هو مقصود النِّكَاح، وأحسن عشرة، وأفكه محادثة، وأجمل منظرًا، وألين ملمسًا، وأقرب إلى أن يعودها زوجها الأخلاق التي يرتضيها. انتهى.
(تذكرك) تلك الجارية (من نفسك بعض ما قد مضى) منها من شبابك، قال النووي: أي: تتذكر بها ما مضى من قوة شبابك؛ فإن ذلك ينعش البدن، وأخبرت من بعض شيوخنا أنه قال: كنت أظن أني عجزت عن النساء، فلما تزوجت الصغيرة .. وجدت في نفسي من النشاط ما كنت أعهده في الصغر.
قال القرطبي: إنما قال له ذلك؛ لأنه كان قد قلت رغبته في النساء؛ إما لاشتغاله بالعبادة، أو للسن، أو لهما.
قلت: فعلى أنه للسن: ففيه جواز نكاح ذي السن البكر، ويأتي الكلام على ذلك في حديث جابر، إن شاء الله تعالى. كذا في "شرح الأبي" رحمه الله تعالى.
стр. 5013
فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ سِوَى هَذَا أَشَارَ إِلَيَّ بِيَدِهِ فَجِئْتُ وَهُوَ يَقُولُ: لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ؛
===
قال علقمة: (فلما رأى عبد الله) بن مسعود؛ أي: عرف وعلم (أنه) أي: أن عثمان (ليس له حاجة) إلى عبد الله (سوى هذا) الترغيب له في الزواج والحض عليه .. (أشار) عبد الله (إلي بيده) بأن تعال إلينا.
قال علقمة: (فجئت) ـه؛ أي: فجئت عبد الله (وهو) أي: والحال أن عبد الله (يقول) لعثمان: والله (لئن قلت) لي يا عثمان (ذلك) الترغيب في الزواج، فوالله (لقد) وافق قولك لي ذلك الترغيب سنة محمد ﷺ ؛ لأنه قد (قال رسول الله ﷺ : يا معشر الشباب) ويا زمرة الفتيان؛ أي: حضنا رسول الله ﷺ على الزواج حين قال لنا: يا معشر الشباب.
والمعشر: هم الطائفة الذين يشملهم وصف، فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والشباب جمع شاب، ويجيء مصدرًا أيضًا، لكن ها هنا جمع، ولم يجمع فاعل على فعال غيره، ويجمع أيضًا على شببةٍ، وشبان -بضم أوله وتشديد الموحدة- كفارس وفرسان، وأصله: الحركة والنشاط.
وقال النووي: والشاب عند أصحابنا: هو من بلغ ولم يجاوز الثلاثين سنة، وقال القرطبي: يقال له: حدث إلى ست عشرة، ثم شاب إلى اثنين وثلاثين، ثم كهل، وكذا ذكره الزمخشري، وقال ابن شاسٍ المالكي في "الجواهر": إلى أربعين.
وإنما خصص الشباب بالخطاب؛ لأن الغالب وجود قوة الداعي فيهم إلى النِّكَاح، بخلاف الشيوخ، وإن كان المعنى معتبرًا إذا وجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا.
стр. 5014
مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ .. فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْج،
===
(من استطاع) وقدر (منكم الباءة) أي: مؤن النِّكَاح؛ أي: من وجد منكم ما يتزوج به؛ من مهر ونفقة يوم وليلة وكذا كسوة؛ إذ الخطاب للقادرين بالفعل، وإلا .. لَمْ يستقم قوله: (ومن لَمْ يستطع .. فعليه بالصوم) (فليتزوج) وفي الباءة أربع لغات: الفصيحة المشهورة منها: (الباءة) بالمد والهاء، والثانية: (الباة) بلا مد، والثالثة: (الباء) بالمد بلا هاء، والرابعة: (الباهة) بهاءين بلا مد.
قال الخطابي: المراد بالباءة: النِّكَاح، وأصله: الموضع الذي يتبوؤه ويأوي إليه، وقال المازري: اشتق العقد على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من شأن من يتزوج المرأة أن يبوئها منزلًا، وقال النووي: اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنىً واحد: أصحهما أن المراد: معناها اللغوي؛ وهو الجماع؛ تقديره: من استطاع منكم الجماع؛ لقدرته على مؤنه وهي مؤن النِّكَاح .. فليتزوج، ومن لَمْ يستطع الجماع؛ لعجزه عن مؤنه .. فعليه بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه؛ كما يقطعه الوجاء، وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ولا ينفكون عنها غالبًا.
والقول الثاني: أن المراد هنا بالباءة: مؤن النِّكَاح، سميت باسم ما يلازمها؛ تقديره: من استطاع منكم مؤن النِّكَاح .. فليتزوج، ومن لَمْ يستطع .. فليصم لدفع شهوته.
(فإنه) أي: فإن التزوج (أغض للبصر) أي: أشد غضًا لها؛ أي: أخفض وأدفع لعين المتزوج عن الأجنبية؛ من غض طرفه؛ إذا خفضه وكفه (وأحصن للفرج) أي: أشد إحصانًا له ومنعًا من الوقوع في الفاحشة؛ أي: أحفظ لوقوع الفرج في الحرام، وفي الحديث: الحث على غض البصر وتحصين الفرج بكل
стр. 5015
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ .. فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ".
===
ممكن، وعدم التكليف بغير المستطاع (ومن لَمْ يستطع) منكم الباءة؛ أي: ومن لَمْ يجد منكم ما يتزوج به من مؤن النِّكَاح .. (فعليه بالصوم) أي: فليلزم الصوم، قال عياض: ليس فيه إغراء الغائب، جل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولًا بقوله: "من استطاع منكم"، فالهاء في قوله: "فعليه" ليست لغائب، وإنما هي للحاضر المبهم؛ إذ لا يصح خطابه، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ إلى أن قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (١) ومثله لو قلت لاثنين: من قام منكما .. فله درهم، فالهاء للمبهم من المخاطبين لا لغائب. انتهى ملخصًا.
(فإنه) أي: الصوم (له) أي: للعاجز عن الباءة (وجاءٌ) بوزن كتاب؛ أي: خصاءٌ؛ لما فيه من الجوع، وقلة الأكل مما يزيد في الشهوة وطغيان الماء؛ أي: كالوجاء له، ففي الكلام تشبيه بليغ، والوجاء: مصدر وجأ يوجأ؛ من باب نفع؛ وهو رض عروق البيضتين حتى تنفضخا من غير إخراج، يقال: كبش موجوء؛ إذا رضت منه عروق البيضتين؛ كما في "المصباح".
قال أبو عبيد: الوجاء، بكسر الواو: رض الأنثيين؛ والمعنى: أن الصوم يقطع شهوة النِّكَاح؛ كما يقطعها الوجاء، يقال: وجئ الفحل وجاء؛ إذا رضت خصيتاه، وقال غيره: الوجاء: أن توجأ العروق والخصيتان قائمتان على حالهما، والخصاء: شق الخصيتين واستئصالهما؛ أي: إلقاؤهما، والجب: أن تحمى الشفرة، ثم يستأصل بها الخصيتان.
قال الخطابي: وفي الحديث: جواز معالجة الشهوة بالأدوية، ودليل على أن مقصود النِّكَاح: الوطء.
стр. 5016
(٢) - ١٨١٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَر، حَدَّثَنَا آدَمُ،
===
قال ابن بزيزة: فيما قاله نظر؛ فإن لقائلٍ أن يقول: قطعه بالصوم فيه قطع عبادةٍ بعبادة، بخلاف قطعه بالعلاجات الطبية. انتهى من "الأبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النِّكَاح، باب من لَمْ يستطع الباءة .. فليصم، ومسلم في كتاب النِّكَاح، باب استحباب النِّكَاح، وأبو داوود في كتاب النِّكَاح، باب التحريض على النِّكَاح، والترمذي في كتاب النِّكَاح، باب ما جاء في فضل التزوج والحث عليه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روى غير واحد عن الأعمش بهذا الإسناد مثل هذا، والنسائي في كتاب الصيام، باب ذكر الاختلاف على محمد بن أبي يعقوب وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢) - ١٨١٨ - (٢) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق، كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا آدم) بن أبي إياس عبد الرَّحمن العسقلاني، أصله خراساني، يكنى أبا الحسن، نشأ ببغداد، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئتين (٢٢١ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
стр. 5017
حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مَيْمُونٍ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "النِّكَاحُ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي .. فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ .. فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ
===
(حدثنا عيسى بن ميمون) المدني مولى القاسم بن محمد، يعرف بالواسطي، ويقال له: ابن تليدان -بفتح المثناة الفوقانية- ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة على الصحيح (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عيسى بن ميمون، وهو متفق على ضعفه.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : النِّكَاح سنتي) أي: الزواج من طريقتي وملتي، بشرطه المار في الحديث قبله؛ أي: طلب النساء بالوجه المشروع في الدين من سنتي؛ أي: من طريقتي التي أنا سلكتها (فمن لَمْ يعمل بسنتي) ولم يسلك - بلا مانع له من ذلك العمل - بها .. (فليس مني) أي: من أهل سنتي، إن تركه بقصد المخالفة لسنتي مستحلًا لذلك.
(وتزوجوا) أيها المؤمنون إن استطعتم الباءة، ولا عذر بكم؛ كالعنة والجب (فإني مكاثر بكم) أي: مفاخر بكثرتكم على سائر (الأمم، ومن كان) منكم إذا طول) أي: صاحب قدرة على طول ومهر وعلى سائر مؤن النِّكَاح من النفقة والكسوة ولا مانع به في نفسه .. (فلينكح) أي: فليتزوج، (ومن لَمْ يجد)
стр. 5018
فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ وِجَاءٌ لَهُ".
(٣) - ١٨١٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
===
طولًا ولا سائر مؤن النِّكَاح .. (فعليه بالصيام) أي: فليلزم الصيام؛ (فإن الصوم وجاء) أي: خصاء ووقاء (له) من الوقوع في العنت.
قال السندي: قوله: (النِّكَاح) أي: طلب النساء بالوجه المشروع في الدين (من سنتي) أي: من طريقتي التي سلكتها وسبيلي التي ندبتها (فمن لَمْ يعمل بسنتي) رغبةً وإعراضًا عنها، وقلة مبالاة بها، فلا يشمل الحديث من يترك النِّكَاح؛ لعدم تيسر المؤن، أو للاشتغال بالعبادة، ونحو ذلك؛ كالعلم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن مسعود المذكور قبله، ورواه البزار من حديث أنس.
فدرجته: أنه صحيح المتن بما قبله، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن مسعود بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣) - ١٨١٩ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سعيد بن سليمان) الضبي أبو عثمان الواسطي نزيل بغداد البزاز،
стр. 5019
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُوس، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ".
===
لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وعشرين ومئتين (٢٢٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن مسلم) بن سوسن الطائفي، وقيل: سويس، وقيل: سيس، وقيل: سنين، وقيل: سوير، يعد في المكيين. روى عن: إبراهيم بن ميسرة، ويروي عنه: (م عم)، وسعيد بن سليمان، صدوق يخطئ من حفظه، من الثامنة، مات قبل التسعين ومئة (١٩٠ هـ).
(حدثنا إبراهيم بن ميسرة) الطائفي نزيل مكة، ثقة ثبت حافظ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني أبي عبد الرَّحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان وطاووس لقبه، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : لَمْ نر) - بالنون بإسناده إلى المتكلمين، وبالياء التحتانية على صيغة المجهول ونائب فاعله - مثل النِّكَاح (للمتحابين) يحتمل أن يكون بصيغة التثنية، وأن يكون بصيغة الجمع (مثل النِّكَاح) أي: لَمْ ير مثل النِّكَاح والزواج للرجل والمرأة المتحابين في دوام محبتهما؛ أي: لَمْ ير لهما شيء أحب إليهما من الاجتماع بالنِّكَاح، أو لَمْ نر لهما شيئًا أحب إليهما من النِّكَاح؛
стр. 5020
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي: من المناكحة؛ أي: إذا تحابا .. فالنِّكَاح أحب لهما؛ خوفًا من الوقوع في العنت.
قال السندي: والمعنى: أنه إذا كان بين اثنين محبة .. فتلك المحبة لا يزيدها شيء من أنواع التعلقات بالتقربات ولا يديمها مثل تعلق النِّكَاح، فلو كان بينهما نكاح مع تلك المحبة .. لكانت المحبة كلّ يوم بالازدياد والقوة. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه أبو يعلى الموصلي عن زهير عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة، فذكر حديث ابن ماجة، ورواه البيهقي في "الكبرى" من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي، ورواه الحاكم من طريق ابن جريجٍ عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس مرسلًا.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والآخران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5021
(٢) - (٥٧٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّبَتُّلِ
(٤) - ١٨٢٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ
===
(٢) - (٥٧٠) - (باب النهي عن التبتل)
(٤) - ١٨٢٠ - (١) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن سعد) بن أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري المدني رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) سعد: (لقد رد رسول الله ﷺ وأنكر (على عثمان بن مظعون التبتل) ولم يأذن له فيه، بل نهاه عنه، حين أراده، وهو عثمان بن مظعون - بالظاء المعجمة - ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح
стр. 5022
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
القرشي الجمحي رضي الله تعالى عنه، قال ابن إسحاق: أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر إلى الحبشة هو وابنه السائب الهجرة الأولى في جماعة، فلما بلغهم أن قريشًا أسلموا .. رجعوا، فدخل عثمان في جوار الوليد بن المغيرة، وفي "الصحيحين" عن أم العلاء قالت: لما توفي عثمان بن مظعون .. قلت: شهادتي عليك أبا السائب لقد أكرمك الله، توفي بعد شهوده بدرًا في ذي الحجة، في السنة الثانية من الهجرة، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دفن بالبقيع منهم، وروى الترمذي من طريق القاسم عن عائشة قالت: قبل النبي ﷺ عثمان بن مظعون وهو ميت، وهو يبكي، وعيناه تذرفان، ولما توفي إبراهيم ابن النبي ﷺ قال: "الحق بسلفنا الصالح عثمان بن مظعون".
وقالت امرأة ترثيه:
يا عين جودي بدمع غير ممنون ... على رزية عثمان بن مظعون
انتهى من "الإصابة".
قال العلماء: التبتل: هو الانقطاع عن النساء وترك النِّكَاح انقطاعًا إلى عبادة الله تعالى، وتفرغًا لها، وهو شريعة النصارى، وأصل التبتل: الانقطاع مطلقًا، ومنه: مريم البتول، وفاطمة البتول؛ لانقطاعهما من نساء زمانهما دينًا وفضلًا ورغبة في الآخرة، ومنه: صدقة بتلة؛ أي: منقطعة عن تصرف مالكها، قال الطيبي: التبتل: هو ترك لذات الدنيا وشهواتها، والانقطاع إلى الله تعالى بالتفرغ لعبادته، ومعنى قوله: (رد عليه التبتل): نهاه عنه.
قال تقي الدين: نهى عن التبتل هنا، وأمر به في قوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ
стр. 5023
وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا.
===
تَبْتِيلًا﴾ (١)، فبينهما معارضة، ووجه الجمع: أن المنهي عنه غير المأمور به، فلا تعارض؛ فالمنهي عنه: ترك النساء وما انضم إليه من الغلو في الدين مما هو داخل في جنب التنطع، والمأمور به: هو ملازمة العبادة والإكثار من قيام الليل وترتيل القرآن، ولم يقصد به ترك النساء؛ فقد كان النِّكَاح موجودًا مع ذلك. انتهى "فتح الملهم".
قال الراوي؛ أعني: سعدًا: (ولو أذن) النبي ﷺ (له) أي: لعثمان بن مظعون في التبتل ... (لاختصينا) أي: لجعل كلّ منا نفسه خصيًا؛ كيلا يحتاج إلى النساء، وهو مأخوذ من الخصاء؛ وهو الشق على الأنثيين وانتزاع بيضتهما.
قال النووي: قالوا ذلك ظنًا منهم جواز الاختصاء، ولم يكن هذا الظن موافقًا للصواب؛ فإن الاختصاء في الآدمي حرام، صغيرًا أو كبيرًا، وكذلك يحرم خصاء كلّ حيوان لا يؤكل لحمه؛ كالبغل والحمار، وأما المأكول؛ كالتيس والثور .. فيجوز خصاؤه في حغره؛ لغرض تطييب اللحم، ويحرم في كبره. انتهى "مرقاة"، قال السندي في "حواشي النسائي وابن ماجة": الأحسن حمل ظنهم على أحسن الظنون، فمرادهم بالاختصاء: قطع الشهوة بمعالجة، أو التبتل والانقطاع إلى الله تعالى بترك النساء؛ والمعنى: أي: لفعلنا فعل المختصي في ترك النِّكَاح والانقطاع عنه؛ اشتغالًا بالعبادة.
قال الطيبي: قوله: (ولو أذن له .. لاختصينا) كان الظاهر أن يقال: (ولو أذن له .. لتبتلنا) لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: (لاختصينا) لإرادة المبالغة؛ أي: لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمر إلى الاختصاء، ولم يرد به
стр. 5024
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام، وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء، ويؤيده توارد استئذان جماعة من الصحابة النبي ﷺ في ذلك؛ كأبي هريرة وابن مسعود وغيرهما، وإنما كان التعبير بالاختصاء أبلغ من التعبير بالتبتل؛ لأن وجود الالة يقتضي استمرار وجود الشهوة، ووجود الشهوة ينافي المراد من التبتل، فيتعين الخصاء طريقًا إلى تحصيل المطلوب.
وغايته: أن فيه ألمًا عظيمًا في العاجل يغتفر في جنب ما يندفع به في الآجل، فهو كقطع الإصبع إذا وقعت في اليد الآكلة؛ صيانةً لبقية اليد، وليس الهلاك بالخصاء محققًا، بل هو نادر ويشهد له كثرة وجوده في البهائم مع بقائها، وعلى هذا؛ فالحكمة في منعهم من الاختصاء: إرادة تكثير النسل؛ ليستمر جهاد الكفار، وإلا لو أذن في ذلك .. لأوشك تواردهم عليه، فينقطع النسل، فيقل المسلمون بانقطاعه، ويكثر الكفار، فهو خلاف المقصود من البعثة المحمدية، كذا في "الفتح" انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النِّكَاح، باب ما يكره من التبتل والخصاء، ومسلم في كتاب النِّكَاح، باب استحباب النِّكَاح، والترمذي في كتاب النِّكَاح، باب ما جاء في النهي عن التبتل، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب النِّكَاح، باب في النهي عن التبتل، والدارمي في كتاب النِّكَاح، باب النهي عن التبتل عن سعد بن أبي وقاص.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 5025
(٥) - ١٨٢١ - (٢) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ آدَمَ وَزَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ قَالَا: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ سَمُرَةَ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥) - ١٨٢١ - (٢) (حدثنا بشر بن آدم) بن يزيد البصري أبو عبد الرَّحمن ابن بنت أزهر السمان، صدوق فيه لين، ووثقه ابن حبان، من العاشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (٢٥٤ هـ). يروي عنه: (د، ق).
(وزيد بن أخزم) - بمعجمتين - الطائي النبهاني أبو طالب البصري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، استشهد في كائنة الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(قالا: حدثنا معاذ بن هشام) الدستوائي البصري، صدوق ربما وهم، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) هشام بن أبي عبد الله سنبر الدستوائي البصري، ثقة ثبت وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سمرة) بن جندب بن هلال الفزاري حليف الأنصار الصحابي المشهور
стр. 5026
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ التَّبَتُّل، زَادَ زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ وَقَرَأَ قَتَادَةُ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾.
===
رضي الله تعالى عنه، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ). يروي عن: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولكن في سماع الحسن من سمرة اختلاف بين الناس إلَّا في حديث العقيقة.
(أن رسول الله ﷺ نهى عن التبتل، زاد زيد بن أخزم) على بشر بن آدم بالسند السابق، قال هشام: (وقرأ قتادة) حين روى لنا هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾) (١)؛ أي: وهم الذين أمر الله تعالى بالاقتداء بهديهم بقوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب النِّكَاح، باب ما جاء في النهي عن التبتل، وقال أبو عيسى: حديث سمرة حديث حسن غريب، وروى الأشعث بن عبد الملك هذا الحديث عن الحسن عن سعد بن هشام عن عائشة عن النبي صلى الله عليس وسلم نحوه، ويقال: كلا الحديثين صحيح، والنسائي في كتاب النِّكَاح، باب النهي عن التبتل، والدارمي في كتاب النِّكَاح، باب النهي عن التبتل عن عائشة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد.
* * *
стр. 5027
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5028
(٣) - (٥٧١) - بَابُ حَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ
(٦) - ١٨٢٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا
===
(٣) - (٥٧١) - (باب حق المرأة على الزوج)
(٦) - ١٨٢٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي قزعة) سويد بن حجير - بتقديم المهملة مصغرًا - الباهلي البصري، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن حكيم بن معاوية) بن حَيْدَةَ القُشيري، وَالِدُ بَهْزٍ، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري، الصحابي الفاضل نزل البصرة، ومات بخراسان، وهو جد بهز بن حكيم رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رجلًا) من الحاضرين عنده ﷺ ؛ وذلك الرجل الذي أبهمه في هذه الرواية هو نفس معاوية الراوي؛ كما تدل عليه رواية أبي داوود؛ حيث قال: (عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله ... ) إلى آخره.
стр. 5029
سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟ قَالَ: "أَنْ يُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمَ، وَأَنْ يَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَى، وَلَا يَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا يُقَبِّحْ، وَلَا يَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ".
===
أي: أن رجلًا (سأل النبي ﷺ عن حقوق الزوجة، فقال الرجل: (ما حق المرأة) الذي يجب لها (على الزوج؟ قال) النبي ﷺ في جواب سؤاله: حقها (أن يطعمها إذا طعم) بنفسه (وأن يكسوها إذا اكتسى) بنفسه؛ أي: يجب عليه إطعام الزوجة وكسوتها عند قدرته عليهما لنفسه، كذا في "المرقاة".
(وَلَا يضرب الوجه) - بالجزم على النهي بلا الناهية - إن احتاج إلى ضربها للتأديب أو لتركها الفرائض عليها؛ من الصلوات والصيام مثلًا؛ لأنه أعظم الأعضاء وأشرفها وأظهرها، ومشتمل على أجزاء شريفة، وأعضاء لطيفة، وفيه دليل على وجوب اجتناب الوجه.
(وَلَا يقبح) - بتشديد الباء - أي: صورتها بضرب الوجه، ولا ينسب شيئًا من أفعالها وأقوالها إلى القبح. انتهى "سندي"، أو: لا يقل لها قولًا قبيحًا، ولا يشتمها، ولا يقل لها: قبحك الله، ونحوه. انتهى من "العون"، (وَلَا يهجر) لها (إلَّا في البيت) أي: إلَّا في المبيت والمضجع، ولا يتحول عنها بوجهه، ولا يحولها إلى دار أخرى. انتهى "سندي"؛ لقوله تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ (١).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب النِّكَاح، باب في حق المرأة على زوجها، والنسائي في كتاب النِّكَاح.
стр. 5030
(٧) - ١٨٢٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ شَبيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ الْبَارِقِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَص، حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ شَهِدَ حِجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللهِ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث معاوية بحديث عمرو بن الأحوص رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧) - ١٨٢٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا الحسين بن علي) بن الوليد الجعفي مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة عابد، من التاسعة مات سنة ثلاث أو أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زائدة) بن قدامة الثقفي أبي الصلت الكوفي، ثقة ثبت صاحب سنة، من السابعة، مات سنة ستين، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن شبيب بن غرقدة البارقي) -بفتح المعجمة والقاف بينهما راء ساكنة- السامي، الكوفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن عمرو بن الأحوص) الجشمي -بضم الجيم وفتح المعجمة- الكوفي مقبول، من الثالثة، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (عم).
(حدثني أبي) عمرو بن الأحوص الجشمي، الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد في حجة الوداع. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن أبي (شهد) أي: حضر (حجة الوداع مع رسول الله
стр. 5031
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَذَكَّرَ وَوَعَظَ ثُمَّ قَالَ: "اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ .. فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ،
===
ﷺ ، فحمد الله) ؛ أي: وصفه بالكمالات (وأثنى عليه) بتنزيهه عن النقائص (وذكر) - بتشديد الكاف - الناس؛ أي: رغبهم في الخيرات (ووعظ) أي: رهبهم من المنكرات (ثم قال: استوصوا بالنساء خيرًا) أي: فليوص بعضكم إلى بعض بأن يفعل بالنساء خيرًا، وأن يحسن المعاشرة معهن، قال القاضي: الاستيصاء: قبول الوصية، والمعنى: أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهن. انتهى من "التحفة".
(فإنهن عندكم عوانٍ) - جمع عانية - بمعنى: الأسيرة؛ نظير جوارٍ وجارية؛ أي: أسيرات محبوسات عندكم لا يقدرن على الخروج إلَّا بإذنكم؛ كالأسير المحبوس في يدِ مَنْ أسره (ليس) الشأن (تملكون منهن شيئًا غير ذلك) الاستمتاع، وقوله: (إلَّا أن يأتين بفاحشة مبينة) أي: واضحة .. استثناء من الاستيصاء.
أو المعنى: لا تملكون منهن شيئًا من الضرب والهجران والتأديب .. إلَّا أن يأتين بفعلة فاحشة مبينة؛ أي: واضحة ظاهرة فحشًا وقبحًا؛ كالنشوز وسوء العشرة وعدم التعفف.
(فإن فعلن) تلك الفاحشة المبينة .. (فاهجروهن) أي: فارقوهن (في المضاجع) أي: في المراقد والمفارش، فلا تدخلوهن تحت لحُفكم وكِسائكم، ولا تباشروهن، فيكون كنايةً عن الجماع (واضربوهن ضربًا غير مبرح) - بتشديد الراء المكسورة وبالحاء المهملة - أي: غير مجرح؛ أي: ضربًا لا يكسر عظمًا
стр. 5032
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ .. فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، إِنَّ لَكُمْ مِنْ نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ .. فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ، أَلَا وَحَقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ".
===
ولا يجرح لحمًا؛ أي: ضربًا خفيفًا (فإن أطعنكم) أي: رجعن إلى طاعتكم بترك النشوز .. (فلا تبغوا عليهن) أي: فلا تطلبوا لهن (سبيلًا) إلى الضرب ولا سببًا له، ولا تعتدوا عليهن بالتوبيخ والإذاية؛ أي: فأزيلوا عنهن التعرض، واجعلوا ما وقع لهن كأن لَمْ يكن؛ لأن التائب من الذَّنْب كمن لا ذنب له.
(إن لكم من نسائكم حقًّا، ولنسائكم عليكم حقًّا؛ فأما حقكم على نسائكم .. فلا يوطئن فرشكم) من الإيطاء؛ من باب الإفعال، قاله القاري؛ أي: فلا يبسطن فرشكم لـ (من تكرهونـ) ـه، ولا يجلسن عليها من لا ترضونه (وَلَا يأذن في) دخول (بيوتكم لمن تكرهون، إلا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن) ووسعوا عليهن (في كسوتهن وطعامهن).
قوله: "فلا يوطئن ... " إلى آخره، قال الطيبي: أي: لا يأذنَّ لأحد أن يدخل منازل الأزواج، والنهي يتناول الرجال والنساء. انتهى، وقال الخطابي: معناه: إلا يأذن لأحد من الرجال يدخل فيتحدث إليهن، وكان الحديث من الرجال إلى النساء من عادات العرب لا يرون ذلك عيبًا ولا يعدونه ريبةً، فلما نزلت آية الحجاب، وصارت النساء مقصورات .. نهي عن محادثتهن والقعود إليهن، لمن تكرهون؛ أي: من تكرهون دخوله، سواء كرهتموه في نفسه أم لا، قيل: المختار: منعهن عن إذن أحد في الدخول والجلوس في المنازل، سواء كان محرمًا أو امرأةً إلَّا برضاه. انتهى من "السندي".
стр. 5033
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق المرأة على زوجها، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وله شاهد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، أخرجه البخاري ومسلم في كتاب الرضاع.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5034
(٤) - (٥٧٢) - بَابُ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ
(٨) - ١٨٢٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَمَرْتُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ
===
(٤) - (٥٧٢) - (باب حق الزوج على المرأة)
(٨) - ١٨٢٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، قال ابن معين: أنكرناه في حفر سنة تسع عشرة ومئتين، ومات بعدها بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد أثبت الناس في حديث ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن علي بن زيد ابن جدعان) التيمي البصري، أصله حجازي، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن، ثقة، من الثانية، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو متفق على ضعفه.
(أن رسول الله ﷺ قال: لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد)
стр. 5035
لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَمَرَ امْرَأَتَهُ أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَحْمَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَحْمَرَ .. لَكَانَ نَوْلُهَا أَنْ تَفْعَلَ".
===
غير الله تعالى ... (لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) وهذا كناية عن تعظيم حق الزوج عليها؛ أي: أمرتها بالسجود له؛ لكثرة حقوقه عليها، وعجزها عن القيام بشكرها، وفي هذا غاية المبالغة؛ لوجوب إطاعة المرأة في حق زوجها؛ فإن السجدة لا تحل لغير الله. انتهى "تحفة".
(ولو أن رجلًا أمر امرأته أن تنقل) الأحجار (من جبل أحمر إلى جبل أسود) والجبل بفتحتين مع الجيم -كما في بعض النسخ- هو معروف، أو بالحاء المهملة وسكون الباء: الرمل المستطيل؛ أي: لو أمرها أن تنقل الأحجار من جبل أحمر إلى جبل أسود، أو أمرها أن تنقل الرمال من رمل أحمر إلى رمل أسود (ومن جبل أسود إلى جبل أحمر .. لكان نولها) أي: حقها الواجب عليها، والذي ينبغي لها (أن تفعل) ما أمرها به؛ من نقل الأحجار من جبل إلى جبل، ومن نقل الرمال من حبل إلى حبل، فإذا كان اللائق بحالها أن تطيع في مثل هذا مع أنه تعب شديد بلا فائدة .. فكيف بأمر آخر؟ ! وذكر الألوان في الجبال والحبال؛ للمبالغة في بعدها وطولها؛ إذ لا يكاد يوجد أمثال هذه الجبال متقاربة. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، مع أن إسناده ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، لكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، وله شاهد من حديث طلق بن علي، رواه الترمذي في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، قال أبو عيسى: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك بن جعشم وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن علي وأم سلمة وأنس وابن عمر وأبي هريرة.
стр. 5036
(٩) - ١٨٢٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيِّ،
===
قال الشوكاني في "النيل" بعد ذكر هذه الأحاديث: فهذه أحاديث تدل على أنه لو صلح السجود لبشر .. لأمرت به الزوجة لزوجها، يشهد بعضها لبعض، ويقوي بعضها بعضًا، وإن كانت أسانيدها ضعافًا .. فترتفع بكثرتها إلى درجة الصحة.
فنقول: هذا الحديث الذي ذكره ابن ماجة صحيح بغيره، وإن كان سنده ضعيفًا، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩) - ١٨٢٥ - (٢) (حدثنا أزهر بن مروان) الرقاشي - بتخفيف القاف والشين المعجمة - النواء - بنون وواو مشددة - لقبه فريخ - بالخاء المعجمة - صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(قال: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب) بن أبي تيمية كيسان السختياني البصري، ثقة حافظ، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن القاسم) بن عوف (الشيباني) الكوفي صدوق يغرب، من الثالثة. يروي عنه: (م س ق).
стр. 5037
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاذ مِنَ الشَّامِ .. سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟ "، قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلَا تَفْعَلُوا؛ فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ .. لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا،
===
(عن عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ) بالكوفة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبد الله بن أبي أوفى: (لما قدم معاذ) بن جبل (من الشام .. سجد للنبي صلى الله عليه وسل"، قال) له النبي ﷺ : (ما هذا) السجود الذي سجدته لي (يا معاذ) وأنا بشر مثلكم؟ ! (قال) معاذ: (أتيت الشام، فوافقتهم) أي: صادفتهم ووجدتهم ورأيتهم (يسجدون لأساقفتهم) أي: لرؤسائهم (وبطارقتهم) أي: أمرائهم (فـ) لما رأيتهم كذلك .. (وددت) أي: أحببت أنا (في نفسي) أي: في قلبي (أن نفعل) نحن معاشر الصحابة (ذلك) السجود لك، ونخصه (بك) من بيننا.
(فقال رسول الله ﷺ لمعاذ: (فلا تفعلوا) ذلك السجود لي؛ لأني مخلوق مثلكم (فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله) تعالى .. (لأمرت المرأة) بـ (أن تسجد لزوجها، والذي نفس محمد بيده) المقدسة (لا تؤدي المرأة حق ربها) وخالقها؛ أي: لا يقبل منها حق الله تعالى إذا فعلت حق القبول (حتى تؤدي حق زوجها) لأن الله تعالى ساخط عليها، ولو فعلت
стр. 5038
وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ .. لَمْ تَمْنَعْهُ".
===
حقه ما دام زوجها ساخطًا عليها؛ كما في الحديث (ولو سألها) زوجها؛ أي: راود (نفسها) للجماع بها (وهي) أي: والحال أنَّها راكبة (على قتب) وهو للجمل؛ كالسرج للخيل، والإكاف للحمار ... (لَمْ تمنعه) من الجماع بها من غير عذر شرعي.
ومعنى الحديث: الحث لها على مطاوعة زوجها فيما أراد منها من الاستمتاع، وأنها لا ينبغي لها الامتناع منه في هذه الحالة، فكيف في غيرها؟ !
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أحمد بن علي بن المثنى عن محمد بن أبي بكر المقدمي عن حماد بن زيد به، ورواه البزار في "مسنده" من حديث معاذ بن جبل، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا عُبَيدةُ بن حُميد عن أبي إسحاق السِّينَانيّ به، ورواه البيهقي في "سننه" من طريق سليمان بن حرب عن حماد، فذكره بإسناده ومتنه، إلَّا أنه قال: "حتى تؤدي حق زوجها كله" والباقي مثله، وله شاهد من حديث قيس بن سعد، رواه أبو داوود والبيهقي في كتاب النِّكَاح، باب في حق الزوج على المرأة، والحاكم في "المستدرك"، باب في حق الزوج على المرأة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأخرج الترمذي بعضه عن أبي هريرة في كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، قال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله .. لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
стр. 5039
(١٠) - ١٨٢٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِي نَصْرٍ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ مُسَاوِرٍ الْحِمْيَرِيّ، عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ .. دَخَلَتِ الْجَنَّةَ".
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠) - ١٨٢٦ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي نصر عبد الله بن عبد الرَّحمن) الضبي الكوفي، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن مساور الحميري) مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أمه) وهي مجهولة أيضًا، في "التقريب": لا يعرف حالها، من الرابعة. يروي عنها: (ت ق).
(قالت) أم مساور: (سمعت أم سلمة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه مساورًا، وهو مجهول، وكذا أمه مجهولة.
أي: سمعت أم سلمة حالة كونها (تقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما امرأة ماتت) من الموت، وهو الظاهر، وفي رواية الترمذي: (أيما امرأة باتت) من البيتوتة (وزوجها عنها راضٍ) جملة حالية .. (دخلت الجَنَّة) أي: ابتداءً؛ لمراعاتها حق الله تعالى وحق عباده.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الرضاع، باب ما
стр. 5040
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جاء في حق الزوج على المرأة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد صححه الحاكم، وأقره الذهبي، كذا في "النيل". انتهى "تحفة".
وأخرجه الحاكم في كتاب البر والصلة، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ورواه ابن أبي شيبة في كتاب النِّكَاح، باب ما حق الزوج على امرأته.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن المتن صحيحه؛ لأن الترمذي حسنه، والحاكم صححه، وصحيح بما قبله، ضعيف السند جدًّا، وغرضه: الاستشهاد به، فهو: صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد، ضعيف السند جدًّا؛ لما مر آنفًا.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والآخران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5041
(٥) - (٥٧٣) - بَابُ أَفْضَلِ النِّسَاءِ
(١١) - ١٨٢٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعُمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا الدُّنْيَا
===
(٥) - (٥٧٣) - (باب أفضل النساء)
(١١) - ١٨٢٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق السبيعي أخو إسرائيل الكوفي، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرَّحمن بن زياد بن أنعم) -بفتح أوله وسكون النون وضم المهملة- الإفريقي قاضيها، ضعيف في حفظه، من السابعة، مات سنة ست وخمسين ومئة (١٥٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (د ت ق).
(عن عبد الله بن يزيد) المعافري أبي عبد الرَّحمن الحبلي -بضمتين- ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ) بإفريقية. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات؛ لأن ابن أنعم وإن كان ضعيفًا في حفظه .. فهو ثقة في كتابه.
(أن رسول الله ﷺ قال: إنما الدنيا) أي: دارها
стр. 5042
مَتَاعٌ، وَلَيْسَ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنَ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ".
===
ونعيمها (متاع) أي: شيء يمتع به حينًا؛ كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ (١).
(وليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة) وهي الصالحة في دينها ونفسها، والمُصْلِحَةُ لِحالِ زَوْجِها.
وهذا كما قال في الحديث الآخر: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ " قالوا: بلى قال: "المرأة الصالحة، التي إذا نظر إليها .. سرته، وإذا غاب عنها .. حفظته، وإذا أمرها .. أطاعته" رواه أبو داوود.
قال الأبي: المتاع: ما يستمتع به من متاع الدنيا، قليلًا أو كثيرًا، ولا يبعد أنه اشارة إلى أن متنعمات الدنيا حقيرة لا يؤبه بها، ولذلك لما ذكر الله تعالى أصناف متنعماتها في قوله: ﴿زُيِّنَ للِنَّاسَ ... ﴾ الآية. . قال بعد ذلك: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٢).
وخص هنا منها المرأة، وقيدها بالصلاح؛ ليؤذن بأنها شر متاعها إذا لَمْ تكن بتلك الصفة، وفي حديث أسامة: "ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وكونها في هذا الحديث (أضر) يتناول الزوجة مع زوجها؛ فإنها إذا لَمْ يمنعها الصلاح .. كانت عين المفسدة، فلا تأمر زوجها ولا تحثه إلَّا على شر، وأقل ذلك أن ترغبه في الدنيا حتى يتهالك فيها، وأي شيء أضر من ذلك؟ !
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الرضاع، في باب خير متاع الدنيا المرأة الصالحة، والنسائي في كتاب النِّكَاح، باب المرأة
стр. 5043
(١٢) - ١٨٢٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد،
===
الصالحة، والبيهقي في كتاب النِّكَاح، باب استحباب التزوج بذات الدين، وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولهذه المشاركة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمرو بحديث ثوبان رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢) - ١٨٢٨ - (٢) (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة) الأحمسي - بمهملتين - أبو جعفر السراج، ثقة، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو بن مرّة) المرادي الجملي -بفتحتين- الكوفي، صدوق يخطئ، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عمرو بن مرّة بن عبد الله بن طارق المرادي الجملي أبي عبد الله الكوفي الأعمي، ثقة عابد، كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين، وقيل: مِئةٍ، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
стр. 5044
عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ فِي الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ مَا نَزَلَ قَالُوا: فَأَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ قَالَ عُمَرُ: فَأَنَا أَعْلَمُ لَكُمْ ذَلِكَ، فَأَوْضَعَ عَلَى بَعِيرِهِ فَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا فِي أَثَرِهِ
===
(عن ثوبان) بن بجدد الهاشمي مولاهم؛ مولى رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه، مات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن في سماع سالم عن ثوبان خلاف، وعبد الله بن عمرو بن مرّة مختلف فيه.
(قال) ثوبان: (لما نزل في الفضة والذهب) أي: في اتخاذهما (ما نزل) من القرآن؛ يعني: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ﴾ الآية (١).
(قالوا) أي: قال الأصحاب بعضهم لبعض: (فأي المال نتخذ) هـ ونقتنيه؟ وفي رواية الترمذي: (قال) ثوبان: (كنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: أنزلت) آية من القرآن (في) ذم اتخاذ (الذهب والفضة، لو علمنا أي المال خير) لنا (فنتخذه ... ) الحديث.
فـ (قال عمر) بن الخطاب للناس: على مهلكم (فأنا) أسأل لكم رسول الله ﷺ و (أعلم لكم ذلك) المال الذي هو خير لكم اتخاذه (فأوضع) عمر (على بعيره) أي: أسرع بعيره راكبًا عليه؛ ليدرك رسول الله ﷺ ويسأله عن ذلك المال الذي هو خير لهم (فأدرك) عمر (النبي ﷺ قال ثوبان: (وأنا في أثره) ﷺ
стр. 5045
فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَيَّ الْمَالِ نَتَّخِذُ؟ فَقَالَ: "لِيَتَّخِذْ أَحَدُكُمْ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَزَوْجَةً مُؤْمِنَةً تُعِينُ أَحَدَكُمْ عَلَى أَمْرِ الْآخِرَةِ".
===
-بفتحتين أو بكسر فسكون- أي: والحال أني ماشٍ في أثره وعقبه ووراءه ﷺ .
(فقال) عمر: (يا رسول الله؛ أي المال نتخذ) هـ ونقتنيه للانتفاع به؟ (فقال) رسول الله ﷺ : (ليتخذ أحدكم) أيها المؤمنون (قلبًا شاكرًا) لربه على إنعامه وإحسانه إليه (ولسانًا ذاكرًا) لربه؛ بتمجيده تعالى وتقديسه وتسبيحه وتهليله، والثناء عليه بجميع محامده، وتلاوة القرآن (وزوجةً مؤمنةً) صالحةً (تعين أحدكم على أمر الآخرة) وعملها؛ من امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، بأن تذكره الصلاة والصوم، وغيرهما من العبادات، وتمنعه من الزنا وسائر المحرمات.
قيل: وإنما أجابهم بذلك مع أن السؤال عن تعيين المال الذي يتخذونه ظاهرًا.
قلنا: لأنهم أرادوا بسؤالهم السؤال عما ينتفعوا به عند تراكم الحوائج، فلذلك أجاب عنه بما أجاب، ففي إجابته شائبة من الأسلوب الحكيم. انتهى "تحفة الأحوذي" مع تصرف فيه.
قال السندي: فعد ما ذكره في الجواب من المال، لمشاركته للمال؛ أي: في ميل قلب المؤمن إليه، وأنها أمور مطلوبة عند المؤمن، ثم عدها من أصل الأموال، لأن نفعها باقٍ، ونفع سائر الأموال زائل.
وبالجملة: فالجواب من الأسلوب الحكيم؛ للتنبيه على أَنَّ هَمَّ المؤمِن ينبغي أن يتعلق بأمور الآخرة، ويسأل عما ينفعه فيها، وأن أموال الدنيا كلها لا تخلو عن شر. انتهى منه.