← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

(٥٧) - ١٧٩ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ضَحِكَ رَبُّنَا === وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في الرؤية. ودرجته: أنه حسن؛ لأن إسناده حسن، كلما في "السندي"، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث جرير بحديث آخر لأبي رزين ﵄، فقال: (٥٧) - ١٧٩ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين) تقدم البحث عن ترجمة هذا السند، وحكمه آنفًا، فلا عود ولا إعادة. (قال) أبو رزين: (قال رسول الله ﷺ : ضحك ربنا) من باب فرح، وربنا فاعل؛ أي: ضحك ضحكًا يليق به؛ أي: اتصف بصفة الضحك التي هي من صفات الله تعالى، والضحك صفة ثابتة لله تعالى نثبته ونعتقده، ولا نكيفه ولا نمثله؛ لأنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ومذهب أهل التحقيق والسلف أن الضحك صفة سمعية يلزم إثباتها واعتقادها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه؛ كما أشار إلى ذلك مالك، وقد سئل عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. انتهى "سندي".

стр. 562

مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ"، === (من) شدة (قنوط) ويأس (عباده) من رحمته وفضله في حالة فقرهم ومرضهم وابتلائهم بالمصائب، (وقرب غيره) تعالى؛ أي: مع قرب تغييره تعالى وإزالته لذلك الفقر والمرض والمصائب عنهم، والقنوط على وزن الجلوس؛ وهو اليأس، ولعل المراد ها هنا: هو الحاجة والفقر؛ أي: يرضى عنهم ويقبل بالإحسان إذا نظر إلى فقرهم وفاقتهم وذاتهم وحقارتهم وضعفهم، وإلا .. فالقنوط من رحمته يوجب الغضب لا الرضا، قال تعالى: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). إلا أن يقال: ذلك هو القنوط بالنظر إلى كرمه وإحسانه؛ مثل ألا يرى له كرمًا وإحسانًا أو يرى قليلًا فيقنط كذلك، فهذا هو الكفر، والمنهي عنه أشد النهي، وأما القنوط بالنظر إلى أعماله وقبائحه .. فهو مما يوجب للعبد تواضعًا وخشوعًا وانكسارًا، فيوجب الرضا ويجلب الإحسان والإقبال من الله تعالى، ومنشأ هذا القنوط هو الغيبة عن صالح الأعمال واستعظام المعاصي إلى الغاية، وكل منهما مطلوب ومحبوب، ولعل هذا سبب مغفرة ذنوب من أمر أهله بإحراقه بعد الموت حين أيس، فليتأمل. انتهى "سندي". قوله: (وقرب غيره) ضبط بكسر الغين المعجمة ففتح التحتانية؛ بمعنى تغيير الحال، وهو اسم مصدر من قولك: غيرت الشيء تغييرًا وغيرًا فتغير حاله من القوة إلى الضعف، ومن الحياة إلى الموت، وهذه الأحوال مما

стр. 563

قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَوَيَضْحَكُ الرَّبُّ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: لَنْ نَعْدِمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْرًا. === تجلب الرحمة لا محالة في الشاهد، فكيف لا تكون أسبابًا عادية لجلبها من أرحم الراحمين جل ذكره وثناؤه؟ ! والأقرب هنا: أن الغير بمعنى تغيير الحال وتحويله لا تغيره وتحوله، والضمير في (غيره) إلى الله تعالى؛ والمعنى أنه تعالى يضحك من صيرورة العبد مأيوسًا من الخير بأدنى شر وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحال من شر إلى خير، ومن مرض إلى عافية، ومن بلاء ومحنة إلى سرور وفرحة، لكن الضحك على هذا لا يمكن تفسيره بالرضا. انتهى "سندي". (قال) أبو رزين: (قلت: يا رسول الله؛ أ) يرضى الله (ويضحك الرب؟ قال) رسول الله ﷺ : (نعم) يضحك الرب؛ لأن الضحك من صفاته، قال أبو رزين: (قلت) لرسول الله ﷺ : إذًا (لن نعدم) ولن نفقد (من رب يضحك) ولا يغضب (خيرًا) أي: إحسانًا وفضلًا وكرمًا وجودًا، وعدم من باب علم، يقال: عدم الشيء إذا فقده، يريد أن الرب الذي من صفاته الضحك لا نفقد خيره، بل كلما احتجنا إلى الخير .. وجدناه، فإنا إذا أظهرنا الفاقة لديه .. يضحك فيعطي. وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن لما مر، وفي "الزوائد": وكيع ذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجاله احتج بهم مسلم. انتهى؛ أي: فالحديث: حسن. انتهى "سندي"، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث جرير بحديث آخر أيضًا لأبي رزين ﵄، فقال:

стр. 564

(٥٨) - ١٨٠ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ وَكِيعِ بْنِ حُدُسٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيْنَ كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: "كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، === (٥٨) - ١٨٠ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي. (قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا حماد بن سلمة، عن يعلى بن عطاء، عن وكيع بن حدس، عن عمه أبي رزين قال: قلت: يارسول الله؛ أين كان) أي: في أي مكان كان (ربنا) ، قيل: الكلام على حذف مضاف؛ تقديره: أين كان عرش ربنا؟ ويدل على هذا المحذوف قوله فيما بعد: ثم خلق عرشه على الماء، وعلى هذا يحمل قوله: (قبل أن يخلق خلقه) على غير العرش، كما يدل عليه رواية لأحمد: (قبل أن يخلق السماوات والأرض) وعليه، فلا إشكال في الحديث، والظاهر أن الكلام على ظاهره من غير تقدير؛ أي: أين كان ربنا قبل أن يخلق شيئًا من مخلوقاته من الماء والعرش والسماوات والأرض؟ (قال) رسول الله ﷺ : (كان) الله قبل خلق مخلوقاته (في عماء) بالمد، وقال الترمذي: قال أحمد بن منيع: قال يزيد بن هارون: العماء؛ أي: ليس معه شيء (ما تحته) أي: ما تحت ذلك العماء (هواء) أي: جو؛ فالضمير في تحته وفوقه للعماء (وما فوقه هواء) وما في الموضعين نافية لا موصولة، وروي: (كان في عمىً) بالقصر؛ أي: لا شيء معه موجود؛ لأنه مما عمي وخفي عن الخلق؛ لكونه غير شيء،

стр. 565

ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ". === فكأنه قال في جوابه: كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره، ثم قال: (ما تحته هواء، وما فوقه هواء) ليس تحت العمى الذي هو لا شيء موجود هواء ولا فوقه هواء؛ لأن ذلك إذا كان غير شيء .. فليس يثبت له هواء بوجه، ويكون حاصل الجواب الإرشاد إلى عدم المكان وإلى أنه لا أين ثمة فضلًا عن أن يكون هو في مكان. وقال كثير من العلماء: هذا من حديث الصفات، فنؤمن به ونكل علمه إلى عالمه، وأما قوله: (وما) بالقصر في بعض نسخ ابن ماجه .. فالظاهر أنها نافية مؤكدة للنفي السابق أو داخلة على محذوف؛ تقديره: وما تحته أرض وما فوقه سماوات، وقرأ بعضهم (وماء) بالمد عطفًا على هواء؛ أي: وما فوقه وتحته هواء ولا ماء، والأقرب أنه تصحيف. (ثم) -بضم المثلثة- أي: ثم بعد خلقه الماء (خلق عرشه على الماء) ويحتمل أن يكون ثَم -بفتح المثلثة- اسم إشارة إلى المكان، وخلق مصدر بمعنى مخلوق؛ أي: وما ثم مخلوق، وقوله: (عرشه على الماء) جملة أخرى مستأنفة، وقال الأزهري: قال أبو عبيد: إنما تأولنا هذا الحديث على كلام العرب المعقول عنهم، وإلا .. فلا ندري كيف كان ذلك العماء، قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته. انتهى من "الخازن". وقال السيوطي في "مصباح الزجاجة": قال القاضي ناصر الدين بن المنير: وجه الإشكال في الحديث الظرفية والفوقية والتحتية، قال: والجواب أن (في) بمعنى على، وعلى بمعنى الاستيلاء؛ أي: كان مستوليًا على هذا السحاب الذي خلق منه المخلوقات كلها، والضمير في تحته وفوقه يعود إلى السحاب؛ أي: كان مستوليًا على هذا السحاب الذي فوقه الهواء

стр. 566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وتحته الهواء، وروي بلفظ القصر في العمى، والمعنى: عدم ما سواه؛ لأنه قال: كان ولم يكن معه شيء، بل كل شيء كان عدمًا عمىً لا موجودًا ولا مدركًا، والهواء الفراغ أيضًا العدم، كأنه قال: كان لا شيء معه ولا تحت ولا فوق. قال الحافظ: قد روى أحمد والترمذي وصححه من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا: "إن الماء خلق قبل العرش" وروى السندي في "تفسيره" بأسانيد متعددة: "إن الله لم يخلق شيئًا مما خلق قبل الماء"، وأما ما رواه أحمد والترمذي وصححه من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة" .. فيجمع بينه وبين ما قبله: بأن أولية القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش، أو بالنسبة إلى ما صدر منه من الكتاب؛ أي: أنه قيل له: اكتب أول ما خلق. انتهى، وفي بعض نسخ "ابن ماجه": (قال: كان في عماء، ما تحته هواء وما فوقه هواء، ثم خلق العرش على الماء) بإسقاط (ما) قبل ثم، وهذه النسخة المعتمدة، هي أوضح في المعنى. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: أحمد (٤/ ١١) من طريق يزيد بن هارون، والترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة هود، وقال: هكذا يقول حماد بن سلمة: (وكيع بن حدس) بالحاء المهملة، ويقول شعبة وأبو عوانة وهشيم: (وكيع بن عدس) بالعين المهملة، وقال: هذا حديث حسن. قلت: فدرجته: أنه حديث حسن، وغرضه: الاستشهاد به. * * *

стр. 567

(٥٩) - ١٨١ - (٧) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ === ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسًا لحديث جرير بحديث ابن عمر ﵃، فقال: (٥٩) - ١٨١ - (٧) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك الباهلي السامي -بمهملة- البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي -بضم الهاء وفتح الجيم وسكون الياء- نسبة إلى الهجيم بن عمرو، أبو عثمان البصري، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا سعيد) ابن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة كثير التدليس، من السادسة، مات سنة ست وخمسين ومئة (١٥٦ هـ)، وقيل: سبع وخمسين. يروي عنه: (ع). (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن صفوان بن محرز) بن زياد (المازني) البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق). (قال) صفوان: (بينما نحن) ماشون (مع عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄ (وهو) أي: والحال أن ابن عمر (يطوف بالبيت) الحرام، وقوله: (إذ عرض له رجل) جواب بينما، وإذ فجائية رابطة لجواب بينما،

стр. 568

فَقَالَ: يَا بْنَ عُمَرَ؛ كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ فِي النَّجْوَى، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يُدْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، ثُمَّ يُقَرِّرُهُ بِذُنُوبهِ فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَعْرِفُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ مِنْهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ === يقال: عرض له إذا أتاه في عرضه؛ والمعنى: بين أوقات مشينا مع ابن عمر وهو يطوف بالبيت فاجأه عرض رجل له؛ أي: إتيانه له في مقابلة وجهه. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله كلهم بصريون إلا ابن عمر؛ فإنه مكي، وحكمه: الصحة. (فقال) الرجل: (يا بن عمر؛ كيف سمعت رسول الله ﷺ يذكر في) شأن (النجوى؟ ) أي: في مناجاة الله للعبد يوم القيامة؛ أي: مكالمته إياه سرًّا عن أهل الموقف، والنجوى: اسم مصدر يقوم مقام المصدر، يقال: ناجى يناجي مناجاة ونجوى، (قال) ابن عمر: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: يدنى) بالبناء للمفعول من الإدناء؛ أي: يقرب (المؤمن من) موقف مناجاة (ربه يوم القيامة حتى يضع) رب العزة (عليه) أي: على المؤمن (كنفه) -بفتحتين- أي: ستره عن أهل الموقف حتى لا يطلع على سره غيره تعالى، (ثم) بعد وضع كنفه عليه (يقرره) أي: يحمله على الإقرار (بذنوبه) من التقرير بمعنى الحمل على الإقرار. (فيقول) له: (هل تعرف) يا عبدي أنك فعلت ذنب كذا وكذا، في مكان كذا وكذا، في يوم كذا وكذا؟ وجملة القول تفسير للتقرير، (فيقول) العبد لربه: (يا رب؛ أعرفـ) ـها، (حتى إذا بلغ) المؤمن (منه) أي: من الإقرار أو (حتى إذا بلغ) الفزع (منه) أي: من المؤمن (ما شاء الله أن يبلغ) من

стр. 569

قَالَ: إِنِّي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، قَالَ: ثُمَّ يُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أَوْ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ قَالَ: وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ .. فَيُنَادَى عَلَى رُؤُوسِ الْأَشْهَادِ"، قَالَ خَالِدٌ: فِي الْأَشْهَادِ شَيْءٌ مِنِ انْقِطَاعٍ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. === غايته ونهايته .. (قال) الله : (إني سترتها) أي: الذنوب (عليك في الدنيا، وأنا أغفرها) أي: أغفر تلك الذنوب (لك اليوم) يعني: يوم المحاسبة والمجازاة. (قال) رسول الله ﷺ : (ثم) بعد غفران الله تعالى له (يعطى) ذلك المؤمن (صحيفة حسناته أو) قال رسول الله ﷺ ، أو ابن عمر: يعطى ذلك المؤمن (كتابه) أي: كتاب حسناته (بيمنيه) متعلق بيعطى، والشك من ابن عمر، أو ممن دونه، وهو في لفظ الصحيفة، أو لفظ الكتاب، (قال) رسول الله ﷺ : (وأما الكافر، أو) قال النبي ﷺ : وأما (المنافق .. فينادى على رؤوس الأشهاد) والحاضرين من الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين. (قال خالد) بن الحارث (في) رواية لفظ على رؤوس (الأشهاد شيء من انقطاع) يعني: ليست هذه الكلمة مرفوعة إلى النبي ﷺ ، بل هي موقوفة على ابن عمر، بل المرفوع: فينادى الكافر أو المنافق بقول الملائكة: (هؤلاء) الكفرة أو الفسقة هم (الذين كذبوا) بالافتراء (على ربهم) في الدنيا، (ألا لعنة الله على الظالمين) بالشرك والافتراء على ربهم، فيساقون إلى جهنم. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب المظالم،

стр. 570

(٦٠) - ١٨٢ - (٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ الرَّقَاشِيُّ، === باب قوله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (١)، وفي كتاب التفسير، وفي كتاب الأدب، وفي كتاب التوحيد. ومسلم؛ أخرجه في كتاب التوبة، باب (٨). فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استأنس المؤلف رحمه الله تعالى للترجمة بحديث جابر ﵁، فقال: (٦٠) - ١٨٢ - (٨) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) محمد بن عبد الرحمن بن أبي عثمان الأموي، أبو عبد الله البصري، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة مئتين وأربع وأربعين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق). قال: (حدثنا أبو عاصم) عبد الله بن عبيد الله (العباداني) المرائي البصري، ويقال له: عبد الله بن عبد بلا إضافة، ويقال له: عبيد الله بن عبد الله. روى عن: الفضل بن عيسى الرقاشي، وخالد الحذاء، وابن أبي عياش، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، ومحمد بن أبي الشوارب، والحسن بن عرفة، وآخرون. قال ابن معين: صالح الحديث، لم يكن به بأس، وقال عمرو بن علي: كان صدوقًا ثقة، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: ليس به بأس، وقال العقيلي: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: كان يخطئ، وقال في "التقريب": لين الحديث، من الثامنة. قال: (حدثنا الفضل) بن عيسى بن أبان (الرقاشي) أبو عيسى البصري

стр. 571

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ === الواعظ. روى عن: محمد بن المنكدر، وأنس بن مالك، وأبي عثمان النهدي، وغيرهم، من السادسة، ويروي عنه: (ق)، وأبو عاصم العباداني، وأبو عاصم النبيل، والحكم بن أبان، وغيرهم. قال ابن معين: كان قاضيًا رجل سوء قدريًا خبيثًا، وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، في حديثه بعض الوهن ليس بقوي، وقال أبو داوود: كان من أخبث الناس قولًا، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: الضعف بين على ما يرويه، وبالجملة: اتفقوا على تضعيفه. (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير -مصغرًا- التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري السلمي ﵄. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون، واثنان مدنيان، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا متفقًا على ضعفه وهو الفضل بن عيسى الرقاشي. (قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : بينا أهل الجنة) متقلبون (في نعيمهم؛ إذ سطع) أي: ظهر وطلع وارتفع (لهم نور) من فوقهم، (فرفعوا رؤوسهم) إلى جهة العرش، (فإذا الرب) ﷻ (قد أشرف) واطلع (عليهم) أي: ظهر (من فوقهم) حالة كونه عاليًا علوًا يليق به تعالى، فينظر إليهم نظر رحمة فوق ما كانوا فيها.

стр. 572

فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، قَالَ: فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ وَيَبْقَى نُورُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ فِي دِيَارِهِمْ". === (فقال) الرب ﷻ لهم: (السلام عليكم يا أهل الجنة، قال) رسول الله ﷺ (وذلك) أي: مصداق ذلك السلام وشاهده (قول الله) : (﴿سَلَامٌ﴾) مني عليكم أخص (﴿قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (١)، قال) رسول الله ﷺ : (فينظر) الله (إليهم) أي: يبدو لهم أنه ناظر إليهم، أو ينظر إليهم نظر رحمة فوق ما كانوا فيها من الرحمة، وإلا .. فهو ناظر إليهم على الدوام لا يغيب عن نظره شيء، (وينظرون إليه) تعالى (فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم). وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (٧) (٢٨)؛ لأن في إسناده راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو الفضل الرقاشي، قال السيوطي: أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، وقال: الفضل الرقاشي رجل سوء، ورواه عنه أبو عاصم ولا يتابع عليه، كذا ذكره عن العقيلي، والذي رأيته أنا في كتاب العقيلي ما نصه: أبو عاصم منكر الحديث، وكان الفضل يرى القدر، كاد أن يغلب على حديثه الوهم، وهذا لا يقتضي الحكم بالوضع، وله طريق آخر من حديث أبي هريرة، ذكره في "اللآلي". انتهى، انتهى "سندي". * * *

стр. 573

(٦١) -١٨٣ - (٩) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ، === ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سابعًا لحديث جرير بحديث عدي بن حاتم ﵄، فقال: (٦١) - ١٨٣ - (٩) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي. (حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي. (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي. (عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة -بفتح المهملة وسكون الموحدة- الجعفي الكوفي، ثقة وكان يرسل، من الثالثة، مات بعد سنة ثمانين. يروي عنه: (ع). (عن عدي بن حاتم) بن عبد الله بن سعد بن حشرج بن امرئ القيس بن عدي الجواد بن الجواد أبي طريف الطائي الكوفي الصحابي المشهور ﵁، وفد على النبي ﷺ في شعبان سنة سبع، له ست وستون حديثًا؛ اتفقا على (٦)، وانفرد (خ) بثلاثة، و (م) بحديثين، مات سنة ثمان وستين (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، ومن لطائفه: أن رجاله كلهم كوفيون، وحكمه: الصحة. (قال) عدي بن حاتم: (قال رسول الله ﷺ : ما منكم) أيها المكلفون (من أحد) فمن زائدة؛ أي: فما أحد منكم (إلا سيكلمه ربه) يوم القيامة (ليس بينه) أي: بين الرب (وبينه) أي: وبين العبد (ترجمان) بفتح التاء وضم الجيم، ويجوز ضم أوله إتباعًا، ويجوز فتح الجيم، وهو

стр. 574

فَيَنْظُرُ عَنْ مَنْ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ عَنْ مَنْ أَيْسَرَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا شَيْئًا قَدَّمَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ أَمَامَهُ فَتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ .. فَلْيَفْعَلْ". === معرب، وقيل: عربي، والمراد أنه لا واسطة بينهما، (فينظر) أحدكم (عن من) هو في جانب (أيمن منه، فلا يرى إلا شيئًا قدمه) من الأعمال الصالحة، (ثم ينظر عن من) هو في جانب (أيسر منه، فلا يرى إلا شيئًا قدمه) من الأعمال السيئة، (ثم ينظر أمامه، فتستقبله) أي: تظهر له (النار، فمن استطاع) وقدر (منكم) أيها المؤمنون (أن يتقي النار) أي: أن يجعل بينه وبينها وقاية وسترًا، (ولو) كان اتقاؤه وستره منها (بشق تمرة) -بكسر الشين- أي: بنصف حبة تمرة؛ أي: بالتصدق به .. (فليفعل) ذلك الاتقاء؛ أي: فليتصدق به، وهذا من باب ذكر الأعم وإرادة الأخص، وفي الحديث الحث على الصدقة، وأنه لا يمتنع منها لقلتها، وأن قليلها سبب للنجاة من النار. انتهى "نواوي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الرقاق، باب من نوقش الحساب عذب، وأخرجه أيضًا في كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (١)، ومسلم؛ أخرجه في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة، والترمذي؛ أخرجه في كتاب صفة القيامة والرقائق. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثامنًا لحديث جرير بحديث أبي موسى الأشعري ﵄، فقال:

стр. 575

(٦٢) - ١٨٤ - (١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ === (٦٢) - ١٨٤ - (١٥) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري. قال: (حدثنا أبو عبد الصمد) البصري (عبد العزيز بن عبد الصمد) العمي الحافظ. روى عن: أبي عمران الجوني، ومطر الوراق، ويروي عنه: (ع)، وبندار، وأحمد، وإسحاق. وثقه أحمد وأبو داوود، وقال في "التقريب": ثقة حافظ، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، ويقال بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (حدثنا أبو عمران الجوني) نسبة إلى جون؛ بطن من الأزد الأزدي عبد الملك بن حبيب البصري، مشهور بكنيته، وثقه ابن معين، وقال في "التقريب": ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس) أبي موسى (الأشعري) الكوفي، قيل: اسمه عمرو. قال الحافظ: اسمه كنيته. روى عن: أبيه، والبراء بن عازب، ويروي عنه: (ع)، وأبو عمران الجوني، وأبو إسحاق السبيعي. وقال العجلي: تابعي كوفي ثقة، وقال ابن سعد: اسمه كنيته، وكان قليل الحديث يستضعف، وقال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وكان أسنَّ من أخيه أبي بردة. (عن أبيه) أبي موسى الأشعري عبد الله بن قيس الكوفي ﵁.

стр. 576

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ﵎ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ". === وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم بصريون واثنان كوفيان، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : جنتان) مبتدأ أول وسوغ الابتداء بالنكرة وقوعه في معرض التفصيل (من فضة) خبر مقدم للمبتدأ الثاني (آنيتهما) مبتدأ ثان (وما فيهما) معطوف على المبتدأ الثاني، وجملة الثاني خبر للأول، والتقدير: جنتان آنيتهما وما فيهما كائنة من فضة، وكذا يقال في قوله: (وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما) والتقدير: وجنتان آنيتهما وما فيهما كائنة من ذهب (وما بين القوم) أي: أهل الجنة (وبين أن ينظروا إلى ربهم ﵎ إلا رداء الكبرياء) أي: إلا رداء هي الكبرياء والتعالي عن صفات الحوادث، حالة كونه (على وجهه) المقدس وذاته المنزه (في جنة عدن) حال من فاعل ينظرون. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب التفسير، في باب تفسير سورة الرحمن، ومسلم في كتاب الإيمان، والترمذي في كتاب صفة الجنة. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. قال السندي: والظاهر أن المراد برداء الكبرياء نفس صفة الكبرياء على أن الإضافة بيانية، وهذا هو الموافق لحديث: "الكبرياء ردائي"، وحينئذ لا يخفى أن ظاهر هذا الحديث يفيد أنهم لا يرونه تعالى؛ فإنه إذا كان رداء الكبرياء مانعًا عن نظر أهل جنة عدن، فكيف غيرهم؟ ! وصفة الكبرياء من لوازم ذاته تعالى لا

стр. 577

(٦٣) - ١٨٥ - (١١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، === يمكن زوالها عنه فيدوم المنع بدوامها، إلا أن يقال: هي مانعة عن دوام النظر لا عن أصل النظر، على أن معنى قوله: "وبين أن ينظروا" أي: وبين أن يديموا النظر، فلولا هي .. لدام نظرهم، فالحديث مسوق لإفادة كمال قرب أهل جنة عدن منه تعالى. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى تاسعًا لحديث جرير بحديث صهيب بن سنان ﵄، فقال: (٦٣) - ١٨٥ - (١١) (حدثنا عبد القدوس بن محمد) بن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحاب أبو بكر الحبحابي المعولي العطار البصري، روى عن: حجاج بن منهال، وعلي بن المديني، وداوود بن شبيب، وغيرهم، ويروي عنه: (خ ت س ق)، وأحمد بن منصور، وأبو حاتم، وغيرهم. قال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفي "الزهرة": روى عنه البخاري أربعة أحاديث، وقال في "التقريب": صدوق، من الحادية عشرة. قال: (حدثنا حجاج) بن المنهال الأنماطي أبو محمد السلمي مولاهم البصري، ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة ست أو سبع عشرة ومئتين. يروي عنه: (ع). (حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي مولاهم أبو سلمة البصري، ثقة عابد، من الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن ثابت) بن أسلم بن موسى (البناني) نسبة إلى بنانة؛ اسم قبيلة،

стр. 578

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وَقَالَ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ .. نَادَى مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ؛ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ اللهِ مَوْعِدًا === أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) يسار الأنصاري الأوسي أبي عيسى الكوفي، ثقة، من الثانية، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن صهيب) -مصغرًا- ابن سنان المدني أبي يحيى النمري مولاهم الرومي المنشأ، صحابي مشهور من السابقين، له أحاديث، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ) في خلافة علي رضي الله تعالى عنهما، وقيل: قبل ذلك. يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم بصريون، وواحد مدني، وواحد كوفي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) صهيب: (تلا) وقرأ علينا (رسول الله ﷺ هذه الآية) يعني: قوله تعالى (﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾) العمل وأخلصوا فيه، خبر مقدم لقوله: (﴿الْحُسْنَى﴾) أي: الجنة (﴿وَزِيَادَةٌ﴾) (١) معطوف على الحسنى، (وقال) أي: ثم قال رسول الله ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار .. نادى مناد) من الله سبحانه؛ أي: من ملائكته، وقوله: (يا أهل الجنة ... ) إلى آخره .. تفسير للنداء؛ أي: قال في ندائه: يا أهل الجنة (إن لكم عند الله) (موعدًا) أي: بشارة وعدها

стр. 579

يُرِيدُ أَنْ يُنْجِزَكُمُوهُ، فَيَقُولُونَ: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ يُثَقِّلِ اللهُ مَوَازِينَنَا وَيُبَيِّضْ وُجُوهَنَا، وَيُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَيُنْجِنَا مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، === لكم في الدنيا على لسان نبيه في كتابه العزيز، (يريد) اليوم (أن ينجزكموه) من الإنجاز وهو الإيفاء؛ أي: أن يوفي لكم ذلك الوعد ويعطيه لكم. (فيقولون: وما هو؟ ) أي: وأي شيء ذلك الوعد، فقد أعطانا جميع النعم وأكرمنا في دار الكرامة، فأي شيء بقي لنا؟ والاستفهام في قوله: (ألم يثقل الله) سبحانه للتقرير؛ أي: ألم يثقل ويرجح (موازيننا؟ ) أي: موازين حسناتنا من التثقيل وهذا مبني على أنهم نسوا الوعد بالرؤية، وفيه أن الله تعالى يزيل عن قلوبهم الحرص ويعطيهم ما لا يطمعون المزيد عليه، ويرضيهم بفضله، (ويبيض) من التبييض؛ أي: ألم يكن الله سبحانه بيض (وجوهنا) بنور الإيمان؟ (ويدخلنا) بالجزم عطفًا على ما قبله من الإدخال؛ أي: وألم يدخلنا سبحانه (الجنة) دار الكرامة؟ (و) ألم (ينجنا) بالجزم أيضًا، ولكن بحذف حرف العلة من الإنجاء أو التنجية، وفي بعض النسخ: (وينجينا) بإثبات الياء، كما في "الترمذي" مع أنه معطوف على المجزوم إما للإشباع، أو جريًا على لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح؛ كقوله: ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد بإثبات الياء في (يأتيك). أي: وألم ينجنا (من النار) دار الهوان؟ فقد أسبغ علينا صنوف الكرامة، وأحلنا دار المقامة، فأي شيء بقي لنا؟ (قال) رسول الله ﷺ : (فيكشف) أي: يزيل الله عن أعينهم (الحجاب) الذي حجبهم ومنعهم عن رؤيته تعالى، (فينظرون إليه) بأبصارهم نظرًا يليق

стр. 580

فَوَاللهِ؛ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ؛ يَعْنِي: إِلَيْهِ، وَلَا أَقَرَّ لِأَعْيُنِهِمْ". (٦٤) - ١٨٦ - (١٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، === بذاته المقدس، كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر، ولا تعارض بين الأحاديث التي وردت في الرؤية مختلفة في الكيفية؛ لكونها تكون لهم مرارًا متعددة. (فوالله) أي: فقد أقسمت لكم بالإله الذي أكرم عباده المتقين بإنزالهم بحبوح الجنان؛ (ما أعطاهم الله) سبحانه (شيئًا أحب إليهم) أي: ألذ عندهم (من النظر) والرؤية له تعالى (يعني) النبي ﷺ بالنظر الذي أبهمه النظر (إليه) ، وقوله: (ولا أقر لأعينهم) معطوف على أحب؛ أي: ولا أعطاهم شيئًا أقر وأبرد وأمتع لأعينهم من النظر إليه تعالى. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الإيمان، باب (٨٠)، والترمذي؛ أخرجه في كتاب الجنة، باب ما جاء في رؤية الرب ﷻ . * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى عاشرًا لحديث جرير بأثر عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٤) - ١٨٦ - (١٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي. (حدثنا أبو معاوية) الضرير محمد بن خازم الكوفي. (حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.

стр. 581

عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتِ: الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الْأَصْوَاتَ، لَقَدْ جَاءَتِ الْمُجَادِلَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَشْكُو زَوْجَهَا، === (عن تميم بن سلمة) السلمي الكوفي، وثقه ابن معين، قال في "التقريب": ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق). (عن عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله أربعة منهم كوفيون، واثنان مدنيان، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات. (قالت) عائشة ﵂: (الحمد لله الذي وسع سمعه) بالرفع على الفاعلية (الأصوات) بالنصسب على المفعولية بالفتحة الظاهرة؛ لأنه جمع تكسير لصوت؛ أي: الحمد لله الذي أحاط سمعه بالأصوات كلها بحيث لا يفوته شيء منها، وضبط في بعض النسخ بنصب السمع ورفع الأصوات، وهو بعيد لفظًا ومعنىً، وهذا ثناء على الله تعالى حين ظهر عندها آثار سعة سمعه، وهذا لا يدل على أنها كانت غير عالمة بذلك قبل حتى يقال: كيف خفي على مثلها هذا الأمر وتعجب منها من ذلك؟ والله؛ (لقد جاءت المجادلة) أي: السائلة عن شأن زوجها؛ وهي خولة بنت ثعلبة بن مالك بن الدخشم الأنصارية، كانت تحت أوس بن الصامت الأنصاري. (إلى النبي ﷺ ، وأنا) أي: والحال أني جالسة (في ناحية البيت) أي: في جانب بيتي وحجرتي، حالة كونها (تشكو زوجها) أي: تخبر النبي ﷺ على سبيل الشكوى ظهار زوجها منها، وكان طلاقًا

стр. 582

وَمَا أَسْمَعُ مَا تَقُولُ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. (٦٥) - ١٨٧ - (١٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، === في الجاهلية، (وما أسمع) أنا (ما تقول) لرسول الله ﷺ في شكواها. (فأنزل الله) سبحانه و (تعالى) في ذلك الوقت إجابة لشكواها قوله : (﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾) سبحانه سماع قبول لشكواها (﴿قَوْلَ﴾) المرأة (﴿الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾) أي: تخاصمك أيها النبي (﴿فِي﴾) شأن (﴿زَوْجِهَا﴾) أوس بن الصامت؛ أي: قد أجاب الله سبحانه دعاء المرأة التي تخاصمك أيها النبي في شأن زوجها وتلك المجادلة أنه ﷺ كلما قال لها: حرمت عليه .. قالت: والله؛ ما ذكر طلاقًا؛ أي: أجاب الله دعاءها؛ بأن أنزل حكم الظهار على ما يوافق مطلوبها بقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ... ﴾ الآيات (١). وهذا الأثر شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب التوحيد، باب وكان الله سميعًا بصيرًا، والنسائي؛ أخرجه في كتاب الطلاق، باب الظهار. ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى حادي عشره لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٦٥) -١٨٧ - (١٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن ذؤيب

стр. 583

حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ === الهذلي النيسابوري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري أبو محمد البصري القسام، روى عن: محمد بن عجلان، وهشام بن حسان، وعبد الله بن هارون، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، ومحمد بن يحيى الذهلي، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وعدة. قال ابن سعد: كان ثقة صالحًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وقيل: قبلها بقليل أو بعدها. (عن) محمد (بن عجلان) القرشي مولاهم مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة أبي عبد الله المدني أحد العلماء العاملين. روى عن: أبيه، وأنس بن مالك، وسلمان أبي حازم الأشجعي، والأعرج، وأبي الزناد، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، والسفيانان، وشعبة، والليث، وصفوان بن عيسى. قال العجلي: مدني ثقة، وقال ابن عيينة: كان ثقة عالمًا، وقال العقيلي: كان يضطرب في حديث نافع، وقال في "التقريب": صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). (عن أبيه) عجلان مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة المدني. روى عن: مولاته، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت. وروى عنه: (م عم)، وابنه محمد، وبكير بن الأشج. قال النسائي: لا بأس به، وقال أبو داوود: لم يرو عنه غير ابنه محمد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": لا بأس به، من الرابعة. (عن أبي هريرة) ﵁.

стр. 584

قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ بِيَدِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي". === وهذا السند من خماسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وواحد بصري، وواحد نيسابوري، وحكمه: الصحة. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : كتب ربكم على نفسه بيده) المقدسة (قبل أن يخلق الخلق) أي: قبل أن يوجد الكائنات، وقوله: (رحمتي سبقت غضبي) أي: غلبته بالنظر إلى مظاهرها .. مفعول كتب، وقوله: "كتب على نفسه" يدل على أنه ساق هذا الكلام على أنه وعد بأنه سيعامل بالرحمة ما لا يعامل بالغضب، لا أنه إخبار عن صفة الرحمة والغضب بأن الثانية دون الأولى؛ لأن صفاته كلها كاملة عظيمة، ولأن ما فعل من آثار الأولى فيما سبق أكثر مما فعل من آثار الثانية. ولا يشكل هذا الحديث بما جاء أن الواحد من الألف يدخل الجنة، والبقية النار، إما لأنه يعامل بمقتضى الرحمة ولا يعامل بمقتضى الغضب، كما قال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ (١) وإما لأن مظاهر الرحمة أكثر من مظاهر الغضب؛ فإن الملائكة كلهم مظاهر الرحمة، وهم أكثر خلق الله، وكذلك ما خلق في الجنة من الحور والولدان. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب الدعوات، باب في فضل التوبة والاستغفار. فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * *

стр. 585

(٦٦) - ١٨٨ - (١٤) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَيَحْيَى بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الْأَنْصارِيُّ الْحَرَامِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ خِرَاشٍ === ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثاني عشرِهِ لحديث جرير بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٦٦) - ١٨٨ - (١٤) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) نسبة إلى جده الأعلى، أبو إسحاق المدني، روى عن: موسى بن إبراهيم بن كثير، ومالك، وابن عيينة، وابن أبي فديك، وغيرهم، ويروي عنه: (خ ت س ق)، والدارمي، وغيرهم. وثقه ابن معين وغيره من الحفاظ، وقال أبو حاتم: صدوق، وقال النسائي: ليس به بأس، وقال صالح بن محمد: صدوق، وقال يعقوب بن سفيان: مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ) في المحرم بالمدينة بعد أن صدر من الحج، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة. (ويحيى بن حبيب بن عربي) الحارثي أبو زكرياء البصري، وثقه النسائي، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وقيل بعدها يروي عنه: (م عم)، وفائدة المقارنة تقوية السند. (قالا) أي: قال كل منهما: (حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير) بن بشير بن الفاكه (الأنصاري الحرامي) -بفتح الحاء المهملة وبالراء المهملة- نسبة إلى جده الأعلى المدني. ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: كان يخطئ، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ، من الثامنة. يروي عنه: (ت س ق). (قال) موسى بن إبراهيم: (سمعت طلحة بن خراش) -بمعجمتين بينهما

стр. 586

قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا جَابِرُ؛ أَلَا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللهُ لِأَبِيكَ -وَقَالَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ-: فَقَالَ: يَا جَابِرُ؛ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ "، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: === راء مهملة- ابن عبد الرحمن الأنصاري المدني، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ت س ق). (قال) طلحة: (سمعت جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السلمي ﵄. وهذا السند من رباعياته؛ رجاله كلهم مدنيون إلا يحيى بن حبيب؛ فإنه بصري، وحكمه: الحسن. حالة كون جابر (يقول: لما قتل) والدي (عبد الله بن عمرو بن حرام) ضد الحلال جعل علمًا؛ أي: لما استشهد (يوم) غزوة (أحد) أعظم جبل في المدينة وقعت الوقعة عنده .. (لقيني رسول الله ﷺ فقال: يا جابر؛ ألا أخبرك ما قال الله) (لأبيك؟ ) عبد الله بن عمرو، هذه رواية إبراهيم بن المنذر، (وقال يحيى) بن حبيب (في حديثه) أي: في روايته: (فقال) رسول الله ﷺ : (يا جابر؛ ما لي) أي: أيُّ شيء ثبت لي حالة كوني (أراك منكسرًا) أي: منكسر القلب لموت أبيك؟ وفي رواية ابن مردويه "مهتمًا" أي: مغتمًا؟ (قال) جابر: (قلت: يا رسول الله؛ استشهد أبي) بالبناء للمفعول؛ أي: قتل والدي شهيدًا، (وترك عيالًا) -بكسر العين- أي: بنات صغارًا (ودينًا) كثيرًا، فلذلك انكسر قلبي وأخذني الهم، (قال) رسول الله صلى الله عليه

стр. 587

"أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ"، قَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي؛ تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ؛ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، === وسلم: (أفلا أبشرك) وأخبرك (بما لقي الله به) أي: بما أكرم الله به (أباك؟ قال) جابر: قلت: (بلى) أخبرني به (يا رسول الله، قال) رسول الله ﷺ : (ما كلم الله) (أحدًا) من الناس (قط) أي: في زمن من الأزمنة الماضية (إلا من وراء حجاب، و) لكن (كلم) الله (أباك كفاحًا) أي: مواجهة ليس بينهما حجاب ولا واسطة رسول. (فقال) له الرب ﷻ : (يا عبدي؛ تمن) أي: اطلب مني واسأل ما شئت من الكرامة والنعيم، حذف المفعول إيذانًا بالعموم، واعرض مسؤولك (على) وأخبره لي .. (أعطك) جميع ما سألتنيه، مضارع مجزوم في جواب الطلب، (قال) أبوك عبد الله للرب عم نواله: (يا رب) أتمنى أن (تحييني) وترجعني إلى الدنيا (فأقتل فيك) أي: في نصر دينك مرة (ثانية). قال السندي: قوله: (تحييني) هذا إخبار وقع في موضع الإنشاء لإظهار كمال الرغبة، وإلا .. فالمقام يقتضي أحيني؛ أي: أحيني وارجعني إلى الدنيا، وإلا .. فالشهداء أحياء وهو حي يتكلم، فكيف يطلب الإحياء وهو طلب تحصيل الحاصل وهو محال؟ ! وفي "تحفة الأحوذي": قوله: (تحييني) من الإحياء مضارع بمعنى الأمر؛ أي: أحيني، وقوله: (فأقتل) بالبناء للمفعول، وضبطه بعضهم بالنصب، وكأنه مبني على أنه جواب الأمر معنىً لما ذكرنا.

стр. 588

فَقَالَ الرَّبُّ ﵎: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي: أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجِعُونَ، قَالَ: يَا رَبّ؛ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ". === (فقال الرب تبارك) أي: تزايد خيره وإحسانه لعباده مرة بعد مرة (وتعالى) أي: ترفع عما لا يليق به من سمات الحوادث: (إنه) أي: إن الشأن والحال (سبق مني) في محكم كتابي: (أنهم) أي: أن الأموات (إليها) أي: إلى الدنيا (لا يرجعون) بعد الموت، (قال) أبوك للرب ﷻ : (يا رب؛ فأبلغ) من الإبلاغ (من) بقي (ورائي) وخلفي في الدنيا ما أنا فيه من الكرامة والنعيم ترغيبًا لهم في الجهاد، (قال) جابر: (فأنزل الله تعالى) قوله: (﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾) (١). وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: الترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة آل عمران، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ولا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم، ورواه علي بن عبد الله بن المديني وغير واحد من كبار أهل الحديث، هكذا عن موسى بن إبراهيم، وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر شيئًا من هذا؛ أي: مختصرًا، وأخرجه ابن مردويه مطولًا، وأحمد في "مسنده"، قال السندي: وفي "الزوائد": إسناده ضعيف، وطلحة بن خراش قيل فيه: روى عن جابر مناكير، وموسى بن إبراهيم ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: يخطئ. انتهى. قلت: ليس الحديث من أفراد ابن ماجه لا متنًا ولا سندًا، بل أخرجه غيره من كبار أهل الحديث، كما مر آنفًا.

стр. 589

(٦٧) - ١٨٩ - (١٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَضْحَكُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ === فدرجته: أنه حسن، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالث عشره لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٦٧) - ١٨٩ - (١٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي. (حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي. (عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي. (عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني. (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني. (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، وثلاثة كوفيون، وحكمه: الصحة. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) (يضحك إلى رجلين) ضحكًا يليق به، عداه بإلى لتضمينه معنى الإقبال، والضحك صفة ثابتة لله تعالى نثبته ونعتقده لا نكيفه ولا نمثله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١)، وجملة قوله: (يقتل أحدهما الآخر) صفة

стр. 590

كِلَاهُمَا دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُسْتَشْهَدُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ عَلَى قَاتِلِهِ فَيُسْلِمُ فَيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُسْتَشْهَدُ". (٦٨) - ١٩٠ - (١٦) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى === سببية لرجلين؛ لأن الجمل بعد النكرات صفات، وكذا جملة قوله: (كلاهما دخل الجنة) صفة ثانية له، ووحد الفعل في قوله: (دخل) نظرًا إلى لفظ (كلا)، لا معناه؛ لأن مراعاة لفظه أرجح من مراعاة معناه، نظير قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (١)، حيث لم يقل: آتتا أكلهما. وذلك أنه (يقاتل هذا) الرجل (في سبيل الله) تعالى وطاعته لإعلاء كلمته، (فيستشهد) بالبناء للمفعول؛ أي: فيقتل شهيدًا في يد الكافر، (ثم يتوب الله) (على قاتله) أي: على قاتل هذا الشهيد، (فيسلم) هذا القاتل (فيقاتل في سبيل الله، فيستشهد) أي: فيقتل هذا القاتل شهيدًا أيضًا، فهما يدخلان الجنة شهيدين. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: مسلم؛ أخرجه في كتاب الإمارة، باب (٣٥)، الحديث (٤٨٧٠). فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابع عشره لحديث جرير بحديث آخر لأبي هريرة ﵄، فقال: (٦٨) - ١٩٠ - (١٦) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله بن حرملة بن عمران التجيبي أبو حفص المصري صاحب الشافعي وتلميذه، صدوق، من

стр. 591

وَيُونُسُ بنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ === الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (هـ). يروي عنه: (م س ق). (ويونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة بن حفص الصدفي أبو موسى المصري، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله ست وتسعون سنة. يروي عنه: (م س ق). وفائدة المقارنة تقوية السند. (قالا: حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ)، وله اثنتان وسبعون سنة. يروي عنه: (ع). قال: (أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجاد الأموي أبو يزيد الأيلي، ثقة، من كبار السابعة، إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا وعن غيره خطأ، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع). (عن) محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (بن شهاب) الزهري أبي بكر المدني، ثقة متقن، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). قال: (حدثني سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي، أبو محمد المدني الأعور، سيد التابعين، وقال في "التقريب": من كبار الثانية، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. يروي عنه: (ع). (أن أبا هريرة) ﵁. وهذا السند من سداسياته؛ رجاله ثلاثة منهم مدنيون، واثنان مصريان، وواحد أيلي، وحكمه: الصحة.

стр. 592

كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ؛ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ ". === (كان) أبو هريرة (يقول: قال رسول الله ﷺ : يقبض الله) سبحانه ويأخذ (الأرض يوم القيامة) بشماله، كما في حديث مسلم المذكور في باب صفة القيامة منه، (ويطوي السماء) أي: يلفها ويأخذها (بيمينه، ثم يقول: أنا الملك) الحق الباقي (أين ملوك الأرض؟ ) أين الجبارون أين المتكبرون؟ قال القاضي عياض: وفي هذا الحديث ثلاثة ألفاظ: يقبض، ويطوي، ويأخذ، كلها بمعنى الجمع؛ لأن السماوات مبسوطة، والأرضين مدحوة وممدودة، ثم يرجع ذلك إلى معنى الرفع والإزالة، وتبديل الأرض غير الأرض والسماوات، فعاد كله إلى ضم بعضها إلى بعض ورفعها وتبديلها بغيرها. انتهى "نووي". قال الأبي: قلت: لا يعني ببسط السماوات ومد الأرض البسط والمد الذي هو ضد الكرة؛ فإن الذي عليه الأكثر من الحكماء وغيرهم أنهما كرويتان. انتهى. قوله: "ثم يقول: أنا الملك" قال الأبي: يحتمل أن يخاطب بذلك الملائكة ﵈، أو يخاطب به ذاته؛ كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ﴾ (١)، انتهى. قال السندي: هذا الحديث كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (٢)، والمقصود: بيان غاية عظمته تعالى وحقارة

стр. 593

(٦٩) - ١٩١ - (١٧) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، === الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إلى كمال قدرته تعالى، وهذا المقصود حاصل بهذا الكلام وإن لم يعرف كيفية القبض وحقيقة اليمين، فالبحث عنهما خارج عن القدر المقصود إفهامه فلا ينبغي. قلت: القبض والطي صفتان من صفات أفعاله تعالى، نثبتهما ونعتقدهما ولا نكيفهما ولا نمثلهما، والبحث عنهما بدعة، وأما اليمين .. فصفة من صفات ذاته تعالى نثبتها ونعتقدها ولا نكيفها ولا نمثلها، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١) والله أعلم بحقيقة ذاته وصفاته نؤمن بهما ولا نبحث عنهما. وهذا الحديث شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب الرقاق، باب يقبض الله الأرض يوم القيامة، وأخرجه أيضًا في كتاب التوحيد، ومسلم؛ أخرجه في كتاب صفات المنافقين، باب كتاب صفة القيامة والجنة والنار. ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامس عشره لحديث جرير بحديث العباس بن عبد المطلب ﵄، فقال: (٦٩) - ١٩١ - (١٧) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).

стр. 594

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ أَبِي ثَوْرٍ الْهَمْدَانِيُّ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمِيرَةَ، === قال: (حدثنا محمد بن الصباح) الدولابي البغدادي؛ لأنه وقع ثاني السند، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). (ع). قال: (حدثنا الوليد) بن عبد الله (بن أبي ثور الهمداني) المرهبي -بضم الميم- الكوفي، وقد ينسب إلى جده. روى عن: سماك بن حرب، وعبد الملك بن عمير، وزياد بن علاقة، وغيرهم، ويروي عنه: (د ت ق)، ومحمد بن الصباح الدولابي، وجبارة بن المغلس، وغيرهم. وقال العقيلي: يحدث عن سماك بمناكير لا يتابع عليها، وقال محمد بن عبد الله بن نمير: كذاب، وقال أبو زرعة: منكر الحديث يهم كثيرًا، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثامنة، مات سنة اثنتين وسبعين ومئة (١٧٢ هـ). (عن سماك) بن حرب الذهلي الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن عبد الله بن عميرة) -بفتح العين مكبرًا- كوفي. روى عن: الأحنف بن قيس عن العباس حديث الأوعال، ويروي عنه: سماك بن حرب، وفيه عن سماك اختلاف، ذكره في هامش "التهذيب"، من الثانية. يروي عنه: (د ت ق). قال البخاري: لا يعلم له سماع من الأحنف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وحسن الترمذي حديثه. قلت: وقال أبو نعيم في "معرفة الصحابة": أدرك الجاهلية، وكان قائد الأعشى، لا تصح له صحبة ولا رؤية، ذكره ابن منده، وقال مسلم في

стр. 595

عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: كُنْتُ بِالْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ وَفِيهِمْ رَسُولُ اللهِ، فَمَرَّتْ بِهِ سَحَابَةٌ فَنَظَرَ إِلَيْهَا === "الوحدان": تفرد سماك بالرواية عنه، وقال إبراهيم الحربي: لا أعرفه، وقال ابن ماكولا: روى عن جرير وغيره. انتهى من "التهذيب". (عن الأحنف بن قيس) بن معاوية بن حصين التميمي السعدي أبي بحر البصري، أدرك زمن النبي ﷺ كان من عقلاء الناس وحلمائهم، ثقة مخضرم، مات سنة سبع وستين (٦٧ هـ) بالكوفة في إمارة ابن الزبير، وقيل: اثنتين وسبعين. يروي عنه: (ع). (عن العباس بن عبد المطلب) الهاشمي، عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه أبي الفضل المكي، له خمسة وثلاثون حديثًا؛ اتفقا على حديث، وانفرد (خ) بحديث، و (م) بحديث. روى عنه: (ع)، وبنوه: عبد الله وكثير وعبيد الله، وعامر بن سعد. قال في "التقريب": صحابي مشهور، مات سنة اثنتين وثلاثين (٣٢ هـ)، أو بعدها وهو ابن ثمان وثمانين سنة. وهذا السند من سباعياته؛ رجاله ثلاثة منهم كوفيون، وواحد مكي، وواحد بصري، وواحد بغدادي، وواحد نيسابوري، وحكمه: الضعف؛ لأن في رجاله راويًا متفقًا على ضعفه؛ وهو الوليد بن أبي ثور. (قال) العباس: (كنت بالبطحاء) أي: في بطحاء مكة؛ أي: في المحصب؛ وهو موضع معروف بمكة فوق مقبرة المعلا، وقد تطلق على مكة، وأصل البطحاء على ما في "القاموس": مسيل واسع فيه دقاق الحصى، (في عصابة) -بكسر أوله- أي: مع جماعة من كفار مكة، (وفيهم رسول الله، فمرت به) ﷺ ، وفي رواية أبي داوود: (بهم)، (سحابة، فنظر إليها)

стр. 596

فَقَالَ: "مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ "، قَالُوا: السَّحَابَ، قَالَ: "وَالْمُزْنَ"، قَالُوا: وَالْمُزْنَ، قَالَ: "وَالْعَنَانَ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالُوا: وَالْعَنَانَ، قَالَ: "كَمْ تَرَوْنَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ؟ "، قَالُوا: لَا نَدْرِي، قَالَ: "فَإِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا إِمَّا وَاحِدًا أَوِ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ سَنَةً، === أي: إلى تلك السحابة رسول الله ﷺ ، (فقال) رسول الله ﷺ : (ما تسمون) أي: بأي اسم تسمون (هذه) السحابة؟ (قالوا): نسميها (السحاب، قال) رسول الله ﷺ : (و) هل تسمونها (المزن؟ قالوا: و) نسميها (المزن) أيضًا، قال في "النهاية": المزن هو الغيم والسحاب واحدته مزنة، وقيل: هي السحابة البيضاء، (قال) رسول الله ﷺ : (و) هل تسمونها (العنان؟ قال أبو بكر: قالوا: و) نسميها (العنان) أيضًا. قال السندي: قوله "قالوا: السحاب" بالنصب؛ أي: نسميه السحاب، أو بالرفع؛ أي: هي السحاب، وكذا الوجهان في المزن والعنان، والمزن -بضم الميم-: السحاب أو أبيضه، والعنان كسحاب وزنًا ومعنىً من عن بمعنى ظهر، وفي "النهاية": العنان- بالفتح-: السحاب والواحدة عنانة، وقيل: ما عنَّ لك منها؛ أي: اعترض وبدا لك إذا رفعت رأسك. انتهى. (قال) رسول الله ﷺ : (كم ترون) أي: كم تظنون بُعْد ما (بينكم وبين السماء؟ قالوا: لا ندري) ولا نعلم قدر بعد ما بيننا وبينها، (قال) رسول الله ﷺ : (فإن بينكم) يا أهل الأرض (وبينها) أي: بين السماء (إما واحدًا) وسبعين سنة؛ أي: بُعْد ما بينكم وبينها إما مسافة إحدى وسبعين سنة، (أو) بينكم وبينها (اثنتين) وسبعين سنة، (أو ثلاثًا وسبعين سنة) قيل: و (إما) و (أو) للشك من الراوي، وقيل: للتنويع، قال

стр. 597

وَالسَّمَاءُ فَوْقَهَا كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرًا بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ === الأردبيلي: الرواية في خمس مئة أكثر وأشهر، فإن ثبت هذا .. فيحتمل أن يقال: إن ذلك باختلاف قوة الملك وضعفه وخفته وثقله، فيكون بسير القوي أقل وبسير الضعيف أكثر، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : "إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثًا وسبعين". انتهى. قال الطيبي: المراد بالسبعين في الحديث: التكثير، لا التحديد؛ لما ورد من أن ما بين السماء والأرض وبين سماء وسماء مسيرة خمس مئة عام، ورد بأنه لا فائدة حينئذ لزيادة واحد واثنين. قلت: لعل التفاوت لتفاوت السائر؛ إذ لا يقاس سير الإنسان بسير الفرس، وفي "بذل المجهود": إنما نبه بتلك الأسماء على أنها حقيقة في السماء المقصود ذكرها، وإن كان يطلق على السحاب أو بالعكس، والله أعلم. قال رسول الله ﷺ : (والسماء فوقها) أي: فوق السماء الدينا؛ يعني: الثانية (كذلك) أي: ما بينها وبين السماء الدنيا، كما بين سماء الدنيا والأرض في البعد؛ أي: إن بعد مسافة ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ذكر ذلك؛ أي: قوله: والسماء فوقها كذلك (حتى عد سبع سماوات، ثم) إن (فوق السماء السابعة بحرًا) بالنصب معطوف على اسم إن في قوله: "فإن بينكم"، وبالرفع على أنه مبتدأ مؤخر للظرف، وجملة قوله: (بين أعلاه وأسفله ... ) إلى آخره .. صفة لبحر؛ أي: إن بُعد ما بين أعلى ذلك البحر وأسفله (كما بين سماء إلى سماء) أي: مثل بعد ما بين سماء إلى سماء. (ثم فوق ذلك) البحر (ثمانية أوعال) بالنصب والرفع على الوجهين السابقين، جمع وَعِل -بفتح فكسر- وهو التيس الجبلي، والمراد: ملائكة على

стр. 598

بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَرُكَبِهِنَّ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللهُ فَوْقَ ذَلِكَ ﵎". === صورة الأوعال (بين أظلافهن) أي: أظلاف تلك الأوعال، جمع ظلف بالكسر؛ وهو للبقر والغنم والظبي كالحافر للفرس والدابة، والخف للبعير، (وركبهن) أي: ركب تلك الأوعال -بضم ففتح- جمع ركبة؛ وهو المفصل بين الساق والفخذ (كما بين سماء إلى سماء) أي: بعد ما بين أظلافهن وركبهن مثل بعد مسافة ما بين سماء إلى سماء. (ثم على ظهورهن) أي: على ظهور تلك الأوعال جمع ظهر؛ وهو عمود البطن الذي يعتمد عليه، معروف، سمي ظهرًا؛ لظهوره من كل حيوان (العرش) أي: هو محمول على ظهورهن (بين أعلاه) أي: أعلى العرش (وأسفله كما بين سماء إلى سماء) أي: من شدة البعد مع قطع النظر عن الحد، وإلا .. فجميع المخلوقات بجنب العرش كحلقة في فلاة على ما ورد به الحديث؛ أي: إن بعد مسافة ما بين أعلى العرش وأسفله كمثل بعد ما بين سماء إلى سماء. (ثم الله) (فوق ذلك ﵎ أي: فوق العرش، وفيه دليل على أنه تعالى فوق العرش، وهذا هو المذهب الحق الذي عليه نلقى الله، وعليه تدل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وهو مذهب السلف الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم من أهل العلم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين. قالوا: إن الله تعالى استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والجهمية قد أنكروا العرش وأن يكون الله فوقه، وقالوا: إنه في كل مكان، ولهم مقالات قبيحة باطلة، وإن شئت الوقوف على

стр. 599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === دلائل مذهب السلف والاطلاع على رد مقالات الجهمية .. فعليك أن تطالع كتاب "الأسماء والصفات" للبيهقي، وكتاب "أفعال العباد" للبخاري، وكتاب "العلو" للذهبي. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود؛ أخرجه في كتاب السنة، باب في الجهمية، والترمذي؛ أخرجه في كتاب التفسير، باب ومن سورة الحاقة من طريق عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن سعد عن عمرو بن قيس عن سماك بن حرب، وقال: هذا حديث حسن غريب، روى الوليد بن أبي ثور عن سماك نحوه ورفعه، وروى شريك عن سماك بعض هذا الحديث، ووقفه ولم يرفعه، قال عبد بن حميد: سمعت يحيى بن معين يقول: ألا يريد عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد الرازي أن يحج حتى يسمع منه هذا الحديث في موسم الحج للرد على الجهمية. قلت: وأخرجه أبو داوود من ثلاث طرق؛ اثنتان منها قويتان، وأخرجه أبو داوود وابن ماجه من طريق الوليد بن أبي ثور. قال الحافظ ابن القيم في "تعليقات سنن أبي داوود": أما رد الحديث بالوليد بن أبي ثور .. ففاسد؛ فإن الوليد لم ينفرد به، بل تابعه عليه إبراهيم بن طهمان كلاهما عن سماك، ومن طريقه رواه أبو داوود، ورواه أيضًا عمرو بن أبي قيس عن سماك، ومن حديثه رواه الترمذي عن عبد بن حميد، أخبرنا عبد الرحمن بن سعد بن عمرو بن أبي قيس. انتهى. ورواه ابن ماجه من طريق الوليد بن أبي ثور عن سماك، وأي ذنب للوليد في هذا، وأي تعلق عليه؟ إنما ذنبه روايته ما يخالف قول الجهمية. انتهى كلامه مختصرًا، انتهى من "تحفة الأحوذي".

стр. 600

(٧٠) - ١٩٢ - (١٨) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَضَى اللهُ أَمْرًا === فالحديث درجته: حسن، وإن كان ضعيف السند في "ابن ماجه"، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم. * * * ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى سادسَ عَشْرِهِ لحديث جرير بحديث أبي هريرة ﵄، فقال: (٧٥) - ١٩٢ - (١٨) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني. قال مسلمة: ثقة، وقال ابن معين: ثقة مأمون صاحب حديث، وكان من أمناء القضاة زمانًا، وقال في "التقريب": صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ)، أو إحدى وأربعين. يروي عنه: (ق). (حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الأعور أبو محمد الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عمرو بن دينار) الجمحي مولاهم أبي محمد المكي الأثرم، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عكرمة) بن عبد الله مولى ابن عباس أبي عبد الله المكي، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) الدوسي المدني ﵁. وهذا السند من خماسياته؛ رجاله اثنان منهم مدنيان، واثنان مكيان، وواحد كوفي، وحكمه: الصحة. (أن النبي ﷺ قال: إذا قضى الله) (أمرًا)
следующие страницы →