قَالَ: قُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ، لَقَدْ بِتْنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ مَا لَنَا عَشَاءٌ، قَالَ: "فَاذْهَبْ إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُرَيْقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ، وَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَانْتَفِعْ بِبَقِيَّتِهَا".
===
(قال) سلمة: (قلت) لرسول الله ﷺ : (والذي بعثك بالحق؛ لقد بتنا) أنا وأهلي (ليلتنا هذه) البارحة؛ أي: القريبة والحال أنه (ما لنا عشاء) -بفتح المهملة- وهو ما يؤكل أوائل الليل، فـ (قال) له النبي ﷺ : (فاذهب إلى صاحب صدقة بني زريق) - بتقديم الزاي على الراء - أي: عاملها (فقل له): ادفع إليَّ من صدقتك (فليدفعها) أي: فليدفع صدقة التمر وزكاته (إليك، وأطعم ستين مسكينًا) لكل مسكيني مُدٌّ منها (وانتفع) أنت وأهلك (ببقيتها) أي: بما بقي وفضل عن كفارتك عندك، وفي رواية أبي داوود زيادة: (قال عبد الله ابن إدريس: وبياضة: بطن من زريق) وهو بياضة بن عامر بن زريق بن عبد بن حارثة بن مالك بن زيد مناة، من ولد جشم بن الخزرج، كذا في "تاج العروس". انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب في الظهار، والترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في كفارة الظهار، وأحمد في "المسند".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سلمة بن صخر بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 5637
(٤٧) - ٢٠٣١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ
===
(٤٧) - ٢٠٣١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن أبي عبيدة) بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، اسم أبيه: عبد الملك، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا أبي) عبد الملك بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي الكوفي أبو عبيدة المسعودي، ثقة، من السابعة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن) سليمان (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن تميم بن سلمة) السلمي الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن عروة بن الزبير) الأسدي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) عروة: (قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(تبارك) أي: تزايد وتكاثر خير الإله (الذي وسع سمعه كل شيء) من المسموعات (إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة) بن أصرم الأنصارية الخزرجية الصحابية رضي الله تعالى عنها؛ وهي التي ظاهر منها زوجها، فنزلت فيها
стр. 5638
وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهِيَ تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَكَلَ شَبَابِي وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي وَانْقَطَعَ وَلَدِي .. ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ
===
سورة ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ (١)، ويقال لها: خويلة - بالتصغير - وزوجُهَا: أوس بن الصامت. يروي عنها: (د).
أي: لأسمع بعض كلامها (و) الحال أنه (يَخْفَى عليَّ بعضُه) أي: بعضُ كلامها (وهي) أي: والحال أنها (تشتكي زوجها) أي: تخبر حال زوجها (إلى رسول الله ﷺ على سبيل الشكوى منه (وهي) أي: والحال أنها (تقول) في شكواها منه (يا رسول الله؛ أكل) زوجي (شبابي) أي: انتفع به (ونثرت) أي: بسطت وشرحت (له بطني) بالولادة منه؛ تعني: أنها أكثرت له الأولاد؛ تريد أنها كانت شابة تلد الأولاد عنده، يقال: امرأة نثور: كثيرة الأولاد.
(حتى إذا كبرت) بكسر الموحدة (سني) وكنت كبيرة السن (وانقطع ولدي) أي: انقطعت وتوقفت ولادتي له .. (ظاهر مني) أي: قال لي: أنت علي كظهر أمي، وكان طلاقًا في الجاهلية، ثم قالت خولة: (اللهم؛ إني أشكو إليك) أي: إلهي؛ أخبر إليك حال زوجي على سبيل الشكوى، فاسمع لي سماع قبول.
قالت عائشة: (فما برحت) وزالت خولة تشتكي إلى الله (حتى نزل جبرائيل) الأمين ﵇ من السماء إلى النبي ﷺ (بهؤلاء
стр. 5639
الْآيَاتِ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ... ﴾.
===
الآيات) التي كانت أوائل سورة المجادلة؛ وهي قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ... ﴾ (١).
وهذا الأثر شارك المؤلف في روايته: البخاري؛ أخرجه في كتاب التوحيد، في باب وكان سميعًا بصيرًا، والنسائي؛ أخرجه في كتاب الطلاق، باب الظهار، وقد سبق تخريجه للمؤلف في كتاب السنة، باب فيما أنكرت الجهمية (١٨٨).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
قال السندي: قول عائشة: (وسع سمعه كل شيء) أي: يدرك كل صوت (ويخفى علي) تريد أنها تشكو سرًّا حتى خفي عليها بعض كلامها وأنا حاضرة كلامها. انتهى.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5640
(٢٦) - (٦٥٧) - بَابٌ: الْمُظَاهِرُ يُجَامِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ
(٤٨) -٢٠٣٢ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ الْبَيَاضِيّ،
===
(٢٦) - (٦٥٧) - (باب: المظاهر يجامع قبل أن يكفر)
(٤٨) -٢٠٣٢ - (١) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني إمام المغازي، صدوق يدلس، بل ثقة، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقة، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدني، ثقة فاضل، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن سلمة بن صخر) بن سلمان بن الصمة الأنصاري الخزرجي (البياضي) الصحابي الشهير رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (د ت ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 5641
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ قَالَ: "كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ".
===
(عن النبي ﷺ في المظاهر) الذي ظاهر عن زوجته، ثم (يواقعـ) ـها أي: يجامعها (قبل أن يكفر) أي: قبل أن يعطي الكفارة (قال) النبي ﷺ : عليه (كفارة واحدة) لا تتعدد الكفارة بذلك الوقاع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في المظاهر يواقع قبل أن يكفر.
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول سفيان ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إذا واقعها قبل أن يكفر .. فعليه كفارتان، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قوله: (باب المظاهر) اسم فاعل من الظهار - بكسر المعجمة - وهو قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي.
وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء؛ لأنه محل الركوب غالبًا، ولذلك سمي المركوب ظهرًا، فشبهت الزوجة بذلك؛ لأنها مركوب الرجل، فلو أضاف لغير الظهر كَالبَطْنِ مثلًا .. كان ظهارًا على الأظهر عند الشافعية.
واختلف فيما إذا لم يعين الأم؛ كأن قال: أنت كظهر أختي مثلًا: فعن الشافعي في القديم: لا يكون ظهارًا، بل يختص بالأم؛ كما ورد في القرآن، وكذا في حديث خولة التي ظاهر منها أوس بن الصامت، وقال في الجديد: يكون ظهارًا، وهو قول الجمهور، وكذا في "فتح الباري"، ومذهب الحنفية ما ذكره صاحب "شرح الوقاية" بقوله: هو تشبيه زوجته أو ما يعبر به عنها أو
стр. 5642
(٤٩) -٢٠٣٣ - (٢) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ
===
جزء شائع منها بعضو يحرم نظره إليه من أعضاء محارمه نسبًا أو رضاعًا؛ كأنت علي كظهر أمي، أو رأسك، أو نحوه، أو نصفك كظهر أمي، أو كبطنها، أو كفخذها، أو كفرجها، أو كظهر أختي، أو عمتي، ويصير به مظاهرًا، ويحرم وطؤها ودواعيه حتى يكفر. انتهى.
قوله: (في المظاهر يواقع) أي: يجامع (قال) تعلق به الجار والمجرور المتقدم؛ أي: قال في شأن المظاهر ... إلى آخره.
قول أبي عيسى: (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ... ) إلى آخره، قال القاري في "المرقاة": ومذهبنا أنه إن وطئها قبل أن يكفر .. استغفر الله ولا شيء عليه غير الكفارة الأولى، ولكن لا يعود حتى يكفر.
وفي "الموطأ" قال مالك فيمن يظاهر، ثم يمسها قبل أن يكفر عنها: يستغفر الله ويكفر، ثم قال: وذلك أحسن ما سمعت.
قوله: (وهو قول عبد الرحمن بن مهدي)، وهو منقول عن عمرو بن العاص وقبيصة وسعيد بن جبير والزهري وقتادة، ونقل عن الحسن البصري والنخعي أنه يجب ثلاث كفارات، وحديث الباب حجة على هؤلاء كلهم. انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سلمة بن صخر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٩) -٢٠٣٣ - (٢) (حدثنا العباس بن يزيد) بن أبي حبيب البحراني - بالموحدة - البصري، يلقب عبَّاسَوَيْه، صدوق يخطئ، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 5643
قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَغَشِيَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛
===
(قال: حدثنا غندر) محمد بن جعفر الهذلي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه (ع).
(عن الحكم بن أبان) العدني أبي عيسى، صدوق عابد وله أوهام، من السادسة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عكرمة) البربري الهاشمي مولاهم، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رجلًا) من المسلمين - لم أر من ذكر اسمه - (ظاهر من امرأته، فغشيها) أي: فجامعها (قبل أن يكفر) عن ظهاره (فأتى) ذلك الرجل (النبي ﷺ ، فذكر ذلك) الذي فعل بزوجته من ظهاره عنها، ثم جماعها قبل أن يكفر عن ظهاره (له) ﷺ (فقال) له النبي ﷺ : (ما حملك) أيها الرجل (على ذلك؟ ) أي: على جماعها قبل أن تكفر عن ظهارك.
(قال) الرجل للنبي ﷺ في بيان السبب الذي حمله على جماعها قبل التكفير عن ظهاره: (يا رسول الله) الذي حملني على جماعها أني
стр. 5644
رَأَيْتُ بَيَاضَ حِجْلَيْهَا فِي الْقَمَر، فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ وَقَعْتُ عَلَيْهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَهُ أَلَّا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.
===
(رأيت بياض حِجْلَيْها) هما الخلخالان؛ تثنية حجل - بكسر الحاء المهملة وبفتح وسكون الجيم - وهو الخلخال (في القمر) أي: في ضوئه (فلم أملك) أي: فلم أقدر على أن أمنع (نفسي) من (أن وقعت عليها) أي: من أن أجامعها (فضحك) به (رسول الله ﷺ وأمره ألا يقربها) بعد ذلك بالجماع (حتى يكفر) عن ظهاره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب الظهار، والترمذي في كتاب الطلاق، باب في المظاهر يواقع قبل أن يكفر.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5645
(٢٧) - (٦٥٨) - بَابُ اللِّعَانِ
===
(٢٧) - (٦٥٨) - (باب اللعان)
وهو موضوع لحفظ الأنساب، ودفع المضرة عن الأزواج، واللعان لغةً: مصدر لاعن يلاعن لعانًا وملاعنةً؛ كما قال ابن مالك: (لفاعل الفعال والمفاعلة).
وشرعًا: ألفاظ مخصوصة جعلت حجة للمضطر إلى قذف من لطخ فراشه وألحق العار به.
وتلك الألفاظ هي الكلمات الخمس المعلومة في اللعان، وسميت تلك الكلمات لعانًا؛ لقول الرجل فيها: وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وهو من باب التغليب؛ لأن اللعن لم يذكر إلا في الخامسة؛ فهو من باب تغليب الأقل على الأكثر.
ولم ينظر للفظ الغضب مع وجوده في اللعان؛ لقول المرأة: وعليها غضب الله إن كان من الصادقين؛ لأن اللعن متقدم في الآية على الغضب، ولأن لعانه قد ينفك عن لعانها ولا ينعكس، ولأنه من جانب الزوج، وذاك من جانب الزوجة.
ومعنى كون الكلمات الأربع حجة للمضطر: لأن كل كلمة منها بمنزلة شاهد، فالكلمات الأربع بمنزلة الشهود الأربعة الذين هم حجة في الزنا ونحوه.
والحاصل: أن الزوج يبتلى بقذف امرأته؛ لدفع العار الذي ألحقته به والنسب الفاسد إن كان هناك ولد ينفيه، وقد يتعذر عليه إقامة البينة على زناها، فجعل اللعان بينة له، وإن تيسرت له البينة؛ لأن الغالب ألا يجد بينة. انتهى "بيجوري على ابن قاسم".
وشرع اللعان في السنة التاسعة من الهجرة في شعبان، قاله الطبري وابن
стр. 5646
(٥٠) - ٢٠٣٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: جَاءَ عُوَيْمِرٌ إِلَى عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ
===
أبي حاتم، وجزم به غير واحد من المتأخرين، واستظهر الحافظ ابن حجر أنه في شعبان سنة عشر لا تسع، راجع "الفتح" (٩/ ٣٩٧).
* * *
(٥٠) - ٢٠٣٤ - (١) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري؛ أي: المدني، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) أبي العباس المدني رضي الله تعالى عنه.
يقال: كان اسمه أولًا حزنًا، فغيره النبي ﷺ إلى سهل، حكاه ابن حبان، مات النبي ﷺ وهو ابن خمس عشرة سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، مات سنة إحدى وتسعين (٩١ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) سهل: (جاء عويمر) - مصغر عامر - ابن الحارث بن زيد بن الجعد بن عجلان (إلى عاصم بن عدي) الأنصاري، وهو ابن عم والد عويمر وسيد بني عجلان، وذكر أن امرأة عويمر خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه
стр. 5647
فَقَالَ: سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ أَيُقْتَلُ بِهِ أَمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟ فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَعَابَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ،
===
أنها بنت أخي عاصم أو بنت عاصم، وعاش عاصم مئة وعشرين (١٢٠) سنة، وقيل: مئة وخمس عشرة، ومات سنة خمس وأربعين (٤٥ هـ)، رضي الله تعالى عنه.
(فقال) عويمر لعاصم: (سل لي رسول الله ﷺ فقل له: (أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) يزني بها (فقتله) أي: فقتل زوج المرأة ذلك الزاني على امرأته (أيقتل) أي: هل يقتل زوج المرأة (به؟ ) أي: بسبب قتل ذلك الزاني بامرأته (أم كيف يصنع) زوج المرأة بذلك الزاني؟ أي: أي شيء يفعل زوج المرأة بذلك الزاني؟
فـ (كيف) مفعول مقدم لـ (يصنع) أي: أيقتله فتقتلونه قصاصًا أم يصبر على ما به من المضض والتألم؟
وإنما خص عويمر عاصمًا بالسؤال؛ لأنه كبير قومه وسيدهم وصهره على ابنته أو ابنة أخيه، ولعله كان اطلع على مخايل ما سأله عنه لكن لم يتحققه، فلذلك لم يفصح به، أو اطلع على حقيقته، لكن خشي إذا صرح به من عقوبة القذف، أشار إلى ذلك ابن العربي.
(فسأل عاصم رسول الله ﷺ عن ذلك) الأمر الذي أمره عويمر بالسؤال عنه (فعاب) أي: كره (رسول الله ﷺ المسائل) أي: كثرة مسائل الناس عليه التي سألوه عنها من غير ضرورة إليها.
قال النووي: المراد: كراهة المسائل التي لا يحتاج إليها، لا سيما ما كان فيه هتك ستر مسلم أو مسلمة، أو فيه إشاعة فاحشة، وإنما كان سؤال عاصم
стр. 5648
ثُمَّ لَقِيَهُ عُوَيْمِرٌ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: مَا صنَعْتَ؟ فَقَالَ: صَنَعْتُ أَنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِخَيْرٍ، سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَابَ الْمَسَائِلَ، فَقَالَ عُوَيْمِرٌ: وَاللهِ؛ لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلَأَسْأَلَنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَوَجَدَهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِمَا
===
في هذا الحديث عن قصة لم تقع بعد ولم يحتج إليها، وفيه شناعة على المسلمين والمسلمات، وتسليط اليهود والمنافقين ونحوهم على الكلام في أعراض المسلمين.
(ثم لقيه) أي: لقي عاصمًا (عويمر) العجلاني (فسأله) أي: فسأل عويمر عاصمأ (فقال) عويمر لعاصم: (ما صنعْتَ؟ ) أي: أي شيء صنعت فيما أمرتك به من سؤال النبي ﷺ عن حاجتي التي أشكلت عليَّ؟ (فقال) عاصم: نعم (صنعت) ما أمرتني به من سؤاله ﷺ ولكن (أنك لم تأتني) ولم تأمرني (بخير) فإني (سألت رسول الله عملى الله عليه وسلم) عن ذلك (فعاب) أي: فكره رسول الله ﷺ (المسائل) أي: مسائل الناس؛ لكثرتها عليه فيما لا حاجة إليه.
(فقال عويمر) لعاصم: (والله) لا أنتهي ولا أترك السؤال عنها؛ (لآتين رسول الله ﷺ ولأسألنه) عنها؛ كما في رواية مسلم، وإنما عزم عويمر على ذلك بعدما سمع من كراهية النبي ﷺ هذا السؤال: لأنه كان يعلم علة الكراهية؛ وهي المسألة من غير حاجة، ولما كان متيقنًا بأن له إليها حاجة لم ير بالرجوع إليه ﷺ بأسًا.
(فأتى) عويمر (رسول الله ﷺ ، فوجده) ﷺ والحال أنه ﷺ (قد أنزل عليه) الوحي (فيهما) أي:
стр. 5649
فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا، قَالَ عُوَيْمِرٌ: وَالله، لَئِنِ انْطَلَقْتُ بِهَا يَا رَسُولَ اللهِ .. لَقَدْ كَذَبْتُ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَارَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَصَارَتْ سُنَّةً فِي الْمُتَلَاعِنَيْن،
===
في شأن عويمر وفي شأن امرأته، والذي أنزل عليه قولهُ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ... ﴾ (١) إلى آخر الآيات، فلما كشف عنه الوحي .. سأله عويمر.
فقال له النبي ﷺ : "قد نزل فيك وفي صاحبتك الوحي، فأت بها"، فذهب عويمر فأتى بها، فسأله فقذفها، وسألها فأنكرت الزنا، وأصر كل واحد منهما على قوله (فلاعن بينهما) أي: أمر باللعان بينهما، فتلاعنا يوم الجمعة بعد العصر في المسجد النبوي، قال سهل: فتلَاعَنا وأنا في ذلك المجلِس مع الناس عند رسول الله ﷺ ، فلَّما فرغا مِن تلاعنهما .. (قال عويمر: والله؛ لئن انطلقت) وذهبت ورجعت (بها) أي: بهذه المرأة التي لاعنتُها إلى بيتي وأبقيتُها عندي زوجةً (يا رسول الله لقد كذبت عليها) فيما قلت لها.
(قال) سهل: (ففارقها) أي: طلقها عويمر في ذلك المجلس (قبل أن يأمره رسول الله ﷺ بطلاقها (قال ابن شهاب) بالسند السابق -كما في رواية مسلم-: (فصارت) أي: الفرقة بينهما (سنة) أي: طريقةً شرعيةً (في) من بعدهما من (المتلاعنين) فلا يجتمعان بعد الملاعنة أبدًا، فيحرم عليه بمجرد اللعان نكاحها تحريمًا مؤبدًا ظاهرًا وباطنًا، سواء صدقت أو صدق، ووطؤها بملك اليمين لو كانت أمة فيملكها؛ لحديث البيهقي: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا".
стр. 5650
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْظُرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ .. أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الْأَلْيَتَيْنِ فَلَا أُرَاهُ إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ .. فَلَا أُرَاهُ إِلَّا كَاذِبًا"، قَالَ: فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ.
===
(ثم) بعد فراغهما من التلاعن (قال النبي ﷺ للحاضرين (انظروها) أي: انتظروا هذه الملاعنة، وقد كانت حاملًا؛ أي: انتظروا ولادتها (فإن جاءت به) أي: بحملها، أي: فإن ولدته حالة كونه (أسحم) أي: أسود الجسم (أدعج العينين) أي: شديد سواد العينين من الدعج - بالتحريك - وهي شدة سواد العين، وقيل: سعتها (عظيم الأليتين) تثنية الألية؛ وهي العجيزة .. (فلا أراه) أي: فلا أظن الرجل الملاعن لها (إلا قد صدق عليها) فيما يدعيه عليها.
(وإن جاءت به) أي: بالولد حالة كونه (أحيمر) - تصغير أحمر - أي: قليل الحمرة (كأنه وحرة) في قلة حمرته، والوحرة: دويبة حمراء تلصق بالأرض سريعة في جريها؛ كأن لونها مائل إلى الغبرة .. (فلا أراه) أي: فلا أظن هذا الملاعن (إلا كاذبًا) عليها فيما يدعي عليها، (قال) سهل: (فجاءت) المرأة (به) أي: بذلك الولد حالة كونه كائنًا (على النعت المكروه) لها وللناس؛ وهو كونه أسحم أدعج العينين؛ كأنه وصف الزاني بها.
قوله: (لئن انطلقت بها) أي: لئن رجعتُ بها إلى بيتي وأبقيتُها عندي زوجةً؛ يريد: أن مقتضى ما جرى من اللعان ألا أمسكها إن كنت صادقًا فيما قلت لها، فإن أمسكتها .. كنت كاذبًا عليها فيما قلت، فلا يليق الإمساك.
وظاهره: أنه لا يقع التفريق بمجرد اللعان، بل يلزم أن يفرق الحاكم بينهما أو الزوج يفرق بنفسه، ومن يقول بخلافه .. يعتذر بأنه ما كان عالمًا بالحكم، وفيه
стр. 5651
(٥١) - ٢٠٣٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ قَالَ: أَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ،
===
أنه لو كان عن جهل كيف قرره النبي ﷺ ؟ ! انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب اللعان ومن طلق بعد اللعان، ومسلم في كتاب الطلاق، باب اللعان، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب في اللعان، والنسائي في كتاب الطلاق، باب الرخصة في ذلك.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سهل بن سعد بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥١) - ٢٠٣٥ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب إلى جده، وقيل: هو إبراهيم، أبو عمر البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: أنبأنا هشام بن حسان) الأزدي القردوسي - بالقاف وضم الدال - أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عكرمة) البربري الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس أبو عبد الله
стр. 5652
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبَيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ"، فَقَالَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ؛ إِنِّي لَصَادِقٌ، وَلَيُنْزِلَنَّ فِي أَمْرِي مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي، قَالَ: فَنَزَلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ... ﴾ حتى بلغ: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فَانْصَرَفَ
===
المكي، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن هلال بن أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء (قذف امرأته) أي: نسبها إلى الزنا (عند النبي ﷺ بشريك بن سحماء) بفتح أوله، (فقال) له (النبي ﷺ : البينة) بالنصب؛ أي: أقم البينة على زناها (أو) يقع (حد في ظهرك) أي: على ظهرك؛ يعني: حد قذفها، (فقال هلال بن أمية) للنبي ﷺ : (والذي بعثك بالحق؛ إني لصادق) فيما قلت لها (ولينزلن) بفتح اللام وضم التحتية وسكون النون وكسر الزاي المخففة آخره نون مشددة (في أمري) أي: في شأني (ما يبرئ) بتشديد الراء وتخفيفها (ظهري) عن الحد ويدفعه عنه.
(قال) ابن عباس؛ (فنزلت) آية: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: يقذفون أزواجهم (﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ... ﴾ حتى بلغ) المُنزَّلُ من القرآن قوله تعالى: (﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١)، فانصرف) أي:
стр. 5653
النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَجَاءَا، فَقَامَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْ تَائِبٍ؟ "، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْخَامِسَةِ ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ .. قَالُوا لَهَا:
===
فرغ (النبي ﷺ مما كان مشغولًا به من الوحي.
(فأرسل) النبي ﷺ مَنْ عنده (إليهما) أي: إلى هلال بن أمية وامرأته (فجاءا) - بألف التثنية - أي: جاء كل منهما إلى النبي ﷺ (ؤ) لما جاءا .. (قام هلال بن أمية، فشهد) أي: لاعن (والنبي) أي: والحال أن النبي ﷺ يقول) لكل منهما: (إن الله) (يعلم أن أحدكما كاذب، فهل) منكما (من تائب؟ ).
قال عياض: ظاهره أنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان، فيؤخذ منه: عرض التوبة على المذنب ولو بطريق الإجمال، وأنه يلزمُ مَنْ كذَبَه التوبةُ من ذلك، وقال الداوودي: قال ذلك قبل اللعان تحذيرًا لهما منه، والأول أظهر وأولى بسياق الكلام، قال الحافظ: والذي قاله الداوودي أولى من جهة أخرى؛ وهو مشروعية الموعظة قبل الوقوع في المعصية، بل هو أحرى مما بعد الوقوع. انتهى.
قلت: وسياق هذا الحديث ظاهر فيما قاله الداوودي. انتهى من "العون".
(ثم) بعدما فرغ هلال من لعانه (قامت) المرأة (فشهدت) أي: لاعنت (فلما كان) لعا نها (عند) الشهادة (الخامسة) وفي رواية الترمذي: (فلما كانت) أي: المرأة (عند الخامسة) يعني الراوي بالخامسة: قوله تعالى: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (١) .. قالوا) أي: قال الحاضرون (لها) أي:
стр. 5654
إِنَّهَا الْمُوجِبَةُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا سَتَرْجِعُ فَقَالَتْ: وَاللهِ؛ لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْم، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْظُرُوهَا؛
===
للمرأة (إنها) أي: إن هذه الخامسة (الموجبة) أي: للعذاب الأليم إن كانت كاذبة، جعل الغضب في جانبها؛ لأن النساء يستعملن اللعن كثيرًا؛ كما ورد الحديث بذلك، فربما يجترئن على الإقدام؛ لكثرة جري اللعن علي ألسنتهن وسقوط وقوعه عن قلوبهن، فذكر الغضب في جانبهن؛ ليكون رادعًا لهن. انتهى من "التحفة".
(قال ابن عباس: فـ) لما قالوا ذلك .. (تلكأت) - بتشديد الكاف - أي: توقفت المرأة عن المضي في كلامها، يقال: تلكأ في الأمر إذا تبطأ عنه وتوقف فيه (ونكصت) أي: تأخرت ورجعت، وفي القرآن: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ (١).
والمعنى: أنها سكتت بعد الكلمة الرابعة، وفي رواية الترمذي: (ونكست) - بالسين المهملة - أي: خفضت رأسها وطأطأت إلى الأرض، وفي رواية البخاري: (نكصت) - بالصاد المهملة - أي: رجعت وتأخرت، والمعنى: أنها سكتت بعد الكلمة الرابعة (حتى ظننا أنها سترجع) عن لعانها ومقالها في تكذيب الزوج ودعوى البراءة عما رماها به (فقالت) المرأة: (والله؛ لا أفضح قومي سائر اليوم) وباقيه؛ أي: في جميع الأيام وأبد الدهر، والمراد: مدة عمرهم أو فيما بقي من الأيام بالإِعراض عن اللعان والرجوع إلى تصديق الزوج، وأريد باليوم: الجنس، ولذلك أجراه مجرى العام، والسائر كما يطلق للباقي يطلق للجميع. انتهى من "التحفة" و"العون".
(فقال النبي ﷺ للحاضرين: (انظروها) أي: انتظروا
стр. 5655
فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ .. فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللهِ .. لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ".
===
هذه الملاعنة، وكانت حاملًا؛ أي: انظروا وتأملوا فيما تأتي به من ولدها (فإن جاءت به) أي: بولدها حالة كونه (أكحل العينين) وهو الذي يعلو جفون عينيه سواد مثل الكحل من غير اكتحال، وحالة كونه (سابغ الأليتين) أي: تامهما وعظيمهما؛ من سبوغ النعمة والثوب؛ تثنية الألية -بفتح الهمزة وسكون اللام- وهي العجيزة، أو ما ركب العجز من شحم أو لحم (خَدَلَّج الساقَين) أي: سمينهما - بمعجمة ومهملة ولام مشددة مفتوحات وبالجيم - أي: عظيمهما .. (فهو) أي: فذلك الولد الشريك بن سحماء، فجاءت) المرأة (به) أي: بالولد (كذلك) أي: حالة كونه كائنًا كذلك؛ أي: موصوفًا بالوصف الذي ذكره النبي ﷺ .
(فـ) لما جاءت به كذلك .. (قال النبي ﷺ : لولا ما مضى من كتاب الله فـ (من) بيان لـ (ما) أي: لولا ما سبق من حكم كتاب الله تعالى بدرء الحد من المرأة بلعانها .. (لكان لي ولها) أي: لهذه المرأة (شأن) عظيم بإقامة الحد عليها، أو المعنى: لولا أن القرآن حكم بعدم الحد عَلَى المتلاعِنَين، وعدمِ التعزير لهما .. لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين.
قال الطيبي: وفي إتيان الولد على الوصف الذي ذكره النبي ﷺ هنا وفي قصة عويمر بأحد الوصفين المذكورين مع جواز أن يكون على خلاف ذلك .. معجزة وإخبار بالغيب.
فإن قلت: الحديثُ الأول من الباب يدل على أن عويمرًا هو الملاعِنُ، والآيةُ
стр. 5656
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نزلت فيه، والولدُ شَابَهَهُ، وهذا الحديث يدل على أنَّ هلالًا هو الملاعِنُ، والآية نزلَتْ فيه، والولدُ شابَهَه.
ويجاب: بأن النووي قال: اختلفوا في نزول آية اللعان؛ هل هو بسبب عويمر أم بسبب هلال؟ وقال الأكثرون: إنما نزلت في هلال، وأما قوله ﷺ لعويمر: "إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك" .. فقالوا: معناه: الإشارة إلى ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم عام لجميع الناس.
ويحتمل: أنها نزلت فيهما جميعًا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين، فنزلت الآية فيهما، وسبق هلال باللعان. انتهى، كذا في "القسطلاني". انتهى من "العون".
قال الحافظ: قد اختلف الأئمة في هذا الموضع: فمنهم مَنْ رجَّح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم من رجح أنها نزلت في شأن هلال، ومنهم من جَمَع بينهما؛ بأن أول من وقع له السؤال .. هلال، وصادف مجيء عويمر أيضًا، فنزلت في شأنهما معًا في وقت واحد، وقد جنح النووي إلى هذا، وسبقه الخطيب، فقال: لعلهما اتفق كونهما جاءا في وقت واحد، ولا مانع من أن تتعدد القصصُ ويتحد النزولُ.
ويحتمل أن النزول سبق بسبب هلال، فلما جاء عويمر، ولم يكن علم بما وقع لهلال .. أعلمه النبي ﷺ بالحكم، ولهذا قال في قصة هلال: (فنزل جبريل)، وفي قصة عويمر: (قد أنزل فيك)، فيؤول قوله: "قد أنزل الله فيك" أي: وفيمن كان مثلك، وبهذا أجاب ابن الصباغ في "الشامل"، وجنح القرطبي إلى تجويز نزول الآية مرتين، قال: وهذه الاحتمالات وإن
стр. 5657
(٥٢) -٢٠٣٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ،
===
بعدت .. أولى من تغليط الرواة الحفاظ. انتهى كلام الحافظ ملخصًا. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الشهادات، باب إذا قذف أو ادعى .. فله أن يلتمس البينة، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب في اللعان، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة النور، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث هشام بن حسان.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث سهل بن سعد.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث سهل بن سعد بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٢) -٢٠٣٦ - (٣) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(وإسحاق بن إبراهيم بن حبيب) بن الشهيد الحبيبي أبو يعقوب البصري الشهيدي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(قالا: حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 5658
عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا فِي الْمَسْجِدِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ رَجُلٌ:
===
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة إلا أنه يرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (كنا) في عهد رسول الله ﷺ جالسين (في المسجد) النبوي (ليلة الجمعة)، وفي رواية أبي عوانة عند أحمد: (كنا جلوسًا عشية الجمعة في المسجد)، وفي رواية: (إذ جاء رجل من الأنصار) (فقال) ذلك الـ (رجل) كذا وقع مبهمأ في جميع الروايات، واستظهر صاحب "البذل" أنه عويمر العجلاني، والأظهر عندي أنه هلال بن أمية؛ لأن سياق هذا الحديث يناسب سياق قصة هلال؛ فإن قوله ﷺ : "اللهم؛ افتح "إنما روي في قصة هلال، ولم يروفي قصة عويمر مثل ذلك، وإنما قال له النبي ﷺ : "قد نزل فيك وفي صاحبتك ... " إلى آخره؛ كما سبق في حديث سهل بن سعد.
ثم زاد أحمد من طريق أبي عوانة في آخر الحديث: (قال: فكان الرجل أول من ابتلي به)، وهذا عين ما ذكروه في قصة هلال؛ كما مر في حديث
стр. 5659
لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ .. قَتَلْتُمُوهُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ .. جَلَدْتُمُوهُ، وَاللهِ؛ لَأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَاتِ اللِّعَان، ثُمَّ جَاءَ الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ يَقْذِفُ امْرَأَتَهُ، فَلَاعَنَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا وَقَالَ: "عَسَى
===
ابن عباس، فقال الرجل الأنصاري لنا معاشر الجالسين: (لو أن رجلًا وجد مع امرأته رجلًا) أجنبيًا يزني بها (فقتله) أي: فقتل زوج المرأة الرجل الذي رأى مع امرأته .. (قتلتموه) قصاصًا، وهذا خطاب للمسلمين (وإن تكلم) فيها بكلام قذف .. (جلدتموه) أي: ضربتموه جلد الحد؛ لقذفه إياها (أو سكت) عنها (سكت على غيظ) وغضب؛ كما في رواية مسلم (والله؛ لأذكرن ذلك) الرجل (للنبي ﷺ وأسألنه عن حكمه (فذكره) أي: فذكر ذلك الواجد على امرأته رجلًا أجنبيًا الموجود على امرأته (للنبي ﷺ وسأله عن حكمه أيقتله عليها أو يتركه؟
وفي رواية مسلم زيادة: (فقال) رسول الله ﷺ : (اللهم؛ افتح) أي: بين لنا الحكم في هذا الأمر المسؤول عنه (فأنزل الله آيات اللعان) يعني قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ... ﴾ الآيات (١) (ثم جاء الرجل) الذي وجد على امرأته رجلًا؛ يعني: زوج المرأة (بعد ذلك) أي: بعدما أنزلت آيات اللعان حالة كونه (يقذف امرأته) أي: يرميها بالزنا (فلاعن النبي ﷺ أي: أمر النبي ﷺ باللعان (بينهما) أي: بين ذلك الرجل وامرأته.
(وقال) النبي ﷺ بعد اللعان بينهما: (عسى) أي: أرجو
стр. 5660
أَنْ تَجِيءَ بِهِ أَسْوَدَ"، فَجَاءَتْ بِهِ أَسْوَدَ جَعْدًا.
(٥٣) -٢٠٣٧ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ،
===
وأظن (أن تجيء) وتلد (به) أي: بالولد؛ أي: أرجو مجيئها بالولد حالة كونه (أسود) أي: متصفًا بالسواد (جعدًا) كما في رواية مسلم؛ أي: قططًا؛ أي: متصفأ بالجعودة؛ وهي التواء الشعر وانقباضه؛ كشعر السودان، قال الراوي: (فجاءت) المرأة (به) أي: بذلك الولد حالة كونه (أسود جعدًا) مثل ما وصفه النبي ﷺ .
قال الخطابي في "معالم السنن": قوله: "عسى أن تجيء به ... " إلى آخره، دليل على أن المرأة كانت حاملًا، وأن اللعان وقع على الحمل، وممن رأى اللعان على نفي الحمل مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تلاعن بالحمل؛ لأنه لا يدرى لعله ريح. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الطلاق، باب اللعان، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب في اللعان.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث سهل بن سعد بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٣) -٢٠٣٧ - (٤) (حدثنا أحمد بن سنان) بن أسد بن حبان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (خ م د ق).
стр. 5661
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ.
===
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مالك بن أنس) الأصبحي المدني إمام حجة فقيه، من السابعة، مات
سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا) هو عويمر العجلاني الاعن امرأته) أي: زوجته خولة بنت عاصم بن عدي أو بنت أخيه على الخلاف المار (وانتفى) ذلك الرجل الملاعن؛ أي: أظهر انتفاءه (من ولدها) أي: قال في لعانه: إن ولدها ليس مني (ففرق رسول الله ﷺ بينهما) أي: بين هذين المتلاعنين؛ تنفيذًا لما أوجب الله تعالى بينهما من المباعدة بنفس الملاعنة، وتمسك بظاهره الحنفية، فقالوا: إنما يكون التفريق من الحاكِمِ (وألحق) رسول الله ﷺ (الولد بالمرأة) الملاعنة؛ لتحقق كونه منها، فترثه ويرثها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب يلحق الولد بالملاعنة، ومسلم في كتاب الطلاق، باب ما يتبع اللعان من الأحكام؛ كالتفريق بينهما، وإلحاق الولد بالمرأة، وأبو داوود في كتاب
стр. 5662
(٥٤) - ٢٠٣٨ - (٥) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: ذَكَرَ
===
الطلاق، باب في اللعان، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة النور، والنسائي في كتاب الطلاق.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث سهل بن سعد بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٤) -٢٠٣٨ - (٥) (حدثنا علي بن سلمة) بن عقبة القرشيُّ اللَّبَقِيُ -بفتح اللام والموحدة ثم قاف- (النيسابوري) صدوق، من كبار الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (خ ق)، وهو في البخاري على الاحتمال.
(حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد) الزهري المدني، ثقة فاضل، من صغار التاسعة، مات سنة ثمان ومئتين (٢٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة حجة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، صدوق يدلس، بل هو ثقة إمام؛ كما في "التهذيب"، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
وهنا صرح بصيغة السماع بقوله: (قال) ابن إسحاق: (ذكر) لنا
стр. 5663
طَلْحَةُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ امْرَأَةً مِنْ بَلْعِجْلَانَ، فَدَخَلَ بِهَا فَبَاتَ عِنْدَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ .. قَالَ: مَا وَجَدْتُهَا عَذْرَاءَ، فَرُفِعَ شَأْنُهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَدَعَا الْجَارِيَةَ فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ: بَلَى، قَدْ كُنْتُ عَذْرَاءَ، فَأَمَرَ بِهِمَا فَتَلَاعَنَا وَأَعْطَاهَا الْمَهْرَ.
===
(طلحة بن نافع) فلا يتهم بالتدليس؛ أي: حدثنا طلحة بن نافع الواسطي أبو سفيان الإسكاف، نزل مكة، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) ابن عباس: (تزوج رجل من الأنصار) لم أر من ذكر اسمه (امرأةً مِنْ بَلْعِجْلانَ).
قال السندي: أصله: من بني عجلان، اسم قبيلة معروفة، لعلها من الحضارمة (فدخل) ذلك الرجل (بها) أي: بتلك المرأة؛ أي: وطئها (فبات عندها) ليلةً (فلما أصبح) الرجل؛ أي: دخل في الصباح .. (قال) للناس: (ما وجدتها) أي: ما وجدت هذه المرأة (عذراء) أي: بكرًا؛ لأنها ثيب، والحال أنه تزوجها ظانًا أنها بكر.
(فرفع شأنها) أي: أَمْرَها (إلى النبي ﷺ ، فدعا) النبي ﷺ (الجارية) أي: تلك المرأة (فسألها) عن بكارتها (فقالت) الجارية: (بلى) أي: لست أنا كما قال الرجل، بل (قد كنت عذراء) أي: بكرًا (فأمر) النبي ﷺ (بهما) أي: بتلاعنهما (فتلاعنا، وأعطاها المهر) أي: وأمر النبي ﷺ بإعطاء المهر
стр. 5664
(٥٥) - ٢٠٣٩ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحَضْرَمِيُّ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيه،
===
كله لها؛ لأنه دخل بها، قال السندي: ومقتضى الحديث: أنه إذا قذف زوجته بالزنا السابق على الزواج .. فالحكم هو اللعان. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٥) -٢٠٣٩ - (٦) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حيوة بن شريح) بن يزيد (الحضرمي) أبو العباس الحمصي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين ومئتين (٢٢٤ هـ). يروي عنه: (خ د ت ق).
(عن ضمرة بن ربيعة) الفلسطيني أبي عبد الله، أصله دمشقي، صدوق يهم قليلًا، من التاسعة، مات سنة اثنتين ومئتين (٢٠٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن) عثمان (بن عطاء) بن أبي مسلم الخراساني أبي مسعود المقدسي، ضعيف، من السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ)، وقيل: سنة إحدى وخمسين. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) عطاء بن أبي مسلم أبي عثمان الخراساني، واسم أبيه: ميسرة، وقيل: عبد الله، صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه (م عم).
стр. 5665
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَرْبَع مِنَ النِّسَاءِ لَا مُلَاعَنَةَ بَيْنَهُنَّ: النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِم، وَالْيَهُودِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِم، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوك، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ".
===
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) أي: روى شعيب عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي أبي محمد الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عثمان بن عطاء، وهو متفق على ضعفه.
(أن النبي ﷺ قال: أربع من النساء لا ملاعنة بينهن) وبين أزواجهن: (النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والحرة تحت المملوك، والمملوكة تحت الحر).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٤)(٢٢٣)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخير للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5666
(٢٨) - (٦٥٩) - بَابُ الْحَرَامِ
(٥٦) - ٢٠٤٠ - (١) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ؛ آلَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ نِسَائِهِ
===
(٢٨) - (٦٥٩) - (باب الحرام)
(٥٦) - ٢٠٤٠ - (١) (حدثنا الحسن بن قزعة) الهاشمي مولاهم البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين تقريبًا (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا مسلمة بن علقمة) المازني أبو محمد البصري، صدوق له أوهام، من الثامنة. يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا داوود بن أبي هند) القشيري مولاهم أبو بكر البصري أو المصري، واسم أبي هند: دينار بن عذافر، ثقة متقن كان يهم بأخرة، من الخامسة، مات سنة مئة وأربعين (١٤٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن عامر) بن شراحيل الحميري الشعبي، ثقة متقن، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (آلى رسول الله ﷺ من) قربان (نسائه) ووطئهن؛ من الإيلاء؛ وهو لغةً: مطلق الحَلِف، وشرعًا: الحلف الواقع من
стр. 5667
وَحَرَّمَ، فَجَعَلَ الْحَلَالَ حَرَامًا، وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ كَفَّارَةً.
===
الزوج على ألَّا يطأ زوجته أربعة أشهر أو أكثر (وحَرَّمـ) ـهُنَّ على نفسه (فجَعلَ الحلال حرامًا) وفي "الصحيحين": أن الذي حرمه رسول الله ﷺ على نفسه هو العَسلُ.
وقيل: تحريمُ مارية، وروى ابن مَرْدَوَيْهِ من طريق عائشة ما يفيد الجمعَ بين الروايتين، وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ... ﴾ الآية (١).
ومدةُ إيلائه ﷺ من نسائه .. شهر؛ كما ثبت في "صحيح البخاري"، واختلف في سبب إيلائه ﷺ : فقيل: سببه الحديث الذي أفشَتْهُ حفصةُ؛ كما في "صحيح البخاري"من حديث ابن عباس، واختلف أيضًا في الحديث الذي أفشته، وقد وردت في بيانه روايات مختلفة.
وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء: فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدًا، قالوا: فإن مَنْ حَلَفَ على أنقص منها .. لم يكن مُوليًا.
(وجعل) النبي ﷺ (في اليمين) أي: في يمينه ذلك (كفارةً) أي: كفارة يمين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الطلاق، باب ما جاء في الإيلاء، قال: وفي الباب عن أبي موسى وأنس، وحديثُ مسلمة بن علقمة مرسلًا عن داوود رواه عليُّ بن مسعر وغيره عن داوود عن الشعبي أن النبي ﷺ مرسلًا، وليس فيه عن مسروق عن عائشة، وهذا أصح من حديث مسلمة بن علقمة، وأخرجه أي: فيما سيأتي ابن ماجه.
стр. 5668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ في "الفتح": رجاله موثقون، ولكن رجح الترمذي إرساله على وقفه. انتهى.
قال أبو عيسى: والإيلاء: أن يحلف الرجل ألا يقرب امرأته أربعة أشهر وأكثر، فلو قال: لا أقربك، ولم يقل: والله .. لم يكن موليًا.
وعند أبي حنيفة وأصحابه والشافعي في الجديد: إذا حلف على ترك قربان زوجته أربعة أشهر .. يكون موليًا، واشترط مالك أن يكون مضرًا بها، أو يكون في حالة الغضب، فإن كان للإصلاح .. لم يكن موليًا، ووافقه أحمد، وأخرج نحوه عبد الرزاق عن علي، وكذالك أخرج الطبري عن ابن عباس وعلي والحسن، وحجة من أطلق .. إطلاق قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ ... ﴾ الآية (١).
واتفق الأئمة الأربعة وغيرهم على أنه لو حلف ألا يقرب أقل من أربعة أشهر .. لا يكون موليًا، وكذلك أخرجه الطبري وسعيد بن منصور وعبد بن حميد عن ابن عباس، قال: كان إيلاء الجاهلية السنة والسنتين، فوَقَّت اللهُ لهم أربعة أشهر وعشرًا، فمن كان إيلاؤه أقلَّ .. فليس بإيلاء. انتهى "تحفة الأحوذي" باختصار.
قال السندي: قوله: (وحرم) من التحريم، ظاهره أنه حرمهن على نفسه، لكن الثابت أنه حرم مارية باليمين (فجعل الحرام) أي: ما حرم على نفسه (حلالًا) له بالمباشرة (وجعل في اليمين) أي: أعطى وأدى (كفارته) فضمير الجعل في الموضعين له ﷺ ، ويمكن جعله لله تعالى، ويمكن بناء الجعلين للمفعول. انتهى منه.
стр. 5669
(٥٧) - ٢٠٤١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ
===
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٧) - ٢٠٤١ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر - بوزن جعفر - (الدستوائي) أبو بكر البصري، ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن يعلى بن حكيم) الثقفي مولاهم المكي نزيل البصرة، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة،
стр. 5670
قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
===
قتله الحجاج الجائر سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، ولم يكمل خمسين سنة. يروي عنه: (ع).
(قال) سعيد: (قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: قال ابن عباس: (في الحرام) أي: فيما إذا حرم على نفسه ما هو الحلال له، ولم ينو بتحريمه الطلاق؛ كوطء زوجته أو أمته .. (يمين) أي: كفارة يمين.
(قال) سعيد: إن ابن عباس كان يقول: (في الحرام) أي: في تحريم الرجل امرأته على نفسه؛ بأن قال لها: أنت على حرام .. فهو عند ابن عباس (يمين) يكفرها؛ أي: يجب التكفير عنها بكفارة يمين، وليس بطلاق، واستدل عليه بفعل النبي ﷺ ؛ حيث حرم عليه بعض نسائه (وكان ابن عباس يقول) في الاستدلال عليه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ﷺ ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١)؛ أي: قدوة حسنة فيما حرم وأحل وفعل وترك، أشار بذلك إلى قصة مارية. انتهى "كوكب".
وفي رواية عن ابن عباس قال: (إذا حرم الرجل امرأته .. فهي يمين يكفرها).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢)، وفي كتاب الطلاق، باب لم تحرم ما
стр. 5671
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أحل الله لك، ومسلم في كتاب الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، والنسائي في كتاب الطلاق.
قال النووي: وقد اختلف العلماء فيما إذا قال لزوجته: أنت علي حرام: فمذهب الشافعي أنه إن نوى به طلاقها .. كان طلاقًا، وإن نوى الظهار .. كان ظهارًا، وإن نوى تحريم عينها بغير طلاق ولا ظهار .. لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، ولا يكون ذلك يمينًا، وإن لم ينو شيئًا .. ففيه قولان للشافعي، أصحهما: يلزمه كفارة، والثاني: لغو لا شيء فيه، ولا يترتب عليه شيء من الأحكام، هذا مذهبنا.
وحكى القاضي عياض في المسألة أربعة عشر مذهبًا:
أحدها: المشهور من مذهب مالك أنه يقع به ثلاث تطليقات، سواء كانت مدخولًا بها أم لا، لكن لو نوى أقل من الثلاثة .. قُبِلَ في غير المدخول بها خاصةً، وبهذا المذهب قال أيضًا علي بن أبي طالب، وزيد، والحسن، والحكم.
والثاني: أنه يقع به ثلاث طلقات، ولا تقبل نيته في المدخول بها ولا في غيرها، قاله ابن أبي ليلى، وعبد الملك بن الماجشون المالكي.
والثالث: أنه يقع به على المدخول بها ثلاث طلقات، وعلى غيرها واحدة، قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم المالكيان.
والرابع: أنه يقع به طلقة واحدة بائنة سواء المدخول بها وغيرها، وهو رواية عن مالك.
والخامس: أنها طلقة رجعية، قاله عبد العزيز بن أبي مسلمة المالكي.
стр. 5672
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والسادس: أنه يقع ما نوى، ولا يكون أقل من طلقة واحدة، قاله الزهري.
والسابع: أنه إن نوى واحدةً أو عددًا أو يمينًا .. فهو ما نوى، وإلا .. فلغو، قاله سفيان الثوري.
والثامن: مثل السابع إلا أنه إذا لم ينو شيئًا .. لزمه كفارة يمين، قاله الأوزاعي، وأبو ثور.
والتاسع: مذهب الشافعي، وسبق أيضًا إيضاحه، وبه قال أبو بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
والعاشر: إن نوى الطلاق .. وقعت طلقة، وإن نوى ثلاثًا .. وقع الثلاث، وإن نوى اثنتين .. وقعت واحدة، وإن لم ينو شيئًا .. فيمين، وإن نوى الكذب .. فلغو، قاله أبو حنيفة وأصحابه.
والحادي عشر: مثل العاشر إلا أنه إذا نوى اثنتين .. وقعتا، قاله زفر.
والثاني عشر: أنه تجب كفارة الظهار، قاله إسحاق بن راهويه.
والثالث عشر: هي يمين فيها كفارة اليمين، قاله ابن عباس وبعض التابعين.
والرابع عشر: أنه كتحريم الماء والطعام، فلا يجب فيه شيء أصلًا، ولا يقع به شيء، بل هو لغو، قاله مسروق، والشعبي، وأبو سلمة، وأصبغ المالكي.
هذا كله إذا قال لزوجته الحرة، أما إذا قاله لأمة .. فمذهب الشافعي: أنه إذا نوى عتقها .. عتقت، وإن نوى تحريم عينها .. لزمه كفارة يمين، ولا يكون يمينًا، وإن لم ينو شيئًا .. وجبت كفارة يمين على الصحيح من المذهب.
وقال مالك: هذا في الأمة لغو لا يترتب عليه شيء، قال القاضي: وقال عامة العلماء: عليه كفارة يمين بنفس التحريم، وقال أبو حنيفة: يحرم عليه ما حرمه
стр. 5673
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من ماء وطعام وغيره، ولا شيء عليه حتى يتناوله، فيلزمه حينئذ كفارة يمين.
ومذهب مالك والشافعي والجمهور: أنه إذا قال: هذا الطعام حرام علي، وهذا الماء، أو هذا الثوب، أو دخول البيت، أو كلام زيد، أو سائر ما يحرمه غير الزوجة والأمة .. يكون لغوًا لا شيء فيه، ولا يحرم عليه ذلك الشيء، فإذا تناوله .. فلا شيء عليه، وأم الولد كالأمة فيما ذكرناه، والله تعالى أعلم. انتهى منه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه به: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5674
(٢٩) - (٦٦٠) - بَابُ خِيَارِ الْأَمَةِ إِذَا أُعْتِقَتْ
(٥٨) - ٢٠٤٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ بَرِيرَةَ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَانَ لَهَا زَوْجٌ حُرٌّ.
===
(٢٩) - (٦٦٠) - (باب خيار الأمة إذا أعتقت)
(٥٨) - ٢٠٤٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة فقيه مخضرم، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذ السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنها) أي: أن عائشة (أعتقت بريرة) بعدما أَدَّتْ نجومَ الكتابة عنها (فخيَّرها) أي: خَيَّر بريرةَ (رسولُ الله ﷺ بين المُقام مع زوجها وبين فراقِه، فاختارت فراقَه (وكان لها زوج حر) وكان الحديث بهذا اللفظ شاذًا، والمحفوظ: (وكان زوجُها عبدًا) كما في الحديثين التاليين.
стр. 5675
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: قوله: (وكان لها زوج حر) أي: حينَ أُعْتِقَتْ، قيل: حديث عائشة قد اختلف فيه؛ كما سيأتي، وحديث ابن عباس لا اختلاف فيه بأنه كان عبدًا، فالأَخْذُ به أحسن، وقيل: كان في الأصل عبدًا، ثم أُعتق وكان حرًّا، فلعلَّ مَنْ قال: عبدًا .. لم يطلع على إعتاقه، فاعتمد على الأصل، فقال: (وكان عبدًا) بخلافِ مَنْ قال: إنه مُعْتَقٌ، فمعَهُ زيادةُ علم، ولعل عائشة اطلعت على ذلك بعد الاختلاف في خبَرِها، فالتوفيقُ ممكن بهذا الوجه، فالأَخْذُ به أحسنُ. انتهى منه.
قوله: (وكان لها زوج حر) استدلَّ به أبو حنيفة على أن للأمة المعتقة الخيار إذا كان زوجها حرًّا، ولكن في كونِ قوله: (كان حرًّا) موصولًا كلام.
قال المنذري: وقوله: (كان حرًّا) هو من كلام الأسود بن يزيد، جاء ذلك مفسرًا، وإنما وقع مدرجًا في الحديث، وقال البخاري: قول الأسود: (كان حرًّا) منقطع، وقول ابن عباس: (رأيته عبدًا) أصحُّ، هذا آخر كلامه.
وقد روي عن الأسود عن عائشة أن زوجها كان عبدًا، فاختلفت الرواية عن الأسود، ولم تختلِف عن ابن عباس وغيرِه ممن قال: (كان عبدًا)، وقد جاء عن بعضهم أنه قولُ إبراهيم النخعي، وعن بعضهم أنه من قول الحكم بن عتيبة، قال البخاري: وقولُ الحكم مرسل، هذا آخر كلامه.
وروى القاسم بن محمد وعروة بن الزبير عن عائشة ومجاهد وعمرة بنت عبد الرحمن كلهم عن عائشة أن زوجَ بريرة كان عبدًا، والقاسمُ هو ابن أخي عائشة، وعروة هو ابن أختها، وكانا يَدْخُلان عليها بلا حِجاب، وعمرةُ كانت في حجر عائشة، وهؤلاء أَخصُّ الناسِ بها.
وأيضًا فإن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت تَذْهَبُ إلى خلافِ ما رُوي