. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الذي حصلَ لها فيه من الخيرِ برسول الله ﷺ ومن الحظوةِ عنده، ولمخالفةِ ما يقول الجُهَال من ذلك.
ومن هذا النوع كراهةُ الجهال عندنا اليومَ عقدَ النكاح في شهرِ المحرم، بل ينبغي أن يُتيَمَّنَ بالعقدِ والدخولِ فيه؛ تمسُّكًا بما عظَّمَ اللهُ ورسولُه من حرمته، ورَدْعًا للجهال عن جهالاتهم. انتهى من "المفهم".
وفي "فتح الملهم": قولها: (كان أَحْظَى عنده مني) أي: أقربَ إليه وأسعدَ به أو أكثرَ نصيبًا مني.
وفي "شرح النقاية" لأبي المكارم: كَرِهَ بعضُ الروافض النكاحَ بين العيدين.
وقال السيوطي في "حاشيتِه على مسلم": روى ابنُ سعدٍ في "طبقاتِه" عن أبي حاتم قال: إنما كَرِهَ الناسُ أن يتزوَّجوا في شوال؛ لطاعونٍ وقع فيه في الزمنِ الأول. انتهى.
قوله: (وكانَتْ تَسْتَحِبُّ. . .) إلى آخره، قال النووي: فيه استحبابُ التزوج والتزويج والدخولِ في شوال، وقد نصَّ أصحابنا على استحبابه، واستدلوا بهذا الحديث.
وقال الشوكاني: والحديثُ إنما يدُلُّ على استحبابِ ذلك في شوال، إذا تبيَّن أن النبيَّ ﷺ قَصَدَ ذلك لخصوصيةٍ له لا تُوجَدُ في غيرِه، لا إذا كان وقوعُ ذلك اتفاقًا منه ﷺ على طريق الاتفاق، وكونه بعض أجزاء الزمان؛ فإنه لا يدل على الاستحباب؛ لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل، وقد تزوج ﷺ نساءه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق، ولم يتحر وقتًا مخصوصًا، ولو كان مجرد الوقوع يفيد الاستحباب. . لكان كل
стр. 5427
(١٤٤) - ١٩٦٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ،
===.
وقت من الأوقات التي تزوج فيها النبي ﷺ يستحب البناء فيه، وهو غير مسلَّم. انتهى، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب النكاح، باب استحباب التزوج والتزويج في شوال، والترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في الأوقات التي يستحب فيها النكاح، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث سفيان عن إسماعيل بن أمية، والنسائي في كتاب النكاح، باب التزويج في شوال، باب البناء في شوال.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٤) - ١٩٦٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أسود بن عامر) الشامي نزيل بغداد، يكنى أبا عبد الرحمن، ويلقب شاذان، ثقة، من التاسعة، مات في أول سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا زهير) بن معاوية بن حديج أبو خيثمة الجعفي الكوفي، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، إمام المغازي،
стр. 5428
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ
===
صدوق يدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
وقال ابن سعد: كان محمد بن إسحاق ثقةً، ومن الناس من يتكلم فيه ممن ليس من أهل الجرح والتعديل، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: تكلم فيه رجلان: هشام ومالك؛ فأما قول هشام. . فليس مما يجرح به الإنسان، وأما مالك. . فإن ذلك وقع منه مرة واحدة، ثم عاد له إلى ما يحب، ولم يكن يقدح فيه من أجل الحديث، إنما كان ينكر عليه تتبعه غزوات النبي ﷺ من أولاد اليهود الذين أسلموا وحفظوا قصة خيبر وغيرها، وكان ابن إسحاق يتتبع هذا منهم من غير أن يحتج بهم. انتهى من "التهذيب"، راجع إليه، وهو لا يضر السند وإن كان مدلسًا. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري النجاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن الحارث بن هشام) المكي، روى عن أبيه، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق)، والصواب: عن عبد الرحمن بن الحارث، بدل: عبد الملك بن الحارث.
(عن أبيه) الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم
стр. 5429
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ أُمَّ سلَمَةَ فِي شَوَّالٍ، وَجَمَعَهَا إِلَيْهِ فِي شَوَّالٍ.
===
أبي عبد الرحمن المكي، من مسلمة الفتح، استشهد بالشام في خلافة عمر، وله ذكر في "الصحيحين" أنه سأل عن كيفية مجيء الوحي رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ق).
وفي "التهذيب": وللحارث ذكر في "الصحيح" في حديث عائشة أنه سأل النبي ﷺ : كيف يأتيك الوحي. . . الحديث، وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده"، والبغوي في "معجم الصحابة" من طريق أخرى فيها: عن عائشة عن الحارث بن هشام أخي أبي جهل عمرو بن هشام. انتهى "تهذيب".
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات، ولا يضر فيه ابن إسحاق؛ لأن بعضهم وثقه؛ كما مر آنفًا.
(أن النبي ﷺ تزوج أم سلمة) هند بنت أبي أمية المخزومية ونكحها (في شوال، وجمعها) أي: ضمها (إليه) بالدخول (في شوال).
وهذا الحديث انفرد ابن ماجه بإخراجه عن الحارث بن هشام، وليس له شيء في الكتب الخمسة الأصول، وهكذا رواه ابن أبي شيبة في "مسنده"، وله شاهد في "صحيح مسلم" وغيره من حديث عائشة، انظر الحديث الذي قبله.
ورواه محمد بن يزيد المستملي عن أسود بن عامر بإسناده إلا أنه قال: عبد الرحمن بن الحارث، بدل: عبد الملك بن الحارث، وهو أولى بالصواب.
стр. 5430
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا من حديث عائشة، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5431
(٥٤) - (٦٢٢) - بَابُ الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا
(١٤٥) - ١٩٦١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ مَنْصورٍ ظَنَّهُ عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ خَيْثَمَةَ،
===
(٥٤) - (٦٢٢) - (باب الرجل يدخل بأهله قبل أن يعطيها شيئًا)
(١٤٥) - ١٩٦١ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الهيثم بن جميل) -بفتح الجيم- البغدادي أبو سهل، نزيل أنطاكية، ثقة من أصحاب الحديث، وكأنه ترك فتغير، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (خ ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك النخعي الكوفي القاضي، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان فاضلًا عادلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(ظنه) أي: ظن منصور أن هذا الحديث رواه (عن طلحة) بن مصرف بن عمرو بن كعب اليامي -بالتحتانية- الكوفي، ثقة قارئ فاضل، من الخامسة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن خيثمة) بن عبد الرحمن بن أبي سبرة -بفتح المهملة وسكون
стр. 5432
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُدْخِلَ عَلَى رَجُلٍ امْرَأَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُعْطِيَهَا شَيْئًا.
===
الموحدة- الجعفي الكوفي، ثقة، وكان يرسل، من الثالثة، مات دون المئة بعد سنة ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ أمرها) أي: أمر عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بـ (أن تدخل) من الإدخال (على رجل) وتُزفِّف وتجهِزَ له (امرأتَه) أي: زوجته، لم أر من ذكر اسم هذا الرجل واسم هذه المرأة (قبل أن يعطيها) أي: قبل أن يعطي امرأته (شيئًا) من مهرها قليلًا ولا كثيرًا.
وفي الحديث: أنه لا يشترط في صحة النكاح أن يسلِّم الزوجُ إلى المرأة مهرها قبل الدخول، قال العلامة الشوكاني: ولا أعرف في ذلك اختلافًا بين العلماء. انتهى من "العون".
قال أبو داوود في "سننه": وخيثمة لم يسمع من عائشة، وفي "العون": هذه العبارة لم توجد في جميع النسخ، بل إنما وجدت في بعضها، وخيثمة هذا هو ابن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي الكوفي. روى عن: أبيه، وعن علي، وعن عائشة، وعن أبي هريرة، وجماعة، ويروي عنه: إبراهيم، والحكم بن عتيبة، وعمرو بن مرة، وطلحة بن مصرف.
قال الأعمش: ورث خيثمة مئتي ألف درهم، وأنفقها على الفقراء. وثقه ابن معين والعجلي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب النكاح، باب في الرجل يدخل بامرأته قبل أن ينقدها شيئًا.
стр. 5433
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به للترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5434
(٥٥) - (٦٢٣) - بَابٌ: مَا يَكُونُ فِيهِ الْيُمْنُ وَالشُّؤْمُ
(١٤٦) - ١٩٦٢ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمٍ الْكَلْبِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَمِّهِ مِخْمَرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ
===
(٥٥) - (٦٢٣) - (باب: ما يكون فيه اليمن والشؤم)
(١٤٦) - ١٩٦٢ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي خطيبها، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي -بالنون- أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثني سليمان بن سليم الكلبي) أبو سلمة الشامي القاضي بحمص، ثقة عابد، من السابعة، مات سنة سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن يحيى بن جابر) بن حسان الطائي أبي عمرو الحمصي القاضي، ثقة، من السادسة، وأرسل كثيرًا، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن حكيم بن معاوية) بن حيدة القشيري، والد بهز بن حكيم المشهور، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
روى حكيم (عن عمه مِخْمَر) بوزن منبر (بن معاوية) النميري الصحابي الفاضل، رضي الله تعالى عنه، قليل الحديث. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 5435
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا شُؤْمَ، وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالدَّارِ".
===
(قال) مِخْمَرٌ: (سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: لا شؤم) في شيء من الأشياء؛ بأن يكون لشيء تأثير في الشر، وهذا لا ينافي أن يكون الشيء سببًا عاديًا للشر؛ بجعل الله تعالى إياه كذلك.
والشؤم: بضم المعجمة وسكون الهمزة، وقد تسهل فتصير واوًا، قال في "النهاية": الواو في (الشؤم) همزة، ولكنها خففت، فصارت واوًا، وغلب عليها التخفيف حتى لم ينطق بها مهموزةً، ولذلك أثبتناها ها هنا، والشؤم ضد اليمن، يقال: تشاءمت بالشيء، وتيمنت به.
(وقد يكون اليمن) -بضم الياء وسكون الميم- وهو أن يكون الشيء سببًا عاديًا للخير لا بمعنى التأثير فيه (في ثلاثة) أشياء: (في المرأة، والفرس، والدار) أي: قد تكون البركة في هذه الأشياء؛ كما يكون الشؤم فيها؛ فيُمْنُ المرأة: كونها صالحةً، ويُمْنُ الفرس: كونه صالحًا للغزو عليه، ويُمْنُ الدار: قربها إلى المسجد، وصلاح جيرانها.
وشؤم المرأة: عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للريب، وشؤم الفرس: ألا يغزى عليها، وقيل: حِرانُها، وغلَاءُ ثمنها، وشؤم الدار: ضيقها، وسوء جيرانها وأذاهم، وبعدها عن المسجد، وشؤم الخادم: سوء خلقه، وقلة تعهده لما فُوِّض إليه، وقيل: المراد بالشؤم هنا: عدم الموافقة.
واعترض بعض الملاحدة هذا الحديث بحديث: "لا طيرة".
فأجاب ابن قتيبة وغيره: بأن هذا مخصوص من حديث: "لا طيرة" أي: لا طيرة إلا في هذه الثلاثة. انتهى "تحفة الأحوذي".
стр. 5436
(١٤٧) - ١٩٦٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الأدب، باب ما جاء في الشؤم.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث مِخْمَرٍ بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٧) - ١٩٦٣ - (٢) (حدثنا عبد السلام بن عاصم) الجعفي الهِسِنْجَانِيُّ -بكسر الهاء والمهملة وسكون النون بعدها جيم- الرازي، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نافع) بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الزبيري أبو بكر المدني، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة بضع عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا مالك بن أنس) الإمام في الفروع، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني القاضي، مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي أبي العباس المدني، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مشهور، مات
стр. 5437
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنْ كَانَ: فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمَسْكَنِ؛ يَعْنِي: الشُّؤْمَ".
===
سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: إن كان) الشؤم. . (فـ) يكون (في الفرس) فشؤمه: ألا يغزى عليه (و) في (المرأة) وشؤمها: عدم ولادتها (و) في (المسكن) وشؤمها: ضيقها (يعني) النبي ﷺ بقوله: "إن كان" (الشؤم) أي: إن كان الشؤم ووجد، وهذا تفسير لاسم كان في أول الحديث.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب ما يذكر من شؤم الفرس، ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث مِخْمَرِ بن معاوية.
قال السندي: "إن كان" أي: الشؤم؛ يريد: أنها أسباب عادية لما يقع في قلب المتشائم بهذه الأشياء، وقيل: المعنى: لو كان الشؤم في شيء. . لكان في هذه الأشياء، لكنه غير ثابت في هذه الأشياء، فلا ثبوت له أصلًا، لكن الجمع بين الروايات يؤيد الأول. انتهى منه.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث مخمر بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 5438
(١٤٨) - ١٩٦٤ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْفَرَسِ
===
(١٤٨) - ١٩٦٤ - (٣) (حدثنا يحيى بن خلف) الباهلي (أبو سلمة) البصري الجوباري -بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة- صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م دت ق).
(حدثنا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي -بقاف ومعجمة- أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت عابد، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن إسحاق) بن عبد الله بن الحارث بن كنانة المدني، نزيل البصرة، ويُقال: عَبَّاد، صدوق رمي بالقدر، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن الزهري) ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: الشؤم) أي: الشر، وهو ضد اليمن؛ أي: لو كان في شيء على عادة الجاهلية. . لكان (في ثلاث) الصواب: (في ثلاثة) لأن المعدود مذكر: (في الفرس) بألا يُغزى عليه، أو يكون حَرَّانًا؛
стр. 5439
وَالْمَرْأَةِ وَالدَّارِ".
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ أَنَّ جَدَّتَهُ زَيْنَبَ حَدَّثَتْهُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
===
أي: بطيءَ الجري (و) في (المرأة) بألا تلد، وبأن تكون لَسْنَاءَ (و) في (الدار) بأن تكون ضيقةً سيئة الجيران.
قال القرطبي: يعني: أن هذه الثلاثة أكثر ما يتشاءم الناس بها؛ لملازمتهم إياها، فمن وقع في نفسه شيء من ذلك. . فقد أباح الشرع له أن يتركه ويَسْتَبْدِلَ به غيرَهُ مما تطيب به نفسه، ويسكن له خاطره، ولم يلزمه الشرع أن يقيم في موضع يكرهه، أو مع امرأةٍ يكرهها، بل قَدْ فُسِحَ له في ترك ذلك كله، لكن مع اعتقاد أن الله تعالى هو الفعَّالُ لما يريد، وليس لشيء من هذه الثلاثة أَثَرٌ -من التأثير- في الوجود، وهذا على طِبْقِ ما ذَكرْنَاهُ في المجذوم.
فإن قيل: هذا يجري في كل متطيَّرٍ به، فما وجه خصوصية هذه الثلاثة بالذكر؟ فالجواب: ما نبهنا عليه من أن هذه الثلاثة ضرورية في الوجود، ولا بد للإنسان منها ومن ملازمتها غالبًا، فأكثر ما يقع التشاؤم بها، فخصَّها بالذكر لذلك. انتهى من "المفهم".
(قال الزهري) محمد بن مسلم بالسند السابق: (فحدثني أبو عبيدة) اسمه كنيته (ابن عبد الله بن زمعة) بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، مقبول، من الثالثة، وأبوه عبد الله بن زمعة، صحابي مشهور (أن جدته) أي: جدة أبي عبيدة (زينب) بنت أم سلمة المخزومية ربيبة رسول الله ﷺ (حدثته عن أم سلمة) أم المؤمنين، رضي الله تعالى عنهما.
стр. 5440
أَنَّهَا كَانَتْ تَعُدُّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ وَتَزِيدُ مَعَهُنَّ السَّيْفَ.
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ومن لطائفه: أن فيه رواية صحابية عن صحابية، وبنت عن والدتها.
(أنها) أي: أن أم سلمة (كانت تعد هؤلاء الثلاثة) الفرس والمرأة والدار (وتزيد) أي: وتَذْكُرُ (معهن) أي: مع هؤلاء الثلاثة المذكورة سابقًا (السيفَ) وشؤمُه: عدمُ الجهاد به، فيكون مجموع ما فيه الشؤم في حديث أم سلمة أربعًا مع زيادة السيف.
فإن قلت: هذه الأحاديث تعارض حديث عموم نفي الطيرة والعدوى في قوله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة"، فما وجه الجمع بينهما؛ أي: فما وجه التوافق بين حديث نفي العدوى والطيرة، وبين قوله في هذه الأحاديث: "الشؤم في ثلاثة. . ." إلى آخره؟
قلت: قد جمعوا بينهما بوجوه:
منها: أن قوله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة. . ." إلى آخره، كان في أول الأمر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ والآية (١)، حكاه ابن عبد البر.
وعورض بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، لا سيما مع إمكان الجمع، وقد ورد في حديث ابن عمر عند البخاري نفي التطير، ثم إثباته في الأشياء الثلاثة، ولفظه: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة، والدار، والدابة".
ومنها: ما قال الخطابي: هو استثناء من غير الجنس، معناه: إبطال مذهب
стр. 5441
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الجاهلية في التطير، فكأنه قال: إن كانت لأحدكم دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس يكره سيره. . فليفارقه.
ومنها: أنه ليس المراد بالشؤم في قوله: "الشؤم في ثلاثة" معناه الحقيقي، بل المراد من شؤم الدار: ضيقها، وسوء جيرانها، ومن شؤم المرأة: ألا تلد، وأن تحمل لسانها عليك، ومن شؤم الفرس ألا يغزى عليه، وقيل: حرانها، وغلاء ثمنها، ويؤيد هذا الجمع الأخير: ما أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان من حديث سعد مرفوعًا: "من سعادة ابن آدم ثلاثة: المرأة المصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقاوة ابن آدم ثلاثة: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء"، وفي رواية ابن حبان: "المركب الهنيء، والمسكن الواسع"، وفي رواية للحاكم: "ثلاثة من الشقاء: المرأة تراها فتسوؤك، وتحمل لسانها عليك، والدابة تكون قطوفًا، فإن ضربتها. . أتعبتك، وإن تركتها. . لم تلحق أصحابك، والدار تكون ضيقة قليلة المرافق". انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية حديث ابن عمر: البخاري في كتاب الطب، باب الطيرة، باب لا عدوى، وفي الجهاد، باب ما يذكر من شؤم الفرس، ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل، وأبو داوود في كتاب الطب، باب في الطيرة، والترمذي في كتاب الأدب، باب في الشؤم، وقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، والنسائي في كتاب الخيل، باب شؤم الخيل.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث مخمر.
وأما حديث أم سلمة الذي فيه ذكر السيف. . فقد انفرد به ابن ماجه، وهو
стр. 5442
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
صحيح أيضًا؛ لصحة سنده، وغرضه: بيان متابعة أبي عبيدة لسالم بن عبد الله، ولكنها متابعة ناقصة؛ لأن أبا عبيدة روى عن أم سلمة بواسطة جدته، وسالمًا روى عن عبد الله بن عمر، فهي متابعة في الشاهد.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5443
(٥٦) - (٦٢٤) - بَابُ الْغَيْرَةِ
(١٤٩) - ١٩٦٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شَيْبَانَ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَهْمٍ،
===
(٥٦) - (٦٢٤) - (باب الغيرة)
(١٤٩) - ١٩٦٥ - (١) (حدثنا محمد بن إسماعيل) بن البختري الحساني أبو عبد الله الواسطي الضرير، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي (أبي معاوية) البصري نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، يقال: إنه منسوب إلى نحوة؛ بطن من الأزد، لا إلى علم النحو، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سهم) -بالسين المهملة- ويقال فيه: أبو (شهم) بالشين المعجمة، كذا وقع عند المؤلف، والصواب: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع)، وأما أبو سهم -بالمعجمة وبالمهملة- فصحابي روى عنه النسائي، اسمه يزيد بن أبي شيبة، كذا في "التقريب".
стр. 5444
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللهُ وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللهُ؛ فَأَمَّا مَا يُحِبُّ. . فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَة، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ. . فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من الغيرة) -بفتح المعجمة وسكون الياء- أي: منها (ما يحبـ) ـه (اللهُ) ويرضاه (ومنها ما يكرهـ) ـه (الله) ولا يرضاه عن صاحبها (فأما ما يحب) أي: فأمَّا الغَيْرةُ التي يُحبها الله تعالى. . (فـ) هي (الغيرة) الواقعة (في الريبة) أي: في محل الريبة والتهمة بالفساد (وأما ما يكرهـ) ـه؛ أي: وأما الغيرة التي يكرهها الله. . (فـ) هي (الغيرة) الواقعة (في غير ريبة) وتهمة بالفساد.
وعبارة السندي: (فالغيرة في الريبة) أي: في مظنة الفساد؛ أي: إذا ظهرت أمارات الفساد في محلها. . فالقيام بمقتضى الغيرة محمود، وأما ما وقع منها بغير ظهور شيء من أماراتها. . فالقيام بها مذموم؛ لما فيها من اتهام المسلمين بالسوء من غير سبب. انتهى منه بتصرف.
قوله: (فالغيرة في الريبة) نحو أن يغار الرجل على محارمه إذا رأى منهم فعلًا محرمًا؛ كالخلوة بالأجنبي والمحادثة معه؛ فالغيرة في ذلك ونحوه. . مما يحبه الله تعالى، وفي الحديث الصحيح: "وما أحد أغير من الله؛ من أجل ذلك حرم الزنا".
قوله: (فالغيرة في غير ريبة) نحو أن يغار الرجل على أمه أن ينكحها زوجها، وكذلك سائر محارمه؛ فإن هذا مما يبغضه الله تعالى؛ لأن ما أحله الله تعالى. . فالواجب علينا الرضا به، فإن لم نرض به. . كان ذلك من
стр. 5445
(١٥٠) - ١٩٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ،
===
إيثار حمية الجاهلية على ما شرعه الله لنا. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب في الخيلاء في الحرب، والنسائي في كتاب الزكاة، باب الاختيال في الصدقة، ورواه ابن حبان في "صحيحه" في كتاب البر والإحسان، باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من حديث ابن عَتِيكٍ الأنصاري، والدارمي في كتاب النكاح، باب في الغيرة عن جابر بن عتيك، والطبراني، وله شاهد في "مسند الإمام أحمد" من حديث عقبة بن عامر الجهني، وعبد الرزاق في "مصنفه"، والحاكم في "المستدرك"، وصححه ووافقه الذهبي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٠) - ١٩٦٦ - (٢) (حدثنا هارون بن إسحاق) بن محمد بن مالك الهمداني -بالسكون- أبو القاسم الكوفي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 5446
عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أمْرَأَةٍ قَطُّ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ مِمَّا رَأَيْتُ مِنْ ذِكْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا
===
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (ما) نافية (غرت) من باب باع؛ من الغيرة؛ وهي الحمية والأنفة، يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء؛ لأن فعولًا يشترك فيه المذكر والمؤنث؛ نحو: صبور؛ أي: ما أنفت (على امرأة) من أزواج النبي ﷺ (قط) أي: فيما مضى من عمري، وقط: ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي. . (ما غرت على خديجة) بنت خويلد.
و(ما) مصدرية أو موصولة؛ أي: ما غرت قط على امرأة من أزواج النبي ﷺ غيرة مثل غيرتي على خديجة، أو غيرةً مثل الغيرة التي غرتها على خديجة؛ فإن غيرتي على خديجة أشد وأزيد من غيرتي على غيرها منهن، والحال أنها لقد هلكت وماتت قبل أن يتزوجني رسول الله ﷺ بثلاث سنين؛ كما في رواية مسلم، وإنما كانت غيرتي عليها أشد.
(مما رأيت) أي: لأجل ما رأيت وسمعت؛ فـ (مِنْ) في: (مِمَّا) تعليلية، و (ما) مصدرية؛ أي: وإنما كانت غيرتي عليها أشد؛ لأجل ما رأيت وسمعت (من ذكر رسول الله ﷺ لها) أي: لخديجة رضي الله تعالى عنها ذكرًا كثيرًا، وثنائِه عليها (و) الله (لقد أمره) ﷺ (ربه) (أن يبشرها) أي: أن يبشر خديجة
стр. 5447
بِبَيْتٍ فِي الْجَنَةِ مِنْ قَصَبٍ - يَعْنِي: مِنْ ذَهَبٍ - قَالَهُ ابْنُ مَاجَهْ.
===
(ببيت) وقصر (في الجنة) مخلوق (من قصب) أي: من ذهب على صورة قصب؛ وهو البوص الفارسي (يعني) الله أو النبي ﷺ بقوله: "من قصب" أي: (من ذهب) قال أبو الحسن تلميذ المؤلف: (قاله) أي: قال هذا التفسير وزاده (ابن ماجه) مؤلف الكتاب رحمه الله تعالى.
قوله: (من ذكر رسول الله ﷺ أي: من مدحه لها وثنائه عليها؛ بذكر فضائلها وما اتصل له من الخيرِ بسببِها وفي بيتِها؛ لأن من أحب شيئًا. . أكثر من ذكره، ولذلك قال النبي ﷺ : "إني رُزقت حبها"، وكونُه ﷺ يُهدي لخلائل خديجة دليلٌ على كرم خُلُقه وحُسْنِ عهده، ولذلك كان يرتاح لِهالَة بنتِ خويلد إذا رآها ويَنْهضُ؛ أي: يَهُشُّ؛ إكرامًا لها وسرورًا بها، وفيه أنَّ مِنْ حقوقِ الميت الإحسانَ إلى أصدقائه. انتهى من "المفهم".
وفي الحديث إثبات الغيرة الطبيعية، وأنها غير مستنكر وقوعُها من فاضلاتِ النساء عَمَّنْ دُونَهُن ما لم يَحْدُث بسببها محرمٌ شرعًا؛ من الحسدِ وغيره. انتهى من "القسطلاني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العمرة، باب متى يحل المعتمر، وفي كتاب مناقب الأنصار، باب تزوج النبي ﷺ خديجة وفضلها، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل خديجة أم المؤمنين، والترمذي في كتاب المناقب، باب فضل خديجة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
قوله: (من قصب) قال في "النهاية": القصب في هذا الحديث: لؤلؤ
стр. 5448
(١٥١) - ١٩٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ
===
مجوف واسع؛ كالقصر المنيف، والقصب من الجوهر: ما استطال منه في تجويفه. انتهى "سندي".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٥١) -١٩٦٧ - (٣) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي (المصري) أبو موسى الأنصاري، لقبه زغبة، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن عبيد الله بن عبد الله (بن أبي مليكة) -بالتصغير- زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبي عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 5449
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ، ثُمَّ لَا آذَنُ لَهُمْ
===
(قال) المسور: (سمعت رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أن رسول الله ﷺ قائم (على المنبر) حالة كونه (يقول) في خطبته: (إن بني هشام بن المغيرة) وهشام بن المغيرة: هو جد مخطوبة على التي هي بنت أبي جهل؛ لأن أبا جهل اسمه عمرو بن هشام بن المغيرة، ووالد أبي جهل وبنوه أعمام المخطوبة (استأذنوني) أي: طلبوا مني الإذن لهم في (أن ينكحوا) ويزوجوا (ابنتهم) التي هي ابنة أبي جهل لـ (علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن لهم، ثم لا آذن لهم) كرره للتأكيد.
قال الحافظ: كرر ذلك، وفيه إشارة إلى تأبيد مدة منع الإذن، كأنه أراد رفع المجاز؛ لاحتمال أن يحمل المنع على مدة بعينها، فقال: "ثم لا آذن" أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا بعدها، ثم كذلك أبدًا. انتهى.
وقال القرطبي: كرره تأكيدًا لمنع الجمع بين فاطمة وبين ابنة أبي جهل؛ لما خاف النبي ﷺ على فاطمة من أجل الغيرة، ولما توقع من مكايدة هذه الضرة، لأن عداوة الآباء قد تؤثر في الأبناء. انتهى من "المفهم".
قوله: "أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب" هكذا وقع في رواية ابن أبي مليكة: أن سبب الخطبة: استئذان بني هشام بن المغيرة، ووقع عند الحاكم من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي حنظلة: أن عليًّا خطب بنت أبي جهل، فقال له أهلها: لا نزوجك على فاطمة، فكان ذلك سبب استئذانهم.
ووقع في رواية عبيد الله بن أبي زياد عند ابن حبان في "صحيحه": أن عليًّا خطب ابنة أبي جهل على فاطمة، فبلغ ذلك فاطمة، فقالت لرسول الله
стр. 5450
إِلَّا أَنْ يُرِيدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا".
===
ﷺ : إن الناس يزعمون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا على ناكح بنت أبي جهل.
وجاء أيضًا: أن عليًّا رضي الله تعالى عنه استأذن بنفسه، فأخرج الحاكم بإسناد صحيح إلى سويد بن غفلة؛ وهو أحد المخضرمين قال: خَطَبَ عليٌّ بنتَ أبي جهل إلى عمِّها الحارث بن هشام، فاستشار النبيَّ ﷺ ، فقال: "أعن حَسَبِها تسألني؟ ! " فقال: لا، ولكن تأمرُني بها؟ قال: "لا؛ فاطمةُ مضغةٌ مني، ولا أحسبُ إلا أنها تَحْزَنُ أو تَجْزَعُ"، فقال عليٌّ: لا آتي شيئًا أنت تكرهُهُ (إلا أن يريد) ويُحب (عليُّ بن أبي طالب أن يطلِّق ابنتي وينكح ابنتَهم؛ فإنما هي بَضْعة مني) -بفتح الباء لا غير وسكون الضاد- أي: قطعة مني؛ فالبَضْعَةُ: القطعةُ من اللحم، وتجمع على بِضَاعٍ؛ كقَصْعَةٍ وقِصاع؛ مأخوذة من البَضْعِ؛ وهو القَطْعُ.
وقد وقع في رواية علي بن حسين الآتية قريبًا: "مضغة مني" والمضغة: قطعة من اللحم قدر ما يمضغها الماضغ؛ يعني بذلك: أنها كالجزء منه، يؤلمه ما آلمها؛ كما قال (يريبني) أي: يشوشني (ما رابها) أي: ما شوشها (ويؤذيني) أي: يؤلمني ويُتْعِبُني ويَشُقُّ علَيَّ (ما آذاها) أي: ما آلمها وشق عليها.
قوله: "يريبني" -بفتح الياء- من راب الثلاثي؛ من باب باع، ووقع في رواية البخاري: "يُرِيبني ما أرابها" -بضم الياء- من أراب الرباعي، قال الفراء: كلاهما بمعنى واحد، وقال إبراهيم الحربي: الريب: ما رابك وشوشك من كل شيء خفت عقباه؛ أي: يشوشني ما رابها؛ أي: شوشها.
وذكر الحافظ في "الفتح": أن فاطمة رضي الله تعالى عنها كانت أصيبت
стр. 5451
(١٥٢) - ١٩٦٨ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَان، أَنْبَأَنَا شُعَيْبٌ،
===
بموت أمها، ثم بأخواتها واحدة بعد واحدة، فلم يبق لها من تستأنس به ممن يخفف عليها الأمر؛ ممن تفضي إليه سِرَّها إذا حصلت لها الغيرة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب مناقب الصحابة، باب ذكر أصهار النبي ﷺ ، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة رضي الله تعالى عنها، وأبو داوود في كتاب النكاح، باب ما يكره أن يجمع بينهم، والترمذي في كتاب المناقب، باب فضل فاطمة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر للمسور بن مخرمة ﵃، فقال:
(١٥٢) - ١٩٦٨ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع الحمصي مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا شعيب) بن أبي حمزة الأموي مولاهم، واسم أبيه: دينار أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 5452
عَنِ الزُّهْرِيّ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذلِكَ فَاطِمَةُ. . أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ قَوْمَكَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحًا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، قَالَ الْمِسْوَرُ: فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ
===
(عن الزهري) قال الزهري: (أخبرني علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الملقب بزين العابدين الهاشمي المدني، ثقة عابد ثبت فقيه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أن المسور بن مخرمة) رضي الله تعالى عنهما (أخبره) أي: أخبر مسور لعلي بن الحسين.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (خطب بنت أبي جهل) اسمها العوراء (وعنده) أي: والحال أن عندَ عليٍّ (فاطمةُ بنت النبي ﷺ ، فلما سمعت بذلك) أي: بخطبةِ علي بنتَ أبي جهل (فاطمةُ. . أتت النبيَّ ﷺ ، فقالت) فاطمة: (إن قومَك) قريشًا يا والدي (يتحدثون) فيما بينهم (أنك) يا والدي (لا تَغْضَبُ لبناتك، وهذا) الرجلُ الذي زوَّجْتَنيه (عليٌّ) بدل من اسم الإشارة، أو عطف بيان له. . يُريد أن يكون (ناكحًا ابنةَ أبي جهل، قال المسور) بن مخرمة: (فقام النبيُّ ﷺ على المنبر خطيبًا، قال المسورُ: (فسمعتُهُ) ﷺ (حين تشهد) أي: حين أتى بالشهادتين في خطبته.
стр. 5453
ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَإِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ بَضْعَةٌ مِنِّي وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَفْتِنُوهَا، وَإِنَّهَا وَاللهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَبَدًا"،
===
(ثُمَّ) بعد الشهادتين (قال: أمَّا بَعْدُ) أي بعدما ذكرْتُ من الحمدلةِ والشهادتينِ: (فـ) أقول لكم أيها الحاضرون: (إني قد أنكحْتُ) وزوَّجْتُ بنتي زينبَ أكبرَ بناته (أبا العاص) لَقِيطَ (ابن الربيع) بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشميَّ (فحدَّثَني) أبو العاص بأني أُرْسِلُ لك بنتَك إلى المدينة حين بَقِيَ على الشرك (فصدقني) ذلك الوَعْدَ بإرسالها إليَّ في المدينة، ولعل هذا إشارة له إلى أن أبا العاص لمَّا أُسِرَ يومَ بدر. . أطلقه رسولُ الله ﷺ على أن يُرسِلَ زوجتَهُ زينبَ إلى رسول الله ﷺ ، فوفى بذلك وأَرْسَلَها، وقوله: "ووعدني. . ." إلى آخره، من زيادة مسلم في "صحيحه".
(وإن فاطمةَ بنتَ محمد بضعةٌ مني) أي: قطعة مني، يُؤذيني ما آذاها (وأنا أَكْرَهُ أن تفتنوها) في دينها، والخطابُ لبني هشام بن المغيرة ولعليِّ بن أبي طالب.
وفي رواية مسلم: "أن يفتنوها" (وإنها) أي: وإن القصةَ وجملةُ القسم في قولِهِ: (والله) معترضةٌ بين إن وخبرها، أتى بها لتأكيد الكلام (لا تجتمع بنت رسول الله) ﷺ (وبنت عدو الله عند رجل واحد) أي: في عصمته (أبدًا) أي: أمدًا وعوضًا، وأبدًا ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان، وفي هذا دليل على أن ولد الحبيب حبيب، وولد العدو عدو إلى أن يتيقن خلاف ذلك. انتهى من "المفهم".
стр. 5454
قَالَ: فَنَزَلَ عَلِيٌّ عَنِ الْخِطْبَةِ.
===
(قال) المسور بالسند السابق: (فنزل علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ أي: تنازَلَ واستقالَ عليٌّ (عن الخطبة) وتركَها؛ أي: عن خطبةِ بنت أبي جهل وغيرها، ولم يتزوج على فاطمة ولا تَسرَّى عليها حتى ماتَتْ، رضي الله تعالى عنها.
وشارك المؤلف في روايةِ هذا الحديث: البخاريُّ في كتاب الجمعة، بابُ مَنْ قال في الخُطبةِ بعد الثناء، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، بابٌ في فضائل فاطمة، وأبو داوود في كتاب النكاح، بابُ ما يُكْرَهُ أن يُجْمَعَ بينهن من النساء.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضُه: الاستشهاد به.
تتمة
قال القرطبي: أبو العاص هو زوج ابنة رسول الله ﷺ ، رضي الله تعالى عنه، واسمه لقيط عند الأكثر، وقيل: هُشيم، أو مَهْشَمُ بن الربيع بن عبد العزى بن عبد الشمس بن عبد مناف، وأمُّهُ هالةُ بنتُ خُويلد أختُ خديجة لأبيها، كان النبي ﷺ قد أنكحه زينبَ، وهي أكبر بناته، وذلك بمكة، فأحسن عشرتَها وكان محبًا لها، وأرادت منه قريش أن يطلقها، فأبى، فشكر له النبي ﷺ ذلك.
ثم إنه حَضَرَ مع المشركين ببدرٍ، فأُسِرَ وحُمل إلى المدينة، فبعثَتْ فيه زينبُ قلادتَها، فرُدَّتْ عليها، وأُطْلِقَ لها، وكان وَعَدَ النبيَّ ﷺ أن يُرْسِلَها إليه، ففعلَ، وهاجرتْ زينب، فبقيَ هو بمكة على شِرْكِهِ إلى أن خرج في عِيرٍ لقريش تاجرًا؛ وذلك قُبيل الفتح بيسير، فعرَضَ لتلك العير زيدُ بن
стр. 5455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حارثة في سرية من المسلمين من أصحابِ رسول الله ﷺ ، فأخَذَها، وأَفْلَتَ أبو العاص هاربًا إلى أن جاءَ إلى المدينة، فاستجار بزينب، فأجارَتْهُ، وكَلَّمَ النبيُّ ﷺ الناسَ في ردِّ جميعِ ما أُخِذَ من تلك العِيرِ وفعلوا، وقال: إنه يَرُدُّ أموالَ قريشٍ ويُسْلِمُ، ففعلَ ذلك، فلذلك شَكَرَهُ النبيُّ ﷺ ، وقال: "حَدَّثني، فصَدَقني، ووعدني، فوَفَى لي". انتهى من "المفهم".
وفي قوله: "حدثني، فصدقني. . ." إلى آخره، إشارة إلى مدحه بحسن معاملته، وتعريضٌ لعليٍّ.
وجملةُ ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعةُ أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5456
(٥٧) - (٦٢٥) - بَابُ الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ
(١٥٣) - ١٩٦٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: أَمَا تَسْتَحِي الْمَرْأَةُ أَنْ تَهَبَ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ
===
(٥٧) - (٦٢٥) - (باب التي وهبت نفسها للنبي ﷺ
(١٥٣) - ١٩٦٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنها) أي: أن عائشة (كانت تقول: أما) الهمزة للاستفهام الإنكاري (تستحي المرأة) من (أن تهب نفسها للنبي ﷺ ؟ ! ) وهذا تقبيح منها على من فعلت ذلك، وتنفير للنساء عنه، أوجبه غَيْرَتُها، وإلا. . فقد علمت أن الله تعالى أباح هذا للنبي ﷺ خاصةً، وأنَّ النساءَ كُلَّهن لو مَلَّكْنَ رِقَّهُنَّ ورقابَهُنَّ للنبي ﷺ . . لكُنَّ معذوراتٍ في ذلك ومشكوراتٍ عليه؛ لعظيم بركتِه ولشرفِ منزلةِ القُرْبِ منه.
وبالجملةِ: فإذا حُقِّقَ النظرُ في أحوالِ أزواجهِ ﷺ . . عُلِمَ أنه لم يَحْصُلْ أحدٌ في العالَمِ على مِثْلِ ما حَصَلَتْ عليه، ويكفيك من ذلك مخالطةُ اللحومِ والدماء، ومُشابكةُ الأعضاءِ والأجزاء، وناهِيكَ بها مراتبُ فاخرةٌ، لا جَرَمَ من أزواجهُ المخصوصاتُ به في الدنيا والآخرة. انتهى من "المفهم".
стр. 5457
حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾
===
وقولُه: (حتى أنزل الله) غاية للقول المذكور: (﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١)، ﴿تُرْجِي﴾ وتوخر ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ تأخيرها عن المضاجعة معها ﴿وَتُؤْوِي﴾ ـ أي: تضم ﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ ضمها إليك بالمضاجعة معها ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ وطلبت الرجوع إليها بالمضاجعة ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي: عَطَّلْتَها من المضاجعة معها. . ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في ابتغائِها.
واختلف المفسرون في تفسيرِ هذه الآية على ثلاثة أقوال:
الأولُ: أنه إباحةٌ له ﷺ في تَرْكِ القَسْم، ومعنى الإرجاء والإيواء: أن يُؤخِّرَ مَنْ شاء منهن ويَبيتَ مع مَنْ شاء، وهذا قول الجمهور.
والثاني: أنه إباحةٌ له ﷺ في طلاقِ بعض أزواجه وإمساكِ بعض، وأنه كان هَمَّ بطلاقِ بعضِهن، فقُلْنَ له: لا تطلقنا، واقْسِمْ لنا ما شئت، فكان يَقْسِمُ لبعضٍ قسمًا مستويًا، وهن اللاتي آواهن؛ ومنهن: عائشة، وحفصةُ، وأمُّ سلمة، ويَقْسِمُ للباقي ما شاء، وهن اللاتي أرجاهن؛ وهن: سودة، وجُويرية، وصفيةُ، وميمونةُ، وأمُّ حبيبة، وكان يقسم لهن ما شاء، وتُوفِّي ﷺ وقد آوى جميعهن إلا صفية، وهذا وَهْمٌ، والصوابُ: إلا سودة؛ فإنها هي التي وَهَبَتْ نوبتَها لعائشة، وهذا يدلُّ على أن القسم ليس واجبًا عليه، وهو أحد القولين.
والثالث: أن الآية في الواهبات، وهو تخييرٌ له ﷺ أن يَقْبَلَ من شاء منهن ويَرُدَّ من شاء، وحديث عائشة يؤيد هذا القول الأخير والذي
стр. 5458
قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنَّ رَبَّكَ لَيُسَارِعُ فِي هَوَاكَ.
===
قبله، واللفظ محتمل للأقوال الثلاثة، هذا ملخص ما في "فتح الباري".
واتفقَتْ أقوالُ أهل السير على أنه ﷺ لم يعمل بهذه الرخصة في ترك القسم، وإنما يَقْسِمُ لهن جميعًا؛ أي: فلمَّا أُنزلت هذه الآية. . (قالت) عائشة: (فقلتُ) لرسول الله ﷺ : (إنَّ رَبَّكَ لَيسارع) ويُبادر (في) إنزالِ (هواك) ومرضاتك؛ أي: يُخفِّفُ عنك ويوسِّع عليك في الأمور، ولهذا خَيَّرك، تعني: ما أرى الله إلا مُوجدًا لك ما تريد وترضى بلا تأخير، مُنْزِلًا لما تُحِبُّ وترضى.
قال الأبي: وهذا إكرام أبرزَتْهُ الغَيْرَةُ والإدْلالُ، وإلا. . فإضافة الهوى إلى رسول الله ﷺ . . مباعد؛ لما يَجِبُ على الخلقِ من تعظيمه ﷺ وتوقيرِه، ولو أَبْدَلَتْ "هواك" بـ "مرضاتك". . كان أولى وأحق. انتهى.
قلتُ: إنَّ البساطةَ فيمَا بَينَ الزوجين لا حاجة فيها إلى هذه الدِقَّةِ والتكلُّفِ في الكلام، وإنما هو إدلالٌ من الزوجة على زوجها ﷺ ، وليس من سوءِ الأدب في شيء؛ لأنه ﷺ لم يكُنْ لِيَكْرَهَهُ، بل رُبَّما يَسْتَحْسِنُ أمثالَهُ منها. انتهى "تكملة".
وقولُها: (فقلتُ: إن ربك ليسارع في هواك) كناية عن ترك ذلك التنفير والتقبيح؛ لما رأَتْ من مسارعة الله تعالى في مرضاةِ النبي ﷺ ؛ أي: كنت أُنفِّرُ النساءَ عن ذلك، فلما رأيْتُ اللهَ أنه يسارع في مرضاةِ النبي ﷺ . . تركْتُ ذلك؛ لما فيه من الإخلال بمرضاته ﷺ .
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب
стр. 5459
(١٥٤) - ١٩٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَرْحُومُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةٌ لَهُ
===
هل للمرأة أن تهب نفسها لأحدٍ، ومسلم في كتاب الرضاع، باب جواز هبتها نوبتها لضرتها.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه،
وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٤) - ١٩٧٠ - (٢) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري أبو بكر بندار، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا مرحوم بن عبد العزيز) بن مهران العطار الأموي أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا ثابت) بن أسلم البناني أبو محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) ثابت: (كنا جلوسًا مع أنس بن مالك وعنده) أي: وعند أنس (ابنة له) أي: لأنس.
стр. 5460
فَقَالَ أَنَسٌ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَلْ لَكَ فِيَّ حَاجَةٌ؟ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا، فَقَالَ: "هِيَ خَيْرٌ مِنْك، رَغِبَتْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ".
===
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فقال أنس: جاءت امرأة) من المسلمات لم أر من ذكر اسمها (إلى النبي ﷺ في عهده (فعرضت نفسها عليه) ﷺ ؛ أي: وهبتها له (فقالت) تلك المرأة في عرض نفسها عليه: (يا رسول الله؛ هل لك فِيَّ) أي: في زواج نفسي (حاجة؟ ) أي: رغبة.
(فقالت ابنتُه) أي: ابنةُ أنس الحاضرةُ عنده عندما حدَّث بهذا الحديث: (ما أقلَّ حياءها! ) أي: أيُّ شيء جَعَلَ حياء تلك المرأة قليلًا؟ ! تعجبًا مِن عرضِ نفسها عليه ﷺ ، والمقصود: التعجبُ من قلةِ حيائها؛ حيث عرضَتْ نفسها على الرجل (فقال) أنس لابنته: (هي) أي: تلك المرأة (خير منك) يا بنتي؛ حيث (رغبت في) زواج (رسول الله ﷺ إياها (فعرضت نفسها عليه) ﷺ ، فقالت: يا رسول الله؛ هل لك رغبة في زواجي محبةً له.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح، والنسائي في كتاب النكاح، باب عرض المرأة نفسها على من ترضى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
стр. 5461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5462
(٥٨) - (٦٢٦) - بَابُ الرَّجُلِ يَشُكُّ فِي وَلَدِهِ
(١٥٥) - ١٩٧١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ:
===
(٥٨) - (٦٢٦) - (باب الرجل يشك في ولده)
هل هو منه أم من غيره؟
(١٥٥) - ١٩٧١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (دق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، من الثانية، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (جاء رجل من بني فزارة) وكان أعرابيًا، قال الحافظ في "الفتح": إن اسمه ضمضم بن قتادة، أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في "المبهمات" من طريق قطبة بن عمرو بن هرم أن مدلوكًا حدثه أن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل، وبنو فزارة قبيلة مشهورة من العرب (إلى رسول الله ﷺ ، فقال) ذلك
стр. 5463
يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَمَا أَلْوَانُهَا؟ "، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ "،
===
الأعرابي: (يا رسول الله؛ إن امرأتي) وزوجتي (ولدت غلامًا) أي: ولدًا ذكرًا (أسود) أي: على خلاف لوني، أراد بذلك: التعريض بنفي الولد عن نفسه؛ كما هو المبين في رواية مسلم بقوله: (وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه)، وزاد في حديث ابن عمر الآتي بعد هذا الحديث: (وإنا أهل بيت لم يكن فينا أسود قط) والمراد: إظهار الشك في كون الولد منه.
واستدل به الجمهور على أن التعريض بالقذف ليس قذفًا، ولا يجب به الحد حتى يصرح بالنفي؛ لأن النبي ﷺ لم يعده قاذفًا.
وروي عن المالكية أنه يجب به الحد إذا كان يفهم منه القذف، وأجابوا عن حديث الباب بأنه لم يكن قذفًا ولا تعريضًا به، وإنما كان سؤالًا، والتعريض إنما يجب به الحد إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة، والصحيح أنه لا يتم به استدلال الجمهور.
نعم؛ يدل على مذهبهم أن الشريعة فرقت بين التصريح والتعريض في أمر الخطبة، فيجوز التعريض بها في العدة ولا يجوز التصريح، فليكن أمر القذف كذلك، بل هو أولى؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، والله أعلم.
(فقال) له (رسول الله ﷺ : هل لك من إبل؟ قال) الرجل: (نعم) لي إبل (قال) له رسول الله ﷺ : (فما ألوانها؟ قال) الرجل: ألوانها (حمر، قال) له النبي ﷺ : (هل فيها) أي: في إبلك الحمر (من أورق؟ ) أي: إبل لونها كلون الرماد، يجمع على ورق؛
стр. 5464
قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: "فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟ "، قَالَ: عَسَى عِرْقٌ نَزَعَهَا، قَالَ: "وَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ"،
===
كحمر وأحمر، ومؤنثه ورقاء؛ كحمراء، وقال القرطبي: الأورق: الأسمر الذي يميل إلى الغبرة.
(قال) الرجل: (إن فيها) أي: إن في إبلي (لورقًا) جمع أورق، وقيل: الأورق: هو الذي فيه سواد ليس بصافٍ، ومنه قيل للرماد: أورق، وللحمامة ورقاء (قال) له النبي ﷺ : (فأنى أتاها) وجاءها (ذلك) الورق؟ أي: فمن أين أتى ذلك الأورق في إبلك؟
(قال) الرجل: (عسى عرق نزعها) أي: أصل من أصولها نزعه؛ أي: نزع ذلك الأورق وجذبه؛ أي: لعل عرقه وأصله جذبه في الشبه؛ أي: جذب هذا الأورق إليه؛ والعرق هنا: الأصل من النسب؛ تشبيهًا بعرق الثمرة، ومنه يقال: فلان عريق في الأصالة؛ أي: أن أصله متناسب، ومنه قولهم: فلان معرق في النسب والحسب وفي اللؤم والكرم؛ أي: مُشْبِهٌ عِرْقَهُ وأصلَه في ذلك.
ومعنى نَزَعَهُ: جَذَبَهُ إليه عِرْقُهُ في الشَّبَهِ وأظهر لونَهُ عليه، ويقال: نَزَعَ الولدُ إلى أبيه، ونُزِع له، ونَزَعه أبوه، والمعنى: لعلَّ أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور، فاجتذَبَهُ إليه، فجاء على لونه، فـ (قال) رسول الله ﷺ : (وهذا) الغلام الأسود الذي ولدته امرأتك (لعل عرقًا) من عروقه؛ أي: أصلًا أسود من أصوله (نزعه) أي: جذبه إليه.
وفي هذا الحديث فوائد؛ منها: أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف لونَهُ، ومنها: أن الشبهة ليست حجةً شرعيةً، فلا تعتبر القيافةُ في الأنساب، ومنها: صحة القياس والاعتبار بالنظير؛
стр. 5465
وَاللَّفْظُ لابْنِ الصَّبَّاحِ.
(١٥٦) - ١٩٧٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ،
===
لأن النبي ﷺ قاس اختلاف الألوان في الآدميين باختلافها في الإبل، ومنها: أن الرجل ينبغي أن يشاور شيخه أو أستاذه في أمور أسرته وأهله، ومنها: أن الاحتياطَ للأنسابِ وإلحاقَها بالإمكان أمر شرعي.
قال أبو الحسن تلميذ المؤلف: قال لنا ابن ماجه بالسند السابق: (واللفظ) أي: ولفظ الحديث المذكورُ (لابن الصباح) لا لأبي بكر بن أبي شيبة، فإنه روى معنى هذا الحديث لا لفظه، وفي هذه النسخة من المتن تحريف والصواب ما قلنا في محله تأمل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب إذا عَرَّض بنفي الولد، ومسلم في كتاب اللعان، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب إذا شك في الولد، والترمذي في كتاب الولاء والهبة، باب ما جاء في الرجل ينتفي من ولده، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الطلاق، باب إذا عرَّض بامرأته وشك في ولده وأراد الانتفاء منه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٥٦) - ١٩٧٢ - (٢) (حدثنا أبو غريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).