(٨٢) -٢٠٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
ﷺ : "من حلف باللات والعزى .. فليقل: لا إله إلا الله"، ولم يذكر كفارة، زاد غيره: وكذا قوله: "من حلف بملة سوى الإسلام .. فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه.
قال ابن دقيق العيد: الحلف بالشيء حقيقة: هو القسم به، وإدخال بعض حروف القسم عليه؛ كقوله: والله، وقد يطلق على التعليق بالشيء يمين؛ كقولهم: من حلف بالطلاق، فالمراد: تعليق الطلاق، وأطلق عليه الحلف؛ لمشابهته باليمين في اقتضاء الحنث والمنع. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن، ومسلم في كتاب الأيمان، باب تحريم قتل الإنسان نفسه، وأبو داوود مطولًا في كتاب الأيمان والنذور، والترمذي في كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في كراهية الحلف بغير ملة الإسلام، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بملة غير الإسلام.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ثابت بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٢) -٢٠٦٦ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 5742
حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَرَّرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقُولُ: أَنَا إِذًا لَيَهُودِيٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ".
===
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد الكلاعي الميتمي الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن محرر) - بصيغة اسم الفاعل، من حرر المضعف بمهملات - الجزري القاضي، متروك، من السابعة، مات في خلافة أبي جعفر. يروي عنه: (ق).
(عن قتادة) بن دعامة.
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن محرر، وهو متروك، ولتدليس بقية عنه.
(قال) أنس: (سمع النبي ﷺ رجلًا) من المسلمين، ولم أر من ذكر اسمه (يقول) ذلك الرجل في حلفه: (أنا إذًا) أي: إذا لم يكن الأمر كذا وكذا (ليهودي، فقال رسول الله ﷺ لذلك الرجل الحالف: (وجبت) اليهودية عليك وثبتت.
قال السندي: قوله: "وجبت" أي: هذه الكلمة؛ أي: مقتضاها، أو اليهودية على ذلك التقدير.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ثابت بن الضحاك، رواه الأئمة الستة، وهو المذكور قبل هذا الحديث، ورواه أيضًا أبو داوود والنسائي من حديث بريدة.
стр. 5743
(٨٣) -٢٠٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ الْبَجَلِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ،
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ثابت.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ثابت بحديث بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٣) -٢٠٦٧ - (٣) (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة) الأحمسي أبو جعفر السراج، ثقة، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني (البجلي) أبو حجر -بضم المهملة وسكون الجيم- ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا الفضل بن موسى) السيناني - بمهملة مكسورة ونونين - أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت، من كبار التاسعة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحسين بن واقد) المروزي أبي عبد الله القاضي، ثقة له أوهام، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) ويقال: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي أبي سهل المروزي قاضيها،
стр. 5744
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا .. فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا .. لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا".
===
ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس ومئة (١٠٥ هـ) وقيل: بل خمس عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) بريدة: (قال رسول الله ﷺ : من قال: إني بريء من الإسلام) إن فعلت كذا أو إن لم أفعله (فإن كان كاذبًا) في حلفه .. (فهو كما قال) فيه مبالغة تهديد وزجر مع التشديد عن ذلك القول.
قال الحافظ: قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: أكفر الله ونحو ذلك إن فعلت كذا، ثم فعله: فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: لا كفارة عليه ولا يكون كافرًا إلا إن أضمر ذلك في قلبه، وقال الأوزاعي والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين وعليه الكفارة، قال ابن المنذر: والأول أصح؛ لقوله: "من حلف باللات والعزى .. فليقل: لا إله إلا الله"، ولم يذكر فيه كفارة، زاد غيره: ولذا قال: "من حلف بملة غير الإسلام .. فهو كما قال"، فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه. انتهى.
قال الخطابي: فيه دليل على أن من حلف بالبراءة من الإسلام .. فإنه يأثم ولا تلزمه الكفارة؛ وذلك لأنه جعل عقوبتها في دينه، ولم يجعل في ماله شيئًا، وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في الباب الأول. انتهى.
(وإن كان صادقًا) أي: في حلفه؛ يعني: مثلًا حلف إن فعلت كذا .. فأنا بريء من الإسلام، فلم يفعل، فبر في يمينه .. (لم يعد إلى الإسلام سالمًا) من
стр. 5745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الكفارة، بل تجب عليه الكفارة؛ لأن فيه نوع استخفاف بالإسلام، فيكون بنفس هذا الحلف آثمًا. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في الحلف بالبراءة وبملة غير الإسلام، والنسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الحلف بالبراءة وبملة الإسلام.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5746
(٤٠) - (٦٧١) - بَابٌ: مِنْ حُلِفَ لَهُ بِاللهِ فَلْيَرْضَ
(٨٤) -٢٠٦٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ:
===
(٤٠) - (٦٧١) - (باب: من حلف له) بالبناء للمفعول (بالله فليرض)
* * *
(٨٤) -٢٠٦٨ - (١) (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة) الأحمسي أبو جعفر السراج، ثقة، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين، وقيل قبلها. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا أسباط بن محمد) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم؛ مولى السائب بن يزيد أبو محمد الكوفي، ثقة، من التاسعة، لكن ضعف في الثوري، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عجلان) القرشي مولاهم؛ مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة المدني، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن نافع) مولى ابن عمر.
(عن ابن عمر) ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (سمع النبي ﷺ رجلًا يحلف بأبيه) لم أر من ذكر اسمه؛ أي: يحلف على أنه فعل كذا، أو لم يفعل كذا باسم أبيه (فقال) النبي ﷺ على جهة العموم: أيها المسلمون
стр. 5747
"لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ حَلَفَ بِاللهِ فَلْيَصْدُقْ، وَمَنْ حُلِفَ لَهُ بِاللهِ .. فَلْيَرْضَ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِاللهِ .. فَلَيْسَ مِنَ اللهِ".
===
(لا تحلفوا) على أمر من الأمور تركًا كان أو فعلًا (بـ) أسماء (آبائكم) ولا تحلفوا بالله كذبًا تعظيمًا باسم الله (من حلف بـ) أي اسمٍ من أسماء (الله) تعالى أو صفةٍ من صفات ذاته .. (فليصدق) أي: فليكن حَلِفُهُ على أمر صِدْقٍ لا على كذبٍ؛ صونًا لاسم الله عن جعله عُرْضة لأيمانكم.
(ومَنْ حُلف له) بالبناء للمفعول؛ أي: ومن حلف لأجلِ إِرضَائهِ وإِكرامهِ (بـ) اسم (الله .. فليرض) ذلك الحَلِفَ وَلْيَقْبَلْهُ ولا يَرُدَّهُ علَى الحالف، وَليظُنَّ صِدْقَه فيما حلف عليه؛ احْتِرَامًا لاسمِ الله تعالى (ومَنْ لم يَرْضَ) أي: ومن لم يُصدِّقْ ولم يَقْبَلْ بحَلِفِ مَنْ حَلفَ له (بـ) اسم (الله .. فليس) ذلك المحلوفُ له الذي رَدَّ حَلِفَ مَنْ حَلَف له باسم الله (مِنْ) أَهْلِ قُرْبِ (اللهِ) تعالى وصِدْقهِ ورِضاه؛ لِمَا عندَه مِن اسْتِخفاف باسمِ الله تعالى؛ حيث لم يحترم ولم يُقدِّر اسم الله تعالى.
قال السندي: قوله: "فَلْيَصدُقْ" من الصِدق ضدِّ الكذب لا من التصديقِ؛ أي: فَلْيَكُنْ صادقًا في حَلفِهِ "ومَنْ حُلِفَ له" بالبناء للمفعول؛ أي: حُلِفَ بالله لإِرْضَائِهِ .. "فليس مِن اللهِ" أي: مِنْ قُرْبِهِ "في شيء".
والحاصل: أَنَّ أهلَ القُربِ والمنزلةِ عند الله تعالى يُصدِّقُون الحالفَ باسم الله فيما حَلَف عليه؛ تعظيمًا لاسمه تعالى، واحترامًا له، ومَنْ لم يُصدِّقْهُ مع إِمكانِ التصديقِ له .. فليس مِن أهلِ القُرْبِ عند الله تعالى. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ كما في "تحفة الأشراف"، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 5748
(٨٥) -٢٠٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ يَحْيَى بْنِ النَّضْر، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: لَا
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٥) - ٢٠٦٩ - (٢) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المكيُّ صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) الحارثي مولاهم المدني، صدوق يَهِمُ، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر) اسمهُ كنيتُه (ابن يحيى بن النضر) الأنصاري المدني، مستور، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) يحيى بن النضر الأنصاري المدني، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة.
(أن النبي ﷺ قال: رأى عيسى ابن مريم) ﵇ (رجلًا يسرق) أي: يأخذُ مالَ الناس خُفيةً (فقال) عيسى ﵇ للرجل السارق: (أسرقْتَ؟ ) أي: هل سرقْتَ مالَ الناس؟ (قال) الرجلُ لعيسى: (لا)
стр. 5749
وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ بَصَرِي".
===
أي: ما سرقْتُ مال الناس (و) الله؛ أي: أقسمتُ لك بالإله (الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى) للرجل: (آمنتُ بالله) الذي أَقْسَمْتَ لي باسمِه (وكذَّبْتُ بصري) فيما ظَنَنْتُ بك من سرقتك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ (١)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇، وأحمد في "المسند"، والبغوي في "شرح السنة"، باب الستر، وقال: هذا حديث متفق عليه، والنسائي، والبيهقي.
قال السندي: قوله: (آمنت بالله) أي: صدقت بأنه عظيم ينبغي تصديق من حلَفَ به (وكذبتُ بصري) فإن البصر قد يُخطئ، فينبغي تصديقُ الحالِف باسم اللهِ بتَخْطِئَةِ البصر، فمقتضَى تعظيمِه تعالى أن يُصدَّق الحالفُ به بتخطئةِ البصر. انتهى منه.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5750
(٤١) - (٦٧٢) - بَابُ الْيَمِينِ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ
(٨٦) - ٢٠٧٠ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ بَشَّارِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ
===
(٤١) - (٦٧٢) - (بابُ اليمينِ حنثٌ أو ندمٌ)
(٨٦) - ٢٠٧٠ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي مولاهم، ثقة، من التاسعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ).
(عن بشار بن كدام) - بكسر الكاف - السلمي الكوفي، قيل: هو أخو مسعر، ورَدَّ ذلك الدارقطنيُّ، ضعيفٌ، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن محمد بن زيد) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن) جده عبد الله (بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمُه: الضعفُ؛ لأن فيه بشار بن كدام، متفق على ضعفه.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : إنما الحَلِفُ) بوزن الكَتِف (حِنْثٌ) - بكسر فسكون - أي: ذَنْبٌ يَحْتَاجُ تكفيرُهُ؛ أي: تكفيرُ ذلك الذنب والتوبةُ عنه إلى كفارة؛ أي: إلى إخراج كفارة يمين فيما إذا حلَفْتَ على ترك المأمورات؛ كالصلاة، وحَنِثْتَ بفعلِها، فيجبُ عليك التكفيرُ عن حِنْثِكَ
стр. 5751
أَوْ نَدَمٌ".
===
(أو نَدَمٌ) -بفتحتين- ولفظةُ (أو) بمعنى الواو؛ أي: غالبًا؛ أي: حنث إن أَتَى بالمحلُوف عليه؛ لكونه واجبًا، ونَدَمٌ في تكفيرِه على إخراجِ المالِ إذا كَفَّر، وفي الحديث أنه لا ينبغي الحلف للمؤمن؛ لإفضائه إلى الإثم والندم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه": في كتاب الأيمان والنذور وصححه، وابنُ أبي شيبة في "مسنده"، وأبو يعلى الموصلي، والحاكمُ في "مستدركه"، والبيهقيُّ في "سُننه" من طريق سلم بن جنادة، فذكره بإسناده ومتنه سواء، وقال: بَشَّارُ بن كدام هو أخو مِسْعر بن كدام، ثُمَّ رواه مِن طريق عاصم بن محمد بن زيد سمعتُ أبي يقول: قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: (اليمينُ أَثْمَةٌ أو مَنْدَمَةٌ) فلم ينفرد به بشار بن كدام.
قال البيهقي: قال البخاري: حديث عُمَر أَولَى، وأخرجه القُضاعيُّ في "مسندِ الشهاب"، والطَّبرانيُّ في "المعجم الصغير".
فدرجةُ هذا الحديث: أنه صحيحُ المتن بغيره؛ لأن له شواهدَ؛ كما قد عَلِمْتَ، وغرضهُ: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديثَ.
والله أعلم
стр. 5752
(٤٢) - (٦٧٣) - بَابُ الاسْتِثْنَاءِ فِي الْيَمِينِ
(٨٧) - ٢٠٧١ - (١) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ:
===
(٤٢) - (٦٧٣) - (بابُ الاستثناءِ في اليمين)
(٨٧) - ٢٠٧١ - (١) (حدثنا العبَّاسُ بن عبد العظيم) بن إسماعيل (العنبريُّ) أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كِبار الحاديةَ عشرةَ، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عَبْدُ الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن طاووس) بن كيسان أبي محمد اليماني، ثقة عابد فاضل، من السادسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) طاووس بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، يقال: اسمه ذكوان، ولقبه طاووس، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهدا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من حلف فقال)
стр. 5753
إِنْ شَاءَ اللهُ .. فَلَهُ ثُنْيَاهُ".
===
في حلفه: (إن شاء الله) متصلًا بيمينه .. (فله ثنياه) أي: فله الإتيان بإن شاء الله في حلفه؛ كأن يقول: والله؛ لا أدخل هذه الدار إن شاء الله، فإذا دخل .. فلا كفارة عليه؛ لأن يمينه لم تنعقد عليه؛ لتعليقه بمشيئة الله تعالى، ومشيئةُ اللهِ وعدمُها مُغيَّبةٌ.
قوله: "فله ثنياه" والثُنْيَا -بوزن الدنيا-: اسم مصدر؛ مِن اسْتَثْنَى الخماسي، فهو بمعنى الاستثناء؛ أي: إِن الاستثناء يَنْفَعُه حيثُ لا حِنْثَ ولا كفارةَ عليه، سواءٌ أَتَى بالمحلوف عليه أم لا. انتهى "سندي".
قال الحافظ: الاستثناءُ في الاصطلاح: إخراجُ بعضِ ما يتنَاوَله اللفظُ، وأَدَاتُهُ: إِلَّا وأخواتُها، وتُطلق أيضًا على التعليقِ؛ ومنها: التعليقُ على المشيئة، وهو المرادُ في هذه الترجمة، فإِذا قال: لأفعلن كذا إن شاء الله تعالى .. فقَدِ اسْتَثْنَى، وكذا إذا قال: لا أفعلُ كذا إن شاء الله تعالى. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين، والترمذي في كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين، قال أبو عيسى: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث خطأ، أخطأ فيه عبد الرزاق حيث اختصره من حديث معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: إن سليمان بن داوود قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ... إلى آخره، والنسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 5754
(٨٨) - ٢٠٧٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى إِنْ شَاءَ .. رَجَعَ، وَإنْ شَاءَ .. تَرَكَ غَيْرُ حَانِثٍ".
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٨) - ٢٠٧٢ - (٢) (حدثنا محمد بن زياد) بن عبيد الله الزيادي أبو عبد الله البصري، لقبه يُؤْيُؤْ -بتحتانيتين مضمومتين- صدوق يخطئ، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (خ ق).
(حدثنا عبد الوارث بن سعيد) بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عُبيدة التَنُّورِيُّ، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب) بن أبي تميمة العنزي السختياني، ثقة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : مَنْ حَلَف) على يَمينٍ -كما في رواية أبي داوود- أي: على مَحْلُوفٍ عليه؛ مِنْ فِعْلِ شيءٍ أو تَرْكِهِ (واستثنى) عن يمينه، فقال في استثنائه: إن شاء الله تعالى متصلًا بيمينه؛ كأن قال: لأفعلَنَّ كذا إن شاء الله تعالى، أو لا أفعلَنَّ كذا إن شاء الله (إن شاء .. رجع) عن يمينه، فيَتْركُ المحلوفَ على فعلهِ مثلًا (وإن شاء .. تَركَ) يمينَه على حاله، فيفعلُ المحلوفَ على فعله حالةَ كونه (غَيْرَ حانثٍ) يمينَه في تركِ المحلوف عليه أو في فِعْلِه؛ أي: فلا حِنْثَ عليه تَرْكًا ولا فِعلًا.
стр. 5755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (مَنْ حَلفَ واسْتَثْنَى ... ) إلى آخره، قال الخطابي: معناه: أن يستثني بلسانه نطقًا دون أن يستثني بقلبه؛ لأنَّ في هذا الحديث مِنْ غير رواية أبي داوود: "مَنْ حَلفَ، فقال: إن شاء الله"، فعَلَّق بالقول، وقد دخَلَ في هذا كلُّ يمين كانَتْ؛ بطلاق، أو عِتاق، أو غيرهما؛ لأنَّه ﷺ عَمَّ ولم يَخُصَّ، ولم يختلف الناسُ في أنه لو حَلفَ بالله لَيَفْعلَنَّ كذا، أو لا أفعلن كذا واستثنى، أَنَّ الحِنْث عنه ساقط.
فأما إذا حلف بطلاف أو عتاق، واستثنى .. فإن مالك بن أنس والأوزاعي ذهبا إلى أن الاستثناء لا يغني عنه شيئًا؛ فالطلاق والعتاق واقعان، وعِلَّةُ أصحابِ مالك في هذا أن كُلَّ يمين تدخلُها الكفارةُ .. فإن الاستثناءَ يُعْمَل فيها، وما لا تَدْخلهُ الكفارة .. فالاستثناء فيه باطل، قال مالك: إذا حلف بالمشي إلى بيت الله الحرام، واستثنى .. فإن استثناءه ساقط والحنث فيه لازم. انتهى.
قال الحافظ: قال ابن المنذر: واختلفوا في وقت الاستثناء: فالأكثر على أنه يشترط أن يتصل بالحلف، قال مالك: إذا سكت أو قطع كلامه .. فلا ثُنْيَا، وقال الشافعي: يُشترطُ وَصْلُ الاستثناءِ بالكلام الأوَّل، ووَصْلُه: أن يكون نَسَقًا -أي: متصلًا-، فإن كان بينهما سكوت .. انقطع إلا إن كانت سكتةَ تذكُّرٍ، أو تنفُّسٍ أو عِيٍّ أو انقطاعِ صوت، وكذا يقطعُه الأَخذُ في كلام آخر.
ولَخَّصَهُ ابنُ الحاجب فقال: شرطُه الاتصالُ لفظًا، أو فيما في حُكْمِه؛ كقَطْعِه لتنفُّسٍ، أو سُعالٍ، ونحوه مما لا يمنعُ الاتصالَ عرفًا، ومن الأدلة على اشتراط اتصال الاستثناء بالكلام قوله تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (١)؛ فإنه لو كان الاستثناءُ يُفِيدُ بَعْدَ قطعِ الكلام .. لَقال: استثنِ؛ لأنه
стр. 5756
(٨٨) - ٢٠٧٢ - (م) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ،
===
أسهلُ من التحيُّلِ؛ لِحلِّ اليمين بالضرب، وللَزِمَ منه بطلانُ الإِقراراتِ والطلاقِ والعتق، فيَسْتَثْنِي من أقرَّ أو طلَّق أو عتَقَ بعد زمان، ويرتفُع حكم ذلك. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين، والنسائي في كتاب الأيمان، باب إذا حلف فقال له رجل: إن شاء الله هل له استثناء، وأحمد في "المسند"، والترمذي في كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين، قال: وفي الباب عن أبي هريرة، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر قد رواه عُبَيْدُ الله بن عُمر وغيره عن نافع عن ابن عمر، وهكذا روي عن سالم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما موقوفًا، ولا نعلم أحدًا رفعه غير أيوب السختياني.
وقال إسماعيل بن إبراهيم: وكان أيوب أحيانًا يرفعه وأحيانًا لا يرفعه، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم؛ أن الاستثناء إذا كان موصولًا باليمين .. فلا حنث عليه، وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وعبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٨) - ٢٠٧٢ - (م) (حدثنا عبد الله بن محمد) بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة (الزهري) المخرمي البصري، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 5757
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رِوَايَةً قَالَ: "مَنْ حَلَفَ وَاسْتَثْنَى .. فَلَنْ يَحْنَثْ".
===
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن أيوب) السختياني.
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وغرضه بسوقه: بيان متابعة سفيان بن عيينة لعبد الوارث بن سعيد في رواية هذا الحديث عن أيوب.
وقوله: (رواية) أي: روى ابن عمر هذا الحديث رواية عن النبي ﷺ ورفعًا إليه لا وقفًا على نفسه.
قال ابن عمر: (قال) النبي ﷺ : (من حلف) يمينًا (واستثنى) أي: قال: إن شاء الله متصلًا بيمينه .. (فلن يحنث) بترك ما حلف على فعله، وبفعل ما حلف على تركه؛ أي: لا كفارة عليه بمخالفة ما حلف عليه تركًا كان أو فعلًا.
والفاء في قوله: "فلن يحنث" رابطة للجواب بالشرط وجوبًا؛ لاقترانه بلن؛ كما هو مقرر في محله.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للمتابعة.
والله أعلم
стр. 5758
(٤٣) - (٦٧٤) - بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا
(٨٩) - ٢٠٧٣ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبيهِ أَبِي مُوسَى قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي رَهْطٍ مِنَ الْأَشْعَرِيِّينَ نَسْتَحْمِلُهُ،
===
(٤٣) - (٦٧٤) - (باب من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها)
(٨٩) - ٢٠٧٣ - (١) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، ثقة رُمِيَ بالنَصْب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أخبرنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا غيلان بن جرير) المِعْوَلي الأزدي البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بردة) عامر بن أبي موسى الأشعري، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو موسى: (أتيتُ رسولَ الله ﷺ في رهط) أي: مع جماعة (من الأشعريين) وذلك في غزوة تبوك؛ كما هو مصرَّح في بعض روايات مسلم، حالة كوننا (نستحمله) أي: نطلب منه ما يحملنا ويحمل أثقالنا من الإبل. انتهى "نووي" أي: نطلب منه أن يحملنا على ناقة أو بعير،
стр. 5759
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ؛ مَا أَحْمِلُكُمْ، وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، قَالَ: فَلَبِثْنَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِبِلٍ، فَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةِ ذَوْدٍ
===
يقال: استحملْتُ الإنسانَ؛ إذا طلَبْتَ منه شيئًا تركبه أو تحمل عليه متاعَك، كذا في "جامع الأصول" لابن الأثير.
(فقال) لنا (رسول الله ﷺ : والله؛ لا أحملكم) أي: لا أعطي لكم الحَمُولة (وما عندي ما أحملكم عليه) وفي رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب: (وجاء نفَرٌ كُلُّهم مُعْسِروُن يستحملُونه لا يحبون التخلُّفَ عنه، فقال: "لا أجد"، قال: ومِن هؤلاء نفرٌ من الأنصار ومن بني مُزَينة).
وفي "مغازي ابن إسحاق": إِن البَكَّائين سبعةُ نفر: سالم بن عمير، وأبو ليلى بن كعب، وعمرو بن الحِمَام، وعبد الله بن مغفل، وقيل: ابن غُنْمَةَ، وعُليَّةُ بن زيد، وهَرميُّ بن عبد الله، وعِرْباضُ بن سارية، وسَلَمة بن صخر، كذا في "فتح الباري" (٨/ ٨٥).
قال أبو بردة: (قال) لنا أبو موسى: (فلبثنا) معاشر المستحملين منه؛ أي: مكثنا بعد ذلك الوقت (ما شاء الله) تعالى من الزمن (ثم) بعدما لبثنا سُوَيعة (أُتي) بالبناء للمجهول؛ أي: جيء النبي ﷺ (بإبل) أي: بِنَهْبِ إبل؛ أي: بغنيمتها، والنَّهْبُ: الغنيمة، وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه إذا أَوْتَر من أولِ الليل .. قال: أحرزتُ نَهْبِي؛ أي: غنيمَتي. انتهى من "المفهم".
وفي بعض روايات مسلم: أنه ابْتاعَهن من سعد بن عُبادة، فلا معارضة؛ لاحتمالِ أن يكون بعضُها مِن نهب، وبعضُها اشتراه من سعد (فأمر لنا) بلالًا (بِـ) أَنْ يُعْطِينَا (ثلاثَة ذَود) من الإبل، والذَّوْدُ من الإبل: ما بين الثلاث إلى
стр. 5760
غُرِّ الذُّرَى، فَلَمَّا انْطَلَقْنَا .. قَالَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ نَسْتَحْمِلُهُ فَحَلَفَ أَلَّا يَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلَنَا،
===
العشر، فهو من إضافة الشيء إلى نفسه، والمرادُ: ثلاث من الذود لا ثلاثة أذواد، وفي بعض رواية مسلم أنها كانت ستةَ أبعرة، ولكنها لما كانت كل اثنتين منها مشدودةً بعضُها ببعض .. أَطْلَق على كل زوج منها أنها ذَوْدٌ واحدةٌ، فصارت ثلاث ذود؛ أي: ثلاثَ أزواج، ووقَعَ في رواية عند البخاري ذِكْرهُ بخمس ذود، وذلك لا يُنافي كونَها ستة؛ لأنَّ الأقلَّ يَدْخُلُ في الأكثر.
وقال السندي في "حاشيته على صحيح مسلم" (ص ٦٤): والأقربُ أنَّ مِثْلَ هذا لنسيانِ بعضِ الرواة بعضَ العدد، والاعتماد في مِثْلِه على أكثر العددين أو الأعداد، والله أعلم.
(غُرِّ الذُرى) أي: بِيضِ الأَسْنِمَة، بالجر صفة لذود، فالغر: جمع الأغر؛ وهو الأبيض، والذرى جمع ذروة؛ وذروة كل شيء: أعلاه، يجوز في ذاله الضم والكسر، ويتبعه في ذلك جَمْعُه، قال ابن حجر: ولعل أسنمتها كانت بيضاء حقيقة، أو أراد وصفها بأنها لا عِلَّةَ فيها ولا دَبَر. انتهى، والمرادُ بغر الذرى: أي: تلك الإبلُ كانت بِيضَ الأَسنِمةَ، وقد روي (بُقَعِ الذُّرى) أي: في أسنمتِها لُمَعٌ بيْضٌ وسود، والبُقَعُ: -بضم الباء وفتح القاف- جمع أبقع؛ وهو ما فيه بياض وسواد، ومنه الغُراب الأَبْقَعُ، والشاةُ البَقْعَاءُ؛ إذا كانتا كذلك.
(فلمَّا) أخذْناهَا و (انطلَقْنَا) أي: ذهبنا مِن عند رسول الله ﷺ (قال بعضنا لبعض): لا يُباركِ الله لنا (أتَيْنَا رسولَ الله ﷺ حالة كوننا (نَستحمِلُه، فحَلفَ ألا يحملنا) أي: على ألا يعطينا الحَمولَة (ثم حَملَنا) أي: أعطانا الحمولةَ، فلَعلَّنَا أَغْفَلْنَاهُ يمينَه وشغَلْنَاهُ عن تذكُرِها
стр. 5761
ارْجِعُوا بِنَا فَأَتَيْنَاهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ فَحَلَفْتَ أَلَا تَحْمِلَنَا ثُمَّ حَمَلْتَنَا فَقَالَ: "وَاللهِ؛ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ، بَلِ اللهُ حَمَلَكُمْ،
===
(ارجعوا بنا) إلى رسول الله ﷺ لنُذكِّرَهُ يمينَه (فأتيناه) أي: فرجعنا إليه (فقلنا) له: (يا رسول الله؛ إنَا أتَيْنَاك نستحملُك) أي: نطلب منك الحَمولة (فحلَفْتَ) أوَّلَ مرة على (ألا تحملنا) على شيء (ثم حملْتَنا) أي: أَعْطَيْتَنَا الحمولةَ، فهل نسيتَ يمينك يا رسول الله؟
(فقال) لنا: ما نسيت يميني، ولكن (واللهِ؛ ما أنا حملْتكُم، بل اللهُ) (حملكم) أي: أعطاكم الحمولة، وهذا كلام سِيقَ لنفي ما توهَمُوه؛ أن هذا الفعل وقع نسيانًا منه، فأخبرهم بأنه لم يفعله نسيانًا، وإنما فعَلَه بأمر الله تعالى.
قال في "الفتح": وهذا الكلام يحتمل معنيين؛ الأول: أن يكون المراد منه: نفي حنثه ﷺ ؛ وذلك لأنه ﷺ إنما حلف على أنه لا يحملهم على بعير مملوك له، ثم حملهم من بيت المال؛ وهو مال الله، فلم يقع منه الحنث؛ لأجل ذلك، وعليه فيكون قوله: "لا أحلف على يمين، ثم أرى غيرها خيرًا منها .. إلا كَفَّرْتُ ... ) إلى آخره .. فائدة مبتدأة مستقلة لا علاقة لها بقصة الباب، فكأنه قال: إني لم أحنث بحملكم على هذه النوق، ولو كنت أحنث بذلك .. لما كان ذلك مانعًا من حملكم عليها؛ لأني إذا حلفت بشيء ثم رأيت ترك ما حلفت عليه خيرًا منه .. لَأُحَنِّثُ نفسي وكفَّرتُ عن يميني، وهذا الاحتمال اختاره ابن المنير، وهو الأظهر من صَنِيعِ البخاري؛ حيث ترجم عليه (اليمينُ فيما لا يملك).
والاحتمال الثاني: أنه ﷺ لم ينف كونه حانثًا بحملهم على النوق، وإنما أخبرهم بأن الذي فعله خير مما حلف عليه، وأنه إذا حلف
стр. 5762
إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ -أَوْ قَالَ-: أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي".
===
فرأى خيرًا من يمينه .. فعل الذي حلف ألا يفعله وكفر عن يمينه، وأما قوله: "ما أنا حملتكم، ولكن الله حملكم" .. فلا علاقة له بمسألة الكفارة والحنث، وإنما أصدر كلامه به؛ لنفي ما توهموه أن هذا الفعل وقع منه نسيانًا، فأخبرهم بأنه لم يفعله نسيانًا، وإنما فعله بأمر الله تعالى، راجع "فتح الباري" (٨/ ٤٩٠ - ٤٩١).
و(إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين) أي: على محلوف عليه؛ من الفعل أو الترك المحلوف عليه يمينًا لتلبسه باليمين. انتهى "مرقاة"، (فأرى خيرًا منها) أي: من تلك اليمين؛ أي: فأرى خيرًا من المحلوف عليه الذي حلفت منه تركًا كان أو فعلًا، أنث الضمير نظرًا إلى لفظة اليمين، وإلا .. فالمحلوف عليه مذكر .. (إلا كفرت عن يميني) أي: إلا أعطيت كفارة يميني بعد حنثها.
والواو في قوله: (وأتيت الذي هو خير) منها لمطلق الجمع؛ كما في "المرقاة"، قال: وفيه ندب الحنث إذا كان خيرًا؛ كما إذا حلف ألا يكلم والده أو ولده؛ فإن فيه قطع الرحم. انتهى، والحديث دليل على أن من حلف على معصية، أو مكروه، أو ما هو خلاف الأولى؛ فإنه يجوز له أن يحنث في يمينه ذلك، بل يجب ذلك إذا كان الشيء المحلوف عليه معصية، وتجب عليه الكفارة.
(أو قال) النبي ﷺ -بالشك من الراوي-: (أتيت الذي هو خير، وكفرت عن يميني) بعدما فعلت المحلوف عليه، ولا دلالة في كل من
стр. 5763
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الروايتين على تقديم الكفارة على الحنث، ولا على تأخيرها؛ إذ الواو لا تدل على الترتيب؛ كما نقلناه عن "المرقاة" آنفًا، فلذالك جاءت الرواية بالوجهين.
نعم؛ قد يقال: الأمر في الرواية الآتية لا دلالة فيه على وجوب تقديم الحنث؛ كما لا دلالة له على وجوب تقديم الكفارة، ومقتضى هذا الإطلاق: أن المأمور به فعل المجموع كيفما اتفق، وهذا الإطلاق دليل على جواز الوجهين، فقول من أوجب تقديم الحنث .. مخالف لهذا الإطلاق، فلا بد له من دليل يعارض هذا الإطلاق ويرجح عليه؛ حتى يستقيم الأخذ به وترك هذا الإطلاق، والله أعلم. انتهى من "السندي".
وهذا الذي ذكرناه من وجوب الكفارة عليه متفق عليه بين جميع الفقهاء، ثم اختلفوا هل يجوز أن يكفر قبل أن يحنث؟ فقال أبو حنيفة: لا تجزئ الكفارة قبل الحنث، وإنما يجب عليه أن يحنث أولًا ثم يكفر بعد الحنث، وهو قول أشهب من المالكية وداوود الظاهري؛ كما في "فتح الباري" (١١/ ٥٢٦).
وقال الشافعي ومالك وأحمد: إن الكفارة تجزئ قبل الحنث، وهو قول ربيعة والأوزاعي والليث بن سعد والثوري وابن المبارك وإسحاق وأبي عبيد وأبي خيثمة وسليمان بن داوود والحسن وابن سيرين، غير أن الشافعي استثنى الصيام، فقال: إن الصيام لا يجوز إلا بعد الحنث؛ لأنه عبادة بدنية، فلم يجز فعلها قبل وجوبها لغير ضرورة؛ كالصلاة. كذا في "المغني" لابن قدامة (١١/ ٢٢٣).
وقد روي عن مالك أنه استثنى الصدقة والعتق، فقال: إنهما لا يجزئان إلا بعد الحنث، حكاه الحافظ في "الفتح".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأيمان والنذور،
стр. 5764
(٩٠) - ٢٠٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ،
===
باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ... ﴾ الآية (١)، ومسلم في كتاب الأيمان والنذور، باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها .. أن يأتي الذي هو خير، وأبو داوود في كتاب الأيمان والنذور، باب الرجل يكفر قبل أن يحنث، والنسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة قبل الحنث.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي موسى الأشعري بحديث عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٠) - ٢٠٧٤ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(وعبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة. يروي عنه: (م د ق)، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو بكر بن عياش) بن سالم الأسدي الكوفي الحناط، مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد، أو عبد الله، أو سالم، أو شعبة، أو غير ذلك، ثقة عابد، من السابعة. يروي عنه: (من عم)، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين.
стр. 5765
عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا .. فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ".
===
(عن عبد العزيز بن رفيع) -مصغرًا- الأسدي المكي نزيل الكوفة، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن تميم بن طرفة) -بفتحتات- الطائي المسلي -بضم الميم وسكون المهملة- ثقة، من الثالثة، مات دون المئة سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن عدي بن حاتم) بن عبد الله بن سعد أبي طريف الطائي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثمان وستين (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عدي: (قال رسول الله ﷺ : من حلف على يمين) أي: على محلوف عليه، ويحتمل كون (على) زائدة، وكون (يمين) مفعولًا مطلقًا معنويًا؛ أي: من حلف يمينًا (فرأى غيرها) أي: غير تلك اليمين (خيرًا منها) أي: أحسن من إبرارها؛ كأن حلف على ألا يحسن إلى رَحِمِهِ أو إلى جَارهِ .. (فليأت) أي: فليفعل الأمر (الذي هو خير) منها؛ كصلةِ الرحم، والإحسانِ إلى الجار في المثال السابق؛ أي: فليَحْنَثْ (وليكفر عن يمينه) أي: عن حِنثها.
ففي هذا الحديث دليل على جواز تقديم الحنث بفعل المحلوف عليه أو تركه على التكفير، والخيريةُ المفهومةُ من الحديث تارة تكون من جهة الثواب وكثرتِه؛ كما في المثال المذكور، وتارةً من جهة المصلحةِ الراجحةِ الدُّنْيويَّةِ
стр. 5766
(٩١) - ٢٠٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الزَّعْرَاءِ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍ وعَنْ عَمِّهِ أَبِي الْأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ
===
التي تَطرأُ عليه بسببِ تركها حَرجٌ ومشقةٌ؛ يعني: أن استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج -وهو المشقة- قد يفضي به إلى أن يأثم؛ كأن حلف على ألا يكلم والده، فالأولى به أن يفعل ما شرع الله له من تحنيثه نفسه وفعل الكفارة. انتهى من "المفهم" بتصرف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الأيمان، باب ندب من حلف يمينًا، ورأى غيرها خيرًا منها .. أن يأتي الذي هو خير، ويكفر عن يمينه، والنسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة بعد الحنث، وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي موسى الأشعري بحديث مالك بن نضلة، رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩١) - ٢٠٧٥ - (٣) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) نشأةً، المكي نزولًا، وقيل: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق صنف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أبو الزعراء) -بفتح الزاي وسكون المهملة- الصغير (عمرو بن عمرو) أو ابن عامر بن مالك بن نضلة الجشمي -بضم الجيم وفتح المعجمة- الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عمه أبي الأحوص عوف بن مالك) بن نضلة -بفتح النون وسكون
стр. 5767
الْجُشَمِيّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ يَأْتِينِي ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَلَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ قَالَ: "كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ".
===
المعجمة- (الجشمي) الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، قتل قبل المئة في ولاية الحجاج على العراق. يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) مالك بن نضلة الجشمي والد أبي الأحوص، الصحابي المشهور، قليل الحديث، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) مالك: (قلت) يومًا: (يا رسول الله؛ يأتيني ابن عمي) لطلب المعروف والجائزة (فأحلف ألا أعطيه) شيئًا من مالي (ولا أصله) أي: لا أعطيه صلةً وجائزةً، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (كفر عن يمينك) كفارة، وأعطه صلة وجائزة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة بعد الموت، وأحمد في "المسند"، والطبراني في "المعجم الكبير" مطولًا، والحميدي في "مسنده".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5768
(٤٤) - (٦٧٥) - بَابُ مَنْ قَالَ: كفَّارَتُهَا تَرْكُهَا
(٩٢) - ٢٠٧٦ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي الرِّجَال، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فِي قَطِيعَةِ
===
(٤٤) - (٦٧٥) - (باب من قال: كفارتها تركها)
(٩٢) - ٢٠٧٦ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حارثة بن أبي الرجال) -بكسر الراء ثم جيم- الأنصاري ثم النجاري المدني، ضعيف، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
وأما (أبو الرجال) .. فاسمه محمد بن عبد الرحمن بن حارثة الأنصاري، مشهور بهذه الكنية، وهي لقبه، وكنيته في الأصل أبو عبد الرحمن، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (خ م س ق).
(عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، ثقة، من الثالثة، ماتت قبل المئة، ويقال بعدها. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حارثة بن أبي الرجال، وهو متفق على ضعفه.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : من حلف في قطيعة
стр. 5769
رَحِمٍ أَوْ فِيمَا لَا يَصْلُحُ .. فَبِرُّهُ أَلَّا يَتِمَّ عَلَى ذَلِكَ".
===
رحم أو فيما لا يصلح) ولا يحل؛ كالهجران لأخيه المسلم فوق ثلاثة أيام .. (فَبِرُّهُ) أي: فأَجْرُهُ (ألا يَتِمَّ) أي: ألا يَسْتَمِرَّ (على ذلك) الحَلف، بل يحنثه ويصلُ رحمه.
قوله: "فبره" -بكسر الموحدة وتشديد الراء- أي: فأجر ذلك الحلف وثوابه وخيره كائن في "ألا يتم" -بفتح ياء المضارعة- أي: في ألا يستمر "على ذلك" الحلف ولا يدوم عليه؛ وهو حنثه بصلة الرحم، ولا يستمر على قطيعته الذي هو المحلوف عليه.
قال السندي: ظاهره أنه البر شرعًا، فلا حاجة معه إلى كفارة أخرى؛ كما في صورة البر، لكن الأحاديث المشهورة تدل على وجوب الكفارة، فهذا الحديث إن صح .. يحمل على أنه بمنزلة البر في كونه مطلوبًا شرعًا؛ فإن المطلوب هو البر إلا في مثل هذا الحلف؛ فإن المطلوب فيه الحنث، فصار الحنث فيه كالبر، فمن هذا الاعتبار قيل: إنه البر، وهذا لا ينافي وجوب الكفارة، وهذا هو المراد في الحديث الآتي، إن صح أن يراد بالكفارة: البر، فليتأمل. انتهى منه.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي موسى وحديث مالك بن نضلة الجشمي، وسنده ضعيف؛ لأن فيه حارثة بن أبي الرجال، وهو متفق على ضعفه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، فالحديث: صحيح المتن، ضعيف السند.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 5770
(٩٣) - ٢٠٧٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِم، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ
===
(٩٣) - ٢٠٧٧ - (٢) (حدثنا عبد الله بن عبد المؤمن) بن عثمان الأرحبي -بفتح الهمزة وسكون الراء بعدها مهملة مفتوحة ثم موحدة- (الواسطي) الطويل، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عون بن عمارة) القيسي أبو محمد البصري، ضعيف، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا روح بن القاسم) التميمي العنبري أبو غياث البصري -بالمعجمة والمثلثة- ثقة حافظ، من السادسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله، صدوق ثبت سماعه من جده عبد الله بن عمرو، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي رضي الله تعالى عنهما، مات في ليالي الحرة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عون بن عمارة، وهو متفق على ضعفه.
стр. 5771
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا .. فَلْيَتْرُكْهَا؛ فَإِنَّ تَرْكَهَا كَفَّارَتُهَا".
===
(أن النبي ﷺ قال: من حلف على يمين) أي: على محلوف عليه (فرأى غيرها) أي: غير تلك اليمين (خيرًا منها) أي: من تلك اليمين؛ كأن حلف على قطيعة رحم، فغيرها صلة رحم، فهو خير من القطيعة .. (فليتركها) أي: فليترك بر تلك اليمين ووفائها؛ وذلك يكون باستمراره على قطيعة الرحم؛ لأن في حنثها بوصل الرحم أجرًا، (فإن) أجر (ترك) وفائـ (ها) بحنثها بصلة الرحم (كفارتها) أي: كفارة حنثها؛ أي: فإن أجر صلة الرحم يمحو ذنب حنثها؛ فهو من باب: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما، من حديث عبد الرحمن بن سمرة؛ ففي البخاري في كتاب الأيمان، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (٢) عن عبد الرحمن بن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "يا عبد الرحمن بن سمرة؛ لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة .. وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة .. أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرًا منها .. فكفر عن يمينك، وائت الذي هو خير"، وهذا الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، والنسائي في كتاب الأيمان والنذور، باب الكفارة قبل الحنث، وأحمد في "المسند"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، والطيالسي في "مسنده".
стр. 5772
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا، وسنده ضعيف؛ لأن فيه عون بن عمارة، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: حديثان:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 5773
(٤٥) - (٦٧٦) - بَابٌ: كَمْ يُطْعِمُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ؟
(٩٤) - ٢٠٧٨ - (١) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْبَكَّائِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَعْلَى الثَّقَفِيُّ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٤٥) - (٦٧٦) - (باب: كم يطعم في كفارة اليمين؟ )
(٩٤) - ٢٠٧٨ - (١) (حدثنا العباس بن يزيد) بن أبي حبيب البحراني -بالموحدة والمهملة- البصري، يلقب عباسويه، ويعرف بالعبدي، كان قَاضِي همذان -بالذال المعجمة- صدوق يخطئ، من صغار العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا زياد بن عبد الله) بن الطفيل العامري (البكائي) -بفتح الموحدة وتشديد الكاف- نسبة إلى البكاء؛ وهو ربيعة بن عامر أبو محمد الكوفي، صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في "البخاري" موضع واحد متابعةً، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (خ م ت ق).
(حدثنا عمر بن عبد الله بن يعلى) بن مرة (الثقفي) الكوفي، وقد ينسب إلى جده، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (د ق).
(عن المنهال بن عمرو) الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق ربما يهم، من الخامسة. يروي عنه: (خ عم).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 5774
قَالَ: كَفَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ وَأَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ .. فَنِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ.
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمر بن عبد الله بن يعلى، وهو متفق على ضعفه.
(قال) ابن عباس: (كفر رسول الله ﷺ عن يمينه؛ من التكفير (بصاع من تمر) والصاع: أربعة أمداد (وأمر) رسول الله ﷺ (الناس بذلك) أي: بأن يكفروا عن أيمانهم بصاع تمر (فمن لم يجد) بصاع تمر .. (فـ) يجزئه (نصف صاع من بر).
قال السندي: ظاهره أنه من كلام الصحابي أو من كلام رسول الله ﷺ بتقدير، وقال: فمن لم يجد ... إلى آخره، وعلى كلا التقديرين؛ ففيه إِينَاسٌ لقول من قال في صدقة الفطر: إنها نصف صاع من بر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٧)(٢٢٦)؛ لضعف سنده، ولعدم المشاركة فيه، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا استئناسيًا.
والله أعلم
стр. 5775
(٤٦) - (٦٧٧) - بَابٌ: مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ
(٩٥) - ٢٠٧٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أَهْلَهُ قُوتًا فِيهِ شِدَّةٌ
===
(٤٦) - (٦٧٧) - (باب: من أوسط ما تطعمون أهليكم)
(٩٥) - ٢٠٧٩ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله النيسابوري التميمي، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن سليمان بن أبي المغيرة) العبسي بالموحدة الكوفي أبي عبد الله، صدوق، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (كان الرجل) منا (يقوت) ويطعم (أهله) وعياله (قوتًا) أي: طعامًا (فيه سعةٌ) أي: بسط ولذة وجودة؛ لكونه موسرًا.
وفي "الصحاح": قات أهله يقوتهم قَوْتًا -بفتح القاف- وقِياتةً، والاسم:
القُوت -بالضم- (وكان الرجل) الآخر منا (يقوت أهله) أي: يطعمهم (قوتًا فيه شدة) وضيق ورداءة وبشاعة، وأَشْكَل عليهم؛ أي: على الناس، من أيِّ
стр. 5776
فَنَزَلَتْ: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾.
===
النوعَينِ يُطعمون الفقراء في كفارتهم؟ (فنزلَتْ) آيةُ (﴿مِنْ أَوْسَطِ﴾) أي: من وسط (﴿مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾) (١)؛ أي: ليس بالجيدِ الغالي، ولا بالرديءِ السافل؛ أي: أَطْعِمُوا في كفارتكم من وسط قوتِ بلدكم.
وهذا الأَثَرُ انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وإن كان موقوفًا؛ لأنه تفسير للآية من المفسر الذي كان حبر الأمة في التفسير، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الأثر.
والله أعلم
стр. 5777
(٤٧) - (٦٧٨) - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يَسْتَلِجَّ الرَّجُلُ فِي يَمِينِهِ وَلَا يُكَفِّرَ
(٩٦) - ٢٠٨٠ - (١) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيُّ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : "إِذَا اسْتَلَجَّ
===
(٤٧) - (٦٧٨) - (باب النهي أن يستلج الرجل في يمينه ولا يكفر)
(٩٦) - ٢٠٨٠ - (١) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح أبو محمد الرؤاسي الكوفي، كان صدوقًا، إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس بحديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا محمد بن حميد) اليشكري أبو سفيان (المعمري) نزيل بغداد، ثقة، من التاسعة مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(عن معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن همام) بن منبه بن كامل الصنعاني أخو وهب، ثقة، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) همام: (سمعت أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن سفيان بن وكيع متروك، ولكن لا يضر في صحة الحديث؛ لأن الحديث صحيح بالسند الآتي.
(يقول) أبو هريرة: (قال أبو القاسم ﷺ : إذا استلج)
стр. 5778
أَحَدُكُمْ فِي الْيَمِينِ .. فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا".
===
واستمر (أحدكم في اليمين) بلا حنث فيه، مع علمه بأن غيرها خير منها؛ كأن حلف على قطيعة رحم .. (فإنه آثم له عند الله من الكفارة التي أمر بها) في الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: إذا استلج واستمر ودام أحدكم في اليمين التي غيرها خير منها، وأبى من الحنث والكفارة التي أمر بها .. فإنه؛ أي: فإن ذلك الحلف آثم له -بصيغة أفعل التفضيل- أي: أكثر إثمًا وأعظم جرمًا له؛ لأنه ورد في الأحاديث: أنه من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها .. فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه.
ففي استلجاجه واستمراره على اليمين التي لا خير فيها مخالفة للأمر بالحنث والإتيان بما هو خير منها، فيكتب عليه الإثم في استمراره عليها بلا حنث.
قال السندي: قوله: "إذا استلج" قال السيوطي: بجيم مشددة.
وفي "النهاية": هو استفعال؛ من اللجاج، ومعناه: أن يحلف على شيء؛ كقطيعة رحم، ويرى أن غيره خير منه؛ كصلة رحم، فيستمر على يمينه ولا يحنث ولا يكفر .. فذلك مؤثم له، وقيل: هو أن يرى أنه صادق فيها مصيب، فيلج فيها ولا يكفرها، وقد جاء في بعض الطرق: (إذا استلجج أحدكم) بفك الإدغام، والله أعلم. انتهى منه.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، وأخرجه عبد الرزاق في "مسنده"، وأحمد في "مسنده".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شواهد في "الصحيحين"
стр. 5779
(٩٦) - ٢٠٨٠ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صالِحٍ الْوُحَاظِيُّ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،
===
وغيرهما؛ كالأحاديث التي سبقت في "ابن ماجه"، وسنده ضعيف؛ لما قد عرفت آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٦) - ٢٠٨٠ - (م) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه (خ عم).
(حدثنا يحيى بن صالح الوحاظي) -بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة- الحمصي، صدوق من أهل الرأي، من صغار التاسعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا معاوية بن سلام) -بتشديد اللام- ابن أبي سلام أبو سلام الدمشقي، وكان يسكن حمص، ثقة، من السابعة، مات في حدود سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس أبي عبد الله المفسر، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 5780
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ وساق عكرمة (نحوه) أي: نحو حديث همام بن منبه.
غرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة عكرمة لهمام، وفائدة هذه المتابعة تقوية السند الأول.
فالحديث صحيح بهذا السند؛ أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور، باب ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ (١)، ولا يضر ذكر سفيان بن وكيع في السند الأول.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم