← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَنِي فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ أَجْرَهُ. === المهملة- الكوفي، صاحب راية علي، مقبول، من الثالثة. روى عن: علي وعثمان والحسن بن علي، ويروي عنه: (د س ق)، وعبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وابنه عبد الله، وعطاء بن السائب، وحصين بن عبد الرحمن، ذكره ابن حبان في "الثقات". (عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات، هذا ما ظهر لي، ولعله الصواب. قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف من الطريقين؛ لأن مدار الإسنادين على عبد الأعلى بن عامر الثعلبي، وقد تركه ابن مهدي ويحيى القطان، وضعفه أحمد ويحيى بن معين وغيرهم، رواه الترمذي في "الشمائل" عن عمرو بن على الفلاس به، ورواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن ورقاء فذكره، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي جَنَاب الكلبي عن أبي جميلة به، وله شاهد في "الصحيحين" من حديث ابن عباس المذكور قبله، ومن حديث أنس بن مالك المذكور بعده، فالحديث صحيح بما قبله وبما بعده. انتهى من كلام البوصيري. (قال) علي: (احتجم رسول الله ﷺ و) بعدما فرغ من حجامته (أمرني) أن أعطي الحجام أجره (فأعطيت الحجام أجره) أي: أجرة حجامته له ﷺ . وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا في "الصحيحين"، وغرضه: الاستشهاد به. * * *

стр. 5917

(١٤٦) - ٢١٣٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ. === ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٤٦) - ٢١٣٠ - (٣) (حدثنا عبد الحميد بن بيان) بن زكريا (الواسطي) أبو الحسن السكري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م د ق). (حدثنا خالد بن عبد الله) بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي المزني مولاهم، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن يونس) بن عبيد بن دينار العبدي مولاهم البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ)، رأى أنسًا، وروى عن ابن سيرين. يروي عنه: (ع). (عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري البصري، ثقة ثبت عابد، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام أجره) حجمه أبو طيبة -كما في رواية مسلم- غلام لبني بياضة؛ بطن من الأنصار، اسمه نافع، وقيل: دينار، قاله ابن عبد البر، وقيل: ميسرة، والصحيح الأول.

стр. 5918

(١٤٧) - ٢١٣١ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، === وذكر ابن الحذاء في "رجال الموطأ" أنه عاش مئة وثلاثًا وأربعين سنة، راجع "الفتح" و"الإصابة". قوله: (وأعطى الحجام أجره) أي: أمر عليًّا بأن يعطيه أجره صاعين من طعام؛ كما في رواية مسلم؛ أي: من تمر؛ كما هو مصرح به عند البخاري في البيوع من رواية مالك عن حميد، وأعطاه الأجر على رضي الله تعالى عنه؛ كما هو مصرح في حديث علي عند الترمذي وابن ماجه. ودل هذا الحديث على جواز أجرة الحجام، وهو قول الجمهور، وحمل الجمهور أحاديث النهي على التنزيه؛ لما في هذا الكسب من الدناءة والتلوث بالنجاسات. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب ذكر الحجام، ومسلم في كتاب المساقاة، باب حل أجرة الحجام، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في كمسب الحجام، والحاكم ومالك والبيهقي، وغيرهم. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عباس بحديث أبي مسعود رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٤٧) - ٢١٣١ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا يحيى بن حمزة) بن واقد الحضرمي أبو عبد الرحمن الدمشقي

стр. 5919

حَدَّثَنِي الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ. === القاضي، ثقة رمي بالقدر، من الثامنة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع). (حدثني) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) الدمشقي الإمام الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابد، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع). (عن أبي مسعود عقبة بن عمرو) الأنصاري البدري رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو مسعود: (نهى رسول الله ﷺ عن) أكل (كسب الحجام) وتقدم لك آنفًا أن الجمهور حملوا أحاديث النهي على التنزيه؛ لما في هذا الكسب من الدناءة والتلوث بالنجاسات، ولو كان حرامًا .. لما أعطاه النبي ﷺ أجره؛ لأنه إعانة له على الحرام، وحمله أحمد على ظاهره، وقال: لا يحل إلا للعبد ونحوه، وبه يحصل التوفيق بين أحاديث الباب، ويصير كل حديث معمولًا به في مورده؛ لأن الذي حجم النبي ﷺ وأعطاه النبي ﷺ أجره كان عبدًا اسمه أبو طيبة،

стр. 5920

(١٤٨) - ٢١٣٢ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ حَرَامِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنْ أَبِيهِ === والفرق قد جاء في حديث محيصة بن مسعود التالي لهذا الحديث، والله أعلم. انتهى "سندي". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن عباس بحديث محيصة بن مسعود رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٤٨) -٢١٣٢ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة بن سوار) المدائني، أصله من خراسان، قيل: كان اسمه مروان، مولى بني فزارة، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) هشام بن شعبة بن عبد الملك القرشي العامري المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن حرام) بن سعد أو ابن ساعدة (بن محيصة) بن مسعود الأنصاري، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم). (عن أبيه) محيصة بن مسعود الأنصاري، صاحب عبد الله بن سهل القتيل

стр. 5921

أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ عَنْهُ، فَذَكَرَ لَهُ الْحَاجَةَ فَقَالَ: "اعْلِفْهُ نَوَاضِحَكَ". === في خيبر رضي الله تعالى عنهما المذكور في القسامة. يروي عنه: (عم). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أنه) أي: أن محيصة (سأل النبي ﷺ عن) أكل (كسب الحجام) وأجرته (فنهاه) النبي ﷺ (عنه) أي: عن أكل كسبه وأجرته. قال النووي: هذا نهي تنزيه؛ للارتفاع عن دنيء الاكتساب وللحث على مكارم الأخلاق ومعالي الأمور، ولو كان حرامًا .. لم يفرق فيه بين الحر والعبد؛ لأنه لا يجوز للسيد أن يطعم عبده ما لا يحل. انتهى من "العون". (فذكر) محيصة (له) ﷺ (الحاجة) أي: احتياجه إلى أكل كسب الحجام؛ فإن أكثر الصحابة كانت لهم أرقاء كثيرون، وأنهم كانوا يأكلون من خراجهم ويعدون ذلك من أطيب المكاسب، فلما سمع محيصة نهيه ﷺ عن أكل كسب الحجام، وشق ذلك عليه؛ لاحتياجه إلى أكل أجرة الحجام .. سأله أن يأذن له في ذلك، وكرر السؤال في أن يرخص له في ذلك. والفاء في قوله: (فقال) بمعنى (حتى) أي: فكرر عليه سؤال الترخيص له حتى قال له النبي ﷺ في آخر ما أجاب له: (اعلفه) أي: اعلف كسب الحجام (نواضحك) أي: أبعرتك التي تنضح عليها الماء إلى البساتين أو إلى البيت. قوله: (اعلفه) بهمزة وصل وكسر اللام؛ أي: أطعمه. قال في "القاموس": العَلْفُ - كالضَرْبِ -: الشربُ الكثير وإطعام الدابة؛ كالإعلاف، والناضح: هو الجمل الذي يُستقى به الماءُ.

стр. 5922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وفي رواية الترمذي زيادة: (وأطعمه رقيقك) أي: لأن هذين ليس لهما شرف ينافيه دناءة هذا الكسب، بخلاف الحر، وهذا ظاهر في حرمته على الحر، والحديث صحيح؛ لصحة سنده، لكن الإجماع على تناول الحر له، فيحمل النهي على التنزيه، كذا ذكره ابن الملك. انتهى من "تحفة الأحوذي". قال الحافظ في "الفتح": ذهب أحمد وجماعة إلى الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقًا، وعمدتهم حديث محيصة. انتهى، انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في كسب الحجام، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كسب الحجام، قال: وفي الباب عن رافع بن خديج وأبي جحيفة وجابر والسائب بن يزيد، قال أبو عيسى: حديث محيصة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 5923

(٦٨) - (٦٩٩) - بَابُ مَا لَا يَحِلُّ بَيْعُهُ (١٤٩) -٢١٣٣ - (١) حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ === (٦٨) - (٦٩٩) - (باب ما لا يحل بيعه) (١٤٩) -٢١٣٣ - (١) (حدثنا عيسى بن حماد) بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري (المصري) لقبه زغبة -بضم الزاي وسكون المعجمة بعدها موحدة- وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ)، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات. يروي عنه: (م د س ق). (أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان، سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن يزيد بن أبي حبيب) المصري أبي رجاء، واختلف في ولائه، ثقة فقيه، من الخامسة، وكان يرسل، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع). (أنه قال: قال عطاء بن أبي رباح) واسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ) على المشهور. يروي عنه: (ع). (سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

стр. 5924

يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ"، فَقِيلَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإِنَّهُ يُدْهَنُ بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، قَالَ: "لَا، هُنَّ حَرَامٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ". === (يقول) جابر: (قال رسول الله ﷺ عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، فقيل له) ﷺ (عند ذلك) أي: عندما ذكر تحريم الميتة: (يا رسول الله؛ أرأيت شحوم الميتة؟ ) أي: أخبرنا عن حكمها (فإنه) أي: فإن الشأن والحال (يدهن بها السفن) لئلا يتخرق خشبها (ويدهن بها الجلود) لئلا تكون يابسة (ويستصبح بها الناس) أي: ينورون مصابيحهم منها، فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: (لا) يجوز الانتفاع بها في ذلك؛ (هن حرام) أي: إن الشحوم لا يجوز بيعها ولا الانتفاع بها (ثم قال رسول الله ﷺ : قاتل الله اليهود) أي: لعنهم (إن الله حرم عليهم الشحوم، فأجملوه) أي: أذابوا ما ذكر من الشحوم؛ من أجمل الشحم؛ أذابه واستخرج دهنه، قال الخطابي: معناه: أذابوها حتى تصير ودكًا، فيزول عنها اسم الشحم، وفيه إبطال كل حيلة يتوصل بها إلى محرم (ثم باعوه) أي: باعوا ما أذيب منها (فأكلوا ثمنه) أي: ثمن ما باعوه. قوله: (وهو) ﷺ (بمكة) المكرمة، قال العيني: هذه الجملة حالية، فيها بيان تاريخ ذلك، وكان ذلك في رمضان سنة ثمان من الهجرة، ويحتمل: أن يكون التحريم وقع قبل ذلك، ثم أعاده ﷺ ؛ ليُسمعه من لم يكن سمعه. انتهى.

стр. 5925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قوله: "إن الله ورسوله حرَّم" قال القرطبي: كذا صحت الرواية مسندًا إلى ضمير الواحد، وكان أصله "حَرَّما" بضمير التثنية؛ لأنه تَقَدَّمه اثنان، لكن تأدب النبي ﷺ فلم يجمع بينه وبين اسم الله تعالى بضمير الاثنين؛ لأن هذا من نوع ما رده على الخطيب الذي قال: (ومن يعصهما فقد غوى)، فقال له: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله". رواه أحمد ومسلم وأبو داوود والنسائي، وقد قدمنا الكلام عليه في كتاب الصلاة. قال السندي: قوله: "إن الله ورسوله حرم" أي: كل واحد منهما أو الضمير لله ورسوله؛ بتقدير: إن الله حرم ورسوله بلَّغ، أو الضمير للرسول وذِكرُ الله معه للتعظيم. قوله: "بيع الخمر" وهذا الحديث يدل على أن تحريم الخمر كان متقدمًا على فتح مكة -كما مر آنفًا- والخمر: كل شراب يسكر من أي شيء كان من عنب أو غيره، فيحرم بيع قليله وكثيره، وقد قدمنا أن تحريم نفعه معلل بنجاسته، وأنه ليس فيها منفعة مُسوَّغة شرعًا. "و" بيعَ "الميتة" -بفتح الميم- وهي كل ما زالت حياته بغير ذكاةٍ شرعية، سواء كانت مذكاة أو ماتت حتف أنفها، فيحرم بيع جميع أجزائها حتى عظمها وقرنها ولا يستثنى منها عندنا شيء إلا ما لا تحل الحياة فيه؛ كالشعر والصوف والوبر؛ فإنه طاهر من الميتة، وينتزع من الحيوان في حال حياته، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وزاد أبو حنيفة وابن وهب من أصحابنا على ذلك أن العظم من الفيل وغيره والسن والقرن والظلف كلها لا تحلها الحياة، فلا تنجس بالموت.

стр. 5926

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والجمهور على خلافهما في العظم وما ذكر معه؛ فإنها تحله الحياة، وهو الصحيح؛ فإن العظم والسن يَأْلَمُ وتُحَسُّ به الحرارةُ والبرودةُ، بخلاف الشعر، وهذا معلوم بالضرورة، فأما أطراف القرون والأظلاف وأنياب الفيل .. فاختلف فيها، فهل يلحق حكمها حكم أصولها فتنجس، أو حكمها حكم الشعر؟ على قولين، وأما الريش .. فالشعريُّ منه شعر، وأسفلُه عظم، ومتوسطه هل يلحق بأطرافه أو بأصله فيه؟ قولان لأصحابنا. وقد قال بنجاسة الشعر الحسن البصري والليث بن سعد والأوزاعي، لكنها تطهر بالغسل عندهم، فكأنها عندهم نجسة بما يتعلق بها من رطوبات الميتة، وإلى نحو من هذا، ذهب ابن القاسم في أنياب الفيل، فقال: تطهر إن سُلِقَتْ بالماء، وعن الشافعي ثلاث روايات؛ إحداها: أن الشعر ينجس بالموت، والثانية: أنها طاهرة؛ كقولنا، والثالثة: أن شعر ابن آدم وحده طاهر وأن ما عداه نجس. انتهى من "المفهم". وأما جلود الميتة .. فلا تباع قبل الدباغ ولا ينتفع بها؛ كلحم الميتة، ولقوله ﷺ : "لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب" رواه أبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه. وأما بعد الدباغ .. فمشهور مذهب مالك أنها لا تطهر بالدباغ، وإنما ينتفع بها، وهو مذهب جماعة من أهل العلم، وعلى هذا فلا يجوز بيعها ولا الصلاة عليها ولا بها، ولا ينتفع بها إلا في اليابسات دون المائعات إلا في الماء وحده. وذهب الجمهور من السلف والخلف إلى أنها تطهر طهارةً مطلقةً، وأنه يجوز بيعها والصلاة عليها وبها، وإليه ذهب الشافعي ومالك في رواية ابن وهب، وهو الصحيح؛ لقوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ .. فقد طهر" رواه

стр. 5927

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === أصحاب السنن، ولقوله ﷺ : "دباغ الإهاب طهوره" رواه أحمد وابن حبان، وغير ذلك، وكلها صحيح. انتهى من "المفهم". واستدل بهذا الحديث أيضًا على أنه لا يجوز بيع ميتة الآدمي مطلقًا، سواء فيه المسلم والكافر؛ أما المسلم .. فلشرفه وفضله حتى إنه لا يجوز الانتفاع بشيء من شعره وجلده وجميع أجزائه، وأما الكافر .. فلأن نوفل بن عبد الله بن المغيرة لما اقتحم الخندق وقتل، غلب المسلمون على جسده فأراد المشركون أن يشتروه، فقال النبي ﷺ : لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه، فخلى بينه وبينهم، ذكره ابن أبي إسحاق وغيره من أهل السير، رواه ابن أبي شيبة، قال ابن هشام: أعطوا رسول الله ﷺ بجسده عشرة آلاف درهم فيما بلغني عن الزهري. وروى الترمذي من حديث ابن عباس: أن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجل من المشركين، فأبى النبي ﷺ أن يبيعهم، كذا في "عمدة القاري" (٥/ ٦٠٦). "و" حرم بيع "الخنزير" وهو الحيوان المعروف البري، ولا تعرف العرب في البحر خنزيرًا، وقد سئل مالك عن خنزير الماء، فقال: أنتم تسمونه خنزيرًا؛ أي: لا تسميه العرب بذلك، وقد اتقاه مرةً أخرى على جهة الورع، والله تعالى أعلم. فأما البري .. فلا خلاف في تحريمه وتحريم بيعه، وأنه لا تعمل فيه الذكاة، ومن هنا قال كافة العلماء: إن جلده لا يطهره الدباغ، وإنما يطهر الدباغ جلد ما تعمل الذكاة في حيه، والحق الشافعي بالخنزير الكلب، فلا يطهر جلده الدباغ عنده.

стр. 5928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال الأوزاعي وأبو ثور: إنما يطهر الدباغ جلد ما يؤكل لحمه، وقد أجاز مالك تذكية السباع والفيل لأخذ جلودها، وهذا إنما يتمشى على قوله بكراهة لحمها، وأما على ما قاله في "الموطأ" من أن السباع حرام .. فلا تعمل الذكاة فيها، فلا تطهر جلودها بالدباغ؛ كالخنزير. وقد شذ داوود وأبو يوسف، فقالا: إنه يطهر بالدباغ جلد كل حيوان حتى الخنزير، ومتمسكهما قوله ﷺ : "أيما إهاب دبغ .. فقد طهر"، ويعتضد أبو يوسف بقياس جلد الخنزير على جلد الميتة، وينفصل الجمهور عنهما بأن هذا العموم محمول على نوع السبب الذي أخرجه؛ وهي ميتة ما تعمل فيه الذكاة، وبأن جلد الخنزير لا يخطر بالبال حالة الإطلاق، فلا يقصد بالعموم؛ كما قررناه في أصول الفقه، وبأنه لا يقال: (إهاب) إلا على جلد ما يؤكل لحمه؛ كما قاله النضر بن شميل، وأما القياس .. فليس بصحيح؛ لوجود الفرق؛ وذلك أن الأصل ميتة ما تعمل فيه الذكاة، والفرع ميتة ما لا تعمل فيه الذكاة، فكانت أغلظ وأفحش. انتهى من "المفهم". "و" حرم بيع "الأصنام" وهي الصورة المتخذة للعبادة، ولا خلاف في تحريم اتخاذها وبيعها، وأنه يجب كسرها وتغييرها، وكذا كل صورة مجسدة، كانت صورة ما يعقل أو ما لا يعقل، وأما ما كان رقمًا في ثوب أو حائط أو ورق .. ففيه تفصيل سيأتي إن شاء الله تعالى، والأصنام جمع صنم؛ وهو الوثن. وفرق بعضهم بينهما: بأن الوثن ما له جثة، والصنم ما كان مصورًا، فبينهما عموم وخصوص وجهي؛ فإن كانت الجثة مصورة .. فهي وثن وصنم جميعًا؛ كما في "فتح الباري" (٤/ ٣٤١). وظهر من ذلك أن الصورة إذا لم يكن لها جثة؛ كالصور المرسومة على

стр. 5929

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === القرطاس وغيره .. داخلة في الأصنام، وإن لم تكن داخلة في الأوثان، فلا يجوز بيعها واتخاذها بهذا الحديث، ولكن هذا المنع إنما هو في بيع الصورة بقصد الصورة، وإذا كسر الصنم وأمكن الانتفاع برضاضه .. فبيعه جائز عند بعض الحنفية والشافعية، وكذا الحكم في الصلبان؛ كما في "عمدة القاري" (٥/ ٦٠٦). والصلبان جمع صليب؛ وهو كل ما نحت على صورة آدمي وعُبد؛ كصورة عيسى ومريم ﵉، والوثن: كل صورة مجسدة، سواء كانت على صورة حيوان؛ كالعجل، أم لا؛ كالشجر والحجر، والصنم: كل ما عبد من دون الله تعالى، سواء كانت له جثة أم لا، كذا فرق بينهما بعضهم، والله أعلم. قوله: (فقيل له) أي: قال بعض الحاضرين عنده ﷺ له؛ أي: لرسول الله، ولم أر من ذكر اسم القائل: (يا رسول الله؛ أرأيت شحوم الميتة) أي: أخبرنا عن حكمها، هل يجوز بيعها أم لا؛ (فإنه) أي: فإن الشأن والحال (يدهن بها السفن) بالبناء للمجهول؛ من دَهَن أو أَدْهَن الرباعيين؛ كما سيأتي؛ أي: يطلى ويلطخ (بها) أي: بشحوم الميتة (السفن) أي: الفلك الجارية في البحر؛ لئلا ينخرق ويتآكل ألواحها في الماء (ويدهن بها الجلود) الصلبة؛ لتلين (ويستصبح) بصيغة المعلوم؛ أي: يستضيء (بها الناس) في مصابيحهم، فهل يجوز بيعها؛ لما ذكر فيها من المنافع؛ فإنها مقتضية لصحة البيع. انتهى من "الفتح". (فقال) لهم رسول الله ﷺ في جواب السائل: (لا) تبيعوها، (هو) أي: بيعها لهذه الأغراض وغيرها (حرام) أي: ممنوع؛ إذ كانت نجسة نظيرها الدم والخمر مما يحرم بيعه وأكل ثمنه.

стр. 5930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وقال القرطبي: هذا نص في أنه يحرم بيعها وإن كانت فيها منافع؛ وذلك لأنها جزء من الميتة؛ كاللحم، أو هي كالشحم مع اللحم؛ فإنه عنه يكون، ولا يلزم من تحريم بيعها والحكم بنجاستها ألا يجوز الانتفاع بها على ما قدمناه، وهذا هو الذي يتمشى عليه مذهب مالك؛ فإنه قد أجاز الانتفاع بما ماتت فيه ميتة من المائعات؛ كالزيت والسمن والعسل وغير ذلك مع الحكم بنجاسته، فقال: يعمل من الزيت النجس الصابون، ويستصبح به في غير المساجد، ويعلف العسل النحل ويطعم النجس الماشية. وإلى نحو ذلك ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة، وروي عن علي وابن عمر رضي الله تعالى عنهم، وفرق بعض أهل العلم بين شحوم الميتة وبين ما تنجس بما وقع فيه من النجاسة، فقال: لا ينتفع بالشحوم؛ لأنها نجسة لعينها، بخلاف ما تنجس بما وقع فيه؛ فإنه ينتفع به؛ لأن نجاسته ليست لعينه، بل عارضة. انتهى من "المفهم". وقوله: (فإنه يدهن بها السفن ... ) إلى آخره، ذكرت ها هنا للانتفاع بشحم الميتة ثلاث طرق: الأولن: لادهان السفن، ولعلهم كانوا يفعلون ذلك؛ لصيانة السفن عن مضار هواء البحر. والثانية: ادهان الجلود بها، وكانوا يضمدون شحم الميتة على الجلود؛ لإحكامها، وفي قوله: (يدهن بها) نسختان: تشديد الدال على كونه من باب الافتعال، وتشديد الهاء على كونه من باب التفعيل، ذكرهما على القاري في "المرقاة" (٦/ ٣٩).

стр. 5931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والطريقة الثالثة: هي الاستصباح؛ يعني: تنوير المصابيح بها وإيقاد السرج منها. والمقصود: أن شحم الميتة ينتفع به بهذه الطرق، فهل يجوز بيعها؟ (فقال: لا؛ هو حرام) كما في رواية مسلم، قال أكثر الشافعية: إن هذا الضمير المرفوع راجع إلى بيع الشحم دون الانتفاع به، فيجوز عندهم الانتفاع بشحم الميتة بالطرق المذكورة أو بغيرها، ولكن لا يجوز بيعه؛ كما صرح به النووي والحافظ وغيرهما. وأما الجمهور ومنهم الحنفية .. فعلى أن شحم الميتة لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به أصلًا، فكأنهم جعلوا الضمير راجعًا إلى الانتفاع بالطريق المذكورة، ويؤيد الجمهور لفظ ابن ماجه: (لا؛ هن حرام). (ثم قال رسول الله ﷺ عند ذلك) كما في رواية مسلم؛ أي: عند سؤالهم عن شحوم الميتة؛ أي: ثم قال بعد جوابهم عن سؤالهم: (قاتل الله اليهود) أي: لعنهم الله تعالى، وقد جاء مصرحًا به في الرواية الأخرى؛ كما في "مسلم"، وكذا قاله ابن عباس، وقال غيره: عاداهم الله (إن الله لما حرم عليهم شحومها .. أجملوه) أي: أذابوا الشحم، وفي رواية: (اجتملوها)، والإجمال والتجميل والجمل؛ من باب نصر: إذابة الشحم، والجميل: الشحم يذاب ويقطر على الخبز (ثم باعوه فأكلوا ثمنه) وإنما فعلوا ذلك؛ ليزول عنه اسم الشحم ويصير ودكًا؛ فإن العرب إنما تسميه شحمًا قبل الإذابة، وأما بعد الإذابة .. فهو ودك. انتهى من "المرقاة" (٦/ ٤٠). ودل الحديث على أن مجرد تغير الاسم لا يؤثر في حال الشيء وحرمته ما لم تتغير حقيقته.

стр. 5932

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تتمة وقد فهم الجمهورُ من تحريم الخمر وبيعها، والمنع من إلا نتفاع بها، واستخباث الشرع لها، وإطلاق الرجس عليها والأمر باجتنابها .. الحُكمَ بنجاستها، وخالفهم في ذلك ربيعة وحده من السلف، فرأى أنها طاهرة، وأن المحرم إنما هو شُرْبُها، وهو قول يرده ما تقدم، وما كان يليق بأصول ربيعة؛ فإنه قد علم أن الشرع قد بالغ في ذم الخمر حتى لعنها وعشرةً؛ كمعصرها وبائعها وشاربها بسببها، رواه الترمذي. وأمرَنا باجتنابها وبالغ في الوعيد عليها، فمن المناسب بتصرفاتِ الشرع الحُكْمُ بتنجيسها؛ مبالغةً في المباعدةِ عنها، وحمايةً لقُرْبَانِها. فإن قيل: التنجيس حكم شرعي ولا نص فيه، فلا يلزم من كون الشيء محرمأ أن يكون نجسًا؛ فكم من محرم في الشرع ليس بنجس؟ فالجواب: أنها وإن لم يكن فيها نص بالوضع المتحد، لكن فيها ما يدل دلالة النصوصية بمجموع قرائن الآية ومساقها، ويَعْرِفُ ذلك من تصفح الايةَ وتفهَمها، ثم ينضافُ إلى الآية جملة ما ذكرناه، فيحصلُ اليقين بالحكمِ بتنجيسها. وقوله: لا يلزم من الحكم بالتحريم الحكم بالتنجيس؟ قلنا: لم نستدل بمجرد التحريم، بل بتحريم مستخبث شرعي يحرم شربه، فيكون نجسًا؛ كالبول والدم، وهذا هو الأولى بربيعة؛ فإنه الملقب بربيعة الرأي، والله تعالى أعلم. انتهى من "المفهم". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الميتة والأصنام، ومسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارة، باب الأكل من ثمن الخمر،

стр. 5933

(١٥٠) - ٢١٣٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، === والترمذي: في كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، قال: وفي الباب عن عمر وابن عباس، قال أبو عيسى: حديث جابر حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. والدارمي، وأحمد. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٥٠) - ٢١٣٤ - (٢) (حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي البصري (القطان) أبو سعيد البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق). (حدثنا هاشم بن القاسم) بن شيبة الحراني مولى قريش أبو محمد، صدوق تغير، من كبار العاشرة، فإنه سمع من يعلى بن الأشدق ذاك المتروك الذي ادعى أنه لقي الصحابة. يروي عنه: (ق). (حدثنا أبو جعفر الرازي) التيمي مولاهم مشهور بكنيته، واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان، وأصله من مرو وكان يتجر إلى الري، صدوق سيئ الحفظ خصوصًا عن مغيرة، من كبار السابعة، مات في حدود الستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (عم). (عن عاصم) بن بهدلة ابن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون،

стр. 5934

عَنْ أَبِي الْمُهَلَّب، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ الْإِفْرِيقِيّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْمُغَنِّيَات، وَعَنْ شِرَائِهِنَّ، وَعَنْ كَسْبِهِنَّ، وَعَنْ أَكْلِ أَثْمَانِهِنَّ. === من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي المهلب) مُطَّرَح -بضم أوله وتشديد ثانيه مفتوحًا وثالثه ثم مهملة- ابن يزيد الكوفي، نزل الشام الأسدي، ضعيف، من السادسة، وذكره ابن حبان في ثقات أتباع التابعين؛ كما في "التهذيب" فهو مختلف فيه. يروي عنه: (ق). (عن عبيد الله) بن زحر الضمري مولاهم (الإفريقي) ولد بإفريقية، ودخل العراق في طلب العلم، صدوق يخطئ، من السادسة. يروي عنه: (عم)، ونقل الترمذي في "العلل"عن البخاري أنه وثقه، فهو مختلف فيه أيضًا، وكان يرسل عن أبي أمامة. (عن أبي أمامة) صدي بن عجلان الباهلي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا المهلب وعبيد الله الإفريقي، وهما مختلف فيهما، وأيضًا عبيد الله لم يسمع من أبي أمامة. (قال) أبو أمامة: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع) الإماء (المغنيات) أي: الجواري اللاتي عادتهن الغناء لمن يشتريهن لأجل الغِناء (و) نهى أيضًا (عن شرائهن) لمن يشتريهن بقصد إعمالهن في الغناء وهو بمعنى ما قبله (و) نهى أيضًا (عن) أكل (كسبهن) أي: بما اكتسبن بالغناء (و) نهى أيضًا (عن أكل أثمانهن) أي: عن أكل الأثمان التي باعهن بها؛ كما يحرم أكل ثمن الخمر وثمن الكلب.

стр. 5935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال القاضي: النهي مقصور على البيع والشراء لأجل التغني، وحرمة ثمنها دليل على فساد بيعها، والجمهور صححوا بيعها، والحديثُ مع ما فيه من الضعف للطعن في روايته .. مُؤوَّلٌ بأن أخذَ الثمن عليهن حرام؛ كأخذ ثمن العنب من النَبَّاذ؛ لأنه إعانة وتوصل إلى حصول محرم لا لأن البيع غير صحيح. انتهى. والحديث دليل على أن اتخاذ الغناء عادة مذمومة، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي؛ أخرجه في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية بيع المغنيات، قال: وفي الباب عن عمر بن الخطاب، قال أبو عيسى: حديث أبي أمامة إنما نعرفه مثل هذا من هذا الوجه. فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما تقدم، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 5936

(٦٩) - (٧٠٠) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْمُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ (١٥١) - ٢١٣٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ === (٦٩) - (٧٠٠) - (باب النهي عن المنابذة والملامسة) (١٥١) - ٢١٣٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع). (وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن خبيب بن عبد الرحمن) بن خبيب بن يساف الأنصاري أبي الحارث المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو هريرة: (نهى رسول الله ﷺ نهي تحريم

стр. 5937

عَنْ بَيْعَتَيْنِ: عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ. === (عن بيعتين: عن الملامسة والمنابذة) والملامسة: مفاعلة من اللمس؛ من بابي قتل وضرب؛ كما في "المصباح" وهو المس باليد، والمراد: أن يُجعلَ عقدُ البيع لَمْسَ المَبيع، والمنابذة أيضًا مفاعلة من النبذ؛ من باب ضرب؛ وهو الطرح، والمراد: أن يُجعل عقدُ البيع نَبْذَ المبيع، وقد فُسِّرا في حديث أبي سعيد على ما تراه إن شاء الله تعالى. واعلم: أنه قد اختلف في تفسير الملامسة على ثلاث صور: إحداها: أن يكتفي باللمس عن النظر ولا خيار له بعده؛ بأن يلمس ثوبًا لم يره لنحو ظلمة، ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه. الثانية: أن يجعل اللمس بيعًا؛ بأن يقول: إذا لَمَسْتَهُ .. فقد بِعْتُكَه، اكتفاءً بلمسه عن الصيغة. الثالثة: أن يبيعه شيئًا على أنه متى لمسه .. لزم البيع وانقطع خيارُ المجلس وغيرُه، اكتفاءً بلمسه عن الإلزام بتفرق أو تخاير، وبطلانُ البيع المستفادُ من النهي؛ لعدم رؤية المبيع واشتراطِ نفي الخيار في الأُولى، ونفيِ الصيغة في عقد البيع في الثانية، وشرطِ نفي الخيار في الثالثة. انتهى من "القسطلاني". والمنابذة: أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، ولم ينظر واحد منهما إلى ثوب صاحبه، والمراد: أن مجرد النبذ يعتبر فيه بيعًا من غير أن يجري بينهما إيجاب وقبول، وقيل: إنه أن يقول لصاحبه: إذا نبذتُه إليك .. انقطع الخيار، ولزم البيع، وذكر الخطابي عن بعضهم أنه نَبْذُ الحجر، فإذا وقع الحجر .. لزم البيع، وهو نظير بيعِ الحصاة، وسيأتي تفسيرهما في حديث أبي سعيد الخدري. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب بيع

стр. 5938

(١٥٢) -٢١٣٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، === المنابذة، ومسلم في كتاب البيوع، باب إبطال بيع الملامسة والمنابذة، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب بيع الغرر، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في الملامسة والمنابذة، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح. ومعنى هذا الحديث: أن يقول: إذا نبذت إليك الشيء .. فقد وجب البيع بيني وبينك، والملامسة أن يقول: إذا لمست الشيء .. فقد وجب البيع، وإن كان لا يرى منه شيئًا؛ مثل ما يكون في الجراب أو غير ذلك، وإنما كان هذا من بيوع أهل الجاهلية، فنهي عن ذلك؛ لما فيه من الغرر. والنسائي في كتاب البيوع، باب تفسير ذلك. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٥٢) -٢١٣٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وسهل بن) زنجلة (أبي سهل) بن أبي الصغدي الرازي أبو عمرو الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق). (قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) الأعور الكوفي ثم المكي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم المدني إمام مشهور، من الرابعة، مات سنة

стр. 5939

عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَة، زَادَ سَهْل قَالَ سُفْيَانُ: الْمُلَامَسَةُ: أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ بِيَدِهِ وَلَا يَرَاهُ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَقُولَ: أَلْقِ إِلَيَّ مَا مَعَكَ، وَأُلْقِي إِلَيْكَ مَا مَعِي. === خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس أو سبع ومئة (١٠٧ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك، رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أن رسول الله ﷺ نهى) نهي تحريم (عن الملامسة والمنابذة، زاد سهل) بن أبي سهل على أبي بكر بن أبي شيبة في روايته عن سفيان، فقال: (قال) لنا (سفيان) بن عيينة في تفسير البيعتين: (الملامسة) هي (أن يلمس الرجل) المشتري (الشيء بيده) كالثوب (و) الحال أنه إلا يراه) أي: لا يرى ذلك الشيء الذي لمسه بعينه لنحو ظلمة، ويجعلا مجرد اللمس بيعًا بينهما، من غير صيغة ولا رؤية؛ لما فيه من الغرر. (والمنابذة) هي (أن يقول) الرجل لصاحبه: (ألق إليَّ ما معك) من الثوب أو المتاع (وألقي) أنا (إليك ما معي) منه، فيجعلا الإلقاء والنبذ بيعًا من غير صيغة ولا تقليب؛ لما فيه من الغرر؛ لعدم الصيغة والرؤية في الأول، وعدم التقليب في الثاني. قال القرطبي: ويكون ذلك اللمس في الأولى، والنبذ في الثانية بيعًا من غير نظر في صورة اللمس، ولا تراضٍ في صورة النبذ، فيلزم البيع بنفس اللمس والنبذ، ولا يبقى لواحد منهما خيرة في فسخه، وبهذا تحصل المفسدة

стр. 5940

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === العظيمة؛ إذ لا يدر أحدهما ما حصل له، فيعمُّ الخطرُ ويكثرُ القمارُ والضررُ. انتهى من "المفهم". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب بيع المنابذة، وفي كتاب الاستئذان، باب الجلوس كيفما تيسَّر، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في التلقي، والنسائي في كتاب البيوع، باب بيع المنابذة. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 5941

(٧٠) - (٧٠١) - بَابٌ: لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ (١٥٣) - ٢١٣٧ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ". === (٧٠) - (٧٠١) - (باب: لا يبيع الرجل على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه) (١٥٣) - ٢١٣٧ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني أبو محمد الأنباري، صدوق في نفسه إلا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش ابن معين القول فيه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق). (حدثنا مالك بن أنس) الأصبحي المدني، إمام مشهور، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن نافع) مولى ابن عمر، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من رباعياته، يقال له: سلسلة الذهب، وحكمه: الصحة. (أن رسول الله ﷺ قال: لا يبيع بعضكم) أيها الناس (على بيع بعض) سواء كان مسلمًا أو ذميًا أو مستأمنًا؛ مثاله: أن يقول لمن اشترى من غيره شيئًا في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه، أو أجود منه بثمنه، ونحو ذلك، وهذا حرام، وكذا يحرم الشراء على

стр. 5942

(١٥٤) -٢١٣٨ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، === شراء أخيه؛ وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن، ونحو هذا. وكلاهما ممنوع بهذا الحديث؛ لأن العقد قد تم بينهما، وفي مثله إضرار بأحدهما، وقد فسر الحديث بعضهم - كالقاضي عياض - أن المراد من البيع: السوم على سوم بعض؛ وهو أن يكون المتساومان قد اتفقا على ثمن وركَنا إلى عقد البيع، ويأتي ثالث فيقول للبائع: أنا أشتريه منك، وذلك لا يجوز أيضًا، وسيأتي مصرحًا في حديث أبي هريرة التالي لهذا الحديث، وليس المعنى كما قال القاضي، بل السوم غير البيع. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي عن البيع على بيع أخيه، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٥٤) -٢١٣٨ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا سفيان) بن عيينة.

стр. 5943

عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيه، وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ". === (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب) ثقة متقن، من كبار التابعين، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. (عن النبي ﷺ قال: "لا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه") والمراد من الأخ في الموضعين: المسلم، وبه استدل الأوزاعي وأبو عبيد بن حَرْبَوَيْهِ من الشافعية على أن هذا إنما يحرم مع المسلم، ولا بأس به مع الكافر؛ كما حكى عنهما الحافظ في "الفتح". وأصرحُ منه ما وقع في بعض رواية حديث أبي هريرة عند مسلم: "لا يسم المسلم على سوم أخيه"، ولكن الجمهور على أن الحكم يشمل الذمي والمستأمن أيضًا، وإنما خَرَجَ ذِكْرُ الأخِ أو المسلم مَخْرَجَ الغالب، فلا مفهوم له. وقال في "الدر المختار": وذكر الأخ في الحديث ليس قيدًا، بل لزيادة التنفير، وقال ابن عابدين: قوله: (بل لزيادة التنفير) لأن البيع على البيع يوجب إيحاشًا وإضرارًا، وهو في حق الأخ أشد منعًا. قال في "النهر": كقوله في الغيبة: "ذكرك أخاك بما يكره" إذ لا خفاء في منع غيبة الذمي، وفي رواية مسلم زيادة: "إلا أن يأذن له" أي: إلا أن يأذن البائع الأول للبائع الثاني، فلا بأس على الثاني؛ فإنَّ إذنَ البائعِ الأولِ يدلُّ على أنه قد رضي بفسخ البيع، وحينئذ يجوز العقد للثاني. قال العيني في "عمدة القاري" (٤/ ٤٩٦): وإنما حرم بيع البعض على

стр. 5944

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === بعض؛ لأنه يوغر الصدور ويورث الشحناء، ولهذا لو أذن له في ذلك .. ارتفع الحرج على الأصح. انتهى. "ولا يسوم" -بفتح الياء وضم السين وإثبات الواو- على صيغة الخبر؛ لأنه أجوف واوي؛ كقال يقول، وفي رواية مسلم: "ولا يسم المسلم على سوم أخيه" المسلم بالجزم على صيغة النهي. وصورة السوم على سوم أخيه: أن يمق مالك السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقداه، فيقول آخر للبائع: أنا أشتريها منك بثمن أزيد، وهذا حرام بعد استقرار الثمن الأول بالاتفاق عليه، وأما السوم في السلعة التي تباع لمن يريد .. فليس بحرام. انتهى "نووي". وفي "رد المحتار": وصورة السوم: أن يتراضيا بثمن ويقع الركون به، فيجيء آخر فيدفع للمالك أكثر أو مثله، قال الخيرُ الرَّمْلِيُّ: ويدخل السوم في الإجارة. والحاصل: أن موقع النهي إنما يأتي بعد استقرار الثمن بين البائع والمشتري الأول وبعد ركونهما إلى البيع، أما قبل استقرار الثمن والركون .. فلا يكره أن يسوم الثالث؛ كما لا يكره الخطبة على خطبة أخيه، إذا لم يظهر من المرأة أو وليها المجبر الركون. انتهى من "الكوكب". والحاصل: أن معنى السوم على سوم الأخ: أن يكون الرجل الثاني طالبًا لشراء سلعة تقاربَ انعقادُ البيع عليها بطلبِ الرجل الأول لتلك السلعةِ. انتهى من بعض الهوامش. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سوم أخيه، ومسلم في كتاب النكاح، باب

стр. 5945

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === تحريم الجمع بين المرأة وعمتها ... إلى آخره، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء من النهي عن البيع ... إلى آخره، عن ابن عمر، قال: وفي الباب عن أبي هريرة وسمرة. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 5946

(٧١) - (٧٠٢) - بَابُ مَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنِ النَّجْشِ (١٥٥) - ٢١٣٩ - (١) قَرَأْتُ عَلَى مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيّ، عَنْ مَالِكٍ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو حُذَافَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ النَّجْشِ. === (٧١) - (٧٠٢) - (باب ما جاء في النهي عن النجش) (١٥٥) - ٢١٣٩ - (١) (قرأت على مصعب) وهو بمعنى: أخبرني مصعب (بن عبد الله) بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أبو عبد الله (الزبيري) المدني نزيل بغداد، صدوق عالم بالنسب، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (س ق). (عن مالك) بن أنس الإمام في الفروع. (ح وحدثنا أبو حذافة) أحمد بن إسماعيل بن محمد السهمي سماعه للموطأ صحيح، وخلط في غيره، من العاشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ). يروي عنه: (ق). (حدثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذان السندان من رباعياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات. (أن النبي ﷺ نهى عن النجش) نهي تحريم، قال السندي: النجش: هو أن يمدح السلعة؛ ليروجها أو يزيد في الثمن، ولا يريد شراءها؛ ليضر بذلك غيره. انتهى منه؛ وهو أن يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع بلا رغبة فيها؛ ليغر المشتري بها، بإيقاعه في الزيادة على ثمن المثل، وهو حرام؛ لما فيه من إضرار المشتري. انتهى "كوكب" نقلًا من القسطلاني. قال القرطبي: أصل النجش: الاستشارة والاستخراج، ومنه سمي الصائد

стр. 5947

(١٥٦) - ٢١٤٠ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدٍ، === ناجشًا؛ لاستخراجه الصيد من مكانه، والمراد به في الحديث: النهي عن أن يزيد في ثمن السلعة؛ ليغر غيره، وكأنه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه، فإذا وقع، فمَن رآه لحقِّ الله تعالى .. فَسَخَ، ومَن رآه لحقِّ المشتري .. خيَّرَهُ، فإما رَضِيَ، وإما فَسَخَ. قال أبو عبيد الهروي: أصل النجش: مدح الشيء وإطراؤه، فالناجش يَغُرُّ المشتري بمدحه؛ ليزيد في الثمن. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب النجش، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، والنسائي في كتاب البيوع، باب ما ينهى عنه في المساومة والمبايعة، وأحمد. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال (١٥٦) - ٢١٤٠ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (وسهل بن) زنجلة (أبي سهل) بن أبي الصغدي، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ق). (قالا: حدثنا سفيان) بن عيينة، (عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب بن

стр. 5948

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَنَاجَشُوا". === حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (عن النبي ﷺ قال: لا تناجشوا) أصله: (تتناجشوا) حذفت إحدى التاءين؛ لتوالي الأمثال، وجاء بصيغة التفاعل؛ لأن التُّجَّار يتعارضون فيفعلُ هذا بصاحبه على أن يكافئَهُ بمثل ما فعَلَ، فنُهوا عن أن يفعلوا معارضةً، فضلًا عن أن يفعل بدءًا، والله أعلم. انتهى "سندي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب النكاح، باب لا يخطب الرجل على خطبة أخيه، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وأبو داوود في كتاب البيوع، باب في النهي عن النجش، والترمذي في كتاب البيوع، باب كراهية النجش في البيوع، وأخرجه النسائي في كتاب البيوع، باب النجش. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 5949

(٧٢) - (٧٠٣) - بَابُ النَّهْيِ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ (١٥٧) - ٢١٤١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ". === (٧٢) - (٧٠٣) - (باب النهي) عن (أن يبيع حاضر لبادٍ) * * * (١٥٧) - ٢١٤١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أن رسول الله ﷺ قال: لا يبيع حاضر) أي: ساكن الحاضرة والمدن (لبادٍ) أي: لساكن البادية السلع التي جلبها من البادية؛ بأن يكون الحاضر سمسارًا ودلالًا له، وقد فسر هذا الحديث العلماء بتفسيرين: التفسير الأول: أن يلتزم البائع البلدي ألا يبيع سلعته إلا من أهل البدو طمعًا في الثمن الغالي، وبذالك فسره صاحب "الهداية"، وقيد النهي عنه بأن يكون أهل البلد في قحط وعوز. والتفسير الثاني - وقد اختاره جمهور الفقهاء والمحدثين -: هو أن يقول الحاضر للبادي: لا تبع سلعتك بنفسك، أنا أعلم بذلك منك، فأبيعها لك في السوق، فيصير وكيلًا له في بيع سلعته. والفرق بين التفسيرين: أن الحاضر في التفسير الأول تاجر يبيع سلعة نفسه، والبادي يشتريها منه، وأما في التفسير الثاني .. فالبائع هو البادي، والحاضر وكيل أو سمسار له.

стр. 5950

(١٥٨) - ٢١٤٢ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ === وهذا التفسير الثاني هو الراجح؛ نظرًا إلى لفظ الحديث؛ لأن البيع هنا قد تعدى باللام، وهو في معنى التوكيل أو السمسرة أظهر، ولو كان البادي مشتريًا من الحاضر .. لتعدى بمن، ولأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قد فسره بالسمسرة في الرواية الآتية من حديثه، والله أعلم. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب النهي للبائع أن يحفل الإبل والبقر والغنم وكل محفلة، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم الحاضر للبادي، وابن حبان في "الإحسان" في كتاب البيوع، باب البيع المنهي عنه. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٥٨) - ٢١٤٢ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- صدوق من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا سفيان بن عيينة). (عن أبي الزبير) الأسدي المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ) يروي عنه: (ع). (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.

стр. 5951

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ". === وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (أن النبي ﷺ قال: لا يبيع حاضر لباد، دعوا الناس) أي: اتركوا الناس على تبايع بعضهم من بعض، فلا تدخلوا بين المتبايعين؛ فإنه (يرزق الله بعضهم) كالحاضر (من بعضـ) هم؛ كالبادي الذي قدم بالسلعة؛ أي: لا تكونوا سماسرةً بينهم. قوله: "دعوا الناس" أي: اتركوا الناس أيها السماسرة على نظامهم السوقي، فلا تتدخلوا بينهم ولا تتحكموا عليهم بالتسعير، حالة كونهم "يرزق الله بعضهم من بعض" أي: اتركوهم ليبيعوا طعامهم ومتاعهم فيرتزقوا؛ يعني: أن الله تعالى يرزق المشتري بواسطة البائع ويرزق البائع بواسطة المشتري، فلا يجوز لأحد أن يتدخل في هذا النظام الإلهي ويتحكم فيه بالأسعار. فالحديث يدل على أنَّ الإسلام يعترفُ بنظام السوق وقُوَّتي العَرْضِ والطَّلَب، ويحب أن تسيرَ السوقُ على سيرها الطبيعي، ولا يُحِبُّ أن يتدخَّل فيها رجل؛ كما لا يُحب أن تَحْدثَ في السوق احتكاراتٌ تُسيطرُ على السوقِ وتستبدُّ بالأسعار، وهذا من ميزات النظام الاقتصادي الإسلامي التي تُميِّزُهُ عن الرَّأْسَماليةِ والاشتراكية، ثُمَّ إنَّ أحاديثَ النهي عن بيع الحاضر للبادي تدلُّ على أنَّ الإسلام يَسْتَحْسِنُ ألا تكون بين البائع والمشتري وسائطُ، أو تكون قليلة جدًّا؛ فإنه كلما كثرت الوسائط بين البائع والمشتري .. ازداد الثمن على المستهلِكين، فما يُسمِّيه علماءُ الاقتصادِ اليومَ الرجلَ المتوسطَ .. مما لا يستحسنهُ الإسلامُ، إلا إذا اشتدت الحاجة إليه، فالسمسرةُ وإن كانت جائزة، ولكن الإكثار من الوسائط بين الصانع والمستهلك .. مما لا يُشجِّعُ

стр. 5952

(١٥٩) - ٢١٤٣ - (٣) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، === عليه الإسلام، وإنما يُشجِّع على التقليل منها. انتهى من "التكملة". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء لا يبيع حاضر لبادٍ، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة المذكورُ قبل هذا حديث صحيح، وحديث جابر أيضًا هو حديث حسن صحيح، والعملُ على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرِهم؛ كرهوا أن يبيع حاضر لباد، ورخَّص بعضهم في أن يشتري حاضر لبادٍ، وقال الشافعي: يكره أن يبيع حاضر لبادٍ، وإن باع له .. فالبيعُ جائز. وأخرجه النسائي أيضًا في كتاب البيوع، في باب التلقي، باب بيع الحاضر للبادي، وأحمد، وابن حبان. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٥٩) -٢١٤٣ - (٣) (حدثنا العباس بن عبد العظيم) بن إسماعيل (العنبري) أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 5953

حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُوسٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ: حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُونُ سِمْسَارًا. === (حدثنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) عبد الله (بن طاووس) بن كيسان اليماني أبي محمد، ثقة فاضل عابد، من السادسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبيه) طاووس بن كيسان اليماني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن ابن عباس) ﵄. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) ابن عباس: (نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لبادٍ) قال طاووس: (قلت لابن عباس: ما) معنى (قوله): ﷺ : لا يبيع (حاضر لبادٍ؟ قال) ابن عباس: معناه: (لا يكون) حاضر (سمسارًا) أي: دلالًا لبادٍ. قال السندي: قوله: (لا يبيع حاضر لبادٍ) الحاضر: هو المقيم بالبلدة، والبادي: البدوي؛ وهو أن يبيع الحاضر مال البادي نفعًا له واستثمارًا؛ بأن يكون دلالًا له. انتهى منه. وقوله: (سمسارًا) أي: دلالًا له بالأجرة؛ وهو الذي يدخل بين البائع والمشتري متوسطًا لإمضاء البيع بأخذ الأجرة من الجانبين أو من أحدهما، لا الذي ينادي في الأسواق على ما يبيعه لطلب المزيد؛ كما هو المعروف في بيع المزايدة. انتهى من بعض الهوامش.

стр. 5954

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والسمسار -بكسر السين وسكون الميم- في الأصل: هو القيم بالأمر والحافظ له، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره، ومعناه: أن يبيع له بالأجرة، ومنه استدل البخاري على أن بيع الحاضر للبادي إنما يحرم إذا كان بالأجرة، فأما إذا كان بغير الأجرة .. فلا يكره، والجمهور على عدم جوازه مطلقًا، وأما تفسير ابن عباس .. فمحمول على الغالب؛ فإن الحاضر لا يتولى غالبًا إلا بأجرة، والله أعلم. انتهى من "الكوكب". تتمة تمسك بظاهر هذا الحديث بعض المالكية، فقالوا: إذا كان الجالب من غير أهل البدو .. جاز البيع له؛ بأن يكون من أهل بلد آخر؛ لأن الحديث إنما نهى عن البيع للبادي، فأما غير أهل البداوة .. فلا يحرم البيع لهم. وقال الشافعية والحنابلة: إن الحكم عام لكل جالب غريب، سواء كان من أهل الحضر أو من أهل البدو؛ لأن العلة عدم معرفتهم بسعر البلد، ويستوي فيها أهل الحضر وأهل البدو، وإنما خرج لفظ البادي في الحديث مخرج الغالب؛ فإن الجالب يكون باديًا في الغالب، وليست البداوة قيدًا للحكم. انتهى من "فتح الباري" و"شرح الأبي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري: في كتاب البيوع، باب النهي عن تلقي الركبان، باب هل يبيع حاضر لبادٍ بغير أجر، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الحاضر، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في النهي أن يبيع حاضر لبادٍ، والنسائي في كتاب البيوع، باب التلقي، وأحمد.

стр. 5955

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، والغرض منه: الاستشهاد به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم
следующие страницы →