"لَقَدْ عُذْتِ بِمُعَاذٍ"، فَطَلَّقَهَا وَأَمَرَ أُسَامَةَ أَوْ أَنَسًا فَمَتَّعَهَا بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ رَازِقِيَّةٍ.
===
وسلم: (لقد عذت) مني؛ أي: استعذت وتحصنت مني (بمعاذ) عظيم؛ لأن التنكير للتعظيم؛ فإنها تعوذت منه بالله الجليل ﷻ .
(فطلقها) رسول الله ﷺ (وأمر أسامة) بن زيد بن حارثة (أو) أمر (أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنهما، و (أو) للشك من الراوي؛ أي: أمر أسامة أو أنسًا بإمتاعها؛ أي: باعطاء المتعة لها؛ لأنها طلقت قبل الوطء لها، فوجبت المتعة لها (فمتعها) أي: أعطى لتلك المرأة أسامة أو أنس (بثلاثة أثواب رازقية) متعة لها.
والرازقية -بالهاء-: ثياب كتان بيض. انتهى من "القاموس".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه منكر بذكر أسامة وأنس، صحيح بلفظ: (فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيتين) بلفظ أبي أسيد، فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند، منكر المتن، غرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث ضعيف منكر (١)(٢٢٠).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5567
(١٢) - (٦٤٣) - بَابُ الرَّجُلِ يَجْحَدُ الطَّلَاقَ
(٢٢) -٢٠٠٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ أَبُو حَفْصٍ التِّنِّيسِيُّ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه،
===
(١٢) - (٦٤٣) - (باب الرجل يجحد الطلاق)
(٢٢) -٢٠٠٦ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عمرو بن أبي سلمة أبو حفص التنيسي) -بمثناة مكسورة ونون مشددة بعدها تحتانية ثم مهملة- الدمشقي مولى بني هاشم، صدوق له أوهام، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن زهير) بن محمد التيمي أبي المنذر الخراساني المروزي، سكن الشام ثم الحجاز، ثقة إلا أن رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين ومئة (١٦٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
стр. 5568
عَنْ جَدِّه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا ادَّعَتِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ زَوْجِهَا فَجَاءَتْ عَلَى ذَلِكَ بِشَاهِدٍ عَدْلٍ .. اسْتُحْلِفَ زَوْجُهَا، فَإِنْ حَلَفَ .. بَطَلَتْ شَهَادَةُ الشَّاهِد، وَإِنْ نَكَلَ .. فَنُكُولُهُ بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ وَجَازَ طَلَاقُهُ".
===
(عن جده) أي: روى شعيب عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبي محمد الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وفي "الزوائد": هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ قال: إذا ادعت المرأة طلاق زوجها، فجاءت على ذلك) أي: على طلاقه إياها (بشاهد عدل .. استحلف) على صيغة المبني للمجهول (زوجها) على أنه لم يطلقها (فإن حلف) زوجها على ذلك .. (بطلت شهادة الشاهد) الواحد، وانتفى الطلاق (وإن نكل) الزوج وامتنع عن الحلف على ذلك .. (فنكوله) وامتناعه عن الحلف (بمنزلة شاهد آخر، وجاز) أي: نفذ (طلاقه) وثبت؛ أي: يحكم القاضي بنفوذ طلاقه وثبوته، وظاهره: إن نكل بلا شاهد .. لا يقضى بالطلاق، إلا أن يقال: لا عبرة بالمفهوم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 5569
(١٣) - (٦٤٤) - بَابُ مَنْ طَلَّقَ أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ لَاعِبًا
(٢٣) -٢٠٠٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ أَرْدَكَ،
===
(١٣) - (٦٤٤) - (باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا)
أي: غير قاصدٍ إيقاع كل من الثلاثة.
* * *
(٢٣) - ٢٠٠٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -بنون مصغرًا- السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن حبيب بن أردك) -بتقديم الراء على الدال- المخزومي مولاهم المَدِينِيُّ -بالياء بين الدال والنون- قال الجوهري: النسبة إلى مدينة يثرب: مدني -بلا ياء- وإلى مدينة منصور مديني- بالياء بين الدال والنون- للفرق بينهما؛ كذا في "المغني" لصاحب "مجمع البحار". انتهى "تحفة الأحوذي".
وقال: يقال: حبيب بن عبد الرحمن، وقد ينسب إلى جده، لين الحديث، من السادسة، وقال الحاكم: هو من ثقات المَدِينِيِّينَ. يروي عنه: (د ت ق).
стр. 5570
حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ".
===
(حدثنا عطاء بن أبي رباح) -بفتح الراء والموحدة- واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن يوسف بن ماهك) بن بُهْزَاذَ -بضم الموحدة وسكون الهاء بعدها زاي- الفارسيِّ المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ثلاث) أمور (جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهن جِدٌّ) والجِد: -بكسر الجيم-: أن يراد باللفظ ما وضع له حقيقة، أو يراد به: ما صلح له مجازًا، والهزل: أن يراد باللفظ غير ما وضع بغير مناسبة بينهما. انتهى من "العون".
(النكاح والطلاق والرجعة) -بكسر الراء وفتحها؛ ففي "القاموس": بالكسر والفتح-: عود المطلق إلى طليقته، وفي "المشارق" للقاضي عياض: ورجعة المطلقة فيها الوجهان، والكسر أكثر، وأنكر ابن مكي الكسر، ولم يُصِبْ.
قال الخطابي: اتفق عامة أهل العلم على أن صريح لفظ الطلاق إذا جرى على لسان الإنسان البالغ العاقل .. فإنه مؤاخذ به، ولا ينفعه أن يقول: كنت لاعبًا، أو هازلًا، أو لم أنوه طلاقًا، أو ما أشبه ذلك من الأمور.
стр. 5571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واحتج بعض العلماء في ذلك بقول الله : ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ (١)، وقال: لو أُطْلِق؛ أي: جوز للناس ذلك .. لعطِّلَتْ الأحكامُ، ولم يؤمن مُطلِّق أو ناكحٌ أو معتِقٌ أن يقول: كنتُ في قولي هازلًا، فيكون في ذلك إبطالُ حكمِ الله تعالى، وذلك غير جائز، فكل من تكلم بشيء مما جاء ذكره في هذا الحديث .. لزمه حكمه، ولم يقبل منه أن المُدَّعَى خلافُه، وذلك تأكيد لأمر الفروج واحتياط له، والله أعلم. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل، والترمذي في كتاب الطلاق، باب في الجد والهزل في الطلاق، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الطلاق، قال: هذا حديث صحيح الإسناد، وعبد الرحمن بن حبيب هذا: هو ابن أردك، من ثقات المدنيين، ولم يخرجاه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال السندي: "وهَزْلُهن جِد" الهزل والجد -بكسر الجيم- ضده، وقد استدل به من يقول بطلاق المكره، ورد: بأن الهازل يتكلم بالطلاق عن قصد واختيار كامل للمتكلم به، وبذلك يقع طلاقه ويلزم حكمه، ولا يلتفت إلى عدم رضاه بحكمه، بخلاف المكره؛ فإنه مُلْجَأ لا اختيار له في التكلم بالطلاق قصدًا،
стр. 5572
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويفارق الطائع به، قالوا: والحكم في جميع العقود كالبيع والهبة .. مساواة الجد والهزل، وإنما خص هذه الثلاثة؛ لتأكيد أمر الفرج والاهتمام به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 5573
(١٤) - (٦٤٥) - بَابُ مَنْ طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ
(٢٤) - ٢٠٠٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وَحَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ جَمِيعًا، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ،
===
(١٤) - (٦٤٥) - (باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به)
(٢٤) -٢٠٠٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي -بالمهملة- أو الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد الهجيمي البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من الثلاثة: علي بن مسهر، وعبدة بن سليمان، وخالد .. رووا (عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست أو سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 5574
عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ بِهِ".
===
(عن زرارة بن أوفى) العامري الحرشي -بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة- أبي حاجب البصري قاضيها، ثقة عابد، من الثالثة، مات فجأة في الصلاة دون المئة سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) (تجاوز) وتسامح (لأمتي) وفي رواية البخاري: (عن أمتي) أي: عفا عنهم (عما) أي: عن السوء الذي (حدثت به) تلك الأمة (أنفسها) -بالنصب على المفعولية- أي: مع أنفسها، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم يقولونه بالرفع؛ يعني: بغير اختيارها، كذا في "فتح الباري".
(ما لم تعمل) تلك الأمة (به) أي: بذلك السوء في العمليات (أو) ما لم (تكلم به) أي: بذلك السوء؛ أي: في القوليات.
واستدل به على أن من كتب الطلاق .. طلقت امرأته؛ لأنه عزم عليه بقلبه، وعمل بكتابته، وهو قول الجمهور، وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك، قاله الحافظ، ونقل العيني في "عمدة القاري" عن "المحيط": إذا كتب طلاق امرأته في كتاب، أو لوح، أو على حائط، أو على أرض، وكان مستبينًا، ونوى به الطلاق .. يقع، وإن لم يكن مستبينًا، أو كتب في الهواء، أو في الماء .. لا يقع، وإن نوى. انتهى.
قال الخطابي: وفيه أنه إذا طلق امرأته بقلبه ولم يتكلم به بلسانه .. فإن
стр. 5575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الطلاق غير واقع، وبه قال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال الزهري: إذا عزم على ذلك .. وقع الطلاق لفظ به أو لم يَلْفِظْ، وبه قال مالك، والحديث حجة عليه. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان في العتق، وفي كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، وفي كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، ومسلم في كتاب الأيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب في الوسوسة في الطلاق، والترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في من يحدث نفسه، والنسائي في كتاب الطلاق، باب من طلق في نفسه، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديث أبي هريرة ﵁.
والله أعلم
стр. 5576
(١٥) - (٦٤٦) - بَابُ طَلَاقِ الْمَعْتُوهِ وَالصَّغِيرِ وَالنَّائِمِ
(٢٥) - ٢٠٠٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ خِدَاشٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ حَمَّادٍ،
===
(١٥) - (٦٤٦) - (باب طلاق المعتوه والصغير والنائم)
والمعتوه: هو المجنون؛ كما سيأتي في الحديث.
* * *
(٢٥) - ٢٠٠٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن خالد بن خداش) المهلبي البصري الضرير، صدوق يغرب، من صغار العاشرة، توفي في حدود الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
كلاهما (قالا: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد من أثبت الناس في ثابت، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن حماد) بن أبي سليمان: مسلم، الأشعري مولاهم أبي إسماعيل
стр. 5577
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ،
===
الكوفي، فقيه صدوق له أوهام، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) خاله (الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: رفع القلم) وهذا كناية عن عدم كتابة الآثام عليهم في هذه الأحوال، وهو لا ينافي ثبوت بعض الأحكام الدنيوية والأخروية في هذه الأحوال؛ كالمتلفات وغيرها، فلذلك من فاتته صلاة في النوم، فصلى، ففِعْلُهُ قضاءٌ عند كثير من الفقهاء، مع أن القضاء مسبوق بوجوب الصلاة، فلا بد لهم من القولِ بالوجوب حالةَ النوم، ولهذا إن الصحيح: أن الصبي يثاب على الصلاة وغيرها من الأعمال؛ فهذا الحديث كحديث: "رفع عن أمتي الخطأ" مع أن القاتل خطأً تجب عليه الكفارة وعلى عاقلته الدية، وعلى هذا ففي دلالة الحديث على عدم وقوع طلاق هؤلاء .. بحث.
(عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر) -بفتح الباء- أي: يحتلم أو يبلغ، والثاني أظهر، وعليه يحمل رواية: (يحتلم)؛ وذلك لأنه قد يبلغ بغير احتلام. انتهى "سندي".
стр. 5578
وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ أَوْ يُفِيقَ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "وَعَنِ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ".
(٢٦) - ٢٠١٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،
===
(وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق) بالشك من الراوي (قال أبو بكر) ابن أبي شيبة؛ أي: زاد (في حديثه) أي: في روايته لهذا الحديث: (و) رفع القلم (عن المبتلى) أي: عن المريض (حتى يبرأ) ويُشفى من مرضه.
وقوله في الترجمة: (المعتوه): المعتوه: الناقصُ العقل، يقال، قَدْ عُتِهَ، فهو معتوهٌ؛ أي: بيِّنُ العَتْه، والعَتْهُ: نَقْصُ العقلِ؛ بحيث لا يعقل شيئًا. انتهى "مختار".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، بابُ الطلاق في إِغْلاقٍ، بابُ لا يرجم المجنون والمجنونة، وأبو داوود في كتاب الحدود، بابٌ في المجنون يَسْرِقُ أو يُصيب حدًّا، والترمذي في كتاب الحدود، بابٌ فيمن لا يجب عليه الحد، والنسائي في كتاب الطلاق، بابُ مَنْ لا يقع طلاقُهُ من الأزواج.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٦) - ٢٠١٠ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري الملقب ببندار.
стр. 5579
حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُرْفَعُ الْقَلَمُ عَنِ الصَّغِيرِ وَعَنِ الْمَجْنُونِ وَعَنِ النَّائِمِ".
===
(حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي البصري، ثقة فاضل له تصانيف، من التاسعة، مات سنة خمس أو سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أنبأنا القاسم بن يزيد) شيخ لابن جريج، مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن: القاسم بن زيد مجهول، وكذا لم يدرك عليًّا.
(أن رسول الله ﷺ قال: يرفع القلم عن الصغير) وكذا الصغيرة (وعن المجنون) وكذا المجنونة (وعن النائم) وكذا النائمة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح بما قبله، وغرضه: الاستشهاد به، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5580
(١٦) - (٦٤٧) - بَابُ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَالنَّاسِي
(٢٧) - ٢٠١١ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ
===
(١٦) - (٦٤٧) - (باب طلاق المُكْرَهِ والنَّاسِي)
(٢٧) - ٢٠١١ - (١) (حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف) بن سَرْج -بالجيم- (الفريابي) نزيلُ بيت المقدس، صدوق تكلم فيه الساجي، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أيوب بن سويد) الرملي أبو مسعود الحميري السيباني -بمهملة مفتوحة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة- صدوق يخطئ، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ)، وقيل: سنة اثنتين ومئتين (٢٠٢ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا أبو بكر الهُذلي) -بضم الهاء وفتح الذال- قيل: اسمه سُلْمَى -بضم المهملة- ابن عبد الله، وقيل: روحٌ، أخباريٌ متروكُ الحديث، من السادسة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي ذر الغفاري) الربذي جندب بن جنادة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لِأَنَّ فيه أبا بكر الهذلي، وهو متفق على ضعفه.
стр. 5581
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
(٢٨) -٢٠١٢ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مِسْعَرٍ،
===
(قال) أبو ذر: (قال رسول الله ﷺ : إن الله تجاوز) وعفا (عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
والفرق بين الخطأ والنسيان: أن الخطأ فيه قصد الفعل، ولكنه أخطأ فيه، والنسيان فيه عدم القصد والفعل.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي هريرة رواه الأئمة الستة؛ كما سيأتي في "ابن ماجه"، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، غرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي ذر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٨) -٢٠١٢ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسعر) بن كدام بن ظهير الهلالي الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 5582
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا تُوَسْوِسُ بِهِ صُدُورُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ بِهِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
===
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن زرارة بن أوفى) العامري الحرشي البصري، ثقة عابد، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الله تجاوز) وتسامح (لأمتي عما توسوس) وتحدث (به صدورها) أي: قلوبها؛ من إطلاق المحل وإرادة الحال مجازًا مرسلًا بعلاقة المحلية (ما لم تعمل به) إن كان من العمليات (أو تتكلم به) إن كان من القوليات (وما استكرهوا عليه) بغير حق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق، ومسلم في كتاب الأيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب في الوسوسة بالطلاق، والترمذي في كتاب الطلاق، باب فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق .. لم يكن شيء حتى يتكلم به، والنسائي في "الصغرى" في كتاب الطلاق، باب من طلق في نفسه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 5583
(٢٩) -٢٠١٣ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
===
قوله: "وما استكرهوا عليه" من زيادة ابن ماجه؛ فهو شاذ في هذا الحديث، ولكنه صحيح في الحديث الذي قبله؛ أعني: حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي ذر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٩) -٢٠١٣ - (٣) (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول (الحمصي) القرشي، صدوق له أوهام، وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقة جليل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء) بن أبي رباح: أسلم، القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة إن سلم من الانقطاع؛ لأن رجاله ثقات، والظاهر أنه منقطع؛ كما سيأتي.
стр. 5584
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي ألْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ".
===
(عن النبي ﷺ قال: إن الله) (وضع) وأسقط وعفا (عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
وهذا الحديث درجته: أنه صحيح، وإن كان سنده منقطعًا؛ لأن له شاهدًا من حديث عائشة رواه أبو داوود، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير، وكذلك رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق عطاء، ورواه الدارقطني في "سننه" من حديث ابن عباس بلفظ: "إن الله تجاوز لأمتي ... " فذكره، وكذا رواه ابن عدي عن ابن عباس، ولم يذكر عبيد بن عمير، والله أعلم.
ورواه الحاكم أيضًا من طريق بشر بن بكر عن الأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن عبيد بن عمير عن ابن عباس مرفوعًا.
قال المزي في "الأطراف": رواه بشر بن بكر التنيسي عن الأوزاعي عن عطاء عن عبيد بن عمير عن ابن عباس. انتهى.
وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم؛ فإنه كان يدلس تدليس التسوية.
ورواه البيهقي في "سننه" من حديث عقبة بن عامر، ورواه النسائي من حديث أبي هريرة، وكذالك رواه الدارقطني في "سننه".
وانفرد به ابن ماجه، فتحصل مما ذكرنا: أن الحديث موصول السند، صحيح المتن مرفوعه، فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي ذر بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 5585
(٣٠) - ٢٠١٤ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ
===
(٣٠) - ٢٠١٤ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس، والحق أنه ثقة إمام؛ كما في "التهذيب"، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن ثور) بن يزيد بن زياد الكلاعي أبي خالد الحمصي. روى عن محمد بن عبيد بن أبي صالح، ويروي عنه: (ع)، وابن إسحاق، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل: ثلاث أو خمس وخمسين ومئة.
(عن عبيد بن أبي صالح) هكذا وقع في "ابن ماجه"، والصواب كما ذكره ابن أبي حاتم وغيره: (عن محمد بن عبيد بن أبي صالح عن صفية) المكي، نزيل بيت المقدس، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (د ق)، وثور بن يزيد الحمصي. وروى عن صفية بنت شيبة.
قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داوود حديثه عن صفية عن عائشة: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق)، وأخرجه ابن ماجه من طريقه، وسماه عبيد بن أبي صالح، وهو وهم منه.
(عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "البخاري" التصريح بسماعها من النبي
стр. 5586
قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ"
===
ﷺ ، وأنكر الدارقطني إدراكها، قال الذهبي في "سير أعلام النبلاء": أحسب أنها عاشت إلى دولة الوليد بن عبد الملك. يروي عنها: (ع).
(قالت) صفية: (حدثتني عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن عبيد بن أبي صالح، وهو مختلف فيه؛ كما قد علمت آنفًا.
(أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق") فسر بعضهم الإغلاق بالغضب، وهو موافق لما في "الجامع"، يقال: غَلِقَ؛ إذا غَضِب غضبًا شديدًا، لكن غالب أهل الغريب فسروه بالإكراه، وقالوا: كأنَّ المكرَه أُغْلِق عَليه بابُ الاختيار حتى يفعل، بل روى في "مجمع الغرائب": تفسيره بالغضب، وقال: إنه غلط؛ لأن أكثر طلاق الناسِ في الغضب، قال: وإنما هو الإكراه.
وفي "التنقيح": قد فسر الإغلاق بالغضب؛ كما ظنه أبو داوود، ونص عليه الإمام أحمد، قال شيخنا: إنه يعم الغضب والجنون وكل أمر أُغْلِقَ على صاحبِه عِلْمُه وقَصْدُه؛ مأخوذ من غلق الباب، بخلاف مَنْ عَلِمَ ما يتكلَّم به وقصَدَه وأراده؛ فإنه انفتح بابه ولم يغلق عليه، وقيل: معناه: لا يغلق التطليقات في دفعة واحدة حتى لا يبقى منها شيء، لكن يطلق طلاق السنة، والله أعلم. انتهى "سندي".
قال أبو داوود في "سننه": معنى الإغلاق: الغضب، وفسره علماء الغريب: بالإكراه، وهو قول ابن قتيبة والخطابي وابن السيد وغيرهم، وقيل: الجنون، واستبعده المطرزي، وقيل: الغضب، وكذا فسره أحمد، ورده ابن السيد، فقال:
стр. 5587
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لو كان كذلك .. لم يقع على أحد طلاق؛ لأن أحدًا لا يطلق حتى يغضب، وقال أبو عبيد: الإغلاق: التضييق، كذا في "التلخيص".
والحديثُ أخَذَ به مَنْ لا يُوقِعُ الطلاقَ والعتاقَ من المكره؛ وهو مالك والشافعي وأحمد، وعند الحنفية يصح طلاقه وعتاقه.
وقال المنذري: وأخرجه ابن ماجه، وفي إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي، وهو ضعيف، والمحفوظ فيه: إغلاق، وفسروه بالإكراه؛ لأن المكره يغلق عليه أمره وتصرفه، وقيل: كأنه يغلق عليه ويحبس ويضيق عليه حتى يطلق.
وقيل: الإغلاق ها هنا الغضب؛ كما ذكره أبو داوود، وقيل: معناه: النهي عن إيقاع الطلاق الثلاث كله دفعة واحدة لا يبقى منه شيء، ولكن ليطلق للسنة؛ كما أمر. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق على غلط، وأحمد في "المسند"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الطلاق، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وابن أبي شيبة في "مصنفه"، والدارقطني في "سننه"، والبيهقي في "السنن الكبرى".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شواهد؛ كما بيناه، وسنده حسن، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5588
(١٧) - (٦٤٨) - بَابٌ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ
(٣١) - ٢٠١٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَنْبَأَنَا عَامِرٌ الْأَحْوَلُ ح وَحَدُّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ جَمِيعًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،
===
(١٧) - (٦٤٨) - (باب: لا طلاق قبل النكاح)
(٣١) - ٢٠١٥ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هشيم) بن بشير السلمي الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عامر) بن عبد الواحد (الأحول) البصري، صدوق يخطئ، من السادسة، وهو عامر الأحول الذي روى عن عائذ بن عمرو المزني الصحابي، ولم يدركه، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(ح وحدثنا أبو كريب، حدثنا حاتم بن إسماعيل) المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، أصله من الكوفة، صحيح الكتاب، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن الحارث) بن عبد الله بن عياش -بتحتانية مشددة ومعجمة- ابن أبي ربيعة المخزومي أبي الحارث المدني، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(جميعًا) أي: كل من عامر الأَحْولِ وعبد الرحمن رويا (عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة،
стр. 5589
عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ".
===
مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، مات ليالي الحرة على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الحسن.
(أن رسول الله ﷺ قال: "لا طلاق فيما لا يملك") نكاحه؛ أي: لا صحة له، وقد وقع الإجماع على أنه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبية، وأما التعليق؛ نحو أن يقول: إن تزوجت فلانة .. فهي طالق .. فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أنه لا يقع، وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنه يصح التعليق مطلقًا.
وذهب مالك في المشهور عنه، وربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى إلى التفصيل؛ وهو أنه إن جاء بحاصر؛ نحو أن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو بلد كذا فهي طالق .. صح الطلاق ووقع، وإن عمم .. لم يقع شيء، وهذا التفصيل لا وجه له إلا مجرد الاستحسان؛ كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة، والحق: أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقًا، كذا في "النيل".
وزاد ابن الصباح في رواية أبي داوود: (ولا وفَاءَ نذرٍ إِلَّا فيما يملك) فلو قال: لله على أن أعتق هذا العبد، ولم يكن ملكه وقت النذر .. لم يصح النذر، فلو ملكه بعد هذا .. لم يعتق عليه، كذا في "المرقاة". انتهى من "العون".
стр. 5590
(٣٢) -٢٠١٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح، والترمذي في كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح، قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء رُوِيَ في هذا الباب، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح وجابر بن زيد، وغير واحد من فقهاء التابعين، وبه يقول الشافعي، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الطلاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال الذهبي في "التلخيص": صحيح.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وكثرة شواهده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٢) -٢٠١٦ - (٢) (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) أبو جعفر السرخسي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا علي بن الحسين بن واقد) المروزي، صدوق يهم، من العاشرة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا هشام بن سعد) المدني أبو عباد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع،
стр. 5591
عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ".
===
من كبار السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن المسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبي عبد الرحمن، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن علي بن الحسين وهشام بن سعد مختلف فيهما.
(عن النبي ﷺ قال: "لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد رواه ابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك" من حديث جابر بن عبد الله، ورواه الحاكم في "المستدرك" من حديث عائشة، وقال: صحيح على شرطهما، وله شاهد صحيح ذكره أيضًا ورواه أصحاب السنن الأربعة خَلَا النسائيَّ من حديث عبد الله بن عمرو، انظر تخريج الحديث السابق، وأحمد، وعبد الرزاق في "مصنفه".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا؛ لأن له شواهد من أحاديث صحاح، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 5592
(٣٣) -٢٠١٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاك، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ،
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن عمرو بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٣) -٢٠١٧ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جويبر) -تصغير جابر، ويقال: اسمه جابر، وجويبر لقبه- ابن سعيد الأزدي أبي القاسم البلخي، نزيل الكوفة، راوي التفسير، ضعيف جدًّا، من الخامسة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (ق).
(عن الضحاك) بن مزاحم الهلالي أبي القاسم الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، مات بعد المئة. يروي عنه: (عم)، وجويبر بن سعيد. روى عن النزال بن سبرة.
(عن النزال بن سَبْرة) -بفتح السين وسكون الموحدة- الهلالي الكوفي، مختلف في صحبته. روى عن: النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعثمان، وعلي، ويروي عنه: (خ د س ق)، والضحاك بن مزاحم، ثقة، من الثانية.
وقال العجلي: كوفي تابعي من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 5593
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ".
===
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جويبر بن سعيد البجلي، وهو متفق على ضعفه، لكن لم ينفرد به جويبر؛ فقد رواه البيهقي في "الكبرى" من طريق معاذ العنبري عن حميد الطويل عن الحسن عن علي بن أبي طالب، ثم رواه من طريق سعيد عن جويبر به موقوفًا من الطريقين جميعًا، وعبد الرزاق في "مصنفه".
(عن النبي ﷺ قال: "لا طلاق قبل النكاح").
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن درجته: أنه صحيح بما قبله من حديث المسور بن مخرمة، فهو ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5594
(١٨) - (٦٤٩) - بَابُ مَا يَقَعُ بِهِ الطَّلَاقُ مِنَ الْكَلَامِ
(٣٤) - ٢٠١٨ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ
===
(١٨) - (٦٤٩) - (باب ما يقع به الطلاق من الكلام)
(٣٤) - ٢٠١٨ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم -بمهملتين مصغرًا- ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبدُ الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) الأوزاعي: (سألت الزهري: أَيُّ أزواجِ النبي ﷺ استعاذت) أي: تعوذت بالله (منه) أي: من قِرْبَانهِ؟ (فقال) الزهري: (أخبرني عروة) بن الزبير (عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن ابنة الجَوْن) قيل: اسمها عمرة بنت الجون، والصحيح أن اسمها
стр. 5595
لَمَّا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَدَنَا مِنْهَا .. قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ".
===
أُميمة بنت النعمان بن شراحيل الكندية؛ لما في حديث أبي أسيد، وقال مرة: أميمة بنت شراحيل، فنسبت لجدها، وقيل: اسمها أسماء، وقيل: اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، فاستعاذت فطلقها، فكانت تلتقط البَعْرَ، وتقول: أنا الشَّقِيَةُ، وقال: وتوفيت سنة ستين (٦٠ هـ)، وقيل غير ذلك. راجع "فتح الباري" المجلد التاسع (ص ٣٥٧).
(لما دخلت على رسول الله ﷺ فدنا) أي: قرب (منها) فـ (قالت) له: (أعوذ بالله منك، فقال رسول الله ﷺ : عذت) وتحصنت مني (بـ) رب (عظيم، الحقي بأهلك).
وقوله: "الحقي" -بكسر الهمزة وفتح الحاء- قاله الحافظ في "الفتح".
وقوله: "الحقي بأهلك" كان كناية في الطلاق، فنوى به الطلاق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، بابُ مَنْ طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، والنسائي في كتاب الطلاق، باب مواجهة الرجل امرأته بالطلاق، والبيهقي، والدارقطني في "سننه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5596
(١٩) - (٦٥٠) - بَابُ طَلَاقِ الْبَتَّةِ
(٣٥) - ٢٠١٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ
===
(١٩) - (٦٥٠) - (بابُ طلاقِ البَتَّةِ)
(٣٥) - ٢٠١٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن جرير بن حازم) بن زبد بن عبد الله الأزدي أبي النضر البصري والد وهب، ثقة، لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزبير بن سعيد) بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني نزيل المدائن، لين الحديث، من السابعة، مات بعد الخمسين ومئة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة) -بضم الراء- المطلبي، وقد ينسب لجده، لين الحديث، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) علي بن يزيد بن ركانة بن عبد يزيد المطلبي، مستور، من الرابعة. يروي عنه: (د ق).
(عن جده) ركانة -بضم أوله وتخفيف الكاف- ابن عبد يزيد بن هاشم بن
стр. 5597
أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "مَا أَرَدْتَ بِهَا؟ "، قَالَ: وَاحِدَةً، قَالَ: "اللهِ؛ مَا أَرَدْتَ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً"، قَالَ: اللهِ؛ مَا أَرَدْتُ بِهَا إِلَّا وَاحِدَةً، قَالَ: فَرَدَّهَا عَلَيْه، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَاجَهْ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ
===
المطلب بن عبد مناف المطلبي، من مسلمة الفتح، ثم نزل المدينة، ومات في أول خلافة معاوية. يروي عنه: (د ت ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأنه اجتمع فيه أربعة ضعفاء.
(أنه) أي: أن ركانة بن عبد يزيد، وفي رواية أبي داوود: (أن ركانة بن عبد يزيد) (طلق امرأته) أي: زوجته سهيمة -بالتصغير- (البتة) بهمزة وصل؛ أي: قال لها: أنت طالق البتة (فأتى رسول الله ﷺ فأخبره (فسأله) عن طلاقه ذلك هل هو واقع عليَّ أم لا؟ (فقال) له النبي ﷺ : (ما أردت) بتاء الخطاب (بها) أي: بقولك: البتة؟ (قال) ركانة: أردت بها طلقةً (واحدةً).
فـ (قال) له النبي ﷺ : (الله) بهمزة القسم، وفي رواية أبي داوود: (والله) أي: أقسم لك بالله (ما) نافية (أردت) بتاء المخاطبة؛ أي: لم ترد (بها) بالبتة (إلا) طلقةً (واحدةً؟ قال) ركانة: (الله) بهمزة القسم، وفي رواية أبي داوود: (والله) أي: أقسم لك بالله (ما أردت) بتاء المتكلم أي: لم أرد (بها) أي: بالبتة (إلا) طلقةً (واحدةً، قال) يزيد بن ركانة: (فردها) أي: فرد النبي ﷺ امرأته (عليه) أي: على ركانة.
قال أبو الحسن بن بحر تلميذ المؤلف: (قال محمد) بن يزيد (ابن ماجه) يعني: المؤلف رحمه الله تعالى: (سمعت) شيخنا (أبا الحسن علي بن محمد
стр. 5598
الطَّنَافِسِيَّ يَقُولُ: مَا أَشْرَفَ هَذَا الْحَدِيثَ! قَالَ ابْنُ مَاجَهْ: أَبُو عُبَيْدٍ تَرَكَهُ نَاحِيَةً، وَأَحْمَدُ جَبُنَ عَنْهُ.
===
الطنافسي) الكوفي (يقول: ما أشرف هذا الحديث! )، وهذا لبيان شرف إسناده وكثرة فائدته.
(قال) المؤلف محمد بن يزيد (ابن ماجه: أبو عبيد) سعيد بن عبيد الزهري مولى عبد الرحمن بن أزهر، يكنى أبا عبيد، ثقة، من الثانية، وقيل: له إدراك بالنبي ﷺ . يروي عنه: (ع) .. (تركه) أي: ترك هذا الحديث (ناحيةً) -بالحاء المهملة- بالنصب على الظرفية؛ أي: تركه في جانب منه، ولَمْ يَلْتَفِتْ إليه لشدة ضعفه (و) كان (أحمد) ابن حنبل (جبن عنه) -بفتح الجيم وضم الباء- من باب ظرف؛ أي: خاف وصار جبانًا عن روايته؛ لما عرف فيه من شدة الضعف.
قال الخطابي: فيه بيان أن طلاق البتة واحدة إذا لم يرد بها أكثر من واحدة، وأنها رجعية غير بائن. انتهى، وقال القاري: طلاق البتة عند الشافعي واحدة رجعية، وإن نوى بها اثنتين أو ثلاثًا .. فهو ما نوى، وعند أبي حنيفة واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثًا .. فثلاث، وعند مالك ثلاث. انتهى من "العون".
واستدل بالحديث: على أن الطلاق الثلاث مجموعة تقع ثلاثًا؛ ووجه الاستدلال: أنه ﷺ أحلفه أنه أراد بالبتة: واحدةً، فدل على أنه لو أراد بها أكثر .. لوقع ما أراده، ولو لم يفترق الحالُ لم يُحلِّفه.
وأجيب: بأن الحديث ضعيف، ومع ضعفه مضطرب، ومع اضطرابه معارض بحديث ابن عباس: (إِن الطلاق كان على عهد رسول الله ﷺ واحدةً)، فالاستدلال بهذا الحديث ليس بصحيح، وإن شئت الوقوف على ضعفه واضطرابه .. فراجع "التعليقَ المُغْنِي شَرْحَ الدارقطني" فإنه قد بين فيه
стр. 5599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أخونا المعظم أبو الطيب ضعف الحديث واضطرابه بالبسط والتفصيل. انتهى من "العون".
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدًا -يعني: البخاري- عن هذا الحديث، فقال: فيه اضطراب، هذا آخر كلامه، وفي إسناده الزبير بن سعيد الهاشمي؛ فقد ضعفه غير واحد، وذكر الترمذي أيضًا عن البخاري أنه مضطرب، قيل فيه تارةً: ثلاثًا، وقيل فيه تارة: واحدة، وأصحه أنه طلقها البتة، وأن الثلاث فيه على المعنى، وقال الإمام أحمد بن حنبل: إن طرقه كلها ضعيفة، وضعفه أيضًا البخاري، وقد وقع الاضطراب في إسناده وفي متنه. انتهى كلام المنذري.
وقال ابن القيم: وفي "تاريخ البخاري": علي بن يزيد بن ركانة القرشي عن أبيه لم يصح حديثه، هذا لفظه، وقال عبد الحق الإِشبيلي: في سنده كلهم ضعيف والزبير أضعفهم. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في البتة، والترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الرجل يطلق امرأته البتة.
ودرجة هذا الحديث: أنه ضعيف؛ لضعف سنده واضطرابه متنًا وسندًا، فالحديث ضعيف متنًا وسندًا (٢)(٢٢١)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 5600
(٢٠) - (٦٥١) - بَابٌ: الرَّجُلُ يُخَيِّرُ امْرَأَتَهُ
(٣٦) - ٢٠٢٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ يَرَهُ شَيْئًا.
===
(٢٠) - (٦٥١) - (باب: الرجل يخير امرأته)
(٣٦) - ٢٠٢٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم) بن صبيح أبي الضحى الهمداني الكوفي مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع الهمداني الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (خيرنا) معاشر أزواجه (رسول الله ﷺ بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الدنيا وزخرفها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله تعالى الثواب الجزيل والأجر العظيم حين أمره الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ... ﴾ الآية (١).
(فاخترناه) أي: فاخترنا المُقامَ معه مع ضيق الحال (فلم يره) أي: لم ير النبي ﷺ ذلك التخيير (شيئًا) أي: لم يحسبه شيئًا من الطلاق
стр. 5601
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رجعيًا ولا بائنًا، وفي رواية مسلم: (فلم يعده طلاقًا).
قال القرطبي: وفي قول عائشة هذا دليل على أن المخيرة إذا اختارت نفسها .. أن نفس ذلك الخيار يكون طلاقًا من غير احتياج إلى النطق بلفظ يدل على الطلاق سوى الخيار، ويقتبس ذلك من مفهوم لفظها، فتأمله. انتهى من "المفهم".
وبهذا الحديث أخذ الأئمة الأربعة وجمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار وأئمة الفتوى، فقالوا: إذا خير الرجل امرأته فاختارته .. لا يقع بذلك طلاق لا واحدة ولا أكثر.
وحكي عن علي وزيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهما روايتان؛ إحداهما: كما قال جماعة السلف وأئمة الفتوى: أنه لا يقع بذلك شيء، والرواية الثانية: أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة، وإن اختارت زوجها.
ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين، فلو كان اختيارها زوجها طلاقًا .. لاتحدا، فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق، واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة. كذا في "فتح الباري".
هذا إذا اختارت المخيرة زوجها، وأما إذا اختارت نفسها .. فهي ثلاث عند مالك والليث، وهو المروي عن زيد بن ثابت، وقال أبو حنيفة: هي واحدة بائنة، وهو المروي عن عمر وابن مسعود وعلي رضي الله تعالى عنهم، وقال الشافعي وأحمد: هي طلقة رجعية، وهو مذهب إسحاق والثوري وابن أبي ليلى، وهو المروي عن ابن عباس. هذا ملخص ما في "فتح الباري"، والله وأعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب من
стр. 5602
(٣٧) -٢٠٢١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
===
خير نساءه، ومسلم في كتاب الطلاق، باب أن التخيير لا يكون طلاقًا إلا بالنية، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب الخيار، والترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الخيار، والنسائي في كتاب الطلاق، باب في المخيرة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة الأول بحديث آخر لها، فقال:
(٣٧) -٢٠٢١ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 5603
قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ .. دَخَلَ عَلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ إِنِّي ذَاكِر لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَلَّا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: قَدْ عَلِمَ وَاللهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِه،
===
(قالت) عائشة: (لما ثزلت) آية: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) .. دخل عليَّ رسول الله ﷺ قبل دخوله على أحدٍ من نسائه، وإنما بدأ بها في التخيير قبل أزواجه؛ لعقلها ولفضيلتها على غيرها (فقال) لي: (يا عائشة؛ إني ذاكر لك أمرًا) أي: سأذكر لك أمرًا مهمًا؛ وهو التخيير (فلا) بأس ولا حرج ولا ضرر (عليك) في (ألا تعجلي) أي: في عدم العجلة، والتأني (فيه) أي: في الجواب في ذلك الأمر.
قال النووي: معناه: لا يضرك ألا تعجلي، إنما قال ذلك لها؛ شفقةً عليها وعلى أهلها؛ لأنه خاف أن يَسْتَغِرَّهَا الصغرُ، فتختار نفسها، فيجب فراقها، فتتأذى بذلك، فيتأذى أهلها، ويتأذى بقية النسوة في الاقتداء بها.
قال القاضي: وقال ذلك؛ لكراهية فراقها، وخوف أن تبادر بذلك؛ إذ جعل ذلك إليها؛ لما في ظاهره من الزهد فيها بتخييرها وأنفة النساء من مثل هذا مع صغر سنها. انتهى من "الأبي".
(حتى تستأمري) وتشاوري (أبويك) أبا بكر وأم رومان؛ أي: حتى تطلبي منهما أن يبينا لك رأيهما في ذلك الأمر (قالت) عائشة: وإنما قال لي رسول الله ﷺ عليك ألا تعجلي حتى تشاوريهما؛ لأنه (قد علم والله؛ أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه) ﷺ ؛ أي: لعلمه أن أبويها لا يوافقانها في اختيارها نفسها إن حصل ذلك منها بسبب حداثة سنها وصغرها،
стр. 5604
قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيَّ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ﴾ الْآيَات،
===
لا يوافقانها في اختيارها نفسها إن حصل ذلك منها بسبب حداثة سنها وصغرها، وهذه اللام - أعني: لام (ليأمراني) - لام الجحود الواقعة بعد الكون المنفي بلم، أو بما نظير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ (١)، والمراد: أن رسول الله ﷺ إنما أمرها باستشارة أبويها؛ خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الشق الآخر.
وفيه منقبة عظيمة لعائشة رضي الله تعالى عنها من وجوه:
الأول: أنه ﷺ بدأ بها قبل سائر الأزواج، وما ذلك إلا لفضيلتها عنده ﷺ .
والثاني: أن النبي ﷺ لم يكن يحب فراقها حتى عند التخيير، ولذلك أمرها باستشارة أبويها؛ حبًا لها ونصحًا لأمرها.
والثالث: أنها لم تتوقف في اختيار رسول الله ﷺ ، فدل ذلك على كمال عقلها وجودة رأيها مع حداثة سنها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
ويستفاد من هذا الحديث أن أم رومان كانت يومئذ موجودة، فيرد به على من زعم أنها ماتت سنة ست من الهجرة؛ فإن التخيير كان في سنة تسعٍ، كذا في "فتح الباري" (٨/ ٤٠١).
(قالت) عائشة: (فقرأ علي) رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ... ﴾ أي: السعة في الدنيا وزهرتها (الآيات) أي: أتم الآيات المذكورة بعد هذه؛ يعني بها: قوله
стр. 5605
فَقُلْتُ: فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ ! قَدِ اخْتَرْتُ اللهَ وَرَسولَهُ.
===
تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ﴾ أي: أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد الأمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن .. ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أي: أعطكن متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أي: أطلقكن ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ لا ضرر فيه ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (١).
وهذا أمر من الله لرسوله ﷺ أن يخير نساءه بين أن يفارقهن فيذهبن إلى غيره ممن يحصل لهن عنده الدنيا وزخرفها، وبين الصبر على ما عنده من ضيق الحال، ولهن عند الله في ذلك الثواب الجزيل، فاخترن رضا الله ورسوله والدار الآخرة، فجمع الله تعالى لهن بعد ذلك بين خيري الدنيا وسعادة الآخرة.
قالت عائشة: (فقلت) له ﷺ : أ (في هذا) المذكور من الأمرين من الفراق والمقام معك (أستأمر) وأستشير (أبوي؟ ! ) لا حاجة لي إلى استشارتهما؛ فإني (قد اخترت الله ورسوله) والدار الآخرة؛ تعني: أن الأمر واضح لا حاجة فيه إلى مشاورة الأبوين.
(قالت) عائشة: (ثم فعل أزواج رسول الله ﷺ مثل ما فعلت) أنا من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة.
والحاصل: أن سبب نزول هذه الآية مطالبتهن إياه ﷺ من زينة الدنيا ما ليس عنده؛ ففي "تفسير البيضاوي": روي أنهن سألنه ﷺ ثياب الزينة وزيادة النفقة، فنزلت، فبدأ بعائشة فخيرها، فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم اختارت الباقيات اختيارها، فشكر الله