قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا.
===
(قال) عمر: (نهى رسول الله ﷺ أن يعزل) -بالبناء للمجهول- أي: أن يعزل ويبعد المني (عن الحرة إلا بإذنها) أي: إلا بإذن الحرة ورضاها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ ولكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عمر بن الخطاب أيضًا، ورواه البيهقي في "الكبرى" من طريق إسحاق بن عيسى عن ابن لهيعة، فذكره بإسناده ومتنه سواء، وله شاهد من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عباس، رواهما البيهقي منفردًا بهما عن أصحاب الكتب الستة، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح. انتهى من الهامش.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح أو حسن؛ لصحة سنده أو حسنه؛ كما مر آنفًا، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5252
(٣١) - (٥٩٩) - بَابٌ: لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا
(٨٥) - ١٩٠١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا".
===
(٣١) - (٥٩٩) - (باب: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها)
(٨٥) - ١٩٠١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن حسان) الأزدي القردوسي البصري، ثقة، من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: لا تنكح) -بالبناء للمجهول- من أنكح الرباعي؛ أي: لا تجمع (المرأة على عمتها) أي: مع عمتها في نكاح رجل واحد (ولا) تنكح المرأة (على خالتها) أي: لا تجمع المرأة مع خالتها في نكاح رجل واحد، قوله: (لا يجمع) وكذا قوله: (لا تنكح) كله في الروايات بالرفع على الخبر عن المشروعية، وهو يتضمن النهي عن ذلك، قاله القرطبي.
стр. 5253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النووي: وهو أبلغ في النهي؛ لأن خبر الشارع لا يتصور وقوع خلافه، والنهي قد تقع مخالفته، فكان المعنى: عاملوا هذا النهي معاملة الخبر المتحتم.
وفي بعض الروايات عند ابن حبان: نهى أن تزوج المرأة على العمة أو الخالة، وقال: "إنكم إذا فعلتم ذلك .. قطعتم أرحامكم". رواه أحمد وأبو داوود والترمذي، وقال الشافعي: تحريم الجمع بين من ذكر هو قول من لقيته من المفتين، لا اختلاف بينهم في ذلك، وقال الترمذي بعد تخريجه: العمل على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافًا أنه لا يحل للرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، وقال ابن المنذر: لست أعلم في منع ذلك اختلافًاا ليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج والشيعة.
واستثنى القرطبي الخوارج، ولفظه: وهذا الحديث مجمع على العمل به في تحريم الجمع بين من ذكر فيه بالنكاح، وكذلك أجمع المسلمون على تحريم الجمع بين الأختين؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١)، وأما الجمع بملك اليمين .. فروي عن بعض السلف جوازه، وهو خلاف شاذ استقر الإجماع بعده على خلافه، وأجاز الخوارج الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا يعتد بخلافهم؛ لأنهم مرقوا عن الدين وخرجوا منه؛ ولأنهم مخالفون للسنة الثابتة. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح (٥١٠٩)، ومسلم في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، والنسائي (٦/ ٩٦).
стр. 5254
(٨٦) -١٩٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَار، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٦) -١٩٠٢ - (٢) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، إمام المغازي، صدوق مدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه (م عم).
(عن يعقوب بن عتبة) بن المغيرة بن الأخنس الثقفي، ثقة، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (دس ق).
(عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة زوج النبي ﷺ ، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
стр. 5255
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ نِكَاحَيْنِ: أَنْ يَجْمَعَ الرَّجُلُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا.
(٨٧) -١٩٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّس، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ النهْشَلِيُّ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن محمد بن إسحاق وإن كان مدلسًا؛ فهو مختلف فيه.
(قال) أبو سعيد: (سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن نكاحين؛ أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، ورواه الترمذي في "جامعه"، وابن حبان في "صحيحه" من حديث ابن عباس، ورواه النسائي في "الصغرى" من حديث جابر بن عبد الله، وأحمد في "مسنده" من حديث علي، وعبد الله بن عمرو، والبزار في "مسنده" من حديث ابن مسعود، وابن عمر، وسمرة بن جندب.
فدرجة الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٧) -١٩٠٣ - (٣) (حدثنا جبارة بن المغلس) الحماني الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو بكر النهشلي) الكوفي، اسمه عبد الله بن قطاف، أو
стр. 5256
حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا".
===
ابن أبي قطاف، وقيل: وهب، وقيل: معاوية، صدوق رمي بالإرجاء، من السابعة، مات سنة ست وستين ومئة (١٦٦ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثني أبو بكر بن أبي موسى) الأشعري، اسمه عمرو، أو عامر، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس، الصحابي المشهور، رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمسين، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جبارة بن المغلس، وهو متفق على ضعفه.
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : لا تنكح) بالبناء للمجهول (المرأة) نائب فاعل (على عمتها، ولا على خالتها) فإن عقد النكاح عليهما معًا .. فالعقد فيهما باطل، وإن عقد مرتبًا .. فالثاني باطل.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة، رواه أصحاب الكتب الستة، وهو الحديث الذي ذكره المؤلف في أول الترجمة.
فدرجة الحديث: أنه صحيح بغيره، وسنده ضعيف، لما مر آثفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث:
الأول للاستد لال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5257
(٣٢) - (٦٠٠) - بَابُ الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجُ فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَتَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ ؟
(٨٨) - ١٩٠٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، أَخْبَرَنِي عُزوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي،
===
(٣٢) - (٦٠٠) - (باب الرجل يطلق امرأته ثلاثًا فتزوج فيطلقها) الزوج الثاني (قبل أن يدخل بها، أترجع إلى الأول؟ )
* * *
(٨٨) - ١٩٠٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، أخبرني عروة) بن الزبير، (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن امرأة) اسمها تميمة بنت وهب بن أبي عبيد القرظية، وهي بمثناة، واختلف هل بفتحها أو بالتصغير، والثاني أرجح؛ أي: جاءت زوجة (رفاعة) -بكسر الراء- ابن السموءل -بفتح المهملة والميم وسكون الواو بعدها همزة- (القرظي) -بضم القاف- نسبة إلى قريظة؛ قبيلة مشهورة من يهود خيبر (جاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت): يا رسول الله (إني كنت) أولًا (عند رفاعة) القرظي (فطلقني) رفاعة (فبَتَّ طلاقي) أي: أبانه وقطَعَه وخلَّص ما لَهُ عليَّ من الطلقات الثلاث.
قال الحافظ: هذا ظاهر في أنه قال لها: أنت طالق ألبتة، ويحتمل أن يكون المراد: أنه طلقها طلاقًا حصل به قطع عصمتها منه، وهو أعم من أن يكون
стр. 5258
فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْب، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ
===
طلقها ثلاثًا مجموعةً أو مفرقة؛ ويؤيد الثاني ما في "البخاري" من كتاب الأدب أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، فمعنى (بت طلاقي): أي: قطعه بجعله ثلاثة؛ وهو -كما قال ملا علي- يحتمل الجمع والتفريق. انتهى.
(فتزوجت عبد الرحمن بن الزَّبِير) -بفتح الزاي وكسر الباء- بوزن الأمير بلا خلاف؛ وهو الزبير بن باطا، وقيل: باطيا، وكان عبد الرحمن صحابيًا، والزبير قتل يهوديًا في غزوة بني قريظة يوم خيبر، وهذا الذي ذكرناه؛ من أن عبد الرحمن بن الزبير بن باطا القرظي هو الذي تزوج امرأة رفاعة القرظي .. هو الذي ذكره أبو عمر بن عبد البر والمحققون، كذا في الشرح، ولمَّا عَرَّفَهُ ابنُ قُتيبة وأبو نعيم .. رفعا نسبَهُ إلى مالك بن الأوس، فجعَلَاهُ من الأنصار، والصواب: الأول، والله أعلم.
(وإنَّ ما معه) أي: مع عبد الرحمن من آلةِ الرجال (مِثْلُ هُدبةِ الثوب) -بضم الهاء وسكون المهملة بعدها موحدة مفتوحة- هو طرفُ الثوب الذي لم ينسج من سداه؛ مأخوذ من هُدْبِ العين؛ وهو شَعْرُ الجَفْن، وأرادت: أن ذكَرَهُ رِخْوٌ شِبْهُ الهُدْبة في الاسترخاءِ وعَدَمِ الانتشارِ.
وقال الداوودي: يحتمل تشبيهها بالهدبة في انكساره، وأنه لا يتحرك، وأن شهوته لا تشتد، ويحتمل أنها كنَتْ بذلك عن نحافتِه، أو وصفَتْهُ بذلك بالنسبةِ للأول، قال: ولهذا يُستحب نكاحُ البكر؛ لأنها تَظُنُّ الرجالَ سواء، بخلاف الثَّيِّبِ. انتهى.
(فتبسَّم النبي ﷺ أي: كشَفَ شفتَهُ العُلْيا عن مقدم أسنانه بلا إظهار صوت، قال الحافظ: وتبسُّمُه ﷺ كان تعجبًا
стр. 5259
فَقَالَ: "أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؛ ! لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ".
===
منها؛ إما لتصريحها بما تَسْتَحي النساءُ من التصريح به غالبًا، وإما لضعفِ عقلِ النساء؛ لكون الحاملِ لها على ذلك شدةُ بُغْضِها في الزوج الثاني، ومحبتِها في الرجوع إلى الزوج الأول، ويُستفاد منه جوازُ وقوع ذلك. انتهى.
قال القرطبي: وفيه دليل على أن مثل هذا إذا صدر من مُدَّعيتِه .. لا يُنكَر عليها ولا تُوبَّخ بسببه؛ فإنه في معرضِ المطالبة بالحقوق، ويدل على صحته أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لم يُنكره، وإن كان خالدُ بن سعيد بن العاص حين رفعت المرأةُ صوتها عند رسول الله ﷺ -كما صَرَّحَه مسلم في روايتِه- قد حركه للإنكارِ على المرأة وحضَّه عليه. انتهى من "المفهم".
(فقال) لها رسول الله ﷺ : (أتريدين) بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: أتحبين أيتها المرأة (أن ترجعي إلى رفاعة) القرظي زوجك الأول؟ ! والله إلا) ترجعين إليه (حتى تذوقي عسيلته) أي: عسيلة عبد الرحمن بن الزبير ولذة استمتاعه (ويذوق) عبد الرحمن (عسيلتك) أي: لذة استمتاعك.
والعسيلة -بضم العين وفتح السين المهملتين- تصغير عسليما، وفي العسل لغتان: التأنيث، والتذكير، فأنث العسيلة لذلك؛ لأن المؤنث يرد إليه الهاء عند التصغير؛ كقولهم: شُمَيْسة ويُديَّة في تصغير شمس ويد، وقيل: إنما أنثه؛ لأنه أراد النطفة، وضعفه النووي؛ لأن الإنزال لا يشترط في التحليل، وإنما هي كناية عن الجماع؛ شبه لذته بلذة العسل وحلاوته.
قال الحافظ: واستدل بهذا الحديث على أن المرأة لا حق لها في الجماع؛ لأن هذه المرأة شكَتْ أن زوجها لا يطؤها، وأن ذكرَهُ لا يَنْتَشِرُ، وأنه ليس معه
стр. 5260
(٨٩) - ١٩٠٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،
===
ما يُغني عنها، ولم يفسخ النبي ﷺ نكاحها بذلك، ومن ثم قال إسماعيل بن إبراهيم ابن علية، وداوود بن علي: لا يُفسخ النكاح ولا يُضرب للعِنِّين أجلٌ.
وقال ابن المنذر: اختلفوا في المرأة تُطالبُ الرجلَ بالجماع: فقال الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرةً واحدة .. لم يؤجَّل أجلَ العنين، وهو قول الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق، وقال أبو ثور: إن ترك جماعَها لعلةٍ .. أُجِّلَ له سنة، وإن كان لغير علة .. فلا تأجيل، وقال عياض: اتفق كافة العلماء على أن للمرأة حقًّا في الجماع، فيثبتُ الخيارُ لها إذا تزوجت المجبوب والممسوح جاهلةً، ويضرب للعنين أجل؛ لاحتمال زوال ما به من العلة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الشهادات، باب شهادة المُخْتَبِي، ومسلم في كتاب النكاح، باب لا تحل المطلقة ثلاثًا لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره ويطأها، ثم يفارقها وتَنْقَضِيَ عدتُها، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب المبتوتة. والترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء فيمن يطلق امرأته ثلاثًا، فيتزوجها آخر فيطلقها قبل أن يَدْخُلَ بها.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٩) - ١٩٠٥ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 5261
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ رَزِينٍ يُحَدِّثُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ الْمَرْأَةُ فَيُطَلِّقُهَا فَيَتَزَوَّجُهَا رَجُلٌ فَيُطَلِّقُهَا
===
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العَتَكِيُّ البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة بن مرثد) -بفتح الميم وسكون الراء- الحضرمي أبي الحارث الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: سمعت سالم بن رزين) الأحمري، وقيل: رزين بن سليمان، مجهول، من الثالثة، وذكره ابن حبان في "الثقات " فيمن اسمه سليمان، وقال: هو الذي يقال له: سالم بن رزين. يروي عنه: (س ق).
(يحدث عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من ثمانياته.
(عن النبي ﷺ في الرجل تكون له المرأة فيطلقها) هذا الأول طلاقًا بائنًا (فيتزوجها رجل) آخر (فيطلقها) هذا الثاني
стр. 5262
قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا أَتَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ؟ قَالَ: "لَا، حَتَّى يَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ".
===
(قبل أن يدخل بها أترجع إلى الأول؟ قال) النبي ﷺ : (لا) ترجع إلى الأول (حتى يذوق) هذا الثاني (العسيلة) أي: عسيلتها، وهذا الحديث إن كان مختصرًا من قصة رفاعة .. فقد ذكروا توجيهَ المرادِ بقوله: (ثلاثًا): أنها كانت مفرَّقةً، وإن كان في قصة أخرى .. فهو ظاهر في كونها مجموعةً، وقد ثبت في الأحاديث أن غير رفاعة وقع له مع امرأته ما وقع لرفاعة، فليس التعدد في ذلك ببعيد. انتهى "فتح الملهم".
قوله: (في الرجل) أي: من المسلمين (تكون له المرأة) أي: الزوجة (فيطلقها) أي: فيطلق ذلك الرجل زوجته ثلاثًا (فيتزوجها) أي: فيتزوج تلك المرأة المطلقة ثلاثًا (رجل) آخر من المسلمين (فيطلقها) هذا الرجل الثاني (قبل أن يدخل بها) ويجامعها؛ أي: سئل رسول الله ﷺ عن هذه المرأة التي طلقها الزوج (أترجع) أي: هل يحل رجوع هذه المرأة (إلى) زوجها (الأول) أم لا يحل؟ فـ (قال) النبي ﷺ للسائل عن حكمها: (لا) ترجع إلى الأول (حتى يذوق) هذا الثاني (العسيلة) منها وتذوق العسيلة منه، وهذا كناية عن جماعها؛ فهذا الحديث مثل حديث رفاعة في المعنى والحكم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي؛ أخرجه في كتاب الطلاق، بابُ إحلالِ المطلَّقة ثلاثًا والنكاحِ الذي يُحِلُّها به، وأخرجه البيهقي، وابن أبي شيبة، وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
стр. 5263
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5264
(٣٣) - (٦٠١) - بَابُ الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ
(٩٥) - ١٩٠٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، عَنْ زَمْعَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ سَملَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٣٣) - (٦٠١) - (باب المحلِّل والمحلَّل له)
الأول: على صيغة اسم الفاعل، والثاني: على صيغة اسم المفعول، كلاهما من التحليل.
* * *
(٩٠) - ١٩٠٦ - (١) (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو عامر) العقدي عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زمعة) بسكون الميم (ابن صالح) الجندي -بفتح الجيم والنون- اليماني نزيل مكة، أبي وهب، ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون، من السادسة. يروي عنه: (م ت س ق).
(عن سلمة بن وهرام) -بالراء- اليماني، صدوق، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله مولى ابن عباس، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه زمعة بن صالح، وهو متفق على ضعفه.
стр. 5265
قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ).
===
(قال) ابن عباس: العن رسول الله ﷺ المحلل) -بكسر اللام الأُولى المشددة- من التحليل؛ وهو من تزوج المرأة المطلقة ثلاثًا بقصد الطلاق أو بشرطه؛ لتحل هي لزوجها الأول (والمحلل له) -بفتح اللام الأُولى المشددة- على صيغة اسم المفعول؛ من التحليل أيضًا، والمراد به: الزوج الأول الذي طلقها ثلاثًا.
قال القاضي: المحلل: الذي تزوج مطلقة الغير ثلاثًا على قصد أن يطلقها بعد الوطء؛ ليُحِلَّ للمطلِّق نكاحَها، وكأنه يحلِّلها للزوج الأول بالنكاح والوطء، والمحلَّلُ له: هو الزوج الأول، وإنما لَعَنهما؛ لما في ذلك من هَتْكِ المروءة، وقلةِ الحميَّة، والدلالةِ على خِسَّةِ النفس وسقوطِها؛ أمَّا بالنسبة إلى المحلل له .. فظاهرٌ، وأمَّا بالنسبة إلى المحلل .. فإنه يعير نَفْسَهُ بالوطءِ لغرضِ الغير؛ فإنه إنما يطؤُها ليُعرِّضَها لوطءِ المحلَّل له، ولذلك مثَّلَهُ ﷺ بالتيسِ المستعارِ. انتهى.
قال الحافظ في "التلخيص": استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح إذا شرط الزوج الأول أنه إذا أنكحها .. بانت منه، أو أنه شَرَط أنه يُطلِّقها، أو نحوَ ذلك، وحملوا الحديث على ذلك، ولا شك أن إطلاقَه يشملُ هذه الصورة وغيرَها، لكن روى الحاكم والطبراني في "الأوسط" من طريق أبي غسان عن عمر بن نافع عن أبيه قال: جاء رجل إلى ابن عمر، فسأله عن رجل طلق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له عن غير مُؤامَرةٍ؛ ليُحلَّها لأخيه، هل يَحِلُّ للأول نكاحها؟ قال: لا، إلا بنكاحِ رَغْبةٍ فيها، كنا نَعُدُّ هذا سفاحًا على عهد النبي ﷺ . انتهى كلام الحافظ.
قلت: روى الحاكم هذا الحديث في "المستدرك" وصحَّحه؛ كما صرح به
стр. 5266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الزيلعي في "نصب الراية". انتهى "تحفة الأحوذي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء عن ابن مسعود في المحلل والمحلل له، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الطلاق، باب إحلال المطلقة ثلاثًا وما فيها من التغليظ، والبيهقي في كتاب النكاح، والدارمي، وأبو يعلى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث ابن مسعود الذي رواه الترمذي وصححه؛ كما مر آنفًا، وصححه ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري، وسنده ضعيف؛ لأن فيه زمعة بن صالح؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال في "سبل السلام": حديث ابن مسعود هذا دليل على تحريم التحليل؛ لأنه لا يكون اللعن إلا على فاعل المحرم، وكل محرم منهي عنه، والنهي يقتضي فساد العقدِ واللعنَ، وإن كان ذلك للفاعل، لكنه علق بوصف يصح أن يكون علةً للحكم.
وذكروا للتحليل صورًا؛ منها: أن يقول له في العقد: إذا أحللتها .. فلا نكاح، وهذا مثل نكاح المتعة؛ لأجل التوقيت، ومنها: أن يقول في العقد: إذا أحللتها .. طلقتها، ومنها: أن يكون مضمرًا في العقد؛ بأن يتواطأا على التحليل، ولا يكون النكاح الدائم هو المقصودَ، وظاهر شمولُ اللَّعنِ وفسادِ العقد لجميعِ الصور، وفي بعضها خلاف بلا دليلٍ ناهضٍ، فلا يستعمل بها. انتهى. انتهى من "التحفة".
قال أبو عيسى: والعمل على هذا الحديث -يعني: حديث ابن مسعود- عند
стр. 5267
(٩١) -١٩٠٧ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ
===
أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ؛ منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو؛ وهو قول الفقهاء من التابعين، وبه يقول: سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
قال الحافظ الزيلعي في "نصب الراية": واعلم: أن المصنف -يعني: صاحبَ "الهداية "- استدل بهذا الحديث -يعني: حديث: "لعن الله المحلِّلَ والمحلَّلَ له"- على كراهة النكاح المشروط به التحليلُ، وظاهرُهُ يقتضي التحريمَ؛ كما هو مذهب أحمد. انتهى.
قلت: لا شك في أنَّ ما قاله الإمام أحمد هو الظاهر.
ثم أجاب الزيلعي، فقال: لكن يقال: لمَّا سمَّاه محلِّلًا .. دلَّ على صحة النكاح؛ لأن المحلِّل هو المثبتُ للحلّ، فلو كان فاسدًا .. لما سمَّاه محللًا. انتهى.
قلت: سماه محللًا على حسب ظنه؛ فإن مَنْ تزوج المطلَّقة ثلاثًا بقصدِ الطلاقِ أو شرطِه .. ظن أن تزوُّجَه إياها ووَطْأها يُحِلّها لزوجها الأول، وليس تسميتُه محلِّلًا على أنه مُثْبتٌ للحل في الواقع، ويؤيده؛ قولُ ابن عمر: كنَّا نَعُدُّ هذا سفاحًا على عهد النبي ﷺ ، وصحَّحه الحاكم؛ كما تقدم. انتهى من "التحفة".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديثِ عليٍّ رضي الله تعالى عنهم، فقاله:
(٩١) - ١٩٠٧ - (٢) (حدثنا محمد بن إسماعيل بن البَخْتَري) -بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة- الحَسَّاني -بمهملتين- أبو عبد الله
стр. 5268
الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ وَمُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنِ الْحَارِث، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ.
===
(الواسطي) نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا أبو أسامة) حمَّادُ بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عون) بن أَرْطَبان أبي عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسِنّ، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومجالد) بالجر معطوف على ابن عون -بضم أوله وتخفيف الجيم- ابن سعيد بن عمير الهمداني -بسكون الميم- أبي عمرو الكوفي، ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
كلاهما (عن) عامر بن شراحيل (الشعبي) الحميري الكوفي، ثقة إمام، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني -بسكون الميم- الحوتي الكوفي صاحب علي، كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، ضعيف، مات في خلافة ابن الزبير، من الثانية. يروي عنه: (عم).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف الحارث الأعور.
(قال) علي: (لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له).
стр. 5269
(٩٢) -١٩٠٨ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: قَالَ لِي أَبُو مُصْعَبٍ مِشْرَحُ بْنُ هَاعَانَ:
===
وشارك المؤلف في رواية هذ االحديث: أبو داوود في كتاب النكاح، باب في التحليل، والترمذي في كتاب النكاح، باب في المحلل والمحلل له، وأحمد في "مسنده".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره، لأن له شواهد من حديث ابن مسعود وغيره، وسنده ضعيف، لأن فيه الحارث الأعور، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٢) - ١٩٠٨ - (٣) (حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح) السهمي مولاهم (المصري) صدوق رمي بالتشيع، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئتين (٢٨٢ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبي) عثمان بن صالح بن صفوان السهمي مولاهم أبو يحيى المصري، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (خ س ق).
(قال) عثمان: (سمعت الليث بن سعد) الفهمي المصري، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(يقول: قال لي أبو مصعب) بضم الميم وسكون الصاد وفتح العين المهملة (مشرح) بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه وآخره مهملة (ابن هاعان)
стр. 5270
قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ "، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ".
===
المَعَافري -بفتحتين وفاءٍ- المصري، مقبول، من الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (دت ق).
(قال) أبو مصعب (عقبة بن عامر) الجهني الصحابي المشهور ﵁، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين (٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا مصعب مشرح بن هاعان، وهو مختلف فيه؛ فقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال أحمد: ليس بشيء.
(قال رسول الله ﷺ : ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (أخبركم بالتيس المستعار؟ ) وهو ذكر المعز، (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده ﷺ : (بلى) أخبرنا (يا رسول الله، قال) رسول الله ﷺ : (هو) أي: ذلك التيس (المحلل) الذي يتزوج المرأة المطلقة ثلاثًا؛ ليحللها لمطلقها، (لعن الله المحلل والمحلل له).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بهذا السند، لكن رواه الحاكم في "المستدرك" عن أبي جعفر محمد بن عبد الله البغدادي عن يحيى بن عثمان بن صالح به، وقال: صحيح الإسناد، ورواه أبو داوود والنسائي من حديث عبد الله بن مسعود، وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب رواه أصحاب السنن الأربعة، ورواه البيهقي في "الكبرى" عن الحاكم.
стр. 5271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح المتن؛ لأن له شواهد من أحاديث الباب وغيره، وحسن بالنظر إلى سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والآخران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5272
(٣٤) - (٦٠٢) - بَابٌ: يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ
(٩٣) - ١٩٠٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنِ حَجَّاجٍ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
===
(٣٤) - (٦٠٢) - (باب: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)
(٩٣) - ١٩٠٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن حجاج) بن دينار الواسطي، لا بأس به، وله ذكر في مقدمة "مسلم"، من السابعة. يروي عنه: (عم).
(عن الحكم) بن عتيبة -بالمثناة ثم بالموحدة مصغرًا- أبي محمد الكندي الكوفي، ثقة فقيه، إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عراك بن مالك) الغفاري الكناني المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الزبير.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) من التناكح، والجمع بين القريبتين، وتفصيل مسائل الرضاع مع مستثنياتها موضعها كتب الفروع، وقد أجمعت الأمة -لهذا الحديث- أن ما يحرم من قرابات النسب والولادة .. يحرم أمثالها
стр. 5273
(٩٤) - ١٩١٠ - (٢) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِث،
===
في الرضاع؛ فيحرم من الرضاع: الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، والأعمام، والأخوال، وجميع الأصول والفروع.
وقد استثنى منه الفقهاء بعض الصور؛ مثل: أم أخته من الرضاع، وأخت ابنه من الرضاع، وغيرهما، وقد أوصلها ابن نُجيم في "البحر" إلى إحدى وثمانين صورة. انتهى من "التكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري، ومسلم، وأبو داوود في كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، والترمذي، والنسائي، وقال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٤) - ١٩١٠ - (٢) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي -بالمهملة- أو الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(وأبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير الباهلي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
كلاهما (قالا: حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 5274
حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُرِيدَ عَلَى بِنْتِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: "إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ ألرَّضَاعَة، وَإِنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ".
===
(حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة البصري السدوسي، ثقة ثبت، ولكنه يدلس، من الرابعة، مات سنة سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن زيد) أبي الشعثاء الأزدي البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، ويقال: ثلاث ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ أريد) وطلب بعقد النكاح (على) عمارة (بنت حمزة بن عبد المطلب) عمه؛ أي: طلبوا منه تزوجها؛ لأنها بنت عمه (فقال) لهم رسول الله ﷺ : (إنها) لا تحل لي؛ لأنها (ابنة أخي من الرضاعة) لأنه أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب (وإنه) أي: وإن الشأن والحال (يحرم من الرضاعة) أي: بسبب الرضاعة (ما يحرم من النسب) أي: بسبب القرابة النسبية.
قوله: (بنت حمزة) اختلفوا في اسمها على سبعة أقوال: أمامة، وعمارة، وسلمي، وعائشة، وفاطمة، وأمة الله، ويعلى، وحكى المزي في أسمائها:
стр. 5275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أم الفضل، لكن صرح ابن بشكوال بأنها كنية، كذا في "الفتح".
وذكر الحافظ: في باب عمرة القضاء من مغازي الفتح (٧/ ٣٨٨) والمشهور: أن اسمها عمارة، وكانتْ مع أُمِّها بِمَكة، فخرجت من مكة مع النبي ﷺ عند العودة من عمرة القضاء، فاختصمَ في حضانتِها على وزيد وجعفر؛ كما في "صحيح البخاري" من حديث البراء رضي الله تعالى عنه.
قوله: "إنها ابنة أخي" من الرضاعة، وزاد الشافعي من طريق سعيد بن المسيب عن علي: "وإن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب" كما في "ترتيب مسند الشافعي" للسندي (٢/ ٢١)، رقم (٢١)، وكأن عليًّا لم يعلم بأن حمزة رضيع النبي ﷺ ، أو جوز الخصوصية، أو كان ذلك قبل تقرير الحكم، وكانت ثويبة أرضعت رسول الله ﷺ بعدما أرضعت حمزة، وكان حمزة أسن من رسول الله ﷺ بسنتين، وقيل: بأربع، وثويبة كانت مولاة لأبي لهب عم رسول الله ﷺ ، فأعتقها حين بَلَّغَتْهُ خبرَ ولادة النبي ﷺ ، واختلف في إسلامها، وذكرها ابن منده في الصحابة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين. انتهى من "عمدة القاري" (٩/ ٣٨٤).
وفي الحديث دلالة على أن لمن له أدنى رتبة أن يشير على من هو أعلي منه على النكاح، وعلى أنه لا بأس للرجل أن يعرض بنتًا من بنات أسرته أو قبيلته على أهل الدين، وعلى أنه لا بأس بذكر جمال المرأة في مشورة النكاح، وعلى أن للجمال دخلًا في الرغبة في التزوج بامرأةٍ. انتهى "تكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في أبواب كثيرة؛ منها: باب (٧) يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، وباب الشهادة على
стр. 5276
(٩٥) - ١٩١١ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ حَدَّثَتْهَا
===
الأنساب والرضاع المستفيض، ومسلم في كتاب النكاح، وأبو داوود، والنسائي، والدارمي، ومالك في "الموطأ"، وأحمد.
فالحديث في أعلي درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٥) - ١٩١١ - (٣) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة فقيه ثبت إمام مشهور، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) المصري، واسم أبيه سويد، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، أن زينب بنت أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد المخزومي (حدثته).
أي: حدثت لعروة (أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان زوج النبي ﷺ ، رضي الله تعالى عنها (حدثتها) أي: حدثت لزينب بنت أبي سلمة.
стр. 5277
أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : انْكِحْ أُخْتِي عَزَّةَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ ! "، قَالَتْ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، فَلَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَقُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي خَيْرٍ أُخْتِي،
* * *
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنها) أي: أن أم حبيبة (قالت لرسول الله ﷺ : انكح أختي عزة) بنت أبي سفيان، (قال) لها (رسول الله ﷺ : أ) تقولين انكحها و (تحبين ذلك؟ ! ) أي: تزوجي إياها ولا تغارين لها، والهمزة داخلة على محذوف؛ كما قدرناه، وتحبين معطوف بعاطف مقدر على ذلك المحذوف، والاستفهام للتعجب من كونها تطلب أن يتزوج مع ما طبع عليه النساء من الغيرة.
(قالت) أم حبيبة: (نعم يا رسول الله) أحب زواجك إياها (فلست) أي: لأني لست (لك بمخلية) الجار والمجرور متعلق بما بعده؛ أي: لست مخليةً بك، ومخلية اسم فاعل لمؤنث من الإخلاء، ويستعمل لازمًا ومتعديًا؛ فالمعنى على الأول: إني لست بمنفردة معك ولا خاليةٍ من ضرة، وعلى الثاني: إني لا أستطيع أن أجعلك خاليًا عن غيري من النساء، وقال ابن الأثير في "النهاية": هو من أخلى الرجل؛ إذا وجده خاليًا؛ فالمراد: أني لم أجدك خاليًا من الزوجات، وليس هو من قولهم: امرأة مخلية؛ إذا خلت من الأزواج.
(وأحق من شركني في خير) وأحبه إلي في ذلك (أختي) بنت أبي سفيان، وشركني -بكسر الراء- من باب سمع؛ أي: أحق من شاركني في صحبتك والتمتع ببركاتك أختي، وهذا قبل علمها بحرمة الجمع بين الأختين، أو ظنت أن جوازه من خصائص النبي ﷺ ؛ لأن أكثر أحكام نكاحه يخالف أحكام أنكحة الأمة، كذا في "عمدة القاري".
стр. 5278
قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِل لِي"، قَالَتْ: فَإِنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ،
===
فـ (قال) لها (رسول الله ﷺ : فإن ذلك) أي: فإن تزوج أختك عليك (لا يحل لي) لحرمة الجمع بين الأختين عليَّ وعلي غيري (قالت) أم حبيبة: (فإنا) معاشر أزواجك (نتحدث) فيما بيننا (أنك تريد) وتقصد (أن تنكح) وتتزوج (درة بنت أبي سلمة) -بضم الدال وتشديد الراء- هذا هو الصحيح المحفوظ، وأما ما حكاه عياضى عن بعض رواة "مسلم" أنه ضبطه: (ذرة) -بفتح الذال المحعجمة- فتصحيف لا شك فيه، قاله النووي.
قلت: لعله مأخوذ مما رواه النفيلي عن زهير عند أبي داوود، فقال: (درة أو ذرة، شك زهير) وظاهر أن الشك من زهير لا يعارض ما جزم به سائر الرواة، ووقع تسميتها: (حمنة بنت أبي سلمة) عند أبي موسى في "الذيل" وهو خطأ أيضًا؛ كما صرح به الحافظ في "الفتح".
ودرة هذه هي زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي ربيبة رسول الله ﷺ ، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله ﷺ زينب، ولدت بأرض الحبشة وتزوج النبي ﷺ أمها أم سلمة وهي ترضعها، وقد حَفِظَتْ عن النبي ﷺ ، ورَوَتْ عنه، وتزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود، وكانت تعد من الفقيهات.
قال أبو رافع الصائغ: كنت إذا ذكرت امرأةً فقيهةً بالمدينة .. ذكرت زينب بنت أبي سلمة، وسماها أبو رافع في رواية أخرى: (أفقه امرأة في المدينة).
وروينا في "القَطْعيات" من طريق عِطاف بن خالد عن أمه عن زينب بنت أبي سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخَلَ يغتسلُ .. تقول أمي: ادْخُلي عليه، فإذا دَخَلْتُ .. نضح في وجهي من الماء، ويقول: "ارجعي"
стр. 5279
فَقَالَ: "بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ؟ ! "، قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي؛ إِنَّهَا لابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ، فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ أَخَوَاتِكُنَّ وَلَا بَنَاتِكُنَّ".
===
قالت: فرأيتُ زينبَ وهي عجوز كبيرةٌ ما نقَصَ من وجهها شيء. انتهى من "الإصابة" و"عمدة القاري".
(فقال) رسول الله ﷺ لأم حبيبة: أأنكح (بنت أم سلمة؟ ! ) وأتزوجها بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري، قال النووي: هذا سؤال استثبات ونفي احتمال إرادة غيرها. انتهى.
(قالت) أم حبيبة: قلت له ﷺ : (نعم) تنكحها (قال رسول الله ﷺ لأم حبيبة: (فإنها) أي: فإن بنت أبي سلمة (لو لم تكن ربيبتي) أي: لو ثبت عدم كونها ربيبتي (في حجري) أي: في تربيتي ورعايتي .. (ما حلت لي) بنت أبي سلمة (إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها) أبا سلمة (ثويبة) مولاة أبي لهب (فلا تعرضن) بكسر الراء وسكون الضاد؛ لاتصاله بنون الإناث (على) يا معاشر أزواجي (أخواتكن ولا بناتكن) للزواج؛ فإنهن لا يحللن لي.
قوله: "لو أنها لم تكن ربيبتي" أراد به ذكر الحرمة الواردة في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (١)، ولا مفهوم لهذه الصفةِ عند الجمهور؛ لأن الحديث إنما خرج مخرج الغالب، وإلا .. فلا يشترط في التحريم أن تكون الربيبة في حجر الرجل، وفائدة القيد: تقوية علة الحرمة والتشنيع على ذلك الفعل؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (٢)، وقوله:
стр. 5280
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (١)، والمعنى: إنها حرام على بسببين، كونها ربيبة، وكونها بنت أخي من الرضاعة، فلو فقد أحد السببين .. حرمت بالآخر، والربيبة: بنت الزوجة؛ مشتق من الرب؛ وهو الإصلاح؛ لأنه يقوم بأمرها، وأخطأ من جعلها من التربية؛ لأن الكلمة مضاعفة لا معتلة، وكان القياس ألا تلحقها تاء التأنيث؛ لأن الفعيل بمعنى المفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، ولكن ألحقت بالأسماء الجامدة، فجاز لحوق التاء، وهذا معنى قولهم: إن التاء للنقل إلى الاسمية، كذا قال الآلوسي في "روح المعاني".
قوله: "فلا تعرضن ... " إلى آخره، بفتح التاء وسكون العين وكسر الراء وسكون الضاد وفتح نون الإناث -وضبطه بعضهم: بضم الضاد وتشديد النون، وهو خطأ؛ كما لا يخفى، وقال القرطبي: جاء بلفظ الجمع وإن كانت القصة لاثنتين؛ وهما أم حبيبة وأم سلمة؛ ردعًا وزجرًا أن تعود واحدة منهما أو غيرهما إلى مثل ذلك، وكانت لكلتيهما أخوات وبنات فصَّلَ أسماءهن في "الفتح" (٩/ ١٢٣).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، في باب (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم)، ومسلم في كتاب الرضاع، باب تحريم الربيبة وأخت المرأة، وأبو داوود في كتاب النكاح، باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، والنسائي في كتاب النكاح، باب تحريم الجمع بين الأم والبنت.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 5281
(٩٥) - ١٩١١ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
ثم ذكر المؤلف المتابعة في هذا الحديث، فقال:
(٩٥) - ١٩١١ - (م) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير (عن زينب بنت أم سلمة، عن أم حبيبة، عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وغرضه بسوقه: بيان متابعة هشام بن عروة لابن شهاب في رواية هذا الحديث عن عروة بن الزبير.
وساق هشام (نحوه) أي: نحو حديث ابن شهاب؛ أي: قريبه في لفظه ومعناه متنًا وسندًا.
تتمه
قوله: "أرضعتني وأباها ثويبة" بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وبياء التصغير؛ لأنها تصغير ثوبة؛ وهي المرة الواحدة؛ من ثاب إذا رجع، يقال: ثاب يثوب ثوبًا وثوبةً؛ من باب تاب، وثويبة هذه جارية لأبي لهب، كانت أرضعت النبي ﷺ وأبا سلمة؛ ولأجل رضاعها للنبي ﷺ سقي أبو لهب نطفةً من ماء في جهنم في كل يوم الاثنين؛ وذلك أنه جاء في "الصحيح" أنه رئي في المنام، فقيل له: ما فُعِلَ بك؟ فقال: سقيت في مثل هذه، وأشار إلى ظفر إبهامه، رواه البخاري (٥١٠١).
وأخرج ابن سعد: أولُ من أرضع رسولَ الله ﷺ ثُويبة بلبن
стр. 5282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ابني لها يقال له: مسروح، أيامًا قبل أن تقدم حليمةُ السعدية، وأرضعَتْ قبله حمزةَ بن عبد المطلب، وبعده أبا سلمة، كذا في "بذل المجهود" (٣ - ٧)، واختلف في إسلامها، كذا في "أسد الغابة".
وذكر ملا علي عن السيوطي قول بعضهم: لم ترضعه ﷺ امرأة .. إلا أسلمت. انتهى من بعض الهوامش، انتهى من "الكوكب".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: أربعة:
الأول للاستدلال، والثاني والثالث للاستشهاد، والرابع للمتابعة.
والله أعلم
стр. 5283
(٣٥) - (٦٠٣) - بَابٌ: لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ
(٩٦) - ١٩١٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيل، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِث،
===
(٣٥) - (٦٠٣) - (باب: لا تحرم المصة ولا المصتان)
(٩٦) - ١٩١٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) سعيد (بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة، حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبتِ الناسِ في قتادة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، ولكنه يدلس، مات سنة سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الخليل) صالح بن أبي مريم الضبعي مولاهم البصري. روى عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، ويروي عنه: (ع)، وقتادة، ومجاهد، وثَّقَه ابن معين والنسائي، وأَغْربَ ابنُ عبد البر، فقال: لا يحتج به، من السادسة.
(عن عبد الله بن الحارث) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبي محمد المدني، لَقَبُهُ بَبَّهْ، قال ابن عبد البر: أجمعوا على توثيقه، له رواية، ولأبيه وجده صحبة، مات سنة تسع وسبعين (٧٩ هـ) ويقال: سنة أربع وثمانين. يروي عنه: (ع).
стр. 5284
أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَلَا الرَّضْعَتَان، أَوِ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ".
===
(أن أم الفضل) لبابة بنت الحارث زوجة العباس رضي الله تعالى عنها، ماتت في خلافة عثمان. يروي عنها: (ع) (حدثته) أي: حدثت لعبد الله بن الحارث.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: لا تُحرِّمُ الرضعةُ) -بضم التاء وكسر الراء المشددة- من التحريم؛ أي: لا تفيد حرمة الرضاع الرضعة الواحدة (ولا الرضعتان، أو) قال النبي ﷺ ، أو الراوي عنه، أو من دونه: (المصة والمصتان) و (أو) في قوله: (أو المصة) للشك من الراوي، أو ممن دونه في لفظ الرضعة أو المصة.
وفي رواية أخرى: "الإملاجة والإملاجتان"، والمصة: المرة الواحدة من المص؛ وهو أخذ اليسير من الشيء؛ كما في "الضياء"، وفي "القاموس": مصصته -بالكسر- أمصه -بالفتح- من باب تعب، ومصصته -بالفتح- أمصه -بالضم- من باب قتل؛ كخصصته أخصه: شربته شربًا رقيقًا.
والفرق بين المصة والرضعة: أن الأولى مرة من المص؛ وهو الرشف فقط، فلو شرب الصبي قطرة .. تنطلق عليه المصة، وأما الرضعة .. فهي التي كانت مشبعة، وربما تشتمل على مصات كثيرة؛ فكل رضعة مصة، ولا عكس، وهذا الفرق مفهوم من "فتح القدير" (٣٠٣).
ولأجل هذه اللفظة يشترط عند الشافعي وأحمد أن تكون الرضعات الخمس في أوقات متفرقة، كل واحدة منها مشبعة، قال الشيرازي في "المهذب": ولا يثبت إلا بخمس رضعات متفرقات؛ لأن الشرع ورد بها مطلقًا، فحمل على
стр. 5285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العرف، والعرف في الرضعات: أن يرتضع، ثم يقطعه، وعلى هذا إلى أن يستوفي العدد؛ كما أن العادة في الأكلات أن تكون متفرقة في أوقات، فأما إذا قطع الرضاع؛ لضيق نفس أو لشيء يلهيه، ثم رجع إليه، أو انتقل من ثدي إلى ثدي .. كان الجميع رضعة؛ كما أن الأكل إذا قطعه؛ لضيق نفس، أو شرب ماء، أو لانتقال من لون إلى لون .. كان الجميع أكلة. راجع "المجموع شرح المهذب" (١٧/ ٥٥)، ومثله في "المغني" لابن قدامة (٧/ ٥٢٧).
وفي رواية: (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان)، والإملاجة: مرة من الإملاج، كالإكرامة مرة من الإكرام، والإملاج: أن تلقم المرأة ثديها في فم الصبي، ويقال: ملج؛ من باب سمع: التقم، والمرة منه ملجة، فالإملاج فعل المرضعة، والملجة والمصة والرضعة فعل الرضيع. انتهى.
والحاصل: أن المص والرضع والملج فعل الصبي، والإرضاع والإملاج فعل المرضع، والإرضاعة والإملاجة المرة منهما، والتاء للوحدة.
وفي "المصباح": مَلَجَ الصبيُّ أُمَّهُ مَلْجًا؛ من باب قتل، ومَلِجَ يَمْلَجُ؛ من باب تعب لغةٌ: رَضَعها، ويتعدى بالهمزة، فيقال: أَمْلَجَتْهُ أُمَّهُ، والمرةُ من الثلاثي: مَلْجَةً، ومن الرباعي: إملاجة؛ مثل الإخراجة والإكرامة انتهى.
والحديث يدل على أن المصة والمصتين لا يثبت بهما حكم الرضاع الموجب للتحريم، ويدل بمفهومه على أن الثلاث من المصات تقتضي التحريم، قال النووي: واختلف في القدر الذي يثبت به حكم الرضاع: فقالت عائشة والشافعي وأصحابه: لا يثبت بأقل من خمس رضعات، وقال جمهور العلماء: يثبت برضعة واحدة، حكاه ابن المنذر عن علي وابن مسعود وابن عُمر وابن عباس، وغيرهم؛ كمالك.
стр. 5286
(٩٧) -١٩١٣ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ،
===
وقال أبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وداوود: يثبت بثلاث رضعات، ولا يثبت بأقل؛ فأما الشافعي وموافقوه .. فاخذوا بحديث عائشة: "خمس رضعات معلومات"، وأخذ مالك بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (١)، ولم يذكر عددًا، وأخذ داوود بمفهوم حديث: "لا تحرم المصة والمصتان"، وقال: هو مبين للقرآن، هذا ملخص ما ذكره النووي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الرضاع، باب المصة والمصتان، والنسائي في كتاب النكاح، باب القدر الذي يحرم من الرضاعة، والدارمي في كتاب النكاح، وأحمد، والبيهقي، والدارقطني في "سننه"، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أم الفضل بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٧) -١٩١٣ - (٢) (حدثنا محمد بن خالد بن خداش) المهلبي أبو بكر البصري نزيل بغداد الضرير، صدوق يغرب، من صغار العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، الأسدي مولاهم أبو بشر البصري، ثقة حافظ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه (ع).
стр. 5287
عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ".
(٩٨) -١٩١٤ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ
===
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله بن عبيد الله (ابن أبي مليكة) -مصغرًا- زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المدني، أدرك ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي المكي رضي الله تعالى عنه، ولي الخلافة تسع سنين إلى أن قتل في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: لا تحرم المصة والمصتان) وقد مر البحث عن هذا الحديث -يعني: عن المصة والمصتين- في الحديث الذي قبله.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أم الفضل بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٨) -١٩١٤ - (٣) (حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن
стр. 5288
عَبْدِ الْوَارِث، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ
===
عبد الوارث) بن سعيد العنبري البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا أبي) عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري البصري، صدوق ثبت في شعبة، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة، من الثالثة، ماتت قبل المئة. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنها) أن عائشة (قالت: كان) فعل ماض ناقص (فيما أنزل الله من
стр. 5289
الْقُرْآنِ ثُمَّ سَقَطَ: (لَا يُحَرِّمُ إِلَّا عَشْرُ رَضَعَاتٍ أَوْ خَمْسٌ مَعْلُومَاتٌ).
===
القرآن) جار ومجرور خبر مقدم لكان (ثم سقط) جملة مقدمة على موضعها، وقوله: (لا يُحرم إلا عشرُ رضعات) اسم كان مؤخر محكي (أو خمس معلومات) معطوف على اسم كان (ثم سقط) معطوف على جملة كان، ففي الكلام تقديم وتأخير.
وفي نسخة: (مما أنزل من القرآن) والتقدير: (قالت) عائشة: (كان) لفظ: (لا يحرم إلا عشر رضعات) كائنًا أولًا (فيما أنزل الله من القرآن، ثم سقط) أي: نسخ تلاوة وحكمًا (أو) قالت عائشة -بالشك من الراوي فيما قالت- أي: أو قالت عائشة: (كان) لفظ: (لا يحرم إلا خمس معلومات) كائنًا (فيما أنزل الله من القرآن، ثم سقط) أي: نسخ هذا اللفظ تلاوة لا حكمًا؛ أي: نسخت تلاوته وبقي حكمه، وقوله: ثم سقط راجع إلى العشر وإلى الخمس على التوزيع، فتدبر فإن في المحل دقة.
ولفظ رواية مسلم: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات) فعشر مبتدأ، سوغ الابتداء بالنكرة تخصيصه بالإضافة إلى ما بعده، وخبره جملة قوله: (يحرمن) أي: يفدن حرمة الرضاع (ثم نسخن) هذه العشرة تلاوةً وحكمًا، وقوله: (بخمس) رضعات (معلومات) متعلق بنسخن؛ أي: نسخن تلك العشر تلاوةً وحكمًا بخمس منسوخة تلاوةً لا حكمًا (فتوفي رسول الله ﷺ وهن) أي: تلك الخمسة الناسخة للعشر (فيما يقرأ من القرآن) لتأخر نزولها جدًّا، وعدم اشتهار نسخها تلاوة، فالعشر منسوخة تلاوةً وحكمًا، والخمس منسوخةٌ تلاوةً محكمةٌ حكمًا.
ومعنى الحديث: أن النسخ بخمس رضعاتٍ تأخر إنزاله جدًّا حتى إنه ﷺ توفي وبعض الناس يقرأ (خمس رضعات) ويجعلها قرانًا
стр. 5290
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ تلاوةً؛ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك .. رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يتلى.
فأقسام النسخ ثلاثة؛ الأول: نسخ الحكم والتلاوة جميعًا، كعشر رضعات، والثاني: نسخ التلاوة دون الحكم؛ كخمس رضعات، وكقوله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا ... ) إلى آخره، والثالث: نسخ الحكم دون التلاوة؛ كآية ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (١)، وقد بسطنا الكلام على أقسام النسخ في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" فراجعه .. تستفد.
قال القرطبي: قوله: (خمس معلومات) وصفها بذلك؛ تحرزًا عما إذا شك في وصوله إلى الحلق، كذا في "أوجز المسالك"، وفسَّرها عليٌّ القاري بقوله: أي: مشبعات في خمسة أوقات متفاصلة عرفًا، وعلى التفسير الأول قال الشافعي: إن شكت المرضعة هل أرضعته أم لا؟ أو هل أرضعته خمس رضعات أو أربع رضعات .. لم يثبت التحريم؛ كما في "المهذب" و" شرحه" (١٧/ ٥٩ - ٦٠).
وقد استدل بهذا الحديث من قال: إنه لا يقتضي التحريم من الرضاع إلا خمس رضعات، وهو مذهب عائشة وابن مسعود وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاووس وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأصحابه، وقال به ابن حزم، وهي رواية عن أحمد، وذهب أحمد في رواية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر وداوود وأتباعه إلى أن الذي يحرم ثلاث رضعات.