حَدِّثِينِي عَنْ طَلَاقِكِ قَالَتْ: طَلَّقَنِي زَوْجِي ثَلَاثًا وَهُوَ خَارِجٌ إِلَى الْيَمَن،
===
ثعلبة الفهرية المدنية أخت الضحاك بن قيس، ولي العراق ليزيد بن معاوية، يقال: إنها كانت أكبر منه بعشر سنين، الصحابية المشهورة من المهاجراتِ الأُوَل، لها أربعة وثلاثون حديثًا، رضي الله تعالى عنها، وكانت فاطمة هذه ذَات جمال وعقل وكمال، وفي بيتها اجتمع أصحاب الشورى عند قتل عمر بن الخطاب، عاشت إلى خلافة معاوية. يروي عنها: (ع).
وهذ السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، وهو متروك.
أي: قال الشعبي لها: (حدثيني) يا فاطمة (عن) شأن (طلاقك) حين طلقك زوجك، فـ (قالت) فاطمة في روايتها للشعبي: (طلقني زوجي) أبو عمرو عبد الحميد بن حفص القرشي المخزومي (ثلاثًا وهو خارج) أي: مسافر (إلى اليمن) حين بعثه النبي ﷺ مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فبعث إليها بتطليقة ثالثة بقيت لها، ومات هناك، وقيل: بقي إلى خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، ورجح الحافظ الأول في "فتح الباري" (٩/ ٤٢١)، وفي رواية مسلم: (طلقها البتة) أي: تَطْلِيقَةً بَاتَّةً بها عنه، وصارت مبتوتة؛ أي: مقطوعةً من النكاح؛ من البت؛ وهو القطع.
والذي يتخلص من مجموع الروايات: أنه كان طلقها قبل هذه المرة طلقتين، ثم طلقها هذه المرة الطلقة الثالثة، فبانت بها منه.
قوله: (وهو خارج إلى اليمن) فيه أن حضور المرأة ليس بشرطٍ لوقوع الطلاق (وأرسل إليها وَكِيلَيْهِ) الحارثَ بن هشام وعيَّاشَ بن أبي ربيعة (بشعِير) متعةً لها، وفَصَّلَتْه في طريق أبي بكر بن أبي الجهم عند النسائي: (عشرةَ أقفزةٍ؛
стр. 5532
فَأَجَازَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
===
خمسةٌ شعيرٌ، وخمسةٌ تمر)، وعند الترمذي: (عشرةَ أقفزة؛ خمسةً شعيرًا، وخمسةً برًا).
(فأجاز ذلك) الطلاق وأمضى عليها (رسولُ الله ﷺ فأمرها رسول الله أن تعتدَّ في بيتِ أم شريك الأنصارية.
وأمَّا أَمْرُه ﷺ لها بالاعتداد في غير بيت زوجها .. فلِمَا يفهَم من "صحيح البخاري" و"سننِ النسائي" أنَّ مَسْكَن زوجِها كان في مكان وَحْشٍ، خِيفَ عليها أن يُقْتَحَم مِن دخول سارق ونحوِه، وقيل: إنها كانت امرأة لَسِنةً تستطيلُ على أهلِ مُطلِّقها، فلا يَصلحُ السكنى لها معهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب نفقة المبتوتة، والترمذي في كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في المطلقة ثلاثًا، باب خطبة الرجل إذا ترك الخاطب، وأحمد بن حنبل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، وإن كان سنده ضعيفًا؛ لأن فيه إسحاق ابن أبي فروة، وهو متروك لا يحتج به؛ لأن له شواهد ومتابعات شتى في "مسلم"، فالحديثُ ضعيفُ السند، صحيحُ المتن؛ لأن الإمام مسلمًا ذكره بمتابعات كثيرة جدًّا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 5533
(٥) - (٦٣٦) - بَابُ الرَّجْعَةِ
(١٠) - ١٩٩٤ - (١) حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ، عَنْ يَزِيدَ الرِّشْك، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ
===
(٥) - (٦٣٦) - (باب الرجعة)
(١٠) - ١٩٩٤ - (١) (حدثنا بشر بن هلال الصواف) أبو محمد النميري -مصغرًا- ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي) -بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة- أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد) بن أبي يزيد الضبعي -بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة بعدها مهملة- مولاهم أبي الأزهر البصري المعروفِ بـ (الرِشْكِ) -بكسر الراء وسكون المعجمة- معناه: كثيرُ اللحية؛ لأن الرشك معناه: كَثُّ اللحية، ثقة عابد، وَهِمَ من لَيَّنه، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، وهو ابن مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن مطرف بن عبد الله بن الشِخِّير) -بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة -العامريِ الحَرَشي -بمهملتين مفتوحتين ثم معجمة- أبي عبد الله البصري، ثقة عابد فاضل، من الثانية، مات سنةَ خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنَّ عِمران بن الحصين) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 5534
سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يَقَعُ بِهَا وَلَمْ يُشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَلَا عَلَى رَجْعَتِهَا، فَقَالَ عِمْرَانُ: طَلَّقْتَ بِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ بِغَيْرِ سُنَّةٍ، أَشْهِدْ عَلَى طَلَاقِهَا وَعَلَى رَجْعَتِهَا.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحةُ؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(سُئل عن رجل يطلق امرأته ثم) يراجعها و (يقع) أي: يجامع (بها و) الحال أنه (لم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها، فقال عمران) في جواب سؤاله: (طلقت) تلك المرأة طلاقًا ملتبسًا (بغير سنة) لأنك لم تشهد على طلاقها (وراجعت) مراجعة ملتبسةً (بغير سنة) لأنك لم تشهد على رجعتها (أَشْهِدْ على طلاقها) إذا أردت طلاقها (و) أَشْهِدْ (على رجعتها) إذا أردت مراجعتها، وفي رواية أبي داوود زيادة: (ولا تَعُدْ) بالجزم؛ نَهْيٌ عن العود إلى ترك الإشهاد.
وقد استدل بالحديث من قال بوجوب الإشهاد على الرجعة، وقد ذهب إلى عدم وجوب الإشهاد في الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه، واستدل لهم بحديث ابن عمر السالفِ؛ فإن فيه: أنه ﷺ قال: "فليراجعها"، ولم يذكر الإشهاد.
وقال مالك والشافعي في القول الآخر: إنه يجب الإشهاد في الرجعة، والاحتجاجُ بحديث الباب لا يصلح للاحتجاج؛ لأنه قول صحابي في أمرٍ مِنْ مسَارِحِ الاجتهاد، وما كان كذلك .. فليس بحجة، لولا ما وَقَع من قولهِ: (طلَّقْتَ بغير سنة، وراجعْتَ بغير سنة)، هذا تلخيص ما في "النيل". انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب الرجل يراجع ولا يشهد.
стр. 5535
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5536
(٦) - (٦٣٧) - بَابُ الْمُطَلَّقَةِ الْحَامِلِ إِذَا وَضَعَتْ ذَا بَطْنِهَا بَانَتْ
(١١) - ١٩٩٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ هَيَّاجٍ، حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ أَبِيه،
===
(٦) - (٦٣٧) - (باب المطلقة الحامل إذا وضعت ذا بطنها بانت)
و(ذا) هنا من الأسماء الستة، بمعنى: صاحب.
* * *
(١١) - ١٩٩٥ - (١) (حدثنا محمد بن عمر بن هياج) الهمداني أو الأسدي الكوفي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا قبيصة بن عقبة) بن محمد بن سفيان السوائي -بضم المهملة وتخفيف الواو والمد- أبو عامر الكوفي صدوق ربما خالف، من التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومئتين على الصحيح (٢١٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) بن مهران الجزري أبي عبد الله، سبط سعيد بن جبير، ثقة فاضل، من السادسة، مات سنة سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) ميمون بن مهران الجزري أبي أيوب، أصله كوفي نزل الرقة، ثقة فقيه، ولي الجزيرة لعمر بن عبد العزيز، وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 5537
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّهُ كَانَتْ عِنْدَهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ فَقَالَتْ لَهُ وَهِيَ حَامِلٌ: طَيِّبْ نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ فَرَجَعَ وَقَدْ وَضَعَتْ فَقَالَ: مَا لَهَا خَدَعَتْنِي خَدَعَهَا اللهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ
===
(عن الزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن أبي عبد الله القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، قتل سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ) بعد منصرفه من وقعة الجمل. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع؛ لأن ميمون بن مهران لم يسمع من الزبير؛ على ما قاله المزي في "التهذيب".
(أنه) أي: أن الزبير بن العوام (كانت عنده) أي: كانت (أم كلثوم بنت عقبة) بن أبي معيط الأموية، أسلمت قديمًا، وهي أخت عثمان لأمه، صحابية رضي الله تعالى عنها، لها أحاديث، ماتت في خلافة على رضي الله تعالى عنه (فقالت) أم كلثوم (له) أي: لزوجها الزبير بن العوام (وهي) أي: والحال أنها (حامل: طيب نفسي) أي: حرر نفسي من ربقة النكاح وبشرني (بتطليقةٍ) واحدة (فطلقها تطليقةً) واحدةً (ثم خرج إلى) المسجد لـ (الصلاة) جماعةً (فرجع) إلى البيت (و) الحال أنها (قد وضعت) أي: ولدت حملها (فقال) الزبير لمن عندها: (ما لها؟ ) أي: أي شيء ثبت لها؟ فقالوا له: وضعت حملها.
فقال: والله؛ لقد (خدعتني) وغرتني؛ حيث طلبت مني طلاقًا لا يمكن بعده الرجعة (خدعها الله) سبحانه؛ أي: جازاها الله على خداعها إياي (ثم أتى) الزبير (النبي ﷺ فأخبره خبر ما جرى بينه وبين زوجته
стр. 5538
فَقَالَ: "سَبَقَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، اخْطُبْهَا إِلَى نَفْسِهَا".
===
(فقال) له النبي ﷺ : (سبق) أي: استوفى (الكتاب) أي: الاعتداد المكتوب عليها (أجله) أي: مدته، وانقضت العدة بوضعها، فلا يمكن لك رجعتها (اخطبها) أي: اطلب زواجها بنكاحٍ جديدٍ (إلى نفسها) لأنها صارت بائنة منك.
قال السندي قوله: "سبق الكتاب أجله" أي: مضت العدة المكتوبة قبل ما يتوقع من تمامها، فصار الطلاق بائنًا، فتحتاج إلى نكاح جديد.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولا يضره كونه مرسلًا؛ لأن له شاهدًا من حديث سبيعة الأسلمية المذكور بعده في الباب التالي، وإن كان منقطعًا، لأنه من المتفق عليه، ويشهد له أيضًا إجماع الأمة على ذلك، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5539
(٧) - (٦٣٨) - بَابُ الْحَامِلِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا وَضَعَتْ .. حَلَّتْ لِلْأَزْوَاجِ
(١٢) - ١٩٩٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ أَبِي السَّنَابِلِ
===
(٧) - (٦٣٨) - (باب الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت .. حلت للأزواج)
(١٢) - ١٩٩٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة حافظ متقن صاحب سنة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب -بالمثناة الفوقية- الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم فقيه، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي السنابل) -بنون خفيفة ثم موحدة ثم لام -ابن بَعْكَكٍ- بموحدة على وزن جعفر- وبَعْكَك هو ابن الحارث بن عَمِيلة -بالفتح- ابن السباق بن عبد الدار القرشي، قيل: اسمه عمرو؛ وقيل: لبيد ربه، وقيل: حبة -بالموحدة، وقيل: بالنون- ويقال: عامر، ويقال: أصرم، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ت س ق). انتهى من "التقريب".
стр. 5540
قَالَ: وَضَعَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا .. تَشَوَّفَتْ، فَعِيبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَذُكِرَ أَمْرُهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنْ تَفْعَلْ .. فَقَدْ مَضَى أَجَلُهَا".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، ولكنه منقطع؛ لأن أبا السنابل بن بعكك لم يسمع منه الأسود، وقيل في نسبه غير ذلك.
وذكر ابن عبد البر في أسد "الغابة" أنه من مسلمة الفتح، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان شاعرًا، وقيل: إنه عاش بعد النبي ﷺ زمنًا.
(قال) أبو السنابل: (وضعت) أي: ولدت (سبيعة بنت الحارث) الأسلمية زوجة سعد بن خولة، الصحابية المشهورة المدنية رضي الله تعالى عنها، لها اثنا عشر حديثًا، اتفقا على حديث واحد، وهو هذا الحديث؛ أي: وضعت (حملها بعد وفاة زوجها) سعد بن خولة؛ أي: لم تمكث كثيرًا بعد وفاته حتى وضعت حملها بعد وفاته (ببضع وعشرين ليلة فلما تعلت) أي: طهرت (من نفاسها) أي: من دم ولادتها، ويحتمل أن يكون المعنى: سلمت وصحت، وأصله: تَعَلَّلَتْ؛ مطاوِعُ: عَلَّلَها اللهُ تعالى؛ أي: أزال عِلَّتَها. وقال في "النهاية": ويروى: (تَعالَّتْ) أي: ارتفعت وطهرت .. (تشوفت) أي: طمَحَتْ وتشرفت؛ أي: نظرت أن يخطبها أحد، وفي رواية مسلم: (تجمَّلَتْ) أي: تزينت (للخُطَّاب).
(فعيب ذلك) أي: تشوفُها للخُطَّاب (عليها) أي: عيَّبها الناس على ذلك (وذُكر أمرها للنبي ﷺ أي: رُفع شأنها إلى النبي ﷺ (فقال) النبي ﷺ حين ذكر له شأنها: (إن تفعل) ذلك الزواجَ .. (فقد مضى) وتم (أجلها) أي: عدتُها بوضع حملها، فلها التعرضُ للخُطَّاب وتزوجها إن شاءت.
وفي رواية مسلم: (فتوفي عنها زوجها في حجة الوداع وهي حامل، فلم
стр. 5541
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها .. تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك؛ رجل من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ ! لعلك تُرجِّينَ النكاحَ؛ إنك والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرًا، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك .. جمعت ثيابي على حين أَمْسَيْتُ -أي: دخلت في المساء- فأتيت رسول الله ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللْتُ حين وضعْتُ، وأمرني بالتزوج إن بَدَا لي).
وقد دلَّتْ هذه الرواية أنَّ الذي ذكَرَ شأنها لرسول الله ﷺ هي نَفسُها.
وفي رواية الترمذي بهذا السند: (قال) أبو السنابل: (وضعت سبيعة) -بضم السين وفتح الموحدة مصغرًا- وهي بنتُ الحارث، لها صحبة، وذكرها ابن سعد في المهاجرات (بعد وفاة زوجها) اسمُه سَعْدُ بن خولة (بثلاث وعشرين يومًا، أو خمسة وعشرين يومًا) شكّ من الراوي (فلما تعلَّتْ) أي: طهرت من النفاس .. (تشوَّفَتْ للنكاح) أي: تزيَّنَتْ للخُطَّاب، يقال: تشوف للشيء؛ أي: طَمَحَ بصرُه إليه (فأنكر) أبو السنابل (عليها ذلك، فذُكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: إن تفعَلْ) أي: سبيعةُ ما ذكر من التشوف للنكاح .. (فقد حلَّ أجلُها)، فيه دليل على: أن عدة المتوفى عنها زوجها وَضْعُ الحمل، وهذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم، لكن عن أم سلمة بسند موصول.
وشارك المؤلف في روايته بهذا السند: الترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الحامل المتوفى عنها زوجها تضعُ، قال أبو عيسى: حديث أبي السنابل حديث مشهور بهذا السند، ولا نعرف للأسود سماعًا من أبي السنابل، وسمعت محمدًا البخاري يقول: لا أعرف أن أبا السنابل عاش بعد النبي ﷺ .
стр. 5542
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ في "الفتح": الأسود من كبار التابعين، من أصحاب ابن مسعود، ولم يوصف بالتدليس؛ فالحديث صحيح على شرط مسلم، لكن البخاري على قاعدته في اشتراط ثبوت اللقاء ولو مرةً، ولهذا قال ما نقله الترمذي عنه، لكن جزم ابن سعد أنه بقي بعد النبي ﷺ زمنًا.
ويؤيد هذا؛ أي: كونَه عاش بعد النبي ﷺ .. قول ابن عبد البر: إِنَّ أبا السنابل تزوج سبيعة بعد ذلك، وأولدها سنابلَ بن أبي السنابل، ومقتضى ذلك أن يكون أبو السنابل عاش بعد النبي ﷺ ؛ لأنه وقع في روايةِ عبد ربه بن سعد عن أبي سلمة أنها تزوَّجَتْ الشابَّ.
وكذا في رواية داوود بن أبي عاصم أنها تزوجت فتىً من قومها، وقصتُها كانت بعد حجة الوداع، فيحتاجُ أن كان الشاب دخل عليها، ثم طلقها إلى زمانِ عدة منه، ثم إلى زمان الحمل حتى تضعَ وتلدَ سنابل حتى صار أبوه يكنى به أبا السنابل، قاله الحافظ. انتهى من "تحفة الأحوذي".
قال أبو عيسى: والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ أن الحامل المتوفى عنها زوجها إذا وضعت .. فقد حل التزويج لها، وإن لم تكن عدتها بالأشهر قد انقضت، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: تعتد آخر الأجلين، والقول الأول أصح.
وأخرجه النسائي في كتاب الطلاق، باب عدة الحامل المتوفى عنها زوجها، وأحمد في "المسند"، والطبراني في "المعجم الكبير"، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
فهذا الحديث من المتفق عليه -لكن هو عن أم سلمة؛ كما مر آنفًا-
стр. 5543
(١٣) - ١٩٩٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيّ، عَنْ مَسْرُوقٍ وَعَمْرِو بْنِ عُتْبَةَ أَنَّهُمَا كَتَبَا إِلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ يَسْأَلَانِهَا عَنْ أَمْرِهَا،
===
فهو في أعلى درجات الصحة، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سبيعة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٣) -١٩٩٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة له غرائب، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن داوود بن أبي هند) دينار بن عذافر القشيري مولاهم أبي بكر البصري أو المصري، ثقة متقن كان يهم بأخرة، من الخامسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل الحميري الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الكوفي، ثقة فقيه مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين أو ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعمرو بن عتبة) بن فرقد السلمي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، استشهد في خلافة عثمان. يروي عنه: (س ق).
(أنهما) أي: أن مسروقًا وعمرو بن عتبة (كتبا إلى سبيعة بنت الحارث) الأسلمية: نسبة إلى بني أسلم، وكانت من المهاجرات، حالة كونهما (يسألانها عن أمرها) وشأنها بعد وفاة زوجها.
стр. 5544
فَكَتَبَتْ إِلَيْهِمَا أَنَّهَا وَضَعَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ، فَتَهَيَّأَتْ تَطْلُبُ الْخَيْرَ، فَمَرَّ بِهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ فَقَالَ: قَدْ أَسْرَعْت، اعْتَدِّي آخِرَ الْأَجَلَيْنِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ اسْتَغْفِرْ لِي، قَالَ: "وَفِيمَ ذَاكَ؟ "، فَأَخْبَرْتُهُ
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(فكتبت) سبيعة (إليهما) أي: إلى مسروق وعمرو بن عتبة (أنها وضعت) أي: ولدت (بعد وفاة زوجها) سعد بن خولة، وهو من بني عامر بن لؤي، وهو ممن شهد بدرًا، فتوفى عنها في حجة الوداع وهي حامل (بخمسة وعشرين) يومًا (فتهيأت) أي: تجملت للخُطَّاب -بضم الخاء- جمع خاطب من الخطبة حالة كونها (تطلب الخير) أي: الحلال؛ يعني: الزواج.
(فمر بها) أي: عليها (أبو السنابل بن بعكك) -بوزن جعفر- وفي رواية أبي داوود: (فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك؛ رجل من بني عبد الدار)، (فقال) لها أبو السنابل: (قد أسرعت) واستعجلت في تجملك وتعرضك للخُطَّاب قبل انقضاء عدتك أربعةِ أشهر وعشرٍ (اعتدي آخر الأجلين) أي: انتظري انقضاء أبعدِ العدتين وأطولِهما وأكثرهما زمنًا؛ يعني بهما: عِدَّةَ الوفاة وعدَّةَ الحمل؛ يعني بآخر الأجلين: (أربعة أشهر وعشرًا) عملًا بالآيتين، فإن تأخر الوضع .. انقضت عدتها بالوضع، وإن تأخرت الأشهر -كما في هذه المرأة- انقضت عدتها بتمام الأشهر؛ كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قالت سبيعة: (فأتيت النبي ﷺ ، فقلت) له: (يا رسول الله؛ استغفر لي) فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (وفيم ذاك) الاستغفار لك؟ أي: ومن أي سبب وجرم استغفاري لك؟ قالت سبيعة: (فأخبرته) ﷺ ذاك السبب؛ تعني: تَزَيُّنَهَا للخُطَّاب
стр. 5545
فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتِ زَوْجًا صَالِحًا .. فَتَزَوَّجِي".
(١٤) -١٩٩٨ - (٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ
===
قبل انقضاء عدتها على ما قال لها أبو السنابل (فقال) لي رسول الله ﷺ : فقد انقضت عدتك (إن وجدت زوجًا صالحًا) أي: رجلًا صالحًا في دينه ودنياه سمَّاه زوجًا؛ نظرًا إلى ما يَؤُول إليه .. (فتزوجي) إياه.
قوله: (فأخبرته) أي: أخبرت لرسول الله ﷺ (ذلك) الذي وقع لها من وضعها وقولِ أبي السنابل لها، واستدلت الحنفية بهذا الحديث على أن النكاح يصح بدون ولي، وبعبارات النساء؛ لما روى مالك في "موطئه": من أن أهلها كانوا غُيبًا، فأذن لها رسول الله ﷺ بالتزوج قبل مجيء أوليائها. انتهى من "التكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب حدثني عبد الله بن محمد الجعفي، ومسلم في كتاب الطلاق، باب انقضاء عدة المتوفى عنها زوجها بوضع الحمل، وأبو داوود في عدة الحامل، والنسائي في كتاب الطلاق، باب عدة المتوفى عنها زوجها.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث سبيعة بحديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤) -١٩٩٨ - (٣) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 5546
وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُودَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ سُبَيْعَةَ أَنْ تَنْكِحَ إِذَا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا.
===
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا: حدثنا عبد الله بن داوود) بن عامر الهمداني أبو عبد الرحمن الخُرَيْبِيُّ -بمعجمة وموحدة مصغرًا- كوفيُّ الأصل، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري المدني، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ أمر سبيعة) بنت الحارث الأسلمية رضي الله تعالى عنها (أن تنكح) وتتزوج (إذا تعلت) وطهرت (من نفاسها).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١)، والنسائي في كتاب الطلاق، باب عدة المتوفى عنها زوجها.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 5547
(١٥) - ١٩٩٩ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: وَاللهِ؛ لَمَنْ شَاءَ لَاعَنَّاهُ
===
ثم استشهد ثالثًا لحديث سبيعة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥) - ١٩٩٩ - (٤) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي البصري، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسلم) بن صبيح -مصغرًا- الهمداني أبو الضحى الكوفي العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين أو ثلاثة وستين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (والله؛ لَمنْ) بفتح اللام موطئة للقسم (شاء) منكم المُبَاهلةَ والملاعنةَ .. (لَاعَنَّاهُ) من الملاعنةِ؛ وهي المباهلة؛ أي: مَنْ يخالفُني في نزول سورة النساء القصرى؛ يعني: سورةَ الطلاق الناسخةَ لعدةِ أربعة أشهر وعشرًا، النازلةِ في سورة البقرة، المنسوخةِ في الحامل المتوفى عنها؛ أي: من يخالفنا في ذلك .. فليجتمع معنا حتى نلعن المخالف للحق منا ومنه، وهذا
стр. 5548
لَأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
===
كناية عن قَطْعِه وجَزْمِه بما يقول من غير وهم بخلافه، والله (لأنزلت سورة النساء القصرى) وهي سورة الطلاق (بعد) نزول (أربعة أشهر وعشرًا) المذكورة في سورة البقرة، فالعمل على المتأخرة؛ لأنها ناسخة للمتقدمة، قاله السندي.
قال الخطابي: يعني: بسورة النساء القصرى: سورة الطلاق، ويريد: أن نزول سورة البقرة متقدم على نزول سورة الطلاق، وقد ذكر في سورة الطلاق حكم الحامل بقوله : ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ (١).
فظاهر هذا الكلام منه أنه حمله على النسخ، وأن ما في سورة الطلاق ناسخ للحكم الذي في سورة البقرة، وعامةُ أهل العلم لا يحملونه على النسخ، لكن يُرتِّبُون إحدى الآيتين على الأخرى، فيجعلون التي في سورة البقرة في عدة غير الحامل، وهذه في عدة الحوامل. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في عدة الحامل.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5549
(٨) - (٦٣٩) - بَاب: أَيْنَ تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ؟
(١٦) - ٢٠٠٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ سُلَيْمَانُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُخْتَهُ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكٍ قَالَتْ: خَرَجَ زَوْجِي فِي طَلَبِ أَعْلَاجٍ لَهُ،
===
(٨) - (٦٣٩) - (باب: أين تعتد المتوفى عنها زوجها؟ )
(١٦) - ٢٠٠٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر سليمان بن حيان) الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرَةَ) البَلَوِيِّ المدني حليف الأنصار، ثقة، من الخامسة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن) عمته (زينب بنت كعب بن عجرة) زوج أبي سعيد الخدري، مقبولة، من الثانية، ويقال: لها صحبة. يروي عنها: (عم).
(وكانت تحت أبي سعيد الخدري أن أخته) أي: أن أخت أبي سعيد (الفريعة) بضم الفاء وفتح الراء مصغرًا (بنت مالك) بن سنان -بكسر أوله- الأنصارية الصحابية، لها حديث قضى به عثمان بن عفان في العدة، ويقال لها: الفارعة، ولقبها كبشة.
وفي رواية أبي داوود زيادة: (أخبرتها) أي: أخبرت الفريعة لزينب بنت كعب (قالت) الفريعة: (خرج زوجي) لم أر من ذكر اسمه (في طلب أعلاج) جمع علج؛ وهو الرجل من العجم، والمراد: في طلب عبيد (له) أَبِقُوا وهَرَبوا
стр. 5550
فَأَدْرَكَهُمْ بِطَرَفِ الْقَدُومِ فَقَتَلُوهُ، فَجَاءَ نَعْيُ زَوْجِي وَأَنَا فِي دَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ شَاسِعَةٍ عَنْ دَارِ أَهْلِي، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ جَاءَ نَعْيُ زَوْجِي وَأَنَا فِي دَارٍ شَاسِعَةٍ عَنْ دَارِ أَهْلِي وَدَارِ إِخْوَتِي، وَلَمْ يَدَعْ مَالًا يُنْفَقُ عَلَيَّ وَلَا مَالًا وَرِثْتُهُ وَلَا دَارًا يَمْلِكُهَا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَأْذَنَ لِي فَأَلْحَقَ بدَارِ أَهْلِي وَدَارِ إِخْوَتِي؛ فَإِنَّهُ أَحَبُّ إِلَيَّ وَأَجْمَعُ لِي فِي بَعْضِ أَمْرِي قَالَ: "فَافْعَلِي إِنْ شِئْتِ"، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ
===
منه (فأدركهم) أي: لحقهم (بطرف القدوم) -بفتح القاف وتشديد الدال وتخفيفها أيضًا- اسم موضع على ستة أميال من المدينة المنورة، (فقتلوه) أي: فقتل الأعلاج زوجي (فجاء) إلينا (نعي زوجي) أي: خبر قتله (وأنا في دار من دور الأنصار) استأجرها لي زوجي (شاسعة) أي: بعيدة تلك الدار (عن دار أهلي) وأقاربي.
(فأتيت النبي ﷺ ، فقلت) له: (يا رسول الله؛ جاء) ني (نعي زوجي) أي: خبر موته (وأنا) كنت ساكنة (في دار شاسعة) أي: بعيدة (عن دار أهلي) وأقاربي (و) عن (دار إخوتي، ولم يدع) أي: ولم يترك لي زوجي (مالًا يُنْفَقُ عليَّ ولا مالًا ورثته) منه (ولا دارًا يملكها، فإن رأيت) يا رسول الله (أن تأذن لي) في الخروج من سَكَنِي (فَأَلْحَقَ) بالنصب معطوف على (تأذن) مضارع مسند إلى المتكلمة (بدار أهلي ودار إخوتي) فَأْذَنْ لي في الخروج والتحوُّل إلى دار أهلي (فإنه) أي: فإن التحاقي بدار أهلي (أحب إلي وأجمع لي) ما تَشتَّتَ (في بعض أمري) وشأني.
فـ (قال) رسول الله ﷺ لي: (فافعلي) اللحوق بدار أهلك (إن شئت) اللحوق بهم (قالت) فُريعة: (فخرجت) من عند رسول الله
стр. 5551
قَرِيرَةً عَيْنِي لِمَا قَضَى اللهُ لِي عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي بَعْضِ الْحُجْرَةِ دَعَانِي فَقَالَ: "كَيْفَ زَعَمْتِ؟ "، قَالَتْ: فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: "امْكُثِي فِي بَيْتِكِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ نَعْيُ زَوْجِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ"،
===
ﷺ حالة كوني (قريرةَ عيني) أي: باردة عيني؛ كناية عن سرورها (لما قضى الله لي على لسان رسول الله ﷺ من الإذن لي في الخروج واللحوق بأهلي.
وقوله: (حتى إذا كنت في المسجد) النبوي غاية لخروجي من حجرة رسول الله ﷺ (أو) كنت (في) أمام (بعض الحجرة) الشريفة (دعاني) رسول الله ﷺ وناداني، و (أو) للشك من فريعة؛ أي: ناداني بالرجوع إليه، فرجعت إليه (فقال) لي: (كيف زعمت) وقلت لي آنفًا قبل خروجك من عندي؟ (قالت) فريعة: (فقصصت) وأخبرت ثانيًا خبر حاجتي (عليه) ﷺ .
(فقال) لي رسول الله ﷺ : (امكثي) -بضم الكاف- أي: تَوقَّفِي واثْبُتِي (في بيتك) ومنزلك (الذي جاء) ك (فيه نعي زوجك) أي: خبرَ موت زوجك (حتى يبلغ الكتاب) أي: العدة المكتوبة عليك؛ أي: المفروضة (أجله) أي: آخر مدته ونهايتها.
والمعنى: حتى تنقضي العدة المكتوبة وتبلغ آخرها، وسميت العدة كتابًا؛ لأنها فريضة من الله تعالى، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ (١)؛ أي: فرض، وهو اقتباس من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ (٢)،
стр. 5552
قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا.
===
ونظائر هذا الاقتباس في الأخبار كثير، ولا عبرة لقول من كرهه؛ كما بسطه السيوطي في "الإتقان".
(قالت) فريعة: (فاعتددت) أي: جلست (فيه) أي: في بيتي (أربعة أشهر وعشرًا) مدة عدتي إلى آخرها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في المتوفى عنها تنتقل، والترمذي في كتاب الطلاق، باب أين تعتد المتوفى عنها زوجها.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ لم يَرَوْا للمعتدة أن تَنتقِلَ من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها، وهو قول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضُ أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم: للمرأة أن تعتد حيث شاءت، وإن لم تعتد في بيت زوجها، قال أبو عيسى: والقول الأول أَصحُّ.
والنسائي في كتاب الطلاق، باب مقام المتوفى عنها زوجها في بيتها حتى تحل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5553
(٩) - (٦٤٠) - بَابٌ: هَلْ تَخْرُجُ الْمَرْأَةُ فِي عِدَّتِهَا ؟
(١٧) - ٢٠٠١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى مَرْوَانَ
===
(٩) - (٦٤٠) - (باب: هل تخرج المرأة في عدتها؟ )
(١٧) - ٢٠٠١ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن أبي سلمة الماجشون -بكسر الجيم بعدها معجمة مضمومة- المدني نزيل بغداد مولى آل الهدير، ثقة فقيه مصنف، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الرحمن (بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني الأموي مولاهم، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا، من السابعة، ولي خراج المدينة فَحُمِدَ، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة (قال) عروة: (دخلت على مروان) بن الحكم بن أبي العاص بن أمية أبو عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة في آخر سنة أربع وستين (٦٤ هـ)، ومات سنة خمس وستين (٦٥ هـ) في رمضان، وله ثلاث أو إحدى وستون سنة لا تثبت له صحبة، من الثانية، قال عروة بن الزبير: مروان لا يتهم في الحديث. يروي عنه: (خ عم).
стр. 5554
فَقُلْتُ لَهُ: امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِكَ طُلِّقَتْ، فَمَرَرْتُ عَلَيْهَا وَهِيَ تَنْتَقِلُ فَقَالَتْ: أَمَرَتْنَا فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ وَأَخْبَرَتْنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: هِيَ أَمَرَتْهُمْ بِذلِكَ، قَالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ:
===
أي: دخلت على مروان بن الحكم، وهو أمير يومئذ على المدينة من قبل معاوية، وولي الخلافة بعد ذلك.
(فقلت له) أي: لمروان (امرأةٌ مِن أهلِك) وأقاربك؛ وهي عمرةُ بنت عبد الرحمن بن الحكم، وهي بنت أخي مروان (طُلِّقَتْ) بالبناء للمجهول؛ أي: طلَّقها زوجها؛ وهو يحيى بن سعيد بن العاص (فمررت عليها) أي: على تلك المرأة المطلقة (وهي) أي: والحال أن تلك المرأة المطلقة (تنتقل) من دار زوجها إلى دار أبيها عبد الرحمن بن الحكم؛ أي: نقلها أبوها عبد الرحمن بن الحكم من مسكنها الذي طلقت فيه.
(فقالت) تلك المرأة المطلقة: (أمرتنا فاطمة بنت قيس) بن خالد الفهرية الصحابية المشهورة أخت الضحاك بن قيس رضي الله تعالى عنها، وكانت من المهاجرات الأول، وعاشت إلى نهاية خلافة معاوية؛ أي: أمرتنا فاطمة بنت قيس بالتحول والانتقال (وأخبرتنا) فاطمة (أن رسول الله ﷺ أمرها) أي: أمر فاطمة (أن تنتقل) وتتحول من مسكنها الذي طلقت فيه إلى بيت أهلها.
فالحديث لفاطمة بنت قيس، وسنده من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو صدوق تغير حفظه حين قدم بغداد.
(فقال مروان) بن الحكم لعروة: (هي) أي: فاطمة بنت قيس (أمرتهم) أي: أمرت المرأةَ المطلقةَ وأقاربَها (بذلك) أي: بالانتقال من المسكن الذي طُلقت فيه إلى بيت أبيها عبد الرحمن بن الحكم (قال عروةُ: فقلت) لمروان بن
стр. 5555
أَمَا وَاللهِ لَقَدْ عَابَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَسْكَنٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَيْهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
===
الحكم: (أَمَا) أي: انتبه واستمع ما أقول لك (واللهِ) أي: أقسمت لك بالإله الذي لا إله غيره (لقد عابَتْ) وأنكرَتْ (ذلك) الانتقالَ من المسكن الذي طُلقت فيه بلا عذرِ خوفٍ على نفسها أو مالها (عائشةُ) الصديقةُ، رضي الله تعالى عنها.
(وقالت) عائشة: (إن فاطمة) بنتَ قيس إنما انتقلَتْ من المسكن الذي طُلقت فيه؛ لأنها (كانت في مسكنٍ وحشٍ) أي: مُتوحشٍ خالٍ عن الأنيس (فخيف عليها) أي: على فاطمة من دخول السراق والفجار عليها (فلذلك) الخوف عليها (أرخص) وجوز (لها) أي: لفاطمة الانتقال من مسكنها الذي طلقت فيه (رسول الله ﷺ .
وفي رواية أبي داوود زيادة: (فقال مروان) لعروة: إن كان عند فاطمة بنت قيس عذر الخوف على نفسها في خروجها من منزلها .. فلهذه المرأة التي هي قريبتنا عذر في خروجها من منزلها (فحسبك) أي: فيكفيك في كونه عذرًا لخروجها (ما كان بين هذين) أي: بين عمرة التي هي قريبتنا وبين زوجها يحيى من العداوة، وهذا مصير من مروان إلى الرجوع عن رد خبر فاطمة؛ فقد كان أنكر الخروج مطلقًا؛ كما مر، ثم رجع إلى الجواز بشرط وجود عذر عارض يقتضي جواز خروجها من منزل الطلاق، قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم بمعناه مختصرًا. انتهى من "العون" بتصرف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب من أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن السند؛ لما مر آنفًا، صحيح المتن؛ لما
стр. 5556
(١٨) - ٢٠٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَتَحَوَّلَ.
===
ذكرنا قريبًا من رواية الشيخين بمعناه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث فاطمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨) - ٢٠٠٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (قالت فاطمة بنت قيس) أخت الضحاك بن قيس الصحابية المشهورة، رضي الله تعالى عنها: (يا رسول الله؛ إني أخاف أن يقتحم علي) أي: أن يهجم ويدخل علي جبرًا وقهرًا أناس من الفجرة (فأمرها) رسول الله ﷺ بـ (أن تتحول) وتنتقل من مسكنها إلى بيت عبد الله بن أم مكتوم الأعمى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، والنسائي في كتاب الطلاق، باب ما جاء من الرخصة في ذلك.
стр. 5557
(١٩) - ٢٠٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه أيضًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث فاطمة بنت قيس بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٩) - ٢٠٠٣ - (٣) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة. يروي عنه: (ت ق)، ولكن لا يضر في هذا الحديث؛ لأنه ذكره على سبيل المقارنة.
(حدثنا روح) بن عبادة بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف، من التاسعة، مات سنة خمس أو سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أحمد بن منصور) بن سيار البغدادي الرمادي أبو بكر، ثقة حافظ، طعن فيه أبو داوود؛ لمذهبه في الوقف في القرآن، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وستين ومئتين (٢٦٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا حجاج بن محمد) المصيصي الأعور أبو محمد، ترمذي الأصل، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من روح وحجاج رويا (عن ابن جريج) عبد الملك بن
стр. 5558
قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْه، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "بَلَى، فَجُدِّي نَخْلَكِ؛
===
عبد العزيز الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(قال أخبرني أبو الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (طلقت خالتي) قال الدميري: اسمها أسماء، وقال الحافظ في "التلخيص": ذكرها أبو موسى في "ذيل الصحابة" في المبهمات، كذا في "بذل المجهود".
أي: طلقت ثلاث تطليقات (فأرادت) هي (أن تجد) وتصرم وتقتطف وتقطع ثمر (نخلها) يقال: جد النخل يجد -بالضم؛ لأنه من المضاعف المعدى- جدًّا وجدادًا -بالفتح والكسر- والجد: صرام النخل؛ وهو قطع ثمرها (فزجرها) أي: منعها من الخروج لجدادها (رجل) لأنها معتدة، ولم أر من ذكر اسم ذلك الرجل (أن تخرج) من مسكنها (إليه) أي: إلى نخلها؛ ظنًا منه أنه لا يحل لها الخروج؛ لكونها في العدة.
(فأتت النبي ﷺ أي: جاءته ﷺ فأخبرته بحالها وضرورتها إلى جداد نخلها، فقالت له: أما يجوز لي أن أخرج لجداد نخلي؟ (فقال) لها رسول الله ﷺ : (بلى) يجوز لك (فـ) اخرجي و (جدي نخلك) أي: اصرمي واقطعي ثمرها، هذا لفظ رواية
стр. 5559
فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا".
===
مسلم وابن ماجه وأحمد، ولفظ أبي داوود والدارمي: (أخرجي فجدي نخلك).
قال القرطبي: وإباحته لها الخروج لجد نخلها دليل مالك والشافعي وأحمد والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها في الليل، وسواء عند مالك رجعية أو بائنة، وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة.
وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها، وأما المطلقة .. فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وقال الجمهور بهذا الحديث: إن الجداد بالنهار عرفًا وشرعًا، أما العرف .. فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل، وأما الشرع .. فقد نهى ﷺ عن جداد الليل، فلا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل؛ إذ قد يكون نخلها بعيدًا تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة؛ بحيث يحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يخرج إليها ويرجع منها بالنهار.
وقوله: (فإنك عسى) أي: يرجى (أن تصدقي) منه (أو تفعلي معروفًا) ليس تعليلًا لإباحة الخروج إليها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها والحض على فعل الخير، والله أعلم. انتهى من "المفهم"، ولفظ أبي داوود والدارمي: (لعلك أن تصدقي منه)، ولفظ أبي داوود أيضًا: (وتفعلي خيرًا)، ولفظ الدارمي: (أو تصنعي معروفًا).
ولعل وجه الفرق بين الصدقة والمعروف: أن يكون المراد من الصدقة: الصدقة الواجبة، ومن المعروف: صدقة التطوع.
ويمكن الفرق بينهما: بأن الصدقة ما تحتاج إلى التمليك، والمعروف ما لا يحتاج إليه، وإنما قال لها النبي ﷺ ذلك؛ لأنه كان يعلم
стр. 5560
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أنها صاحبة خير عهد منها المعروف، أو أجابها بما فيه إرشاد لها إلى الصدقة والتطوع، ولا يخفى ما فيه من لطف وحكمة، وقال النووي: فيه استحباب الصدقة عند الجداد. انتهى من "الكوكب".
قوله: "لعلك إن تصدقي" بحذف إحدى التائين.
قوله: "أو تفعلي" (أو) للتنويع، قال الخطابي: وجه استدلال أبي داوود بهذا الحديث؛ على أن للمعتدة في الطلاق أن تخرج بالنهار .. هو أن جداد النخل في غالب العرف لا يكون إلا نهارًا، وقد نهى عن جداد الليل، ونخل الأنصار قريب من دارهم، فهي إذا خرجت بكرة للجداد .. أمكنها أن تمسي في بيتها؛ لقرب المسافة، وهذا في المعتدة من التطليقات الثلاث، فأما الرجعية .. فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وقال أبو حنيفة: لا تخرج المبتوتة ليلًا ولا نهارًا؛ كالرجعية، وقال الشافعي: تخرج نهارًا ولا تخرج ليلًا على ظاهر الحديث. انتهى.
قال القاري: قوله: "لعلك أن تصدقي" تعليل للخروج، ويعلم منه أنه لولا التصدق .. لما جاز لها الخروج، و (أو) للتنويع؛ بأن يراد بالتصدق: الفرض، وبالخير: التطوع والهدية والإحسان إلى الجار؛ يعني: إن يبلغ مالك نصابًا .. فتؤدي زكاته، وإلا .. فافعلي معروفًا؛ من التصدق والتقرب والتهادي.
وفيه أن حفظ المال واقتناءه لفعل المعروف مرخص. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الطلاف، باب جواز خروج المعتدة البائن، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب في المبتوتة تخرج بالنهار والنسائي في كتاب الطلاق، باب خروج المتوفى عنها زوجها بالنهار.
стр. 5561
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5562
(١٠) - (٦٤١) - بَابُ الْمُطَلَّقَةِ ثَلَاثًا هَلْ لَهَا سُكْنَى وَنَفَقَةٌ ؟
(٢٠) - ٢٠٠٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرٍ الْعَدَوِيِّ
===
(١٠) - (٦٤١) - (باب المطلقة ثلاثًا هل لها سكنى ونفقة؟ )
(٢٠) - ٢٠٠٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع، حدثنا سفيان) الثوري.
(عن أبي بكر) بن عبد الله (بن أبي الجهم بن صُخَير) مصغرًا (العدوي) وقد ينسب أبو بكر إلى جده؛ كما في "ابن ماجه"، وأبو بكر اسمه كنيته، واسم أبي الجهم: صخير، ويقال: عبيد بن حذيفة بن غانم بن عبد الله بن عبيد بن عُوَيج. روى عن: عمه محمد بن أبي الجهم بن حذيفة، وابن عمر، وفاطمة بنت قيس، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وغيرهم، ويروي عنه: (م ت س ق)، والثوري، وأبو العميس.
قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال الزبير بن بكار: كان فقيهًا، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وفي "سنن ابن ماجه": (عن أبي بكر بن الجهم بن صخير). انتهى من "التهذيب".
وقال في "التقريب": ثقة فقيه، من الرابعة، وقد بسطنا الكلام فيه في "شرح مسلم".
стр. 5563
قَالَ: سَمِعْتُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ تَقُولُ: إِنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ سُكْنَى وَلَا نَفَقَةً.
(٢٠) - ٢٠٠٤ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ،
===
(قال) أبو بكر: (سمعت فاطمة بنت قيس) القرشية الفهرية (تقول).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(إن زوجها) أبا عمرو عبد الحميد بن حفص بن المغيرة المخزومي (طلقها ثلاثًا) فجاءت إلى رسول الله ﷺ ، فقالت له: هل لي على زوجي السكنى والنفقة؟ (فلم يجعل لها رسول الله ﷺ أي: لم يحكم لها (سكنى ولا نفقة) لأنها كانت مبتوتة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في نفقة المبتوتة، ومسلم في كتاب الطلاق، باب المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، والترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في ألا يخطب الرجل على خطبة أخيه، والنسائي في كتاب الطلاق، باب الرخصة في خروج المبتوتة من بيتها في عدتها، وفي باب نفقة البائنة وغيرهم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٢٠) -٢٠٠٤ - (م) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 5564
عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيّ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طَلَّقَنِي زَوْجِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا سُكْنَى لَكِ وَلَا نَفَقَةَ".
===
(عن مغيرة) بن مقسم -بكسر الميم- الضبي مولاهم، أبي هشام الكوفي الأعمى، ثقة متقن إلا أنه كان يدلس، من السادسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) ثقة حجة، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(قال) الشعبي: (قالت فاطمة بنت قيس) القرشية الفهرية رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، غرضه: بيان متابعة الشعبي لأبي بكر بن أبي الجهم في روايته عن فاطمة بنت قيس.
(طلقني زوجي) أبو عمرو (على عهد رسول الله ﷺ طلاقًا (ثلاثًا) فسألت رسول الله ﷺ : ألي عليه سكنى ونفقة في مدة العدة؟ (فقال) لي (رسول الله ﷺ : لا سكنى لك ولا نفقة) إلا إذا كنت حاملًا منه.
وهذا الحديث قد تقدم بيان من خرجه، وبيان درجته، وحكم سنده، وغرضه في الحديث الذي قبله؛ لأنه ذكره متابعة له.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 5565
(١١) - (٦٤٢) - بَابُ مُتْعَةِ الطَّلَاقِ
(٢١) - ٢٠٠٥ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ أَبُو الْأَشْعَثِ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ الْجَوْنِ تَعَوَّذَتْ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ:
===
(١١) - (٦٤٢) - (باب متعة الطلاق)
(٢١) - ٢٠٠٥ - (١) (حدثنا أحمد بن المقدام أبو الأشعث العجلي) البصري، صدوق، صاحب حديث، طعن أبو داوود في مروءته، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا عبيد بن القاسم) الأسدي الكوفي، يقال: هو ابن أخت الثوري، متروك، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
قال فيه ابن معين: كان كذابًا خبيثًا، وقال صالح بن محمد: كذاب؛ كان يضع الحديث، وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، حدث عن هشام بن عروة بنسخةٍ موضوعة.
قلت: وضعفه البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وغيرهم.
(حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه عبيد بن القاسم، وهو متروك متفق على ضعفه.
(أن عمرة بنت الجون) لم أر من ذكر ترجمتها (تعوذت) أي: استعاذت (من رسول الله ﷺ أي: من قربانه إياها (حين أدخلت عليه) ﷺ ليبني بها (فقال) لها رسول الله صلى الله عليه
стр. 5566
"لَقَدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ"، فَطَلَّقَهَا وَأَمَرَ أُسَامَةَ أَوْ أَنَسًا فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ رَازِقِيَّةٍ.
===
وسلم: (لقد عذت) مني؛ أي: استعذت وتحصنت مني (بمعاذ) عظيم؛ لأن التنكير للتعظيم؛ فإنها تعوذت منه بالله الجليل ﷻ .
(فطلقها) رسول الله ﷺ (وأمر أسامة) بن زيد بن حارثة (أو) أمر (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنهما، و (أو) للشك من الراوي؛ أي: أمر أسامة أو أنسًا بإمتاعها؛ أي: باعطاء المتعة لها؛ لأنها طلقت قبل الوطء لها، فوجبت المتعة لها (فمتعها) أي: أعطى لتلك المرأة أسامة أو أنس (بثلاثة أثواب رازقية) متعة لها.
والرازقية -بالهاء-: ثياب كتان بيض. انتهى من "القاموس".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه منكر بذكر أسامة وأنس، صحيح بلفظ: (فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيتين) بلفظ أبي أسيد، فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند، منكر المتن، غرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث ضعيف منكر (١)(٢٢٠).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5567
(١٢) - (٦٤٣) - بَابُ الرَّجُلِ يَجْحَدُ الطَّلَاقَ
(٢٢) -٢٠٠٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَبُو حَفْصٍ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه،
===
(١٢) - (٦٤٣) - (باب الرجل يجحد الطلاق)
(٢٢) -٢٠٠٦ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عمرو بن أبي سلمة أبو حفص التنيسي) -بمثناة مكسورة ونون مشددة بعدها تحتانية ثم مهملة- الدمشقي مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن زهير) بن محمد التيمي أبي المنذر الخراساني المروزي، سكن الشام ثم الحجاز، ثقة إلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
стр. 5568
عَنْ جَدِّه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ زَوْجِهَا فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ .. اسْتُحْلِفَ زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ .. بَطَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِد، وَإِنْ نَكَلَ .. فَنُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ وَجَازَ طَلَاقُهُ".
===
(عن جده) أي: روى شعيب عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبي محمد الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وفي "الزوائد": هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك) أي: على طلاقه إياها (بشاهد عدل .. استحلف) على صيغة المبني للمجهول (زوجها) على أنه لم يطلقها (فإن حلف) زوجها على ذلك .. (بطلت شهادة الشاهد) الواحد، وانتفى الطلاق (وإن نكل) الزوج وامتنع عن الحلف على ذلك .. (فنكوله) وامتناعه عن الحلف (بمنزلة شاهد آخر، وجاز) أي: نفذ (طلاقه) وثبت؛ أي: يحكم القاضي بنفوذ طلاقه وثبوته، وظاهره: إن نكل بلا شاهد .. لا يقضى بالطلاق، إلا أن يقال: لا عبرة بالمفهوم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 5569
(١٣) - (٦٤٤) - بَابُ مَنْ طَلَّقَ أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ لَاعِبًا
(٢٣) -٢٠٠٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَرْدَكَ،
===
(١٣) - (٦٤٤) - (باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا)
أي: غير قاصدٍ إيقاع كل من الثلاثة.
* * *
(٢٣) - ٢٠٠٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -بنون مصغرًا- السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن حبيب بن أردك) -بتقديم الراء على الدال- المخزومي مولاهم المَدِينِيُّ -بالياء بين الدال والنون- قال الجوهري: النسبة إلى مدينة يثرب: مدني -بلا ياء- وإلى مدينة منصور مديني- بالياء بين الدال والنون- للفرق بينهما؛ كذا في "المغني" لصاحب "مجمع البحار". انتهى "تحفة الأحوذي".
وقال: يقال: حبيب بن عبد الرحمن، وقد ينسب إلى جده، لين الحديث، من السادسة، وقال الحاكم: هو من ثقات المَدِينِيِّينَ. يروي عنه: (د ت ق).
стр. 5570
حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ".
===
(حدثنا عطاء بن أبي رباح) -بفتح الراء والموحدة- واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن يوسف بن ماهك) بن بُهْزَاذَ -بضم الموحدة وسكون الهاء بعدها زاي- الفارسيِّ المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ثلاث) أمور (جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهن جِدٌّ) والجِد: -بكسر الجيم-: أن يراد باللفظ ما وضع له حقيقة، أو يراد به: ما صلح له مجازًا، والهزل: أن يراد باللفظ غير ما وضع بغير مناسبة بينهما. انتهى من "العون".
(النكاح والطلاق والرجعة) -بكسر الراء وفتحها؛ ففي "القاموس": بالكسر والفتح-: عود المطلق إلى طليقته، وفي "المشارق" للقاضي عياض: ورجعة المطلقة فيها الوجهان، والكسر أكثر، وأنكر ابن مكي الكسر، ولم يُصِبْ.
قال الخطابي: اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان الإنسان البالغ العاقل .. فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا، أو هازلًا، أو لم أنوه طلاقًا، أو ما أشبه ذلك من الأمور.