← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال القرطبي: ويمكن أن يشمل الدعاء نسل الأنصار إلى يوم القيامة مبالغة في إكرام الأنصار، ويؤيده قوله في الرواية الأخرى: "ولذراري الأنصار"، قال الأبي: وإلى الأول كان يذهب الشيخ، والأظهر الثاني؛ لما في الراوية الأخرى. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه بهذا السند، وبلفظ: "رحم الله"، وله شاهد في "الصحيحين" من حديث زيد بن أرقم، ولكن بلفظ: "اللهم؛ اغفر للأنصار" والباقي مثله، وفي "جامع الترمذي" من حديث أنس، كما هو في "الصحيحين"، وقال: حسن غريب من هذا الوجه. فالحديث: صحيح المتن ضعيف السند؛ لأن له شاهدًا، كما ذكر، والله أعلم، وغرضه: الاستشهاد به. * * * وجملة ما ذكره المؤلف ﵃ في فضل الأنصار: أربعة أحاديث: الأول: صحيح المتن والسند فهو للاستدلال. والثاني: للاستطراد، وقد مر بيانه في محله. والأخيران: ضعيفا السند صحيحا المتن، فهما للاستشهاد. والله أعلم

стр. 527

(١١) - (٢٣) - فَضْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا === (١١) - (٢٣) - (فضل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) قال القرطبي: هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، يكنى أبا العباس، ولد في الشعب، وبنو هاشم محصورون فيه قبل خروجهم منه بيسير؛ وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، واختلف في سنه قبل موت النبي ﷺ : فقيل: عشر سنين، وقيل: خمس عشرة، رواه عنه ابن جبير، وقيل: كان ابن ثلاث عشرة، وعن ابن عباس أنه كان في حجة الوداع قد ناهز الاحتلام، ومات بالطائف سنة ثمان وستين (٦٨ هـ) في أيام ابن الزبير؛ لأنه أخرجه من مكة، وتوفي وهو ابن سبعين سنة ﵁ وأرضاه، وصلى عليه محمد ابن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذه الأمة، وضرب على قبره فسطاطًا. وكان ابن عمر: يقول ابن عباس فتى الكهول، له لسان سؤول، وقلب عقول، وقال مسروق: كنت إذا رأيت ابن عباس .. قلت: أجمل الناس، وإذا تكلم .. قلت: أفصح الناس، وإذا تحدث .. قلت: أعلم الناس، وكان يسمى الحبر لغزارة علمه، والبحر لاتساع حفظه ونفوذ فهمه، وجملة ما روى عن رسول الله ﷺ ألف حديث وست مئة وستون حديثًا، في الصحيح منها مئتان وأربعة وثلاثون حديثًا، وقبلت دعوات رسول الله ﷺ فيه، وظهرت بركاتها عليه، فاشتهرت علومه وفضائله، فارتحل إليه طلاب العلم، وازدحموا عليه، ورجعوا عند اختلافهم إليه، وعولوا على نظره ورأيه، وكان قد عمي في آخر عمره، فأنشد في ذلك: إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور

стр. 528

(٤٢) - ١٦٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ؛ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ === قلبي ذكي وعقلي غير ذي خلل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور وفضائله أكثر من أن تحصى. * * * (٤٢) - ١٦٤ - (١) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري. (وأبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق). (قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا خالد) بن مهران (الحذاء) أبو المنازل البصري. (عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله البربري المكي. (عن) عبد الله (بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، وواحد مكي، وواحد طائفي، وحكمه: الصحة. (قال) ابن عباس: (ضمني رسول الله ﷺ إليه) أي: ضم جسدي وجمعه إلى جسده، أو صدري إلى صدره، (وقال) رسول الله ﷺ : (اللهم؛ علمه) أي: علم هذا الغلام (الحكمة) قيل: المراد بالحكمة معرفة حقائق الأشياء والعمل بما ينبغي، وهو المذكور في كتاب الله تعالى، وقيل: الظاهر أن يراد بها السنة؛ لأنها

стр. 529

وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ". === قرنت بالكتاب، قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (١). قوله: (ضمني) -بتشدد الميم- أي: أخذني (إليه) أي: إلى صدره، كما في رواية للبخاري، قوله: (اللهم؛ علمه الحكمة) قال الحافظ في "الفتح": اختلف الشراح في المراد بالحكمة هنا: فقيل: القرآن، وقيل: العمل به، وقيل: السنة، وقيل: الإصابة في القول، وقيل: الخشية، وقيل: الفهم عن الله، وقيل: العقل، وقيل: ما يشهد العقل بصحته، وقيل: نور يفرق به بين الإلهام والوسواس، وقيل: سرعة الجواب مع الإصابة، وبعض هذه الأقوال ذكرها بعض أهل التفسير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ (٢)، والأقرب أن المراد بها في حديث ابن عباس: الفهم في القرآن. انتهى. (وتأويل الكتاب) أي: تفسير القرآن. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر ابن عباس، وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، والترمذي؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب مناقب ابن عباس، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه النسائي. ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به. * * * ولم يذكر المؤلف في فضل ابن عباس ﵄ إلا هذا الحديث. والله أعلم

стр. 530

(١) - (١٢) - بَابٌ: فِي ذِكْرِ الْخَوَارِجِ (٤٣) - ١٦٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ -وَذَكَرَ === (١) - (١٢) - (باب: في ذكر الخوارج) وفي "التهذيب": الخوارج قوم من أهل الأهواء، لهم مقالة على حدة. انتهى؛ وهم الحرورية، والخارجية طائفة منهم، وهم سبع طوائف، سموا به؛ لخروجهم على الناس، أو عن الدين، أو عن الحق، أو عن علي ﵁ بعد صفين، أقوال. انتهى "تاج العروس". * * * (٤٣) - ١٦٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم (ابن علية) البصري. (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني أبي بكر البصري. (عن محمد بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، إمام وقته. (عن عبيدة) -بفتح العين مكبرًا- ابن عمرو السلماني -بفتح السين وسكون اللام، ويقال: بفتحها- قبيلة من مراد، أبي عمرو الكوفي، تابعي كبير مخضرم فقيه ثبت، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن علي بن أبي طالب) ﵁. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وحكمه: الصحة. (قال) علي ﵁ (و) الحال أنه قد (ذكر) بالبناء للمفعول أو

стр. 531

الْخَوَارِجَ- فَقَالَ: فِيهِمْ رَجُلٌ مُخْدَجُ الْيَدِ، أَوْ مُودَنُ الْيَدِ، أَوْ مَثْدُونُ الْيَدِ، وَلَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا .. لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ يَقْتُلُونَهُمْ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ === الفاعل (الخوارج) نائب فاعل أو مفعول به، (فقال) على تأكيد لقال الأول؛ أي: قال علي، والحال أنه قد ذكر شأن الخوارج عنده: (فيهم) أي: في الخوارج (رجل مخدج اليد) -بضم الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الدال المهملة- اسم مفعول من أخدج الرباعي؛ أي: ناقص اليد وقصيرها، (أو) قال على: (مودن اليد) -بضم أوله وفتح ثالثه- هو كالمخدج لفظًا ومعنًى؛ أي: ناقصها (أو) قال علي: (مثدون اليد) -بفتح الميم وسكون الثاء المثلثة وضم الدال المهملة على زنة مفعول- أي: صغير اليد ومجتمعها، والمثدون: الناقص الخلق. وعبارة "البذل": ولفظ (أو) في الموضعين للشك من الراوي، ومعنى مخدج ومودن ومثدون: ناقص اليد وقصيرها. (ولولا أن تبطروا) مثل: تفرحوا وزنًا ومعنىً، والمعنى: ولولا خشية أن تفرحوا فرحًا يؤدي إلى ترك الأعمال وكثرة الطغيان، وعبارة "البذل": ولولا مخافة أن تقعوا في البطر والإعجاب بأنفسكم .. (لحدثتكم) جواب لولا؛ أي: لأخبرتكم (بما وعد الله الذين يقتلونهم) أي: بالأجر الذي وعده الله لمن قاتلهم وجاهدهم؛ أي: لمن قاتل الخوارج وجاهدهم (على لسان محمد ﷺ وذلك لأنه بشِّر في قتالهم بشارة عظيمة، فلو بينها لهم وعلموا أنهم هم المصاديق لها حيث قتلوا من أشار إليه النبي ﷺ .. لكان لهم مظنة الإعجاب والبطر. انتهى. قال عبيدة: (قلت) لعلي بن أبي طالب: (أنت سمعته) أي: هل أنت

стр. 532

مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. (٤٤) - ١٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، === سمعت يا علي الوعد المذكور (من محمد ﷺ ؟ قال) على: (إي) -بكسر الهمزة وسكون الياء- بمعنى نعم؛ أي: نعم، سمعت هذا الوعد من محمد ﷺ (ورب الكعبة) أي: أقسمت لك برب الكعبة؛ أي: قال علي: نعم ورب الكعبة (ثلاث مرات). وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة، وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب قتال الخوارج. ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به، والله أعلم. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث علي بحديث عبد الله بن مسعود ﵄، فقال: (٤٤) - ١٦٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي. (وعبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (م د ق). (قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش) بن سالم الأسدي مولاهم الكوفي الحناط، قيل: اسمه محمد، وقيل: عبد الله، وقيل: سالم، والصحيح أن اسمه كنيته، ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).

стр. 533

عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ، يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، === (عن عاصم) بن سليمان الأحول أبي عبد الرحمن البصري التميمي، ثقة، من الرابعة، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن زر) بن حبيش بن حباشة الأسدي أبي مريم الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين، وله مئة وسبع وعشرون سنة. يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي أبي عبد الرحمن الكوفي رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، وواحد بصري، وحكمه: الصحة. (قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : يخرج) أي: يظهر (في آخر الزمان) أي: في آخر زمان خلافة النبوة (قوم أحداث الأسنان) أي: صغار الأسنان؛ أي: ضعفاء الأسنان؛ فإن حداثة السن محل للفساد عادة، (سفهاء الأحلام) أي: ضعفاء العقول (يقولون) أي: يتكلمون بألسنتهم (من خير قول الناس) أي: من أحسن ما يتكلم به الناس ومن أعجبه لفظًا؛ أي: يقولون قولًا هو من خير قول الناس؛ أي: ظاهرًا، قيل: أريد بذلك قولهم: لا حكم إلا لله حين التحكيم، ولذلك قال علي ﵁ في حربهم: كلمة حق أريد بها باطل، قيل: ومثله دعاؤهم إلى كتاب الله، وبالجملة: فالمراد أنهم يتكلمون ببعض الأقوال التي هي من خيار قول الناس في الظاهر. (يقرؤون القرآن) بألسنتهم (لا يجاوز تراقيهم) أي: حلوقهم بالصعود إلى

стр. 534

يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَمَنْ لَقِيَهُمْ .. فَلْيَقْتُلْهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ عِنْدَ اللهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ". (٤٥) - ١٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، === محل القبول أو النزول إلى القلوب ليؤثر في قلوبهم، والتراقي جمع ترقوة؛ وهي عظم بين نقرة العاتق والنحر من الجانبين، (يمرقون) كيخرجون وزنًا ومعنىً؛ أي: يخرجون (من الإسلام) أي: من انقياد أحكام الإسلام وطاعة الإمام (كما يمرق) ويخرج (السهم) أي: نصله (من الرمية) أي: من الصيد، والرمية بفتح الراء وتشديد الياء-: الصيد الذي يرميه الرامي ليصيده، فعيلة بمعنى مفعولة؛ كذبيحة بمعنى مذبوحة. (فمن لقيهم) ورآهم .. (فليقتلهم؛ فإن قتلهم أجر) أي: ذو أجر وثواب مدخر (عند الله) المن قتلهم) وجاهدهم؛ إعلاء لكلمة الله وذبًّا عن الدين، وحفظًا له عن الشبهات والخرافات. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب قتل الخوارج، والترمذي؛ أخرجه في كتاب الفتن، باب في صفة المارقة. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث علي بحديث أبي سعيد الخدري ﵄، فقال: (٤٥) - ١٦٧ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي. (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة

стр. 535

أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ فِي الْحَرُورِيَّةِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ قَوْمًا يَتَعَبَّدُونَ، يَحْقِرُ === متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع). (أنبأنا محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي أبو عبد الله المدني. روى عن: أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويروي عنه: (ع)، ويزيد بن هارون. وثقه النسائي، وقال في "التقريب": صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع). (قال) أبو سلمة: (قلت لأبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان الأنصاري (الخدري) ﵁ نسبة إلى خدرة، بطن من الأنصار. وهذا السند من خماسيته؛ رجاله كلهم ثقات، وحكمه: الصحة. (هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر في) شأن (الحرورية شيئًا؟ ) من الكلام، والحرورية -بفتح الحاء وضم الراء الأولى- نسبة إلى حروراء بالمد والقصر؛ وهي قرية بالعراق قريبة من الكوفة؛ أي: هل سمعته يذكر شيئًا في الحرورية؛ أي: الخوارج؛ سموا حرورية؛ لأنهم نزلوا حروراء وتعاقدوا فيها على قتال أهل العدل، وسموا خوارج؛ لخروجهم على الجماعة، وقيل: لخروجهم عن طريق الجماعة، وقيل: لقوله ﷺ : "يخرج من ضئضئ هذا". انتهى "نووي". (فقال) أبو سعيد في جواب استفهام أبي سلمة: (سمعته) ﷺ (يذكر قومًا يتعبدون) أي: يتكلفون ويتعمقون في العبادة، (يحقر) من

стр. 536

أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصَوْمَهُ مَعَ صَوْمِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَخَذَ سَهْمَهُ فَنَظَرَ فِي نَصْلِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ فِي رِصَافِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، فَنَظَرَ فِي قِدْحِهِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، === باب ضرب إن كان متعديًا، ومن باب كرم إن كان لازمًا؛ أي: يعد (أحدكم صلاته) حقيرة قليلة (مع صلاتهم) أي: بالنظر إلى صلاتهم، (و) يعد (صومه) حقيرًا قليلًا (مع صومهم) أي: بالنسبة إلى صومهم لكثرة صلاتهم وصيامهم. (يمرقون) أي: يخرجون سريعًا (من الدين) أي: من دين الإسلام من غير حظ ينالهم منه، وفيه حجة لمن يكفر الخوارج، وإن كان المراد بالدين طاعة الإمام .. فلا حجة فيه، وإليه ذهب الخطابي، وصرح ابن العربي في "شرح الترمذي" بكفرهم محتجًا بقوله ﷺ : "يمرقون من الإسلام" أي: يمرقون من الدين سريعًا (كما يمرق السهم من الرمية) أي: مروقًا سريعًا كمروق السهم من الصيد المرمي، والرمية -بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية المفتوحة-: فعيلة بمعنى مفعولة؛ وهي الصيد المرمي، والمروق: سرعة نفوذ السهم من الرمية حتى يخرج من الطرف الآخر، ومنه مرق البرق لخروجه بسرعة، فشبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد، فيدخل فيه ويخرج منه، ولشدة سرعة خروجه لقوة ساعد الرامي لا يعلق بالسهم من جسد الصيد شيء. (أخذ) الرامي (سهمه) الخارج من الصيد، (فنظر) الرامي (في نصله) أي: في نصل سهمه وحديدته هل أصابه شيء من الدم أم لا؟ (فلم ير) الرامي (شيئًا) من دم الصيد ملصوقًا به لسرعة خروجه، والماضي هنا بمعنى المضارع؛ أي: فيأخذ الرامي سهمه الخارج من الصيد، فينظر في نصله فلم ير فيه شيئًا من الدم، والنصل: الحديدة الصغيرة المركزة في طرف السهم، (فنظر في رصافه) أي: فينظر في رصافه (فلم ير) فيه (شيئًا) من دم الصيد؛

стр. 537

فَنَظَرَ فِي الْقُذَذِ فَتَمَارَى هَلْ يَرَى شَيْئًا أَمْ لَا. === أي: فلا يرى فيه شيئًا من دم الصيد، والرصاف -بكسر الراء، قيل: بالضم والصاد المهملة وبالفاء- جمع رصفة -بفتحتين- وهو عصب يلوى ويلف على مدخل النصل في السهم، قال النواوي: والرصاف: مدخل النصل من السهم، والنصل: هو حديدة السهم. (فنظر في قدحه) أي: فينظر في قدح السهم (فلم ير) أي: فلا يرى (شيئًا) من الدم فيه، والقدح -بكسر القاف وسكون الدال المهملة-: خشب السهم، (فنظر) الرامي؛ أي: فينظر الرامي (في القذذ) -بضم القاف وفتح المعجمة الأولى- هي ريش السهم، واحدها قذة -بالضم- أي: فينظر الرامي في قذذه وريشه، (فتمارى) أي: فيتمارى ويشك (هل يرى) أي: هل رأى (شيئًا) من الدم (أم لا) أي: أم لا يراه؛ أي: أم لم يره؛ أي: فلا يوجد فيه شيء من الدم، ولسرعة نفوذه ومروقه مع أنه سبق الفرث والدم، فلا يظهر أثرهما فيه، بل خرجا بعده، وكذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشيء من الإسلام. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، وأخرجه أيضا في كتاب الأدب في مواضع كثيرة، ومسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة. ودرجة هذا الحديث أنه صحيح؛ لأن رجاله كلهم ثقات وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث علي بحديث أبي ذر ﵄، فقال:

стр. 538

(٤٦) - ١٦٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي أَوْ سَيَكُونُ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حُلُوقَهُمْ، === (٤٦) - ١٦٨ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي. (حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي. (عن سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن حميد بن هلال) العدوي البصري، ثقة عالم، من الثالثة. يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة. يروي عنه: (م عم). (عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان كوفيان، وواحد مدني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : إن بعدي) أي: إن بعد وفاتي (من أمتي، أو) قال النبي ﷺ ، أو أبو ذر، والشك من أبي ذر أو ممن دونه: (سيكون بعدي من أمتي قومًا) بالنصب: على أنه اسم إن، وبالرفع: على أنه فاعل يكون، وجملة (يقرؤون القرآن) أي: يجودون قراءته صفة لقوم، (لا يجاوز) القرآن (حلوقهم) جمع حلق؛ وهو مجرى الطعام والنفس؛ يعنى: لا يكون لهم إلا القراءة المجردة ولا تصل معانيه إلى

стр. 539

يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ ثُمَّ لَا يَعُودُونَ فِيهِ، هُمْ شِرَارُ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّامِتِ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَافِعِ بْنِ عَمْرٍ وأَخِي الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ فَقَالَ: وَأَنَا أَيْضًا قَدْ سمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . === قلوبهم، (يمرقون) أي: يخرجون (من الدين، كما يمرق السهم من الرمية) أي: من الصيد المرمي بلا أثر دم ولا فرث، (ثم لا يعودون فيه) أي: في الدين. (هم) أي: أولئك القوم (شرار الخلق والخليقة) أي: أخساء الخلق وأراذلهم، والخلق: الناس، والخليقة: البهائم، وقيل: هما بمعنىً واحد، ويريد بهما جميع الخلق، (قال عبد الله بن الصامت: فذكرت ذلك) الحديث الذي سمعته من أبي ذر (لرافع بن عمرو) الغفاري البصري، وقوله: (أخي الحكم بن عمرو الغفاري) بدل من رافع بن عمرو، أو عطف بيان له، (فقال) عمرو بن نافع: (وأنا أيضًا قد سمعته) أي: قد سمعت هذا الحديث (من رسول الله ﷺ ، وهما أخوان صحابيان، غلب عليهما هذا النسب إلى بني غفار وليسا منهم، كما في "أسد الغابة". وفي "التهذيب": أما رافع بن عمرو الغفاري يكنى أبا جبير .. فهو صحابي عداده في أهل البصرة. روى عن: النبي ﷺ ، ويروي عنه: ابنه عمران، وعبد الله بن الصامت، وأبو جبير مولى أخيه الحكم بن عمرو، له عندهم حديثان؛ أحدهما في الخوارج مقرونًا بأبي ذر عند مسلم وغيره، والآخر عند أبي داوود وغيره في الزجر عن رمي النخل، وفيه: (اللهم؛ أشبع بطنه). انتهى. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة، في باب الخوارج شر الخلق والخليقة.

стр. 540

(٤٧) - ١٦٩ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَقْرَأَنَّ الْقُرْآنَ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَمْرُقُونَ === ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاسشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث علي بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٤٧) - ١٦٩ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي، ثم الحدثاني، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق). (قالا: حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن، من السابعة، مات سنة سبع وسبعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن سماك) بن حرب بن أوس الذهلي أبي المغيرة الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله المكي. (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مكيان، وحكمه: الضعف؛ لأن رواية سماك عن عكرمة مضطربة، وعن غيره صحيحة. (قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : والله (ليقرأن القرآن) بأحسن القراءة (ناس من أمتي) مجودين لها، ومع ذلك (يمرقون)

стр. 541

مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ". (٤٨) - ١٧٠ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ === أي: يخرجون (من الإسلام) حتى لا يبقى عليهم أثره مروقًا بسرعة (كما يمرق السهم) بسرعة (من الرمية) أي: من الصيد المرمي بلا أثر دم وفرث عليه. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بهذا السند، ولكن له شاهد في "الصحيحين"، و"أبي داوود" من رواية غير ابن عباس. قلت: فالحديث صحيح لغيره، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث علي بحديث جابر ﵄، فقال: (٤٨) - ١٧٠ - (٦) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان بن أبي سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق). قال: (أنبأنا سفيان بن عيينة) الكوفي، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي المكي. (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄. وهذا السند من رباعياته؛ رجاله واحد منهم مدني، وواحد مكي، وواحد كوفي، وواحد جرجرائي، وحكمه: الصحة.

стр. 542

قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْجِعِرَّانَةِ وَهُوَ يَقْسِمُ التِّبْرَ وَالْغَنَائِمَ وَهُوَ فِي حِجْرِ بِلَالٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَعْدِلْ، فَقَالَ: "وَيْلَكَ؛ وَمَنْ يَعْدِلُ بَعْدِي إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ ! "، === (قال) جابر: (كان رسول الله ﷺ بالجعرانة) -بالجيم المكسورة وسكون العين المهملة وتخفيف الراء المفتوحة- موضع بقرب مكة على طريق الطائف؛ أي: كان نازلًا بالجعرانة بعد رجوعهم من غزوة حنين، (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يقسم) ويوزع (التبر) -بكسر المثناة الفوقية وسكون الموحدة- وهو القطع من الذهب والفضة قبل أن يصاغ ويصفى من التراب، (والغنائم) من المواشي وغيرها، وهو من ذكر العام بعد الخاص، وهو جمع غنيمة؛ وهو المال الراجع من الكفار الحربيين إلى المسلمين عنوة. (وهو) أي: والحال أن ذلك التبر مجموع (في حجر بلال) مؤذن رسول الله ﷺ ، والحجر -بتقديم الحاء المهملة المفتوحة أو المكسورة على الجيم الساكنة قيل هذا الصواب - وهو مقدم الثوب، (فقال رجل) من الحاضرين، قيل: اسمه حرقوص بن زهير ذو الخويصرة: (اعدل) أي: افعل العدل والحق (يا محمد) في قسمك هذا المال؛ (فإنك) يا محمد (لم تعدل) أي: لم تفعل العدل، (فقال) له رسول الله ﷺ (ويلك) أي: ألزمك الله الويل والهلاك، (ومن يعدل بعدي) أي: من يفعل بعدي العدل (إذا لم أعدل) أنا؟ ! والاستفهام إنكاري؛ أي: لا يوجد من يفعل العدل إن لم أفعل أنا العدل؛ لأن الناس مقتدون بي، فإذا أنا جُرت .. فالناس تبع لي في الجور، فلا يوجد من يفعل العدل بعدي، والمعنى: فإنهم أمروا باتباعه ﷺ ، فإذا لم يعدل هو .. يتبعونه فيه؛ فمن يعدل؟ !

стр. 543

فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ حَتَّى أَضْرِبَ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ هَذَا فِي أَصْحَابٍ أَوْ أُصَيْحَابٍ لَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرِّمِيِّةِ". === (فقال عمر) بن الخطاب: (دعني) أي: اتركني (يا رسول الله حتى أضرب) أي: لكي أضرب (عنق هذا المنافق) المسيء بك الأدب، (فقال رسول الله ﷺ : إن هذا) الرجل (في أصحاب) وجماعة له، (أو) قال النبي ﷺ ، أو جابر في (أصيحاب) كائنين (له) أي: لهذا الرجل بالتصغير، والشك من جابر، أو ممن دونه (يقرؤون القرآن) قراءة عجيبة، حالة كون القرآن (لا يجاوز تراقيهم) أي: لا يتعدى من ألسنتهم إلى قلوبهم فيؤثر فيها، والتراقي جمع ترقوة -بفتح المثناة الفوقية وسكون الراء وضم القاف بوزن فعلوة- قال في "القاموس": ولا تضم تاؤه؛ العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق؛ يعني: أن قراءتهم لا يرفعها الله تعالى ولا يقبلها؛ لعلمه باعتقادهم، أو أنهم لا يعلمون بها، فلا يثابون عليها، أو ليس لهم فيه حظ إلا مروره على ألسنتهم، فلا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم؛ لأن المطلوب منه تعقله وتدبره ليقع في القلب. انتهى "قسطلاني". والمعنى: أن الرجل ليس بمنفرد حتى يندفع شره بقتله، بل مع أصحاب وأمثال له (يمرقون من الدين) أي: من دين الإسلام (كما يمرق السهم من الرمية) أي: من الصيد المرمي. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ولكن له شواهد من الأحاديث السابقة واللاحقة.

стр. 544

(٤٩) - ١٧١ - (٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْأَزْرَقُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى === فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث علي بحديث ابن أبي أوفى ﵃، فقال: (٤٩) - ١٧١ - (٧) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي. قال: (حدثنا إسحاق) بن يوسف بن يعقوب بن مرداس المخزومي أبو محمد (الأزرق) الواسطي أحد الأئمة الأعلام. روى عن: الأعمش، والثوري، وابن عون، وخلق. قال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي. (عن) عبد الله (بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي أبي إبراهيم الكوفي الصحابي ابن الصحابي ﵄، شهد بيعة الرضوان، له خمسة وتسعون حديثًا؛ اتفقا على عشرة، وانفرد (خ) بخمسة، و (م) بواحد. وهذا السند من رباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد واسطي، وفي "الزوائد": أن رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعًا؛ فإن الأعمش لم يسمع من ابن أبي أوفى، قاله غير واحد، فعلى هذا حكم هذا السند: الضعف؛ لأن فيه انقطاعًا، وقال الذهبي: قيل: حديث الأعمش عن ابن أبي أوفى مرسل، وقد سمع الأعمش ممن مات قبله من الصحابة، فما المانع من أن يكون سمع منه، وقد عمِّر ابن أبي أوفى بعد النبي ﷺ ؟ مات سنة سبع

стр. 545

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ". (٥٠) - ١٧٢ - (٨) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، === وثمانين (٨٧ هـ)، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة، فعلى ما قاله الذهبي: فحكم السند الصحة؛ لكونه متصلًا. قلت: حكم هذا السند الحسن؛ لكونه مختلفًا في انقطاعه ووصله، والله أعلم. (قال) ابن أبي أوفى: (قال رسول الله ﷺ : "الخوارج كلاب النار") أي: كلاب أهل النار، وهذا صريح في أن الخوارج كفرة، ويؤيده قوله في الآخر: "يمرقون من الدين"، والجمهور على عدم تكفيرهم، ويؤول الخروج من الدين بالخروج من كماله. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سابعًا لحديث علي بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٥٠) - ١٧٢ - (٨) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي. قال: (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي القاضي. وثقه ابن معين ودحيم ورماه بالقدر، وقال في "التقريب": ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع). قال: (حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الشامي الإمام العلم

стр. 546

عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَنْشَأُ نَشْءٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ .. قُطِعَ"، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلَّمَا خَرَجَ قَرْنٌ قُطِعَ أَكْثَرَ === الفقيه، قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا فاضلًا كثير الحديث والعلم والفقه، وقال في "التقريب": ثقة جليل، من السابعة، مات في الحمام سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن نافع) مولى ابن عمر العدوي أبي عبد الله المدني. (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب المكي رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم شاميون، وواحد مكي، وواحد مدني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وقد احتج بهم البخاري. (أن رسول الله ﷺ قال: ينشأ نشء) أي: يخلق خلق ويوجد قرن وشباب، والنشء -بفتح النون وسكون الشين المعجمة - جمع ناشئ -بهمزة في آخره- كصحب وصاحب، ويجمع على نشوة -بالتحريك- كطلبة وطالب، والناشئ: الغلام والجارية جاوزا حد الصغر؛ أي: يوجد أقوام (يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) أي: حلوقهم فضلًا عن قلوبهم، (كلما خرج) وظهر (قرن) أي: طائفة منهم .. (قطع) واستؤصل من الأرض بقتلهم؛ أي: استحقوا أن يقطعوا ويقتلوا لخروجهم عن الدين واعتدائهم على المسلمين وكثيرًا ما قطعوا كالحرورية، قطعهم علي بن أبي طالب ﵁. (قال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: كلما خرج) وظهر (قرن) وطائفة منهم .. (قطع) واستؤصل بالقتل، وقوله: (أكثر) صفة

стр. 547

مِنْ عِشْرِينَ مَرَّةً حَتَّى يَخْرُجَ فِي عِرَاضِهِمُ الدَّجَّالُ". (٥١) - ١٧٣ - (٩) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، === لمصدر محذوف منصوب بالقول؛ أي: سمعته ﷺ يقول قولًا أكثر (من عشرين مرة)، وقوله: (حتى يخرج) غاية لقطع؛ أي: كلما ظهر قرن منهم .. استؤصل حتى يخرج (في عراضهم) أي: في جمعهم وجيشهم (الدجال) أي: الكذاب الذي يدعي الألوهية، وفي "السندي": قوله: "في عراضهم" أي: في خداعهم؛ أي: أن آخرهم يقابلهم ويناظرهم الدجال، وفي بعض النسخ: (في أعراضهم) وهو جمع عرض -بفتح فسكون- بمعنى الجيش العظيم؛ وهو مستعار من العرض بمعنى ناحية الجبل، أو بمعنى السحاب الذي يسد الأفق، وهذه النسخة أظهر في المعنى. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثامنًا لحديث علي بحديث أنس بن مالك ﵄، فقال: (٥١) - ١٧٣ - (٩) (حدثنا بكر بن خلف) البصري (أبو بشر) ختن أبي عبد الرحمن المقرئ. روى عن: عبد الرزاق، وابن عيينة، وأبي عاصم، وجماعة، ويروي عنه (د ق)، وعبد الله بن أحمد. قال أبو حاتم: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. (حدثنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري أبو بكر الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 548

عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَوْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ أَوْ حُلُوقَهُمْ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ أَوْ === (عن معمر) بن راشد الأزدي أبو عروة البصري، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه، ثقة، من الرابعة مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ)، وقيل: سنة ثماني عشرة. يروي عنه: (ع). (عن أنس بن مالك) بن النضر خادم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله كلهم بصريون، إلا عبد الرزاق؛ فإنه صنعاني، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات. (قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : يخرج) أي: يظهر (قوم) من الخوارج (في آخر الزمان) أي: في آخر زمان النبوة (أو) قال النبي أو أنس: (في هذه الأمة) المحمدية، والشك من أنس، أو ممن دونه (يقرؤون القرآن لا يجاوز) القرآن (تراقيهم) أي: منها إلى قلوبهم، (أو) قال النبي أو أنس: لا يجاوز (حلوقهم) جمع حلق؛ مجرى الطعام والنفس، (سيماهم) أي: علامتهم التي يعرفون بها (التحليق) أي: المبالغة في حلق الرأس واستئصال شعره. قال النووي: السيما العلامة، والأفصح فيها القصر، وبه جاء القرآن، والمد لغة فيه، والمراد بالتحليق: حلق الرأس، ولا دلالة فيه على كراهة حلق الرأس؛ فإن كون الشيء علامة لهم لا ينافي الإباحة، (إذا رأيتموهم أو) قال النبي

стр. 549

إِذَا لَقِيتُمُوهُمْ .. فَاقْتُلُوهُمْ". (٥٢) - ١٧٤ - (١٠) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي غَالِبٍ، === ﷺ أو أنس: (إذا لقيتموهم .. فاقتلوهم) قتل استئصال. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب قتل الخوارج. ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى تاسعًا لحديث علي بحديث أبي أمامة ﵄، فقال: (٥٢) - ١٧٤ - (١٠) (حدثنا سهل بن أبي سهل) اسمه زنجلة الرازي أبو عمرو الحناط الأشتر الحافظ، والحناط: من يبيع الحنطة، والأشتر: من كانت شفته السفلى منشقة، مؤنثه شتراء، والجمع شتر على وزان حمر. روى عن: حفص بن غياث، وابن عيينة، وأبي أسامة، ويروي عنه: (ق)، وأبو حاتم، وموسى بن هارون، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي غالب) صاحب أبي أمامة، اسمه حزور -بفتحتين ثم زاي ثم واو مشددة مفتوحة ثم آخره راء- وقيل: اسمه سعيد بن الحزور، وقيل: غير ذلك،

стр. 550

عَنْ أَبِي أُمَامَةَ يَقُولُ: شَرُّ قَتْلَى قُتِلُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، وَخَيْرُ قَتِيلٍ مَنْ قَتَلُوا، كِلَابُ أَهْلِ النَّارِ، === البصري الباهلي مولاهم. روى عن: أبي أمامة الباهلي، وأنس بن مالك، وأم الدرداء. وروى عنه: (د ت ق)، وسفيان بن عيينة، والأعمش، وغيرهم. قال ابن معين: صالح الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي، وقال الدارقطني: ثقة، وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثًا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به، وحسن الترمذي بعض أحاديثه، وصحح بعضها، ووثقه موسى بن هارون، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الخامسة. (عن أبي أمامة) الباهلي المدني صدي بن عجلان بن وهب الصحابي الجليل ﵁. روى عن: النبي ﷺ ، وعمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وأبو غالب، وغيرهم. له مائتا حديث وخمسون حديثًا، مات بحمص سنة إحدى وثمانين (٨١ هـ)، وقيل: سنة ست وثمانين. وهذا السند من رباعياته؛ رجاله واحد مدني، وواحد بصري، وواحد كوفي، وواحد رازي، وحكمه: الحسن؛ لأن في رجاله راويًا مختلفًا فيه؛ وهو أبو غالب. أي: قال أبو غالب: سمعت أبا أمامة حالة كونه (يقول) حين رأى رؤوس الخوارج: هم (شر قتلى) جمع قتيل؛ كمرضى جمع مريض، وجملة (قتلوا) بالبناء للمفعول صفة لقتلى (تحت أديم السماء) أي: عنان السماء، وأديم السماء: ما يظهر من جلده وسقفه، (وخير قتيل) قتل تحت أديم السماء (من قتلو) بالبناء للفاعل، وضمير الفاعل عائد للخوارج، والعائد على الموصول محذوف؛ أي: خير قتيل من قتله الخوارج؛ فإنه شهيد، هم؛ أي: الخوارج (كلاب أهل النار) فهو خبر لمبتدأ محذوف أو خبر ثان للمبتدأ المقدر أولًا،

стр. 551

قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ مُسْلِمِينَ فَصَارُوا كُفَّارًا، قُلْتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ؛ هَذَا شَيْءٌ تَقُولُهُ قَالَ: بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . === (قد كان هؤلاء) القتلى (مسلمين، فصاروا كفارًا) بخروجهم عن المسلمين واستباحتهم دماءهم، وهذا صريح في أن الخوارج كفرة، كما مر. قال أبو غالب: (قلت) لأبي أمامة: (يا أبا أمامة؛ هذا) الكلام (شيء تقوله) من عند نفسك ورأيك، أم شيء سمعته من رسول الله ﷺ ؟ (قال) أبو أمامة: ليس من عند نفسي، (بل) هو حديث (سمعته من رسول الله ﷺ . وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران. ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، كما مر، وغرضه: الاستشهاد به. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: عشرة أحاديث: الأول للاستدلال، والباقي للاستشهاد. وكلها صحيحة متنًا وسندًا إلا الخامس منها؛ فإنه ضعيف السند، صحيح المتن. والله أعلم

стр. 552

(٢) - (١٣) - بَابٌ: فِيمَا أَنْكَرَتِ الْجَهْمِيَّةُ (٥٣) -١٧٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي وَوَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِي يَعْلَى === (٢) - (١٣) - (باب: فيما أنكرت الجهمية) وفي "التاج": والجهمية طائفة من الخوارج نسبوا إلى جهم بن صفوان، أخذ الكلام عن الجعد بن درهم، قتله سلم بن أحوز في آخر دولة بني أمية. انتهى، وعبارة السندي: والجهمية هم طائفة من المبتدعة يخالفون أهل السنة في كثير من الأصول؛ كمسألة الرؤية، وإثبات الصفات، ينسبون إلى جهم -بفتح فسكون- هو جهم بن صفوان من أهل الكوفة، وأول ما ظهرت الجهمية في الكوفة، وأول ما ظهرت الخوارج في البصرة، وسيأتي الكلام على الجهمية في آخر هذا الباب، إن شاء الله تعالى. * * * (٥٣) - ١٧٥ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي. قال: (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني الكوفي. (ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي. (ح) أي: حول المؤلف السند، (و) قال: (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي. (حدثنا خالي يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الإيادي، ويقال: الحنفي مولاهم أبو يوسف الطنافسي مولى إياد، ثقة، من التاسعة، مات سنة بضع ومئتين. يروي عنه: (ع).

стр. 553

وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ === (ووكيع وأبو معاوية) محمد بن خازم التميمي الكوفي. (قالوا) أي: قال كل من عبد الله بن نمير ووكيع ويعلى وأبي معاوية: (حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) البجلي الأحمسي مولاهم أبو عبد الله الكوفي، واسم أبي خالد: سعد، وقيل: هرمز، وقيل: كثير، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن قيس بن أبي حازم) البجلي أبي عبد الله الكوفي، واسم أبي حازم: عوف بن عبد الحارث بن عوف، ثقة، من الثانية، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: بعد التسعين. يروي عنه: (ع). (عن جرير بن عبد الله) بن جابر البجلي أبي عمرو اليماني القُرِّي ﵁، له مئة حديث. وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون إلا جرير بن عبد الله؛ فإنه يماني قري، وحكمه: الصحة. (قال) جرير: (كنا جلوسًا عند رسول الله ﷺ ، فنظر) رسول الله ﷺ (إلى القمر ليلة البدر) أي: ليلة أربع عشرة؛ لأنها ليلة كماله نورًا وذاتًا، (فقال) رسول الله ﷺ : (إنكم) أيها المؤمنون (سترون ربكم) في الآخرة (كما ترون هذا القمر) الكاف صفة لمصدر محذوف؛ أي: ترونه رؤية واضحة مثل رؤيتكم هذا القمر من غير حجاب ولا مزاحمة ولا إشكال، فالتشبيه في وضوح الرؤية، لا في

стр. 554

لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَلَّا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا === المرئي ولا في نفس الرؤية؛ لأن هذه رؤية في جهة وتلك رؤية لا في جهة. وفي "جامع الأصول": قد يخيل إلى بعض السامعين أن الكاف في (كما ترون) لتشبيه المرئي بالمرئي، وإنما هي لتشبيه الرؤية؛ وهو فعل الرائي، ومعناه: ترون ربكم رؤية يزول معها الشك كرؤيتكم القمر ليلة البدر، ولا ترتابون فيه ولا تمترون. انتهى. وهذا وجه وجيه، لكن آخر الحديث أنسب بما ذكر، وأما تشبيه المرئي بالمرئي .. فباطل؛ فإنه من الجهل بالعربية؛ لأن كما ترون صفة لمصدر محذوف، فهو نص في تشبيه الرؤية بالرؤية لا بالمرئي. انتهى "سندي". حالة كونكم (لا تضامون) -بفتح التاء وتشديد الميم- أصله تتضامون من باب تفاعل، فحذفت إحدى التاءين؛ أي: لا تزدحمون ولا تتعبون، أو بضم التاء وتخفيف الميم على صيغة المبني للمجهول؛ لأنه من ضام الثلاثي من الضيم بمعنى الظلم والمشقة؛ أي: لا يلحقكم ضيم ولا مشقة؛ أي: حالة كونكم لا تضامون ولا تتعبون (في رؤيته) . وقوله: (فإن استطعتم) مرتب على محذوف؛ تقديره: إن أردتم أن تستحقوا رؤيته تعالى في الآخرة .. فأوصيكم بوصية، وتلك الوصية ما تضمنه قولي: إن استطعتم؛ أي: إن قدرتم على (ألا تغلبوا) بالبناء للمفعول؛ أي: على ألا يغلبنكم الشيطان؛ أي: على دفع غلبة الشيطان إياكم بوسوسته حتى يحثكم (على) ترك فعل (صلاة قبل طلوع الشمس) وهي صلاة الصبح، (و) على ترك فعل صلاة (قبل غروبها) وهي صلاة العصر؛ أي: حتى يحثكم على تركهما أصلًا، أو على تأخيرهما عن وقتهما؛ أي: إن قدرتم على دفع

стр. 555

فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾. (٥٤) -١٧٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْد اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عِيسَى الرَّمْلِيُّ، === المغلوبية للشيطان .. (فافعلوا) هاتين الصلاتين، (ثم قرأ) رسول الله ﷺ مصداق قوله تعالى: (﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾) (١). وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر، وباب فضل صلاة الفجر، وفي كتاب التفسير، وفي كتاب التوحيد، ومسلم؛ أخرجه في كتاب المساجد، ومواضع الصلاة، وأبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في الرؤية، والترمذي؛ أخرجه في كتاب صفة الجنة. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٥٤) -١٧٦ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي. قال: (حدثنا يحيى بن عيسى) بن عبد الرحمن التميمي أبو زكرياء الكوفي (الرملي) أي: نزيل رملة -بفتح الراء وسكون الميم- بلد بفلسطين. وثقه العجلي، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، ورمي بالتشيع،

стр. 556

عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "فَكَذَلِكَ لَا تَضَامُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". === من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ)، وفي "التهذيب": ضعفه ابن معين، وقال النسائي: لا بأس به وفيه ضعف، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. يروي عنه: (م د ت ق). (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي. (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني مولى جويرية بنت قيس. (عن أبي هريرة) ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عيسى بن يحيى الرملي، وهو مختلف فيه. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : هل (تضامون) بتقدير حرف الاستفهام، والوجهان السابقان جاريان فيه؛ أي: هل تتعبون (في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا) أي: قال الحاضرون: (لا) ضيم ولا مشقة علينا في رؤيته في تلك الليلة، (قال) رسول الله ﷺ : (فكذلك) أي: فكما لا ضيم ولا مشقة عليكم في رؤية القمر ليلة البدر (لا تضامون) أي: لا تتعبون (في رؤية ربكم يوم القيامة). وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن، كما أن إسناده حسن، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث جرير بحديث أبي سعيد الخدري ﵄، فقال:

стр. 557

(٥٥) - ١٧٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ الْهَمْدَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَنَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: "تَضَارُّونَ === (٥٥) -١٧٧ - (٣) (حدثنا محمد بن العلاء) بن كريب أبو كريب (الهمداني) الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع). قال: (حدثنا عبد الله بن إدريس) الأودي أبو محمد الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم أبي محمد الكوفي، ثقة حافظ قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبي صالح) ذكوان (السمان) المدني، لقب به؛ لأنه كان يجلب الزيت والسمن إلى الكوفة، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك بن سنان الأنصاري المدني الصحابي المشهور ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو سعيد: (قلنا) معاشر الصحابة لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ أنرى) بهمزة الاستفهام الاستخباري، والرؤية هنا بصرية؛ أي: هل نرى ونبصر (ربنا) يوم القيامة؟ (قال) رسول الله ﷺ : نعم، ترونه بلا تعب ولا مشقة، فهل (تضارون) -بفتح التاء وتشديد الراء بحذف إحدى التاءين- أصله تتضارون، ويحتمل أن يكون بتخفيف الراء على

стр. 558

فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ فِي غَيْرِ سَحَابٍ؟ "، قُلْنَا: لَا، قَالَ: "فَتَضارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فِي غَيْرِ سَحَابٍ؟ "، قَالُوا: لَا، قَالَ: "إِنَّكُمْ لَا تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ إِلَّا كَمَا تَضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا". (٥٦) - ١٧٨ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، === صيغة المجهول من الضير لغة في الضرر؛ أي: هل يلحقكم ضرر (في رؤية الشمس في) وقت (الظهيرة) وسط النهار، حالة كونها (في) سماء صافية من (غير سحاب) ولا غيم ونحوه، وفي بعض النسخ: (من غير سحاب) أي: حالة كونها من غير حائل سحاب؟ (قلنا) له ﷺ : (لا) يلحقنا ضرر في رؤية الشمس من غير سحاب، (قال) رسول الله ﷺ : أ (فتضارون في رؤية القمر ليلة البدر) حالة كونه (في) سماء صحو من (غير سحاب) ولا غيم (قالوا: لا) يلحقنا ضرر في ذلك، (قال) رسول الله ﷺ : (إنكم) أيها المؤمنون (لا تضارون) أي: لا يلحقكم ضرر (في رؤيته) تعالى (إلا كما تضارون في رؤيتهما) أي: إلا ضررًا كضرركم في رؤية الشمس والقمر حالة كونهما من غير سحاب، وذلك معلوم أنه لا ضرر فيه، فكذلك رؤيته تعالى لا ضرر ولا تعب فيها. وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث جرير بحديث أبي رزين ﵄، فقال: (٥٦) - ١٧٨ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.

стр. 559

حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ === قال: (حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة ثبت متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع). قال: (أخبرنا حماد بن سلمة) بن دينار التميمي مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة عابد، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن يعلى بن عطاء) العامري الليثي الطائفي. روى عن: أبي رزين، وأوس بن أبي أوس، وعمرو بن الشريد، وأبي علقمة الهاشمي، وغيرهم. ويروى عنه: (م عم)، وشعبة، وحماد بن سلمة، وهشيم، والثوري. وثقه النسائي وابن معين، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، أو بعدها. (عن وكيع بن حدس) -بمهملات وبضم أوله وثانيه وقد يفتح ثانيه- ويقال فيه: عدس -بالعين بدل الحاء- أبي مصعب العقيلي -بفتح العين- الطائفي. قال ابن قتيبة: غير معروف، وقال ابن القطان: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (عم). (عن عمه أبي رزين) العقيلي الصحابي المشهور ﵁ اسمه لقيط بن صبرة -بفتح المهملة وكسر الموحدة- وقيل: لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق -بضم الميم وإسكان النون وفتح المثناة فوق وكسر الفاء آخره قاف- ابن عامر بن عقيل العقيلي المدني. روى عن: النبي

стр. 560

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَكُلُّنَا نَرَى اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: "يَا أَبَا رَزِينٍ؛ أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ مُخْلِيًا بِهِ"، قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَاللهُ أَعْظَمُ؛ وَذَلِكَ آيَةٌ فِي خَلْقِهِ". === ﷺ ، ويروي عنه: ابنه عاصم بن لقيط، وابن أخيه وكيع بن حدس، وعبد الله بن حاجب. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله اثنان منهم طائفيان، وواحد مدني، وواحد بصري، وواحد واسطي، وواحد كوفي، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه روايًا مختلفًا فيه؛ وهو وكيع بن حدس. (قال) أبو رزين: (قلت: يا رسول الله؛ أكلنا نرى الله) (يوم القيامة؟ وما آية ذلك) أي: وما علامة رؤيتنا إياه ، وما مثالها ونظيرها (في) وضوحها وعدم خفائها من رؤية (خلقه) سبحانه؟ (قال) رسول الله ﷺ : (يا أبا رزين؛ أليس كلكم) معاشر الإنسان (يرى القمر) ليلة البدر رؤية واضحة لا شك فيها، حالة كون كلكم (مخليًا) منفردًا (به) أي: برؤية القمر والنظر إليه اسم فاعل من أخلى بالشيء إذا انفرد به؛ أي: منفردًا برؤيته من نجير أن يزاحمه صاحبه في ذلك؟ (قال) أبو رزين: (قلت) لرسول الله ﷺ : (بلى) يا رسول الله، نراه رؤية واضحة لا خفاء فيها، (قال) رسول الله ﷺ : (فالله) (أعظم) وأجل من أن يتصف بصفات الحوادث، فرؤيته في الآخرة أوضح وأظهر من رؤية القمر ليلتئذ، (وذلك) القمر؛ أي: رؤيته ليلة البدر (آية) أي: مثال ونظير لرؤيته تعالى في الآخرة للمؤمنين، وقوله: (في خلقه) صفة لآية؛ أي: آية كائنة في خلقه؛ أي: في مخلوقه في الدنيا.

стр. 561

(٥٧) - ١٧٩ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ضَحِكَ رَبُّنَا === وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في الرؤية. ودرجته: أنه حسن؛ لأن إسناده حسن، كلما في "السندي"، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث جرير بحديث آخر لأبي رزين ﵄، فقال: (٥٧) - ١٧٩ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين) تقدم البحث عن ترجمة هذا السند، وحكمه آنفًا، فلا عود ولا إعادة. (قال) أبو رزين: (قال رسول الله ﷺ : ضحك ربنا) من باب فرح، وربنا فاعل؛ أي: ضحك ضحكًا يليق به؛ أي: اتصف بصفة الضحك التي هي من صفات الله تعالى، والضحك صفة ثابتة لله تعالى نثبته ونعتقده، ولا نكيفه ولا نمثله؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ومذهب أهل التحقيق والسلف أن الضحك صفة سمعية يلزم إثباتها واعتقادها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه؛ كما أشار إلى ذلك مالك، وقد سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. انتهى "سندي".

стр. 562

مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ"، === (من) شدة (قنوط) ويأس (عباده) من رحمته وفضله في حالة فقرهم ومرضهم وابتلائهم بالمصائب، (وقرب غيره) تعالى؛ أي: مع قرب تغييره تعالى وإزالته لذلك الفقر والمرض والمصائب عنهم، والقنوط على وزن الجلوس؛ وهو اليأس، ولعل المراد ها هنا: هو الحاجة والفقر؛ أي: يرضى عنهم ويقبل بالإحسان إذا نظر إلى فقرهم وفاقتهم وذاتهم وحقارتهم وضعفهم، وإلا .. فالقنوط من رحمته يوجب الغضب لا الرضا، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). إلا أن يقال: ذلك هو القنوط بالنظر إلى كرمه وإحسانه؛ مثل ألا يرى له كرمًا وإحسانًا أو يرى قليلًا فيقنط كذلك، فهذا هو الكفر، والمنهي عنه أشد النهي، وأما القنوط بالنظر إلى أعماله وقبائحه .. فهو مما يوجب للعبد تواضعًا وخشوعًا وانكسارًا، فيوجب الرضا ويجلب الإحسان والإقبال من الله تعالى، ومنشأ هذا القنوط هو الغيبة عن صالح الأعمال واستعظام المعاصي إلى الغاية، وكل منهما مطلوب ومحبوب، ولعل هذا سبب مغفرة ذنوب من أمر أهله بإحراقه بعد الموت حين أيس، فليتأمل. انتهى "سندي". قوله: (وقرب غيره) ضبط بكسر الغين المعجمة ففتح التحتانية؛ بمعنى تغيير الحال، وهو اسم مصدر من قولك: غيرت الشيء تغييرًا وغيرًا فتغير حاله من القوة إلى الضعف، ومن الحياة إلى الموت، وهذه الأحوال مما

стр. 563

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَوَيَضْحَكُ الرَّبُّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: لَنْ نَعْدِمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا. === تجلب الرحمة لا محالة في الشاهد، فكيف لا تكون أسبابًا عادية لجلبها من أرحم الراحمين جل ذكره وثناؤه؟ ! والأقرب هنا: أن الغير بمعنى تغيير الحال وتحويله لا تغيره وتحوله، والضمير في (غيره) إلى الله تعالى؛ والمعنى أنه تعالى يضحك من صيرورة العبد مأيوسًا من الخير بأدنى شر وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحال من شر إلى خير، ومن مرض إلى عافية، ومن بلاء ومحنة إلى سرور وفرحة، لكن الضحك على هذا لا يمكن تفسيره بالرضا. انتهى "سندي". (قال) أبو رزين: (قلت: يا رسول الله؛ أ) يرضى الله (ويضحك الرب؟ قال) رسول الله ﷺ : (نعم) يضحك الرب؛ لأن الضحك من صفاته، قال أبو رزين: (قلت) لرسول الله ﷺ : إذًا (لن نعدم) ولن نفقد (من رب يضحك) ولا يغضب (خيرًا) أي: إحسانًا وفضلًا وكرمًا وجودًا، وعدم من باب علم، يقال: عدم الشيء إذا فقده، يريد أن الرب الذي من صفاته الضحك لا نفقد خيره، بل كلما احتجنا إلى الخير .. وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه .. يضحك فيعطي. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن لما مر، وفي "الزوائد": وكيع ذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجاله احتج بهم مسلم. انتهى؛ أي: فالحديث: حسن. انتهى "سندي"، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث جرير بحديث آخر أيضًا لأبي رزين ﵄، فقال:

стр. 564

(٥٨) - ١٨٠ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: "كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، === (٥٨) - ١٨٠ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي. (قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين قال: قلت: يارسول الله؛ أين كان) أي: في أي مكان كان (ربنا) ، قيل: الكلام على حذف مضاف؛ تقديره: أين كان عرش ربنا؟ ويدل على هذا المحذوف قوله فيما بعد: ثم خلق عرشه على الماء، وعلى هذا يحمل قوله: (قبل أن يخلق خلقه) على غير العرش، كما يدل عليه رواية لأحمد: (قبل أن يخلق السماوات والأرض) وعليه، فلا إشكال في الحديث، والظاهر أن الكلام على ظاهره من غير تقدير؛ أي: أين كان ربنا قبل أن يخلق شيئًا من مخلوقاته من الماء والعرش والسماوات والأرض؟ (قال) رسول الله ﷺ : (كان) الله قبل خلق مخلوقاته (في عماء) بالمد، وقال الترمذي: قال أحمد بن منيع: قال يزيد بن هارون: العماء؛ أي: ليس معه شيء (ما تحته) أي: ما تحت ذلك العماء (هواء) أي: جو؛ فالضمير في تحته وفوقه للعماء (وما فوقه هواء) وما في الموضعين نافية لا موصولة، وروي: (كان في عمىً) بالقصر؛ أي: لا شيء معه موجود؛ لأنه مما عمي وخفي عن الخلق؛ لكونه غير شيء،

стр. 565

ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ". === فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره، ثم قال: (ما تحته هواء، وما فوقه هواء) ليس تحت العمى الذي هو لا شيء موجود هواء ولا فوقه هواء؛ لأن ذلك إذا كان غير شيء .. فليس يثبت له هواء بوجه، ويكون حاصل الجواب الإرشاد إلى عدم المكان وإلى أنه لا أين ثمة فضلًا عن أن يكون هو في مكان. وقال كثير من العلماء: هذا من حديث الصفات، فنؤمن به ونكل علمه إلى عالمه، وأما قوله: (وما) بالقصر في بعض نسخ ابن ماجه .. فالظاهر أنها نافية مؤكدة للنفي السابق أو داخلة على محذوف؛ تقديره: وما تحته أرض وما فوقه سماوات، وقرأ بعضهم (وماء) بالمد عطفًا على هواء؛ أي: وما فوقه وتحته هواء ولا ماء، والأقرب أنه تصحيف. (ثم) -بضم المثلثة- أي: ثم بعد خلقه الماء (خلق عرشه على الماء) ويحتمل أن يكون ثَم -بفتح المثلثة- اسم إشارة إلى المكان، وخلق مصدر بمعنى مخلوق؛ أي: وما ثم مخلوق، وقوله: (عرشه على الماء) جملة أخرى مستأنفة، وقال الأزهري: قال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، وإلا .. فلا ندري كيف كان ذلك العماء، قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته. انتهى من "الخازن". وقال السيوطي في "مصباح الزجاجة": قال القاضي ناصر الدين بن المنير: وجه الإشكال في الحديث الظرفية والفوقية والتحتية، قال: والجواب أن (في) بمعنى على، وعلى بمعنى الاستيلاء؛ أي: كان مستوليًا على هذا السحاب الذي خلق منه المخلوقات كلها، والضمير في تحته وفوقه يعود إلى السحاب؛ أي: كان مستوليًا على هذا السحاب الذي فوقه الهواء
следующие страницы →