عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أُمِّ مُحَمَّد، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ عَرُوسٌ بِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ .. جِئْنَ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ فَأَخْبَرْنَ عَنْهَا
===
البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة، مات سنة ست وستين ومئة (١٦٦ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أم محمد) امرأة زيد بن جدعان، روت عن عائشة، ويروي عنها: ابن زوجها: علي بن زيد، و (د ت ق)، ويقال: اسمها آمنة، ويقال: أمينة، من الثالثة.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو متفق على ضعفه.
(قالت) عائشة: (لما قدم رسول الله ﷺ المدينة) مَقْفَلَهُ من خيبر (وهو ﷺ (عروص بصفية بنت حيي) أي: قريب الزواج بها .. (جئن نساء الأنصار) بعدما استقبلوا عروس رسول الله ﷺ إياها، وقوله: (نساء الأنصار) بدل من فاعل (جئن) نظير قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١).
(فأخبرن) نساء الأنصار (عنها) أي: عن صفية؛ أي: تحدثن عن وصفها
стр. 5392
قَالَتْ: فَتَنَكَّرْتُ وَتَنَقَّبْتُ، فَذَهَبْتُ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَيْنِي فَعَرَفَنِي قَالَتْ: فَالْتَفَتَ فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ فَأَدْرَكَنِي فَاحْتَضَنَنِي فَقَالَ: "كَيْفَ رَأَيْتِ؟ "، قَالَتْ: قُلْتُ: أَرْسِلْ؛ يَهُودِيَّةٌ وَسْطَ يَهُودِيَّاتٍ.
===
وجمالها فيما بينهن (قالت) عائشة: (فتنكرت) أي: غيرت هيئتي ولباسي بحيث لا أُعْرَفُ؛ أي: حتى لا يعرفني أحد (وتنقبت) أي: نزلت خماري على جبهتي من النقاب؛ وهو ستر الوجه من فوق، ضد اللثام؛ وهو ستر الوجه من تحت.
(فذهبت) استقبالًا لرسول الله ﷺ (فنظر رسول الله ﷺ إلى عيني فعرفني، قالت) عائشة: (فالتفت) رسول الله ﷺ إلى جوانبه (فـ) لما التفت (أسرعت المشي) قدامه (فأدركني) أي: لحقني (فاحتضنني) أي: جعلني تحت حاضنه؛ أي: تحت جنبه، والحاضن: ما بين الإبط والحقو (فقال) لي: (كيف رأيت) العروس هل هي جميلة أم لا؟
(قالت) عائشة: فـ (قلت) له ﷺ : (أرسلـ) ها وطلقها؛ هذه (يهودية) تربَّتْ (وسط) أي: بين نساء (يهوديات) فلا تليق بك يا رسول الله.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، فدرجته: أنه ضعيف (٤)(٢١٩)؛ لضعف سنده، ولا شاهد له، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عباس بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 5393
(١٣٤) - ١٩٥٠ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنِ الْبَهِيّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا عَلِمْتُ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيَّ زَيْنَبُ بِغَيْرِ إِذْنٍ وَهِيَ غَضْبَي،
===
(١٣٤) - ١٩٥٠ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة بن المختار العبدي الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زكريا) بن أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي الكوفي أبو يحيي، ثقة، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خالد بن سلمة) بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي الكوفي المعروف بالفأفاء، صدوق رمي بالإرجاء وبالنصب، من الخامسة، قُتِلَ سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ) حين زالت دولة بني أمية. يروي عنه: (م عم).
(عن) عبد الله بن يسار المعروف بـ (البهي) مولى مصعب بن الزبير، صدوق يخطئ، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن عروة بن الزبير قال) عروة: (قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(ما علمت) أي: بقيام الأزواج الطاهرات واستطالتهن واتفاقهن على في تخصيص الناس بالهدايا يومَ نوبة عائشة، وقد جاءت قَبْلَ ذلك؛ أي: قبل مجيء زينب بنت جحش فاطمةُ بإرسالهن لها، وكأنها ما صرحت بتمام الحقيقة، وعند مجيء زينب ظَهَرَ لها تمامُ الحقيقة؛ أي: ما علمت تشاورهن عليَّ (حتى دخلت على زينب) بنت جحش (بغير إذن) مني لها (وهي) أي: والحال أن زينب (غضبى) أي: ذات غضب على.
стр. 5394
ثُمَّ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَحَسْبُكَ إِذَا قَلَبَتْ لَكَ بُنَيَّةُ أَبِي بَكْرٍ ذُرَيْعَتَيْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيَّ فَأَعْرَضْتُ عَنْهَا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دُونَكِ فَانْتَصِرِي"، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهَا حَتَّى رَأَيْتُهَا وَقَدْ يَبِسَ رِيقُهَا فِي فِيهَا مَا تَرُدُّ
===
(ثم) بعدما دخلت على (قالت) زينب لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ أَحَسْبُكَ) الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري؛ أي: أيكفيك فعلُ عائشة ومباشرتُها (إذا قَلَبَتْ) ووضعت (بنيةُ أبي بكر) تصغير بنت، وهي فاعل قَلَبَت" (ذُرَيْعَتَيْهَا؟ ! ) أي: ذراعيها وساعديها على جَنْبَيْكَ؛ تثنيةُ ذُرَيعة، والذُرَيِّعةُ -بضم الذال المعجمة وتشديد ياء- تصغيرُ الذراع، ولحوق الهاء بها؛ لكونها مؤنثة معنىً، ثُمَّ ثَنَّتْها مصغرة وأُضيف إلى الضمير، وأرادَتْ بهما: ساعديها، كذا في "المجمع" و"النهاية"، وفي بعض الأصول بلا هاء التأنيث على الأصل.
و(إذا) في قوله: (إذا قلَبَتْ) ظرف زمان مجرد عن معنى الشرط، فتكون بمعنى: حين، والمعنى: أيكفيك يا رسول الله فِعْلُ عائشة ومباشرتُها؛ لشدة حبك لها لا تلتفت إلى غيرها، حين قلبت ووضعت ساعديها على جنبيك، ولا تنظر إلى غيرها؟ !
حينئذ قالت عائشة: (ثُمَّ) بعدما قالت لرسول الله ذلك الكلام (أقبلَتْ عليَّ) فسبَّتْني واستطالَتْ عليَّ (فأعرضت عنها) أي: أعرضت عن رد مشاتمتها؛ حياء من الرسول ﷺ (حتى قال النبي ﷺ أي: أشارَ لي بقوله: (دونك) أي: خذي حقك عنها، وارددي عليها شتمها إياك (فانتصري) منها؛ أي: انتقمي منها شتمها إياك.
(فأقبلتُ عليها) بالشتم والانتقام منها (حتى) أسكتُها و (رأيتُها وقد يبس ريقها في فيها) أي: وقد يبس فمها عن ريقها، وعجزت عن مجاوبتي و (ما ترد
стр. 5395
عَلَيَّ شَيْئًا، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ.
(١٣٥) - ١٩٥١ - (٦) حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْقَاضِي قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ وَأَنَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
===
على شيئًا) من الجواب (فرأيت النبي ﷺ يتهلل) ويستنير (وجهه) كالهلال حين أسكتها؛ فرحًا بذلك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن عباس بحديث آخر لعائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٥) - ١٩٥١ - (٦) (حدثنا حفص بن عَمْرو) بن ربال بن إبراهيم الرقاشي الربالي البصري، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عمر بن حبيب) بن محمد العدوي (القاضي) البصري، ضعيف، من التاسعة، مات سنة ست أو سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(قال) عمر: (حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمر بن حبيب العدوي، وهو متفق على تضعيفه، وكذبه ابن معين.
(قالت) عائشة: (كنت ألعب بالبنات) أي: باللعب المسمى بلعب البنات (وأنا عند رسول الله ﷺ في بيته؛ وهي التماثيل التي تلعب
стр. 5396
فَكَانَ يُسَرِّبُ إِلَيَّ صَوَاحِبَاتِي يُلَاعِبْنَنِي.
===
بها الصبيات (فكان) ﷺ (يسرب) من التسريب؛ أي: يبعث ويرسل (إلي صواحباتي) من بنات الأنصار، إذا خرج من عندي، حالة كونهن (يلاعبنني) أي: يلعبن معي بتلك البنات في بيته ﷺ ، قال في "النهاية": لعب البنات: هي التماثيل التي تلعب بها الصبيات.
قال القاضي عياض: فيه جواز اتخاذ اللعب وإباحته للجواري، وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ رأى ذلك فلم ينكره، قالوا: وسببه تدريبهن لتربية الأولاد وإصلاح شأنهن وبيوتهن.
قال النووي: ويحتمل أن يكون مخصوصًا من أحاديث النهي عن اتخاذ الصور؛ لما ذكر من المصلحة، ويحتمل أن يكون هذا منهيًا عنه، فكانت قضية عائشة ولعبها في أول الهجرة قبل تحريم الصور.
قال السيوطي في "حاشية النسائي": قلت: ويحتمل أن يكون ذلك؛ لكونهن دون البلوغ، فلا تكليف عليهن؛ كما جاز للولي إلباس الصبي للحرير. انتهى.
قلت: وهذا لا يتمشى على أصول علمائنا الحنفية؛ إذ ليس للولي عندهم الإلباس، وهذا هو الذي تدلط عليه الأحاديث؛ لما جاء النهيُ في صغار أهل البيت من تناول الصدقة، وكذا جاء النهي في الصغار عن الخمر. انتهى "سندي".
وقوله: (يسرب) - بتشديد الراء المكسورة - أي: يبعث ويرسل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، في باب الانبساط للناس، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب اللعب بالبنات، والنسائي في كتاب النِّكَاح، باب البناء بابنة تسع.
стр. 5397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به، ولكن سنده ضعيف، لما قد عرفت.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، وأربعة للاستشهاد، وواحد للاستئناس.
والله أعلم
стр. 5398
(٥١) - (٦١٩) - بَابُ ضَرْبِ النِّسَاءِ
(١٣٦) - ١٩٥٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَهُمْ فِيهِنَّ ثُمَّ قَالَ: "إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمُ
===
(٥١) - (٦١٩) - (باب ضرب النساء)
(١٣٦) - ١٩٥٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة) -بفتحتين بينهما سكون- ابن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي الأسدي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، استشهد يوم الدار مع عثمان. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (خطب النبي ﷺ أي: وعظ الناس بالترغيب والترهيب (ثم ذكر النساء) أي: حقوقهن وضعفهن (فوعظهم) أي: فوعظ الناس في ضحكهم في الضرطة، فقال: "إلامَ يضحك أحدكم بما يفعل؟ ! " يعني: الضرطة، وكانوا في الجاهلية إذا وقع ذلك من أحد منهم في مجلسٍ .. يضحكون، فنهاهم عن ذلك، كذا في "الترمذي"، وفي رواية للبخاري: "لِمَ يضحكُ أحدكم مما يفعل؟ ! "، ووعظهم أيضًا (فيهن) أي: فوعظ الرجال فيهن؛ أي: في شؤونهن وحقوقهن.
(ثم قال: إلام) هي ما الاستفهامية حذف ألفها؛ لدخول (إلى) الجارة عليها؛ فرقًا بينها وبين الموصولة؛ أي: لأجل ما (يجلد) ويضرب (أحدكم
стр. 5399
امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْأَمَةِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُضَاجِعَهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ! ! ".
===
امرأته) وزوجته (جلد الأمة) أي: جلدًا كجلد الأمة، يقال: جلدته بالسوط وبالسيف ونحوهما؛ إذا ضربته جلد الأمة، بالنصب على المفعولية المطلقة، والكلام على التشبيه البليغ؛ أي: مثل جلد الأمة، وفي رواية للبخاري: "بم يضرب أحدكم امرأته ضرب الفحل؟ ! ".
(ولعله) أي: ولعل الذي يجلدها في أول اليوم (أن يضاجعها) أي: يجامعها ويطأها (من آخر يومه؟ ! ) أي: في آخر يومه الذي ضربها في أوله، فكلمة (من) هنا بمعنى: (في) و (أن) زائدة أيضًا.
وعبارة السندي: أي: مذ أنتم على هذه الحال، وإلى متى تبقون على هذه العادة، وهي أن أحدكم يجلد امرأته ضربًا شديدًا؛ كضرب الأمة؛ أي: اتركوا هذه العادة (ولعله) أي: ولعل الذي ضرب امرأته أول النهار (أن) زائدة (يضاجعها) أي: يجامعها؛ أي: فكيف يضربها ذلك الضرب الشديد عند هذه المقاربة؟ ! انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النِّكَاح، باب ما يكره من ضرب النساء، ومسلم في كتاب الجَنَّة، باب النار يدخلها الجبارون، والترمذي في كتاب التفسير، باب من سورة (والشمس وضحاها)، والدارمي في كتاب النِّكَاح، وأحمد.
فدرجة هذا الحديث: أنه في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن زمعة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 5400
(١٣٧) -١٩٥٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا ضرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا.
===
(١٣٧) -١٩٥٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (ما ضرب رسول الله ﷺ قط بيده الشريفة (خادمًا له) حرًّا كان أو عبدًا (وَلَا امرأةً) له حرةً كانت أو أمةً (وَلَا ضرب بيده) الشريفة قط (شيئًا) ممن يملك أمره وتأديبه وانتقامه؛ كالولد والدابة قط في عمره، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله؛ كما في رواية مسلم، وهذا تعميم بعد تخصيص؛ ليشمل غير ما ذكره، وفي هذا الحديث: أن ضرب الزوجة والخادم والدابة، وإن كان مباحأ للتأديب .. فتركه أفضل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفضائل، باب مباعدته ﷺ من الآثام، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب التجاوز في الأمر.
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن زمعة بحديث إياس بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 5401
(١٣٨) -١٩٥٤ - (٣) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَضْرِبُنَّ إِمَاءَ اللهِ"، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى
===
(١٣٨) -١٩٥٤ - (٣) (أخبرنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا سفيان بن عيينة، عن الزهري) محمد بن مسلم المدني.
(عن عبد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب الفاروق أبي عبد الرَّحمن المدني، كان وصي أبيه، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ). يروي عنه: (خ م د ت س ق)، لو رقم له بهذا الرقم (ع) كعادته .. لكان أولي، وفي "تحفة الأشراف" عبيد الله بن عبد الله بن عمر، ولذلك سقط رمز (ق) من ترجمة عبد الله بن عبد الله بن عمر في "تهذيب الكمال" و"التهذيب" و"التقريب" فليتأمل.
(عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب) -بضم المعجمة وموحدتين- الدوسي، نزيل مكة، مختلف في ححبته، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) إياس: (قال النبي ﷺ : لا تضربن) -بضم الباء- أصله: لا تضربونن، حذفت نون الرفع؛ للجازم، والواو؛ لالتقاء الساكنين؛ أي: لا تضربن أيها الرجالى (إماء الله) يعني: أزواجهم (فجاء عمر إلى النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ قد ذئر النساء) أي: غلبن (على
стр. 5402
أَزْوَاجِهِنَّ فَأْمُرْ بِضَرْبِهِنَّ، فَضُرِبْنَ، فَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ طَائِفُ نِسَاءٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ .. قَالَ: "لَقَدْ طَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَة كُلُّ امْرَأَةٍ تَشْتَكِي زَوْجَهَا، فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ".
===
أزواجهن) ونشزن واجترأن عليهم بعدما نهيتهم عن ضرب النساء، قوله: (قد ذئر) من باب فرح: اجترأ وغضب، وذئرت المرأة على بعلها: نشزت.
وقال السيوطي: بذال معجمة وهمزة مكسورة وراء مهملة؛ من باب فرح، أي: نشزن واجترأن (فأمر) بصيغة الأمر؛ أي: فأمر يا رسول للرجال (بضربهن) عقوبةً لنشوزهن عليهم (فضربن) النساء (فطاف) أي: نزل وألم (بـ) بيت (آل محمد ﷺ طائف نساء كثير) لاشْتِكَائِهِنَّ من ضرب الرجال.
والطائفُ: الآتي في الليل؛ أي: جاء ببيتِه اشتكاءً من الرجال، ورآهن رسول الله ﷺ (فلما أصبح) رسول الله ﷺ .. (قال) للرجال: والله (لقد طاف) ونزل وألمَّ (الليلةَ) أي: البارحة (بـ) بيت (آل محمد سبعون امرأةً؛ كلّ امرأة تشتكي زوجَها) أي: من ضربه (فلا تجدون) أيها الرجال (أولئك) الذين يبالغون في ضرب النساء ويُكثرون منه، واسم الإشارة مفعول أول لتجدون، والثاني قوله: (خياركم) لأهليهم الذين أنا كنت منهم، قال السندي: قوله: (فطاف) أي: ألمَّ ونَزَلَ.
قال في "العون": قوله: (إياس بن عبد الله بن أبي ذباب) بضم الذال المعجمة، قال في "الخلاصة": له حديث واحد، وعنه: عبد الله أو عبيد الله بن عبد الله بن عمر فقط، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، فعلى هذا يكون الحديث مرسلًا، وعلى القول بأنه من الصحابة؛ فالحديث موصول، والقاعدة: أن قول المثبت مقدم على قول النافي؛ لما عنده من زيادة علم.
стр. 5403
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "لا تَضْرِبُنَّ إماءَ الله" جمع أمة؛ أي: زوجاتِكم؛ فإنهن جواري اللهِ؛ كما أن الرجال عبيدٌ له تعالى.
قوله: (ذَئِرْنَ النساءُ) من باب: (أكلوني البراغيث)، ومن وادي قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (١)؛ أي: اجترأن ونشزن وغلبن الرجال.
قوله: (فطاف) وفي "أبي داوود": (فأطاف) هذا بالهمز، يقال: أطاف بالشيء: ألم به وقارنه؛ أي: اجْتَمَعَ ونَزَلَ (بآل محمد ﷺ أي: بأزواجه الطاهرات، ودل على أن المال يشمل أمهات المؤمنين.
قوله: (طائف نساء كثير) يشكون أزواجهن؛ أي: من ضربهم إياهن.
قوله: (فقال) النبي ﷺ : "لقد طاف الليلة" هذا بلا همز هنا، وفي "أبي داوود": قال الطيبي: قوله: "لقد طاف" صح بغير همز، والأول بهمز، وفي نسخ "المصابيح" كلاهما بالهمز؛ فهو من طاف حول الشيء؛ أي: دار.
قوله: "ليس أولئك" أي: الرجال الذين يضربون نسائهم ضربًا مبرحًا؛ أي: مطلقًا.
قوله: "خياركم" بل خياركم من لا يضربهن ويتحمل عنهن أذاهن، أو يؤدبهن ولا يضربهن ضربًا شديدًا يؤدي إلى شكايتهن. انتهى منه.
وفي "شرح السنة": في هذا الحديث من الفقه: أن ضرب النساء في منع حقوق النِّكَاح مباح، إلَّا أنه يَضْرِبُ ضربًا غَيْرَ مبرح.
وَوَجْهُ ترتُّبِ السنة على الكتاب في الضرب يحتملُ أنَّ نهي النبي ﷺ عن ضربهن قبل نزول الآية، ثمَّ لمَّا ذَئِرْنَ النساءُ .. أَذِنَ في
стр. 5404
(١٣٩) - ١٩٥٥ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَالْحَسَنُ بْنُ مُدْرِكٍ الطَّحَّانُ
===
ضربهن، ونزل القرآن موافقًا له، ثم لما بالغوا في الضرب .. أخبر ﷺ أن الضرب وإن كان مباحًا على شكاسةِ أخلاقهن .. فالتحمل والصبر على سُوء أخلاقِهن وتركُ الضرب أفضل وأجمل. انتهى من "العون".
فائدة
قال أبو القاسم البغوي: لا أعلمُ روى إياس بن عبد الله غيرَ هذا الحديث، وذكر البخاري هذا الحديث في "تاريخه"، وقال: لا يُعرَفُ لإياسٍ به صحبة، وقال ابن أبي حاتم: إياس بن عبد الله بن أبي ذباب الدوسي مدني له صحبة، سمعتُ أبي وأبا زرعة قالا ذلك. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري وأبو داوود في كتاب النِّكَاح، باب ضرب النساء.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عبد الله بن زمعة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عبد الله بن زمعة بحديث عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٩) - ١٩٥٥ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(والحسن بن مدرك) بن بشير السدوسي أبو علي البصري (الطحان) لا
стр. 5405
قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْأَوْدِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُسْلِيّ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ
===
بأس به، ونسبه أبو داوود إلى تلقين المشايخ، من الحادية عشرة. يروي عنه: (خ س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا يحيى بن حماد) بن أبي زياد الشيباني مولاهم البصري ختن أبي عوانة، ثقة عابد، من صغار التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومئتين (٢١٥ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا أبو عوانة) وضاح -بتشديد المعجمة ثم مهملة- ابن عبد الله اليشكري -بالمعجمة- الواسطي البزاز، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن داوود بن عبد الله الأودي) الزَّعافري -بالزاي والمهملة والفاء- أبي العلاءِ الكوفي، ثقة، من السادسة، وهو غير عم عبد الله بن إدريس. يروي عنه: (عم)
(عن عبد الرحمن المُسْلِي) -بضم الميم وسكون المهملة بعدها لام- نسبة إلى مُسْلِيَةَ من كنانة. روى عن الأشعث بن قيس، ويروي عنه: (دس ق)، مقبول، من الثالثة. انتهى من "التقريب" و"العون".
(عن الأشعث بن قيس) بن معدي كرب الكندي أبي محمد الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، مات سنة أربعين، أو إحدى وأربعين (٤١ هـ)، وله ثلاث وستون سنة. يروي عنه: (ع).
وهو يروي عن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 5406
قَالَ: ضِفْتُ عُمَرَ لَيْلَةً، فَلَمَّا كَانَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قَامَ إِلَى امْرَأَتِهِ يَضْرِبُهَا، فَحَجَزْتُ بَيْنَهُمَا، فَلَمَّا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ. . قَالَ لِي: يَا أَشْعَثُ؛ احْفَظْ عَنِّي شَيْئًا سَمِعْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَ يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، وَلَا تَنَمْ إِلَّا عَلَى وِتْرٍ"، وَنَسِيتُ الثَّالِثَةَ.
===
(قال) الأشعث: (ضفت) -بوزن خفت- أي: صرت ضيفًا، ونزلت عند (عمر) بن الخطاب (ليلة) من الليالي (فلما كان) عمر (في جوف الليل) أي: في وسطه. . (قام) عمر (إلى امرأته) وزوجته حالة كونه (يضربها، فحجزت) أي: كنت حاجزًا (بينهما) أي: بين عمر وزوجته؛ أي: كنت مانعًا له من ضربها.
(فلما) ترك عمر ضربها و (أوى) أي: رجع (إلى فراشه) ومرقده. . (قال لي) عمر: (يا أشعث؛ احفظ عني) أي: خذ عني (شيئًا) أي: حديثًا (سمعته عن رسول الله ﷺ حالة كونه يقول: (لا يسأل الرجل) بالبناء للمجهول وبالرفع على النفي؛ أي: لا يسأل عند الله تعالى يوم القيامة (فيم) أي: في أي شيء (يضرب امرأته) أي: عن سبب ضربه إياها؛ أي: إذا راعى شروط الضرب وحدوده، قال الطيبي: قوله: (لا يسأل) عبارة عن عدم التحرج والتأثم.
(و) قال لي أيضًا: (لا تنم) يا عمر (إلا على وتر) أي: إلا بعد فعل صلاة وتر؛ خوفًا من استغراقك في النوم فتفوتك، قال الأشعث: (ونسيت) المقالة (الثالثة) مما قال لي عمر، أو قال عمر: ونسيت الثالثة مما قال النبي ﷺ .
قال المنذري: وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب النكاح، باب ضرب النساء، والنسائي.
стр. 5407
(١٣٩) - ١٩٥٥ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ بِإِسْنَادِهِ نَحْوَهُ.
===
فدرجة هذا الحديث: الصحة؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عمر رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٣٩) - ١٩٥٥ - (م) (حدثنا محمد بن خالد بن خداش) المهلبي أبو بكر البصري نزيل بغداد الضرير، صدوق يغرب، من صغار العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عوانة).
غرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة عبد الرحمن بن مهدي ليحيى بن حماد في رواية هذا الحديث عن أبي عوانة، وساق عبد الرحمن بن مهدي (بإسناده) أي: بإسناد يحيى بن حماد؛ يعني: عن داوود عن المسلي عن الأشعث (نحوه) أي: نحو حديث يحيى بن حماد وقريبه لفظًا ومعنىً.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخير للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5408
(٥٢) - (٦٢٠) - بَابُ الْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ
(١٤٠) - ١٩٥٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ
===
(٥٢) - (٦٢٠) - (باب الواصلة والواشمة)
(١٤٠) - ١٩٥٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ أنه لعن) وطرد (الواصلة) وهي التي تصل شعرها بشعر آخر، سواء وصلت بشعرها أو بشعر غيرها (والمستوصلة) وهي التي تأمر من يفعل بها ذلك (والواشمة) وهي التي تفعل الوشم بغيرها
стр. 5409
وَالْمُسْتَوْشِمَةَ.
===
(والمستوشمة) وهي التي تأمر من يفعل بها الوشم، والوشم: غرز الإبرة في الوجه ثم يحشى كحلًا أو غيره. انتهى "سندي".
وفي "التحفة": والواشمة: هي التي تشم من الوشم.
قال أْهل اللغة: الوشم -بفتح ثم سكون-: أن يغرز في العضو إبرةً أو نحوها حتى يسيل الدم، ثم يحشى بنورة أو غيرها؛ كحبر، فيخضر.
وقال أبو داوود في "السنن": الواشمة: التي تفعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة: المعمول بها. انتهى.
وذكر الوجه؛ نظرًا للغالب، وأكثر ما يكون في الشفة، وفي آخر حديث الباب في رواية الترمذي قال نافع: الوشم في اللثة، فذكر الوجه ليس قيدًا، وقد يكون في اليد وغيرها من الجسد، وقد يفعل ذلك نقشًا، ويجعل دوائر، وقد يكتب اسم المحبوب.
وتعاطيه حرام؛ بدلالة اللعن؛ كما في حديث الباب، ويصير الموضع الموشوم نجسًا؛ لأن الدم النجس فيه، فيجب إزالته إن أمكن ولو بالجرح، إلا إن خاف منه تلفًا أو شينًا فاحشًا أو فوات منفعة عضوفيجوز إبقاؤه، وتكفي التوبة في سقوط الإثم، ويستوي في ذلك الرجل والمرأة، قاله الحافظ في "الفتح"، والمستوشمة: هي التي تطلب الوشم. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب الوصل في الشعر، باب الموصولة، باب الواشمة. ومسلم في كتاب اللباس، باب تحريم فعل الواصلة، وأبو داوود في كتاب الترجل، باب صلة الشعر، والترمذي في كتاب اللباس، باب في مواصلة الشعر، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 5410
(١٤١) - ١٩٥٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ ابْنَتِي عُرَيِّسٌ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٤١) - ١٩٥٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير.
(عن فاطمة) بنت المنذر بن الزبير بن العوام زوج هشام بن عروة، ثقة، من الثالثة. يروي عنها: (ع).
(عن) جدتها (أسماء) بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أسماء: (جاءت امرأة) لم أر أحدًا من شراح الأمهات ذكر اسم هذه المرأة ولا اسم ابنتها (إلى النبي ﷺ ، فقالت) المرأة: (إن ابنتي عُرَيِّسٌ) أي: قريبة إلى الزواج، أريد أن أزوجها وأجهزها لزوجها.
والعريس -بضم المهملة وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة- تصغير
стр. 5411
وَقَدْ أَصَابَتْهَا الْحَصْبَةُ، فَتَمَرَّقَ شَعْرُهَا فَأَصِلُ لَهَا فِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ".
===
عروس، قلبت الواو ياءً، وزيد عليها ياء التصغير، وأدغمت إحداهما في الأخرى، ويقال للذكر والأنثى: عروس عند الدخول بها (وقد أصابَتْها) أي: أخذتها وطلعَتْ بها (الحَصْبَةُ) -بفتح الحاء المهملة وسكون الصاد المهملة- وهي بُثَرٌ تَخْرُجُ في الجلد تُشْبِهُ الجدري، أو هي هو. وفي رواية فاطمة بنت المنذر عند الطبراني: فاصابتها الحصبة أو الجدري (فتمرَّقَ شعرُها) أي: تساقطَ وانتتفَ شعرُها وتمزَّق.
وفي رواية (تمرط) وكلاهما بمعنىً واحد (فأصل لها فيه؟ ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: أفأصل وأزيد لها؛ أي: لبنتي فيه؛ أي: في شعرها الباقي شعرًا آخر؛ ليطول لها الشعر؟ ووصل الشعر: هو أن يضاف إليه شعر آخر يكثر به. انتهى من "المفهم".
وللطبراني من طريق محمد بن إسحاق عن فاطمة بنت المنذر: (فأصابَتْها الحصبةُ أو الجدري فسقط شعرها، وقد صحت، وزوجُها يَسْتَحِثُّنا، وليس على رأسها شعرٌ، أفنجعلُ على رأسِها شيئًا نُجَمِّلُها به؟ ).
(فقال) لها أي: لتلك المرأة (رسول الله ﷺ في جواب سؤالها: لا يجوز لك وصل شعرها بشعر آخر؛ لأنه (لعن الله) (الواصلة) أي: التي تصل شعر المرأة بشعر آخر (والمستوصلة) أي: التي تطلب من يفعل بها ذلك، ويقال لها: موصولة. انتهى "نووي".
قال محمد الدهني: الواصلة: هي التي توصل شعرها بشعر آخر زورًا وكذبًا، وهي أعم من أن تفعل بنفسها ذلك، أو تأمر غيرها بأن يفعله.
(والمستوصلة): هي التي تطلب هذا الفعل من غيرها وتأمر من يفعل بها
стр. 5412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ذلك، وهي تعم الرجل والمرأة، والتاء إما باعتبار النفس، أو لأن الأكثر أن المرأة هي الآمرة أو الراضية. انتهى.
قال في "المبارق": الرجل والمرأة في ذلك سواء، هذا إذا كان المتصل شعر الآدمي؛ لكراهته، وأما غيره. . فلا بأس بوصله، فيجوز اتخاذ النساء الفراميل من الوبر، والفراميل جمع فِرْمِلٍ، على وزن زبرج؛ وهو ما تربط به النساء شعورهن.
قال القرطبي: وهذا الحديث نص صريح في تحريم وصل الشعر بالشعر؛ وبه قال مالك وجماعة من العلماء، ومنعوا الوصل بكل شيء من الصوف والخرق أو غيرهما؛ لأن ذلك كله في معنى وصله بالشعر، ولعموم نهي رسول الله ﷺ أن تصل المرأة شعرها، وقد شذ الليث بن سعد فأجاز وصله بالصوف والخرق وما ليس بشعر، وهو محجوج بما تقدم، ولا يدخل في هذا النهي ما ربط من الشعر بخيوط الحرير الملونة وما لا يشبه الشعر ولا يكثر؛ وإنما يفعل ذلك للتجمل والزينة. انتهى من "المفهم" باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب وصل الشعر، ومسلم في كتاب اللباس، باب تحريم فعل الواصلة والمستوصلة، والنسائي في كتاب الزينة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، فقال
стр. 5413
(١٤٢) -١٩٥٨ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ عَمْرٍو وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ
===
(١٤٢) -١٩٥٨ - (٣) (حدثنا أبو عمر حفص بن عمر) بن عبد العزيز الدوري المقرئ الضرير الأصغر صاحب الكسائي لا بأس به، من العاشرة، مات سنة ست أو ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(وعبد الرحمن بن عمر) بن يزيد بن كثير الزهري أبو الحسن الأصبهاني، لقبه رسته -بضم الراء وسكون المهملة وفتح المثناة- ثقة له غرائب وتصانيف، من صغار العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي العنبري البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب -بمثناة فوقانية- الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 5414
قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات، وَالْمُتَنَمِّصَات، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ
===
(قال) عبد الله: (لعن رسول الله ﷺ الواشمات) أي: الفاعلات للوشم، (والمستوشمات) أي: المفعولات بهن الوشم (والمتنمصات) أي: الطالبات لنتف شعور وجوههن، والنامصات كما في "مسلم" أي: الناتفات لشعور الوجه من الناس، كلاهما من النَّمْصِ -بفتح النون وسكون الميم-: وهو نتف الشعر.
يقال: نمصت المرأةُ الشعرَ؛ أي: نتفته، والنامصة: هي التي تنتف شعر الوجه من غيرها؛ كما في "القاموس" و"اللسان" و"تاج العروس"، والمتنمصة: هي التي تأمر غيرها بنتف شعر وجهها عنها، وأكثر ما تفعله النساء في الحواجب وأطراف الوجه؛ ابتغاء الجمال والزينة.
وقال محمد الدهني: والنامصة: هي التي تقلع الشعر بالمنماص من الوجه، والمنماص: ما يقلع به الشعر، والمتنمصة: هي التي فعل بها ذلك باختيارها وطلبها، وفي "النهاية": النامصة: هي التي تنتف الشعر من وجهها، والمتنمصة: هي التي تأمر من يفعل ذلك بها، وفي "الدر النثير": هي التي تنتف الشعر من الجبين. انتهى.
والحاصل: أن كليهما منهي عنه حرام بنص هذا الحديث؛ لأنَّ الشارعَ لعَنَهما، واللعن منه: إما دعاء عليهما، وإما بيان لاستحقاقهما له، والله أعلم. انتهى، قال النووي: إلا إذا نبت بالمرأة لحيةٌ أو شوارِبُ. انتهى.
أما إذا نبت للمرأة لحية أو شوارب أو عنفقة. . فأخْذُها حلالٌ عند الحنفية والشافعية، ونقل النووي عن الطبراني أنه حرَّمه أيضًا.
(والمتفلجات) أي: لعنها، جمع متفلجة؛ وهي المرأة التي تبرد بالمِبْرَدِ
стр. 5415
لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ الله، فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، فَجَاءَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ قُلْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، قَالَ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ
===
ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات؛ لتُحدِث انفراجًا بين أسنانها المُصَمَّتَةِ المُنْضَمَّةِ؛ إيهامًا للناس بأنها صغيرةُ السن؛ من الفلج: وهي الفرجة بين الثنايا والرباعيات، وكانت العجائز ومن قاربتهن في السن يَفْعَلْنه؛ لإظهار صغر سنهن؛ لأن هذه الفُرْجةَ اللطيفةَ بين الأسنان تكون للبنات الصغار، فإذا تفلَّجَتْ امرأة كبيرةُ السن. . أوهمت أنها صغيرة في السن؛ ويقال له أيضًا: الوَشْرُ.
أي: لعن الله هذه المذكورات الفاعلات ما ذكر؛ طلبًا (للحسن) والجمال (المغيرات لخلق الله) أي: صورتهن التي خلقهن الله تعالى عليها (قال) علقمة -كما في رواية مسلم-: (فبلغ ذلك) اللَّعْنُ الذي لَعَنَ عبدُ الله لهذه المذكورات (امرأة من بني أسد يقال لها: أم يعقوب) أي: تسمى بهذه الكنية عند الناس.
قال العيني: لم يُدْرَ اسمُها، ومراجعتُها لابن مسعود تدل على أن لها إدراكًا لكن لم يذكرها أحدٌ في الصحابيات. انتهى.
وفي رواية مسلم زيادة: وكانت تلك المرأة تقرأ القرآن (فجاءت) تلك المرأة (إليه) أي: إلى ابن مسعود (فقالت) لابن مسعود: (بلغني عنك) يابن مسعود (أنك قلت: كيت وكيت) أي: كذا وكذا، وفي رواية مسلم: (بلغني عنك) يا عبد الله (أنك لعنت الواشمات والمستوشمات. . .) إلى آخره.
(قال) عبد الله لها: (وما لي) أي: وأي شيء ثبت لي حالة كوني (لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ إياهن (وهو) أي: والحال أن الاقتداء
стр. 5416
في كِتَابِ الله،
===
بالرسول ﷺ فيما فعل وفيما ترك الذي من جملته لعن هذه المذكورات. . مذكور (في كتاب الله) ؟ ! يعني: القرآن؛ كما سيشرحه قريبًا بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)؛ أراد به: أن ما أمر به الرسول ﷺ أو نهى عنه. . فإنه من جملة أوامر الله تعالى ونواهيه؛ لأن كتاب الله أمرنا بإطاعة الرسول ﷺ واتباعه.
قال القرطبي: وقول ابن مسعود للمرأة: (وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله ﷺ ؟ ! ) دليل على: جواز الاقتداء برسول الله ﷺ في إطلاق اللعن علي من لعنه النبي ﷺ معينًا كان أو غير معين؛ لأن الأصل أن النبي ﷺ ما كان يلعن إلا من يستحق ذلك، غير أن هذا يعارضه قوله ﷺ : "اللهم؛ ما من مسلم سببته أو جلدته أو لعنته وليس لذلك بأهل. . فاجعل ذلك له كفارة وطهورًا" رواه مسلم (٢٦٠١)، وهذا يقتضي أنه ﷺ قد يلعن من ليس بأهل للعنة، وقد أشكل هذا على كثير من العلماء، وراموا الانفصال عن ذلك بأجوبة متعددة ذكرها القاضي عياض في كتاب "الشفاء".
وأشبهُ ما يُنْفصَلُ به عن ذلك: أن قوله: "ليس لذلك بأهل" في علم الله؛ وأعني بذلك: أن هذا الذي لعنه رسول الله ﷺ إنما لعنه لسبب صدرمنه يقتضي إباحة لعنه، لكنه قد يكون منهم من يعلم الله تعالى من مآل حاله أنه يقلع عن ذلك السبب ويتوب منه؛ بحيث لا يضره، فهذا هو الذي يعود عليه سب رسول الله ﷺ إياه ولعنه له بالرحمة والطهور والكفارة.
стр. 5417
قَالَتْ: إِنِّي لَأَقْرَأُ مَا بَيْنَ لَوْحَيْهِ فَمَا وَجَدْتُهُ، قَالَ: إِنْ كُنْتِ قَرَأْتِهِ. . فَقَدْ وَجَدْتِه، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْهُ
===
ومن لا يعلم الله ذلك منه. . فإن دعاءه ﷺ زيادة في شقوته وتكثير للعنته، والله تعالى أعلم. انتهى من "المفهم".
فلما فهمت المرأة من هذا القول أن لعن المذكورات في الحديث منصوص عليه في القرآن. . (قالت) المرأة المذكورة: (إني لأقرأ ما بين لوحيه) أي: لوحي كتاب الله ودفتيه وجلديه في الجانبين (فما وجدته) أي: ما وجدت لعن هذه المذكورات في كتاب الله تعالى، فـ (قال) عبد الله لها: (إن كنت قرأته) أي: قرأت كتاب الله حق القراءة بفهم معانيه منطوقًا ومفهومًا. . (فقد وجدته) أي: وجدت لعن هذه المذكورات فيه، والمعنى: لو قرأته بالتدبر والتأمل. . لعرفت ذلك منه (أما) أي: هل ما (قرأت) قوله تعالى: (﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾)؟ (١) ولو كنت تأملت وتدبرت في هذه الآية. . لعرفت ما قلته لك.
ووجه استدلاله على ذلك بالآية: أنه فهم منها تحريم مخالفة رسول الله ﷺ فيما يأمر به وينهى عنه، وأن مخالفَهُ مستحق للَّعْنَة، وهؤلاء المذكورات في الحديث مستحقات للعنة. انتهى من "المفهم".
فـ (قالت) المرأة: (بلى) أي: ليس الأمر عدم قراءتي لهذه الآية، بل قر أتها.
فـ (قال) عبد الله: (فإن رسول الله ﷺ قد نهى عنه)
стр. 5418
قَالَتْ: فَإِنِّي لَأَظُنُّ أَهْلَكَ يَفْعَلُونَ، قَالَ: اذْهَبِي فَانْظُرِي، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ، فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا، قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولِينَ. . مَا جَامَعَتْنَا.
===
أي: عن فعل هذه المذكورات، فـ (قالت) المرأة لعبد الله: (فإني لأظن أهلك) وزوجتك (يفعلون) ذلك الأمر الذي لعَنْتَ عليه، فـ (قال) عبد الله لها: (اذهبي) إلى أهلي (فانظري) ذلك عليهم إن رأيته عليهم؛ يعني: أنه لما رأى على أهله شيئًا من ذلك. . نهاها، فانتهت عنه، وسعت في إزالته حتى زال.
قال علقمة: (فذهبت) المرأة إلى أهله (فنظرت) المرأة إلى أهل عبد الله؛ اسمها زينب بنت عبد الله الثقفية (فلم تر) أم يعقوب على امرأة عبد الله (من حاجتها) ومطلوبها (شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا من تلك المنكرات التي لعن عليها عبد الله؛ اقتداء بالرسول ﷺ ، والكلام على التقديم والتأخير؛ أي: فلم تر شيئًا من حاجتها ومطلبها، فصدَّقَ قوله فعله، فرجعت المرأة إليه بعدما نظرت إلى أهله، فـ (قالت) لعبد الله: (ما رأيتُ) على أهلك (شيئًا) من هذه المنكرات، وهكذا يتعيَّنُ على الرجل أن يُنكر على زوجته مهما رأى عليها شيئًا محرمًا، ويمتنع من وطئها؛ كما قال علقمة.
(قال عبد الله) لأم يعقوب: (لو كانت) امرأتي (كما تقولين) يا أم يعقوب من ملابسة المنكرات. . (ما جامعَتْنا) في لِحاف واحد؛ كناية عن ترك جماعها؛ زجرًا لها عن المنكرات، وفي رواية: (لم نجامعها) أي: لم نطأها ولم نستمتع بها، وهذا ظاهر هذا اللفظ.
ويحتمل بمعنى: لم نجتمع معها في دار ولا بيت؛ فإما بهجران أو بطلاق؛
стр. 5419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كما قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (١)، وإذا كان هذا لأجل حق الزوج. . فلأن يكون لحق الله تعالى أحرى وأولى. انتهى من "المفهم".
قال النووي: قوله: (لم نجامعها) قال جماهير العلماء: معناه: لم نصاحبها، ولم نجتمع نحن ولا هي، بل كنا نطلقها ونفارقها.
قال القاضي: ويحتمل أن معناه: لم نطأها، وهذا ضعيف، والصحيح ما سبق، فيحتج به على أن من عنده امرأة مرتكبة معصية؛ كالوصل، أو ترك الصلاة، أو غيرهما. . ينبغي له أن يطلقها، والله أعلم. انتهى "نووي".
حتى قال بعضهم: وإن كان فقيرًا لا يقدر على أن يعطيها مهرها؛ لأن الموت مدينًا. . أهون من أن يعاشر معها، والله أعلم. انتهى "دهني".
وقال محمد دهني أيضًا: قوله ﵇: "والمتفلجات" -بكسر اللام المشددة- جمع متفلجة؛ كما مر؛ وهي التي تطلب الفلج؛ وهو -بالتحريك-: فرجةٌ ما بين الثنايا والرباعيات، والفَرْقُ بين السنين على ما في "النهاية"، والمراد بهن: النساء اللاتي تفعلُ ذلك بأسنانهن؛ رغبةً للتحسين، وقال بعضهم: هي التي تباعد ما بين الثنايا والرباعيات بترقيق الأسنان بالمبرد، وقال القرطبي: والمتفلجات: جمع متفلجة؛ وهي التي تفعل الفلج في أسنانها؛ أي: تُعانِيه حتى ترجع المصمَّتةُ الأسنان خِلْقَةً فَلْجَاءَ صَنْعةً.
وفي كتاب غير مسلم: (الواشرات) وهي جمع واشرةٍ؛ وهي التي تَشِرُ أسنانها؛ أي: تصنع فيها أثرًا؛ وهي التحزيزات التي تكون في أسنان الشبان، تفعل ذلك المرأة الكبيرة؛ تشبهًا بالشابة.
стр. 5420
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد وقع في رواية الهوزني أحد رواة مسلم مكان (الواشمة والمستوشمة): (الواشية والمستوشية) بالياء المثناة تحتُ مكان الميم، وهي من الوشي؛ أي: تَشِي المرأةُ نفسها بما تفعله فيها من التنميص والتفليج والأشر وغير ذلك، وبالميم أشهر.
وهذه الأمور كلها قد شهدت الآيات بلعن من يفعلها، وبأنها من الكبائر، واختلف في المعنى الذي لأجله نهي عنها: فقيل: لأنها من باب التدليس، وقيل: من باب تغيير خلق الله، الذي يحمل الشيطان عليه ويأمر به؛ كما قال تعالى مخبرًا عنه: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ (١)، وهو الذي أومأ إليه في الحديث بقوله: "المغيرات خلق الله"، وفيه تصريح بأن الوَصْلَ والوشم والنمص وغيرها. . من جملة تغيير خلق الله تعالى الذي يفعله الإنسان بإغواء من الشيطان، والذي نهى الله عنه في كتابه المجيد.
وقال القرطبي في "تفسيره" (٥/ ٣٩٢): ثم قيل: هذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى؛ فأما ما لا يكون باقيًا؛ كالكُحْلِ والتزيُّنِ به للنساء. . فقد أجازه العلماء مالك وغيره، وكرهه مالك للرجال، وأجاز مالك أيضًا أن تَشِيَ المرأةُ يديها بالحناء.
والحاصل: أن كل ما يُفعل في الجسم؛ من زيادة أو نقص؛ من أجل الزينة بما يجعل الزيادة أو النقصان مستمرًا مع الجسم، وبما يبدو منه أنه كان في أصل الخلقة هكذا. . فإنه تلبيسٌ وتغيير منهي عنه، وأما ما تزيَّنَتْ به المرأةُ لزوجها؛ من تحمير الأيدي أو الشفاهِ أو للعارضين بما لا يلتبس أصل الخلقة. . فإنه ليس داخلًا في النهي عند جمهور العلماء.
стр. 5421
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما قطعُ الإصبعِ الزائدة ونحوِها. . فإنه ليس تغييرًا لخلق الله، وإنه من قبيل إزالة عَيْبٍ أو مرض، فأجازه أكثرُ العلماء، خلافًا لبعضهم؛ كالطبري. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب المستوشمة، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم فعل الواصلة، وأبو داوود في كتاب الترجل، باب في صلة الشعر، والترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في الواصلة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الزينة، باب المتنمصات، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المصنف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5422
(٥٣) - (٦٢١) - بَابٌ: مَتَى يُسْتَحَبُّ الْبِنَاءُ بِالنِّسَاءِ ؟
(١٤٣) - ١٩٥٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ،
===
(٥٣) - (٦٢١) - (باب: متى يستحب البناء بالنساء؟ )
(١٤٣) - ١٩٥٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح) بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (دق).
(حدثنا يحيى بن سعيد) القطان، ثقة إمام، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من وكيع ويحيى بن سعيد رويا (عن سفيان) الثوري.
(عن إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المكي، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عروة) بن الزبير بن العوام أبي بكر الأسدي المدني، ثقة ثبت فاضل، من الثالثة، بقي إلى أواخر دولة بني أمية، وكان مولده سنة خمس وأربعين (٤٥ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن) أبيه (عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثالثة، مات قبل المئة سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 5423
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ،
===
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من سباعياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (تزوجني) أي: نكحني (النبي ﷺ وعقد على بعد موت خديجة ونكاح سودة وهو بمكة (لست سنين) من عمري؛ كما في رواية مسلم.
أي: إنها في وقت نكاحها صغيرة بنت ست سنوات (في شوال، وبنى بي) أي: دخل علي بعد الهجرة بسبعة أشهر (في شوال) أيضًا (وأنا بنت تسع سنين) من عمري؛ كما في رواية مسلم؛ أي: زُفِفْتُ إليه وحُملت إلى بيته، يقال: بنى عليها، وبنى بها، والأول أفصح، وأصله: أن الرجل كان إذا تزوج. . بني للعُرْسِ خباءً جديدًا، أو عمَّرَهُ بما يحتاج إليه، ثم كثر في كلامهم حتى كُنيَ به عن الدخول، أفاده الفيومي.
وأخرج الإسماعيلي: من طريق عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام عن أبيه أنه كتب إلى الوليد: إنك سألتني متى توفيت خديجة؟ وإنها توفيت قبل مخرج النبي ﷺ من مكة بثلاث سنوات أو قريبٍ من ذلك، ونكح النبي ﷺ عائشة بعد وفاة خديجة، وعائشة بنت ست سنين، ثم إن النبي ﷺ بني بها بعدما قدم المدينة، وهي بنت تسع سنين.
قال الحافظ بعد الكلام الكثير: وإذا ثبت أنه بني بها في شوال من السنة الأولى من الهجرة. . قوي من قال: إنه دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر، وقد
стр. 5424
فَأَيُّ نِسَائِهِ كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تُدْخَلَ نِسَاؤُهَا فِي شَوَّالٍ.
===
وهاه النووي في "تهذيبه"، وليس بواهٍ إذا عددناه من ربيع الأول، وجزمه بأن دخوله بها كان في السنة الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين.
وقال الدمياطي في "السيرة" له: ماتت خديجة في رمضان، وعقد على سودة في شوال، ثم على عائشة، ودخل بسودة قبل عائشة.
قالت عائشة: (فأي نسائه) وأزواجه ﷺ (كان أحظى) أي: أكثر حظًا وأرفع منزلة (عنده) ﷺ (مني؟ ! ) تريد بهذا الكلام: رد ما اشتهر عند الناس من كراهية التزوج في شوال؛ لأنه من أشهر الحج. انتهى "سندي".
قال عروة -كما في رواية مسلم-: (وكانت عائشة تستحب) أي: تحب للاتباع لا لاعتقادِ سعودٍ فيه (أن تُدخَل) بالبناء للمجهول، وقولهُ: (نساؤُها) نائب فاعل؛ أي: أن تُزوَّج نساءُ أقاربها ويُبنى عليهن (في) شهر (شوال) للاتباع.
ويصح بناؤُه للفاعل؛ من الإدخال، والضمير المستتر فيه لعائشة؛ أي: أن تُدْخِلَ عائشةُ نساءَ أقاربها على زوجها في شوال وتُزَفِّفها إليه؛ اقتداءً بالنبي ﷺ .
قولُها: (تزوَّجني في شوال، وبنى بني في شوال، فأيُّ نسائِهِ كان أَحْظى عنده مني؟ ! ) قال النووي: مرادُها بهذا الكلام: رَدُّ ما كانت عليه الجاهلية، وما يُخيِّلُه بعضُ العوام اليومَ من كراهةِ التزوجِ والتزويجِ والدخولِ في شوال، وهذا باطل لا أَصْلَ له، وهو من آثار الجاهلية، كانوا يَتطيَّرون
стр. 5425
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بذلك؛ لما في اسم شوال من الإشالةِ والرَّفْعِ. انتهى منه.
وقولُها: (فأيُّ نساء رسول الله ﷺ كان أحظى) أي: كان أكثر حظوة ونصيبًا وأرفع منزلة (عنده) ﷺ (مني؟ ! ) تشير به إلى حظوتها برسول الله ﷺ ، وهي رفعة منزلتها عنده ﷺ .
يقال: حَظِيَ فلانٌ عند الناس يحظى -من باب رضي وتَعِبَ- حِظَةً -وِزانَ عِدَةٍ - وحظوة -بضم الحاء وكسرها- إذا أحبوه ورفعوا منزلتَه.
قوله: (قال) عروة: (وكانت عائشة تستحب) أي: تحب؛ فالسين والتاء فيه زائدتان (أن تدخل) بضم التاء؛ من أدخل الرباعي (نساءها) أي: نساء أقربائها اللاتي نكحن على أزواجهن (في شوال) للاتباع لا لاعتقادِ سعودٍ فيه.
قال القرطبي: قولها: (تزوجني رسول الله ﷺ في شوال. . .) الحديث. إنما قالت عائشة هذا الكلام؛ لترُدَّ به قولَ من كان يكره عقد النكاح في شوال، ويتشاءمُ به من جهة أن شوالًا من الشول؛ وهو الرفع، ومنه: شالت الناقة ذنبها، وقد جعلوه كنايةً عن الهلاك؛ إذ قالوا: شالت نعامتهم؛ أي: هلكوا.
فشوال معناه: كثير الشول؛ فإنه للمبالغة، فكأنهم يتوهمون أن كل من تزوج في شوال منهن شالَ الشَّنَآنُ بينها وبين زوجها، أو شالَتْ نفرتُه منها فلم تَحْصُلْ لها حظوةٌ عنده، ولذلك قالت عائشة رَادَّةً الوَهْمَ: (فأيُّ نسائه كان أحظى عنده مني؟ ! ) أي: لم يَضُرَّني ذلك ولا نقَصَ من حظوتي، ثم إنها تبرَّكَتْ بشهرِ شوال، فكانت تُحِبُّ أن تُدْخَلَ نساؤُها على أزواجهن في شوال
стр. 5426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الذي حصلَ لها فيه من الخيرِ برسول الله ﷺ ومن الحظوةِ عنده، ولمخالفةِ ما يقول الجُهَال من ذلك.
ومن هذا النوع كراهةُ الجهال عندنا اليومَ عقدَ النكاح في شهرِ المحرم، بل ينبغي أن يُتيَمَّنَ بالعقدِ والدخولِ فيه؛ تمسُّكًا بما عظَّمَ اللهُ ورسولُه من حرمته، ورَدْعًا للجهال عن جهالاتهم. انتهى من "المفهم".
وفي "فتح الملهم": قولها: (كان أَحْظَى عنده مني) أي: أقربَ إليه وأسعدَ به أو أكثرَ نصيبًا مني.
وفي "شرح النقاية" لأبي المكارم: كَرِهَ بعضُ الروافض النكاحَ بين العيدين.
وقال السيوطي في "حاشيتِه على مسلم": روى ابنُ سعدٍ في "طبقاتِه" عن أبي حاتم قال: إنما كَرِهَ الناسُ أن يتزوَّجوا في شوال؛ لطاعونٍ وقع فيه في الزمنِ الأول. انتهى.
قوله: (وكانَتْ تَسْتَحِبُّ. . .) إلى آخره، قال النووي: فيه استحبابُ التزوج والتزويج والدخولِ في شوال، وقد نصَّ أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث.
وقال الشوكاني: والحديثُ إنما يدُلُّ على استحبابِ ذلك في شوال، إذا تبيَّن أن النبيَّ ﷺ قَصَدَ ذلك لخصوصيةٍ له لا تُوجَدُ في غيرِه، لا إذا كان وقوعُ ذلك اتفاقًا منه ﷺ على طريق الاتفاق، وكونه بعض أجزاء الزمان؛ فإنه لا يدل على الاستحباب؛ لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وقد تزوج ﷺ نساءه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق، ولم يتحر وقتًا مخصوصًا، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب. . لكان كل
стр. 5427
(١٤٤) - ١٩٦٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،
===.
وقت من الأوقات التي تزوج فيها النبي ﷺ يستحب البناء فيه، وهو غير مسلَّم. انتهى، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب التزوج والتزويج في شوال، والترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في الأوقات التي يستحب فيها النكاح، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سفيان عن إسماعيل بن أمية، والنسائي في كتاب النكاح، باب التزويج في شوال، باب البناء في شوال.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٤) - ١٩٦٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر) الشامي نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان، ثقة، من التاسعة، مات في أول سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا زهير) بن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، إمام المغازي،
стр. 5428
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ
===
صدوق يدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
وقال ابن سعد: كان محمد بن إسحاق ثقةً، ومن الناس من يتكلم فيه ممن ليس من أهل الجرح والتعديل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: تكلم فيه رجلان: هشام ومالك؛ فأما قول هشام. . فليس مما يجرح به الإنسان، وأما مالك. . فإن ذلك وقع منه مرة واحدة، ثم عاد له إلى ما يحب، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم. انتهى من "التهذيب"، راجع إليه، وهو لا يضر السند وإن كان مدلسًا. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن الحارث بن هشام) المكي، روى عن أبيه، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق)، والصواب: عن عبد الرحمن بن الحارث، بدل: عبد الملك بن الحارث.
(عن أبيه) الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم
стр. 5429
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ سلَمَةَ فِي شَوَّالٍ، وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي شَوَّالٍ.
===
أبي عبد الرحمن المكي، من مسلمة الفتح، استشهد بالشام في خلافة عمر، وله ذكر في "الصحيحين" أنه سأل عن كيفية مجيء الوحي رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ق).
وفي "التهذيب": وللحارث ذكر في "الصحيح" في حديث عائشة أنه سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي. . . الحديث، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والبغوي في "معجم الصحابة" من طريق أخرى فيها: عن عائشة عن الحارث بن هشام أخي أبي جهل عمرو بن هشام. انتهى "تهذيب".
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات، ولا يضر فيه ابن إسحاق؛ لأن بعضهم وثقه؛ كما مر آنفًا.
(أن النبي ﷺ تزوج أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية ونكحها (في شوال، وجمعها) أي: ضمها (إليه) بالدخول (في شوال).
وهذا الحديث انفرد ابن ماجه بإخراجه عن الحارث بن هشام، وليس له شيء في الكتب الخمسة الأصول، وهكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، وله شاهد في "صحيح مسلم" وغيره من حديث عائشة، انظر الحديث الذي قبله.
ورواه محمد بن يزيد المستملي عن أسود بن عامر بإسناده إلا أنه قال: عبد الرحمن بن الحارث، بدل: عبد الملك بن الحارث، وهو أولى بالصواب.
стр. 5430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا من حديث عائشة، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم