قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، أثبت الناس في حديث الأعمش، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة، من الثانية، مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن الأشعث بن قيس) بن معدي كرب الكندي أبي محمد الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين (٤١ هـ) وهو ابن ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) الأشعث: (كان بيني وبين رجل من اليهود) لم أر من ذكر اسم الرجل (أرض) باليمن؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم (فجحدني) ذلك اليهودي كون الأرض لي (فقدمته) أي: فرافعت ذلك اليهودي وخاصمته (إلى النبي ﷺ للدعوى عليه، فأخبرت النبي ﷺ خبر ما جرى بيني وبين ذلك الرجل من الخصومة (فقال لي رسول الله ﷺ :
стр. 6372
"هَلْ لَكَ بَيِّنَةٌ؟ "، قُلْتُ: لَا، قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: "احْلِفْ"، قُلْتُ: إِذًا يَحْلِفَ فِيهِ فَيَذْهَبُ بمَالِي، فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا. . .﴾ وإِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
===
هل لك) يا أشعث (بينة؟ ) أي: شهود على أن لك الأرض، فـ (قلت) لرسول الله ﷺ : (لا) بينة لي عليها، فـ (قال) رسول الله ﷺ (لليهودي: احلف) أيها اليهودي على أن الأرض لك لا له.
قال الأشعث: فـ (قلت) لرسول الله ﷺ : (إذًا) أي: إذا أمرته بالحلف على أن الأرض له لا لي .. فهو (يحلف فيه) أي: يحلف عليه؛ ففي بمعنى على؛ أي: يحلف على أن الأرض له لا لي؛ فهو لا يتورع عن اليمين الفاجرة، وكيف نثق ونصدق به في يمينه (فيذهب) أي: يأخذ بيمينه على ذلك (بمالي) أي: بأرضي، وفي رواية مسلم زيادة: (فقال رسول الله ﷺ عند ذلك) أي: عندما قلت له: (إذًا يحلف الرجل) ردعًا وزجرًا وتخويفًا للرجل عن اليمين الفاجرة: (من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر .. لقي الله وهو عليه غضبان).
(فأنزل الله سبحانه) مصداق قول الرسول الله ﷺ آية: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾) أي: يأخذون؛ ففيه استعارة تصريحية تبعية مرشحة (﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾) أي: بحلفهم بما عاهد الله عليهم من التكاليف؛ كأن قال: أقسمت بعهد الله (﴿وَأَيْمَانِهِمْ﴾) من عطف العام على الخاص ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾) أي: عوضًا يسيرًا من الدنيا من غير استحقاق له ... (إلى آخر الآية) من (آل عمران) (١).
стр. 6373
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الخصومات، باب كلام الخصوم بعضهم، ومسلم في كتاب الإيمان، باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، وأبو داوود في كتاب الأقضية، باب إذا كان المدعى عليه ذميًا أيحلف؟ والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في اليمين الفاجرة يقتطع بها مال المسلم.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6374
(٥٥) - (٧٦٥) - بَابُ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَاجِرَةٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالًا
(١٢٧) - ٢٢٨٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَيَّ يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ .. لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
===
(٥٥) - (٧٦٥) - (باب من حلف على يمين فاجرة؛ ليقتطع بها مالًا)
(١٢٧) - ٢٢٨٤ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا وكيع وأبو معاوية، قالا: حدثنا الأعمش، عن شقيق) بن سلمة أبي وائل الأسدي الكوفي.
(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول ﷺ : من حلف على يمين) أي: على محلوف عليه (وهو) أي: والحال أن ذلك الحالف (فيها) أي: في تلك اليمين (فاجر) أي: كاذب متعمد عالم بالتحريم أو جاهل غير معذور، يريد أن (يقتطع) ويأخذ (بها) أي: بتلك اليمين الفاجرة (مال) أو اختصاص (امرئ مسلم) أو امرأة مسلمة، ومثله حق الكافر المعصوم؛ كالذمي والمعاهد والمستأمن .. (لقي الله) ؛ أي: مات يوم مات (وهو) (عليه) أي: على ذلك الحالف (غضبان) أي: ساخط سخطًا يبعده عن رحمته سبحانه، وهو كناية عن تعذيبه وإبعاده عن رحمته.
قال الأبي: قوله: "لقي الله وهو عليه غضبان"، وفي الآخر: "وهو عنه
стр. 6375
(١٢٨) - ٢٢٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ،
===
معرض" قال القاضي عياض: الإعراض والغضب والسخط في الحادث .. عبارة عن تغير الحال؛ لإرادة إيقاع السوء بالغير، وكل منها على الله محال، فالثلاثة كناية عن إرادة الله تعالى تعذيبهم، أو عن تعذيبهم، أو عن ذمهم. انتهى.
وفي الحديث دليل على ندبيةِ وَعْظِ المُقْدِم على اليمين. انتهى "مفهم".
ثُمَّ إن هذه العقوبة لمن اقتطع حق المسلم ومات قبل التوبة، أما من تاب فندم على فعله، ورد الحق إلى صاحبه، أو تحلل منه وعَزَمَ على ألا يعود .. فقد سقط عنه الإثم، والله أعلم.
وقال القاضي عياض: تخصيص المسلم؛ لكونهم المخاطبين وعامة المتعاملين في الشريعة لا أن غير المسلم بخلافه، بل حكمه حكمه في ذلك؛ كما مر آنفًا.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، انظر التخريج السابق، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث أبي أمامة الحارثي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٨) - ٢٢٨٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 6376
عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبٍ، أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَقْتَطِعُ رَجُلٌ حَقَّ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ .. إِلَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ
===
(عن الوليد بن كثير) المخزومي أبي محمد المدني، صدوق عارف بالمغازي، رمي برأي الخوراج، من السادسة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن كعب) بن مالك الأنصاري السلمي -بالفتح- المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م ق).
(أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب) بن مالك الأنصاري المدني، ثقة، من الثالثة، يقال: له رؤية، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(أن أبا أمامة الحارثي) حليفهم إياس بن ثعلبة البلوي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(حدثه) أي: حدث أبو أمامة لعبد الله بن كعب (أنه) أي: أن أبا أمامة (سمع رسول الله ﷺ يقول: لا يقتطع) أي: لا يأخذ (رجل) من المسلمين (حق امرئ مسلم) أي: أو حق امرأة مسلمة؛ أي: ماله أو اختصاصه، ومثل حق المسلم حق الكافر المحترم (بيمينه) الفاجرة .. (إلا حرم الله) (عليه) أي: على ذلك المقتطع (الجنة) أي: دخولها أولًا حتى يعاقب على هذا الذنب إن لم يستحل ذلك الاقتطاع، وإلا .. حرم عليه دخولها أبدًا؛ لكفره باستحلال
стр. 6377
وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا؟ قَالَ: "وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكٍ".
===
ذلك (وأوجب) الله وأثبت (له النار) أي: دخولها بقدر ذنبه، أو دخولها مؤبدًا إن استحله.
(فقال رجل من القوم) الحاضرين عند رسول الله ﷺ -ولم أر من ذكر اسمه-: أأوجب الله له النار (يا رسول الله؛ وإن كان) الذي اقتطعه (شيئًا يسيرًا؟ ) أي: حقًّا قليلًا (قال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: أوجب الله له النار (وإن كان) الذي اقتطعه (سواكًا) أي: غصنًا رطبًا (من أراك) يستاك به.
والأراك -بفتحتين-: شجر من الحمض يستاك به، يجمع على أرك -بضمتين- وعلى أرائك. انتهى "قاموس".
قوله: "لا يقتطع ... " إلى آخره؛ من اقتطع من باب افتعل الخماسي، وعدل إلى التعبير به دون قطع الثلاثي؛ لأنه أخص؛ لإشعاره بالعمد، قال النووي: ولا يختص قطع الحق بكونه ماليًا، فيدخل فيه الاختصاص؛ فلو حلف على جلد ميتة أو على سرجين أو لاعن أو حلف في نكاح أو طلاق وهو مبطل .. تناوله الوعيد المذكور في الحديث.
وقال القاضي: ولا يختص أيضًا بكون الحق لمسلم؛ لأن الحديث خرج مخرج الغالب، فالمسلم وغيره سواء في حرمة قطع حقه، فأما في العقوبة .. فينبغي أن يكون قطع حق الكافر أخف عقوبة، قال الأبي: وكان الشيخ ابن عرفة يختاره ويوجهه بما ثبت من رفع درجة المسلم على الكافر؛ بدليل أنه لا يقتل به وغير ذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الأيْمَان، باب
стр. 6378
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة، والنسائي في كتاب آداب القضاة، باب القضاءِ في قليل الماء وكثيره.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله سبحانه وتالي أعلم
стр. 6379
(٥٦) - (٧٦٦) - بَابُ الْيَمِينِ عِنْدَ مَقَاطِعِ الْحُقُوقِ
(١٢٩) - ٢٢٨٦ - (١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَا: حَدَثَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ،
===
(٥٦) - (٧٦٦) - (باب اليمين عند مقاطع الحقوق)
أي: باب تغليظ اليمين وتأكيدها بالحلف في الأماكن المقدسة التي تقطع الحقوق وتؤكد فيها.
* * *
(١٢٩) - ٢٢٨٦ - (١) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات البجلي القزويني، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري الكوفي، نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا صفوان بن عيسى) الزهري أبو محمد البصري القسام، ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وقيل قبلها بقليل، أو بعدها. يروي عنه: (م عم).
(قالا) أي: قال كل من مروان وصفوان بن عيسى (حدثنا هاشم بن هاشم) بن عتبة بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة، من السادسة،
стр. 6380
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نِسْطَاسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِيَمِينٍ آثِمَةٍ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا .. فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ".
===
مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن نسطاس) -بكسر النون وبالمهملة الساكنة- المدني مولى كندة، وثقه النسائي، من الرابعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي من كبار الصحابة، رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : من حلف بيمين آثمة) أي: فاجرة كاذبة (عند منبري هذا) أي: الموجود الآن في عهدي هذا .. (فليتبوأ) أي: فليتخذ (مقعده) أي: منزله ومقره (من النار) الأخروية (ولو) كان حلفه ثَمَّ (على) شيء تافه قليل القيمة؛ كـ (سواك أخضر) أي: رطب. قال السندي: قوله: "عند منبري هذا" فيه التغليظ في الأيمان بالمكان.
قوله: "على سواك أخضر" لعل التقييد بالأخضر إشعار بأنه لا ينبغي للعاقلين الاختصام على مثل هذا السواك الأخضر. انتهى منه.
قوله: "بيمين آثمة" أي: كاذبة، سميت بها؛ كتسميتها فاجرةً اتساعًا، حيث وصفت بوصف صاحبها؛ أي: ذات إثم.
قوله: "ولو على سواك أخضر" إنما خص الرطب؛ لأنه كثير الوجود لا يباع بالثمن، وهو لا يكون كذلك إلا في مواضع نباته، بخلاف اليابس؛ فإنه قد
стр. 6381
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يحمل من بلد إلى بلد آخر، فيباع، قاله الشوكاني، والحديث دليل على عظمة إثم من حلف على منبره ﷺ كاذبًا.
قال الشوكاني: وقد استدل به على جواز التغليظ على الحالف بمكان معين؛ كالحرم، والمسجد، ومنبره ﷺ ، وبالزمان؛ كبعد العصر، ويوم الجمعة، ونحو ذلك، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور؛ كما حكاه في "الفتح"، وذهبت الحنفية إلى عدم جواز التغليظ بذلك، وعليه دلت ترجمة البخاري؛ فإنه قال في "الصحيح": باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين. انتهى.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك موضع للحاكم، وقد ورد عن جماعة من الصحابة طلب التغليظ على خصومهم في الأيمان بالحلف بين الركن والمقام، وعلى منبره ﷺ ، وورد عن بعضهم الامتناع من الإجابة إلى ذلك، وروي عن بعض الصحابة التحليف على المصحف، وقد قال ابن رسلان: إنهم لم يختلفوا في جواز التغليظ على الذمي، قال الشوكاني: فغاية ما يجوز التغليظ به هو ما ورد في حديث الباب وما يشبهه من التغليظ باللفظ، وأما التغليظ بزمان معين أو مكان معين على أهل الذمة؛ مثل أن يطلب منه أن يحلف في الكنائس أو نحوها .. فلا دليل على ذلك. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأيمان والنذور، باب ما جاء في تعظيم اليمين عند منبر النبي ﷺ .
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 6382
(١٣٠) - ٢٢٨٧ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَزَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ قَالَا: حَدَّثَنَا الضحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ فَرُّوخَ، قَالَ: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى؛ وَهُوَ أَبُو يُونُسَ الْقَوِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٠) -٢٢٨٧ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري المعروف بالكوسج، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(وزيد بن أخزم) -بمعجمتين- الطائي النبهاني أبو طالب البصري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، استشهد في كائنة الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(قالا: حدثنا الضحاك بن مخلد) بن الضحاك بن مسلم الشيباني أبو عاصم النبيل البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الحسن بن يزيد بن فروخ) الضمري.
(قال محمد بن يحيى؛ وهو) أي: الحسن بن يزيد كنيته (أبو يونس القوي) -بفتح القاف وتخفيف الواو- مكي سكن الكوفة، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(قال) الحسن بن يزيد: (سمعت أبا سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 6383
يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحْلِفُ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ عَبْدٌ وَلَا أَمَةٌ عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ رَطْبٍ .. إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ".
===
(يقول: سمعت أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (يقول).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال رسول الله ﷺ : لا يحلف عند هذا المنبر) النبوي (عبد ولا أمة) أي: رجل ولا امرأة (على يمين آثمة) أي: كاذبة فاجرة (ولو) حلف ذلك الشخص (على) شيء حقير تافه ليس له قيمة؛ كـ (سواك رطب) أي: لا تقع منه يمين آثمة في هذا المكان المقدس .. (إلا وجبت) وحَقَّتْ وثَبتَتْ (له النار) الأخروية، جزاءً له على تجرئه في هذا المكان المقدس على يمين فاجرة.
قال السندي: قوله: (وهو أبو يونس القوي) قيل له ذلك؛ لقوته على العبادة، كان يبكي حتى عمي بصره، وصام حتى نَشِفَتْ جثتُه وهَزِلَتْ، وقيل: صلى وطاف حتى أقعد، وكان يطوف في اليوم والليلة سبعين أسبوعًا، فقدر ذلك، فإذا هو ثمانية فراسخ، فتكون مسافة يوم واحد.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا من حديث جابر المذكور قبله.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6384
(٥٧) - (٧٦٧) - بَابٌ: بِمَا يُسْتَحْلَفُ أَهْلُ الْكِتَابِ ؟
(١٣١) - ٢٢٨٨ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ
===
(٥٧) - (٧٦٧) - (باب: بِمَا يُستحلف أهل الكتاب؟ )
(١٣١) -٢٢٨٨ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي -بمعجمة وراء وفاء- الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة (١٠٠ هـ)، وقيل: قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ دعا) وطلب (رجلًا من علماء اليهود) وهو عبد الله بن صوريا؛ أي: طلب منه إقباله وحضوره إليه (فـ) لما حضر وقرب إليه .. (قال) له رسول الله ﷺ : (أنشدك) وأسألك أيها
стр. 6385
بالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى".
===
الرجل حالفًا لك أو مستشفعًا لك (بـ) الإله (الذي أنزل التوراة على موسى) بن عمران عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام، يقال: نشدتك الله، وأنشدتك الله، وأنشدتك بالله، وناشدتك الله، وبالله؛ أي: سألتك وأقسمت عليك، ونشدته نشدةً ونشدانًا ومناشدةً، ويتعدى إلى مفعولين؛ لأنه كدعوت زيدًا وبزيد، كذا في "المجمع". انتهى من "العون".
وقال السندي: قوله: "أنشدك" الظاهر: أنه سؤال لا حلف، لكن كثيرًا ما يذكر مثل هذا الكلام في موضع الحلف، فلذالك ذكره المؤلف هنا.
وفي رواية أبي داوود زيادة: (أهكذا) أي: مثل ما فعلتموه الآن من التحميم والجلد والطواف على البلدة (تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: اللهم؛ لا، ولولا أنك نشدتني بهذا .. لم أخبرك، نجد حدَّ الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الرجل الشريف .. تركناه، وإذا أخذنا الضعيف .. أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا فنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، وتركنا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم؛ إني أنا أول من أحيا أمرك إذ أماتوه، فأمر به فرجم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ. . .﴾ الآيات (١) ذكر الحديث أبو داوود مطولًا، فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين.
стр. 6386
(١٣٢) - ٢٢٨٩ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، أَخْبَرَنَا عَامِرٌ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِيَهُودِيَّيْنِ: "نَشَدْتُكُمَا بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى ﵇".
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث البراء بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٢) - ٢٢٨٩ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مجالد) بن سعيد بن عمير الهمداني الكوفي، ليس بالقوي تغير في آخره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أخبرنا عامر) بن شراحيل الشعبي الكوفي، ثقة فقيه من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه مجالدًا، وهو متفق على ضعفه.
(أن رسول الله ﷺ قال ليهوديين: "نشدتكما بالله الذي أنزل التوراة على موسى ﵇").
стр. 6387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
زاد الطبري في حديث ابن عباس: (ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل، فأتوه برجلين؛ أحدهما شاب، والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر)، ذكره الحافظ في "الفتح". انتهى من "العون".
وفي رواية أبي داوود بالسند المذكور: (قال) جابر: (جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا، قال) النبي ﷺ لهم: (ائتوني بأعلم رجلين منكم، فأتوه بابني صوريا) بصيغة التثنية في الابن وبضم الصاد وسكون الواو (فنشدهما كيف أمر هذين) الزانيين (في التوراة؟ قالا: نجد في التوراة: إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة .. رجما ... ) الحديث.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحدود، باب في رجم اليهود.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ للمشاركة، وسنده ضعيف؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6388
(٥٨) - (٧٦٨) - بَابٌ: الرَّجُلَانِ يَدَّعِيَانِ السِّلْعَةَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ
(١٣٣) -٢٢٩٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِث، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خِلَاسٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(٥٨) - (٧٦٨) - (باب: الرجلان يدعيان السلعة وليس بينهما بينة)
(١٣٣) - ٢٢٩٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، يقال له: خالد الصدق، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، من أثبت الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري، ثقة حافظ، من الرابعة مدلس، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن خلاس) -بكسر أوله وتخفيف اللام- ابن عمرو الهجري -بفتحتين- البصري، ثقة وكان يرسل، من الثانية، وكان على شرطة علي، وقد صح أنه سمع من عمار. يروي عنه (ع).
(عن أبي رافع) نفيع الصائغ المدني نزيل البصرة، ثقة ثبت مشهور من الثانية. يروي عنه (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 6389
أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا دَابَّةً وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ.
===
(أنه) أي: أن أبا هريرة (ذكر أن رجلين) لم أر من ذكر اسمهما (ادعيا دابة) في يد ثالث؛ أي: ادعى كل منهما أنها له (و) الحال أنه (لم يكن بينهما بينة) أي: والحال أنه لم يكن لكل منهما بينة على أنها له (فأمرهما النبي ﷺ أن يستهما) أي: أن يقترعا (على اليمين) أي: على يمين ذي اليد؛ أي: على تعيين من يبدأ صاحب اليد باليمين له منهما على أنها له أو ليست له. انتهى "سندي" بتصرف.
قال الخطابي: معنى الاستهام ها هنا: الاقتراع؛ يريد أنهما يقترعان، فأيهما خرجت له .. حلف وأخذ ما ادعاه.
وروي عن علي رضي الله تعالى عنه ما يشبه هذا، قال حنش بن المعتمر: أتي علي ﵁ ببغل وجد في السوق يباع، فقال رجل: هذا بغلي لم أبع ولم أهب، وأشهد على ما قال بخمسة يشهدون له، قال وجاء رجل آخر يدعيه، يزعم أنه بغله، وجاء بشاهدين، فقال علي رضي الله تعالى عنه: إن فيه قضاءً وصلحًا، وسوف أبين لكم ذلك كله، أما صلحه .. فأن يباع البغل فيقسم ثمنه على سبعة أسهم، لهذا خمسة أسهم، ولهذا سهمان، وإن لم يصطلحا إلا القضاء .. فإنه يحلف أحدهما أنه بغله ما باعه ولا وهبه، فإن تَشَاحَحْتُما فأيكما يحلف .. أقرعت بينكما على الحلف، فأيكما قرع .. حلف، قال حنش: فقضى علي بهذا وأنا شاهد. انتهى، انتهى من "العون".
قال الكرماني: وإنما يفعل الاستهام والاقتراع إذا تساوت درجاتهم في أسباب الاستحقاق؛ مثل أن يكون الشيء في يد اثنين كل منهما يدعي كله،
стр. 6390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيريد أحدهما أن يحلف ويستحق، ويريد الآخر مثل ذلك، فيقرع بينهما، فمن خرجت له .. حلف واستحقه. انتهى.
قال في "شرح المشكاة": صورة المسألة: أن رجلين إذا تداعيا متاعًا في يد ثالث ولم يكن لهما بينة، أو لكل واحد منهما بينة، وقال الثالث: لا أعلم بذلك؛ يعني: أنه لكما، أو لغيركما .. فحكمهما: أن يقرع بين المتداعيين، فأيهما خرجَتْ له القرعةُ .. يحلف معها، ويُقْضَى له بذلك المتاع، وبهذا قال علي بن أبي طالب.
وعند الشافعي يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين، وقال ابن الملك: وبقول على قال أحمد والشافعي في أحد أقواله، وفي قوله الآخر وبه قال أبو حنيفة أيضًا: إنه يجعل بين المتداعيين نصفين مع يمين كل منهما، وفي قول آخر: يترك في يد الثالث. انتهى، انتهى منه.
وقال الشوكاني: لو تنازع رجلان في عين دابة أو غيرها، فادعى كل واحد منهما أنها ملكه دون صاحبه، ولم يكن بينهما بينة، وكانت العين في يديهما .. فكل واحد مدع في نصف، ومدعىً عليه في نصف، أو أقام البينة كل واحد على دعواه .. تساقطتا وصارتا كالعدم، وحكم به الحاكم نصفين بينهما؛ لاستوائهما في اليد، وكذا إذا لم يقيما بينةً، وكذا إذا حلفا أو نكلا. انتهى.
وقيل: صورة الاشتراك في اليمين: أن يتنازع اثنان عينًا ليست في يد واحد منهما، ولا بينة لواحد منهما، فيقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة .. حلف واستحقها، ويؤيده حديث أبي هريرة من طريق أبي رافع، وفي رواية البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف، فيحتمل أن تكون قضية أخرى،
стр. 6391
(١٣٤) - ٢٢٩١ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
===
فيكون القوم المذكورون مدعىً عليهم بعين في أيديهم مثلًا وأنكروا، ولا بينة للمدعى عليهم، فتوجهت عليهم اليمين، فتسارعوا إلى الحلف، والحلف لا يقع معتبرًا إلا بتلقين المحلِّف، فقَطَعَ النزاع بينهم بالقرعة، فمن خرجَتْ له .. بُدِئَ به. انتهى.
وقال البيهقي في بيان معنى الحديث: إن القرعة في أيهما تقدم عند إرادة تحليف القاضي لهما؛ وذلك أنه يحلف واحدًا، ثم يحلف الآخر، فإن لم يحلف الثاني بعد حلف الأول .. قضى بالعين كلها للحالف أولًا، وإن حلف الثاني .. فقد استويا في اليمين، فتكون العين بينهما كما كانت قبل أن يحلفا. انتهى من "العون".
وقد حمل ابن الأثير في "جامع الأصول" الحديث على الاقتراع في المقسوم بعد القسمة، قال الشوكاني: وهذا بعيد، وترده الرواية بلفظ: فليستهما عليها؛ أي: على اليمين.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئًا وليست لهما بينة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أبي موسى رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٤) - ٢٢٩١ - (٢) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى
стр. 6392
وَمُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ وَزُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي مُوسَى
===
وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(ومحمد بن معمر) بن ربعي القيسي البصري البحراني -بالموحدة والمهملة- صدوق، من كبار الحادية عشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(وزهير بن محمد) بن قمير -مصغرًا- المروزي، نزيلُ بغداد ثُمَّ رَابَطَ بطَرْسُوسَ، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالوا: حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف، من التاسعة، مات سنة خمس أو سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد) بن أبي عروبة، وفي بعض النسخ: (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري، والصواب: سعيد.
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه (ع).
(عن سعيد بن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي، ثقة ثبت، وروايته عن ابن عمر مرسلة، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي بردة عامر أبي موسى الأشعري، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمسين، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 6393
أَنَّ رَسُول اللهِ ﷺ اخْتَصَمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ بَيْنَهُمَا دَابَّةٌ وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ، فَجَعَلَهَا بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ.
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ اختصم) وترافع (إليه رجلان) لم أر من ذكر اسمهما (بينهما دابة وليس لواحد منهما) بعينه (بينة) على أنها له، بل لهما بينة أو لا بينة أصلًا، قيل: والدابة في يد غيرهما أو في يديهما حتى لا يترجح أحد الجانبين باليد. انتهى "سندي".
(فجعلها) أي: فجعل رسول الله ﷺ تلك العين مقسومةً (بينهما نصفين) أي: قسَمَهَا بينهما نصفين، قال الخطابي: يشبه أن تكون تلك الدابة كانت في أيديهما معًا، فجعلها النبي ﷺ بينهما لاستوائهما في الملك باليد، ولولا ذلك .. لم يكونا بنفس الدعوى يستحقانها لو كانت في يد غيرهما، قال القاري: أو في يد ثالث غير منازع لهما. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأقضية، باب الرجلين يدعيان شيئًا وليست لهما بينة، والنسائي في كتاب القضاة، باب القضاء فيمن لم تكن له بينة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول منهما للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6394
(٥٩) - (٧٦٩) - بَابُ مَنْ سُرِقَ لَهُ شَيءٌ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ اشْتَرَاهُ
(١٣٥) - ٢٢٩٢ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ
===
(٥٩) - (٧٦٩) - (باب من سرق له شيء فوجده في يد رجل اشتراه)
(١٣٥) - ٢٢٩٢ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي التميمي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حجاج) بن أرطاة -بفتح الهمزة- ابن ثور بن هُبَيرة أبو أرطاة الكوفي القاضي أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن عبيد بن زيد بن عقبة) والصواب: حذف (عبيد) لأنه سعيد بن زيد بن عقبة؛ كما في "التقريب" و"التهذيب"، الفزاري الكوفي، قال أبو حاتم وابن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العجلي: ثقة، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) زيد بن عقبة الفزاري الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري حليف الأنصار الصحابي المشهور
стр. 6395
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا ضاعَ لِلرَّجُلِ مَتَاعٌ أَوْ سُرِقَ لَهُ مَتَاعٌ فَوَجَدَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ يَبِيعُهُ .. فَهُوَ أَحَقُّ بِه، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ".
===
رضي الله تعالى عنه، له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
(قال) سمرة: (قال رسول الله ﷺ : إذا ضاع للرجل) أي: من الرجل وكذا المرأة؛ أي: فُقِدَ منه (متاع أو سُرق له متاع) من عطف الخاص على العام (فوجده) أي: فوجد ذلك المتاع المفقود (في يد رجل يبيعه) وقد اشتراه من غيره .. (فهو) أي: فذلك المالك الذي فقده أولًا ثم وجده في يد إنسان (أحق به) أي: بذلك المتاع؛ أي: مستحق له فيأخذه من يد من يبيعه، (ويرجع المشتري) الذي أخذ المتاع من يده (على) السارق (البائع) له (بالثمن) أي: بثمنه الذي أخذه منه في مقابلة المتاع الذي هو حق للغير.
وعبارة السندي: (فهو) أي: (لمالك (أحق به) أي: بذلك المتاع من صاحب اليد المشتري (ويرجع المشتري) الذي هو صاحب اليد (على البائع بالثمن) إن وجده. انتهى منه.
وهذا الحديث قد انفرد به ابن ماجه، وسنده ضعيف؛ لما مر آنفًا، ولكن له شواهد، وقد أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" في ترجمة زيد بن عقبة الفزاري في رقم (٧/ ١٨٥)، وابن الأعرابي في "معجمه" في رقم (٦٢١)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٥١) في كتاب التفليس، باب العهدة ورجوع المشتري بالدرك.
стр. 6396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شواهد، ضعيف السند؛ لما تقدم، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6397
(٦٠) - (٧٧٠) - بَابُ الْحُكْمِ فِيمَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي
(١٣٦) - ٢٢٩٣ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَهُ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ كَانَتْ ضَارِيَةً
===
(٦٠) - (٧٧٠) - (باب الحكم فيما أفسدت المواشي)
(١٣٦) -٢٢٩٣ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم (المصري) ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري عالمها وفقيهها، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(أن) حرام بن سعد أو ابن ساعدة (بن محيصة الأنصاري) وقد ينسب إلى جده، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(أخبره) أي: أخبر ابن شهاب (عن أبيه) أي: عن جده محيصة بن مسعود الأنصاري الخزرجي الصحابي المعروف ﵁، وفي أكثر النسخ إسقاط: (عن أبيه)، وفي "أبي داوود" التصريح به، فالسند موصول، فلا اعتراض على المؤلف بالانقطاع.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن ناقة) مملوكة (للبراء) بن عازب الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه (كانت ضارية) - بالياء التحتانية المخففة - أي: معتادةً لرعي زرع الناس.
стр. 6398
دَخَلَتْ فِي حَائِطِ قَوْمٍ فَأَفْسَدَتْ فِيه، فَكُلِّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيهَا، فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْأَمْوَالِ عَلَى أَهْلِهَا بِالنَّهَار، وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَوَاشِيهِمْ بِاللَّيْلِ.
===
قال السندي والضارية: هي التي تعتاد رَعْيَ زرعِ الناس، وهي المسماة بالشَّرِسَة؛ والشَّرِسَةُ: هي التي يَصْعُب منْعُها وردُّها عن رعي الزروع.
فـ (دخلت في حائط) أي: في مزارع (قوم) من الأنصار (فأفسدت فيه) أي: في ذلك الحائط بأكل زروعها (فكُلِّم) بالبناء للمجهول، من التكليم (رسول الله ﷺ فيها) أي: في شأن تلك الناقة؛ أي: أُخْبِرَ بإفسادها وأَكْلِها زروعَ الناس (فقضى) رسول الله ﷺ بسببها (أن حفظ الأموال) والزروع مما يفسدها (على أهلها) أي: كائن على أرباب الأموال والزروع ومُلَّاكها (بالنهار) فلا ضمان على أصحاب المواشي ما أتلفته بالنهار.
(و) قضى (على أهل المواشي) وأربابها وملاكها ضمان (ما أصابت) وأتلفت (مواشيهم بالليل) أي: في الليل من زروع الناس؛ لتقصيرهم بترك ردها إلى مراحها في الليل؛ يعني: أن الزروع إن تلفت بالنهار .. فالتقصير على صاحب البستان، فلا ضمان لزرعه على أرباب المواشي، وإن تلفت بالليل .. فالتقصير على أرباب المواشي، فعليهم ضمان ما أتلفته في الليل، وبه قال الجمهور أخذًا بظاهر الحديث، وقيل: إن لم يكن مع المواشي صاحبها .. فلا ضمان عليه لا ليلًا ولا نهارًا؛ لعدم تقصيره؛ لأن التقصير على صاحب الزرع بترك حفظ الزروع. انتهى "سندي" بتصرف.
قال في "شرح السنة": ذهب أهل العلم إلى أن ما أفسدت الماشية بالنهار من مال الغير فلا ضمان على أهلها، وما أفسدته بالليل ضمنه مالكها؛ لأن
стр. 6399
(١٣٧) - ٢٢٩٤ - (٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ،
===
العرف والعادة أن أصحاب الحوائط والبساتين يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يحفظونها بالليل، فمن خالف هذه العادة .. كان خارجًا عن رسوم الحفظ ونظامه، هذا إذا لم يكن صاحب الدابة معها، فإن كان معها .. فعليه ضمان ما أتلفته، سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها أو كانت واقفة، وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو فمها، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن المالك إن لم يكن معها .. فلا ضمان عليه ليلًا كان أو نهارًا. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب المواشي تفسد زروع القوم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم اسشهد المؤلف لحديث محيصة على صورة المتابعة بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٧) - ٢٢٩٤ - (٢) (حدثنا الحسن بن علي بن عفان) العامري أبو محمد الكوفي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة سبعين ومئتين (٢٧٠ هـ). يروي عنه: (ق)، وقيل: إن أبا داوود روى عنه.
(حدثنا معاوية بن هشام) القصار أبو الحسن الكوفي مولى بني أسد، ويقال له: معاوية بن أبي العباس، صدوق له أوهام، من صغار التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 6400
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَرَامِ ابْنِ مُحَيِّصَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ نَاقَةً لآلِ الْبَرَاءِ أَفْسَدَتْ شَيْئًا، فَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِثْلِهِ.
===
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الثوي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عيسى) بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري أبي محمد الكوفي، ثقة فيه تشيع، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري، عن حرام بن) سعد بن (محيصة) بن مسعود الأنصاري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن البراء بن عازب) الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، غرضه: بيان متابعة عبد الله بن عيسى لليث بن سعد في رواية هذا الحديث عن الزهري، فهذه متابعة في الشاهد من حيث السند.
(أن ناقة لآل البراء) بن عازب وقومه (أفسدت) ليلًا من الليالي (شيئًا) من الزرع؛ أي: أتلفته وأكلته وأعدمته (فقضى رسول الله ﷺ على صاحب المواشي بضمان ما أتلفته الناقة وأكلته، وساق عبد الله بن عيسى (بمثله) أي: حديثًا مثل حديث الليث بن سعد، والمثل: هو الحديث اللاحق؛ وهو هنا حديث المتابع - بكسر الباء - الموافق للسابق؛ وهو حديث المتابع -بفتحها- في جميع لفظه ومعناه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وهو شاهد لما قبله؛ لاختلاف الصحابيين جاء على صورة المتابعة؛ لتوافق السندين آخرًا في بعض الرواة.
стр. 6401
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث محيصة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6402
(٦١) - (٧٧١) - بَابُ الْحُكْمِ فِيمَنْ كَسَرَ شَيْئًا
(١٣٨) - ٢٢٩٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ الله، عَنْ قَيْسِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُوَاءَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَخْبِرِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَتْ: أَوَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ
===
(٦١) - (٧٧١) - (باب الحكم فيمن كسر شيئًا)
(١٣٨) - ٢٢٩٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك بن عبد الله) النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن قيس بن وهب) الهمداني الكوفي، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (م د ق).
(عن رجل من بني سواءة) قال في "التقريب": قيس بن وهب عن رجل من بني سواءة عن عائشة مجهول، من الثالثة. يروي عنه: (دق).
(قال) الرجل: (قلت لعائشة): يا أم المؤمنين (أخبريني عن خلق رسول الله ﷺ أي: عن أخلاق رسول الله ﷺ وشمائله؛ لأقتدي به فيها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لجهالة التابعي فيه.
(قالت) لي عائشة في جواب سؤالي: أيها الرجل (أو ما تقرأ القرآن؟ ) والهمزة داخلة على محذوف، والواو عاطفة ما بعدها على ما قبلها؛ تقديره: أتسألني عن أخلاق رسول الله ﷺ ، ولعلك لا تقرأ القرآن،
стр. 6403
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾؟ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَصْحَابِه، فَصَنَعْتُ لَهُ طَعَامًا وَصَنَعَتْ لَهُ حَفْصَةُ طَعَامًا، قَالَتْ: فَسَبَقَتْنِي حَفْصَةُ، فَقُلْتُ لِلْجَارِيَةِ: انْطَلِقِي فَاكْفِئِي قَصْعَتَهَا، فَلَحِقَتْهَا وَقَدْ هَمَّتْ أَنْ تَضَعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
ولو قرأته .. لعلمتها، أوما قرأت قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾؟ ) (١)، ثم (قالت) عائشة لبيان أخلاقه ﷺ : (كان رسول الله ﷺ يومًا في بيتي (مع أصحابه) ضيفًا عنده فأمرني أنا وحفصة بإصلاح الطعام لهم.
(فصنعت) أنا (له) ﷺ (طعامًا) يأكله مع الضيف (وصنعت له) ﷺ (حفصة طعامًا) يأكله مع أصحابه (قالت) عائشة: (فسبقتني حفصة) بتقديم الطعام إليهم، فأخذتني الغيرة بسبقها علَيَّ في تقديم الطعام إليهم (فقلت للجارية) أي: لجاريتي وأمتي: (انطلقي) أي: اذهبي يا جارية إلى مجلس رسول الله ﷺ فإذا وضعت حفصة الطعام عندهم .. (فاكفئي) أي: كُبّي على الأرض (قصعتها) أي قصعةَ حفصة؛ أي: كبي ما فيها من الطعام على الأرض.
قال السندي: قوله: (فاكفئي) أمر للمؤنث من كفأ الثلاثي؛ أي: اقلبي؛ أي: كبي ما في الإناء من الطعام على الأرض؛ حرمانًا لها فضيلة السبق علَيَّ في تقديم الطعام إليهم.
(فلحقتها) أي: لحقت جاريتي حفصة (وقد همت) أي: والحال أن حفصة قد قصدت بـ (أن تضع) القصعة (بين يدي رسول الله ﷺ وقدامه، وفي رواية: (وقد هوت) أي: فلحقت الجارية حفصة،
стр. 6404
فَأَكْفَأَتْهَا، فَانْكَسَرَتِ الْقَصْعَةُ وَانْتَشَرَ الطَّعَامُ قَالَتْ: فَجَمَعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَا فِيهَا مِنَ الطَّعَامِ عَلَى النِّطَع، فَأَكَلُوا، ثُمَّ بَعَثَ بِقَصْعَتِي فَدَفَعَهَا إِلَى حَفْصَةَ فَقَالَ: "خُذُوا ظَرْفًا مَكَانَ ظَرْفِكُمْ، وَكُلُوا مَا
===
والحال أن حفصة قد هوت ومالت وانحنت إلى الأرض (أن تضع) أي: لأن تضع القصعة (بين يدي رسول الله ﷺ أي: قدامه (فأكفأتها) الجارية؛ أي: كَبَّتْ الجاريةُ وقلبت القصعة، فأفرغت على الأرض ما فيها من الطعام.
(فانكسرت القصعة) أي: انكسرت قصعة حفصة (وانتشر الطعام) الذي فيها على الأرض (قالت) عائشة: (فجمعها رسول الله ﷺ أي: جمع القصعة وضم كسرها بعضَها إلى بعض (و) جمع (ما فيها) أي: ما في القصعة (من الطعام) المنتشر على الأرض (على النطع) أي: على الصفرة، والنطع -بكسر النون وفتح الطاء وبفتحتين أو سكون الثاني، وفيه لغات أخر-: هو ما يفرش تحت القصعة عند الأكل؛ وقاية لما سقط من الطعام عند الأكل من إصابة التراب أو الأوساخ له، وتسمى الآن: الصفرة.
(فأكلوا) أي: فأكل الأصحاب الذين كانوا معه الطعام المجموع على النطع (ثم) بعدما أكلوا (بعث) رسول الله ﷺ (بقصعتي) الصحيحة إلى حفصة (فدفعها إلى حفصة) بدل قصعتها التي كسَرَتْهَا الجاريةُ (فقال) رسول الله لحفصة: (خذوا) يا حفصة، جمع الضمير نظرًا إلى أنه بمعنى: يا أهلي؛ أي: خذوا (ظرفًا) صحيحًا (مكان ظرفكم) أي: بدل ظرفكم المكسور.
وقوله: "وكلوا" معطوف على: "خذوا" أي: خذوا يا أهل بيتي - يعني: حفصة - القصعة الصحيحة التي أرسلناها لكم بدل المكسورة (وكلوا ما) بقي
стр. 6405
فِيهَا"، قَالَتْ: فَمَا رَأَيْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(١٣٩) - ٢٢٩٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِث،
===
منا من الطعام (فيها) أي: في القصعة الصحيحة التي أرسلناها لكم.
قال السندي: قوله: "خذوا ظرفًا" لعل القصعتين كانتا في القيمة سواء، أو أنهما كانتا ملكًا لرسول الله ﷺ ، وإنما أراد بما فعل جبرًا للخاطر، فلا يضر التفاوت بينهما (قالت) عائشة: (فما رأيت ذلك) أي: أثر ما فعلت في حضرته من كسر القصعة؛ أي: أثر ذلك من الغضب (في وجه رسول الله ﷺ من تغير اللون من البياض إلى الحمرة، وهذا من كمال حسن خلقه ﷺ الذي يمكن أن يكون معجزةً له، والله أعلم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه".
فدرجته: أنه صحيح المتن بما بعده من حديث أنس المذكور بعده، وسنده ضعيف؛ لما مر انفًا من ضعف التابعي فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٩) - ٢٢٩٦ - (٢) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري.
(حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 6406
حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَرْسَلَتْ أُخْرَى بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ يَدَ الرَّسُولِ فَسَقَطَتِ الْقَصْعَةُ فَانْكَسَرَتْ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِسْرَتَيْنِ فَضَمَّ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا
===
(حدثنا حميد) بن أبي الحميد الطويل يسار أبو عبيدة البصري، ثقة مدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (كان النبي ﷺ عند إحدى أمهات المؤمنين) وهي عائشة (فأرسلت أخرى) منهن؛ هي زينب بنت جحش؛ كما رواه ابن حزم في "المحلى" عن أنس، ووقع قريب من ذلك لعائشة مع أم سلمة؛ كما رواه النسائي عنها وبعض الروايات تدل على أنها حفصة، وبعضها تدل على أنها أم سلمة، وبعضها تدل على أنها صفية، قال الحافظ: وتحرر من ذلك أن المراد بمن أبهم في حديث الباب: هي زينب؛ لمجيء الحديث من مخرجه؛ وهو حميد عن أنس، وما عدا ذلك قصص أخرى لا يليق بمن تحقق أن يقول في مثل هذا، قيل: المرسلة فلانة، وقيل: فلانة من غير تحرر. انتهى من "تحفة الأحوذي".
أي: أرسلت الأخرى (بقصعة) بوزن صحفة وبمعناه (فيها طعام فضربت) صاحبة البيت؛ وهي عائشة؛ كما مرآنفًا (يد الرسول) أي: يد من أرسلت القصعة معه (فسقطت القصعة) من يده (فانكسرت) أي: فانشقت القصعة (فأخذ رسول الله ﷺ الكسرتين) أي: الشقتين من القَصْعةِ المنشقَّةِ (فضم إحداهما) أي: إحدى الكسرتين (إلى الأخرى، فجعل) أي: شرع النبي ﷺ (يجمع فيها) أي: في القصعة المجموعة من
стр. 6407
الطعَامَ وَيَقُولُ: "غَارَتْ أُمُّكُمْ كُلُوا"، فَأَكَلُوا حَتَّى جَاءَتْ بِقَصْعَتِهَا الَّتِي فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الْقَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الرَّسُولِ وَتَرَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْهَا.
===
الكسرتين (الطعام) المنتشر على الأرض (ويقول) لمن عنده: (غارت أمكم) اليوم؛ أي: أخذتها الغيرة والحمية على ضرَائِرِهَا، وقال لمن عنده: (كلوا) هذا الطعام المجموع (فأكلوا).
قال السندي: قوله: "غارت أمكم" اعتذار منه ﷺ ؛ لئلا يحمل صنيعها على ما يذم، بل يجرى على عادة الضرائر من الغيرة؛ فإنها مركبة في النفس بحيث لا يقدر على دفعها.
قال ابن العربي: وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام؛ لما وقع منها من التعدي؛ لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة عليها، فاقتصر على تغريمها القصعة.
قال: وإنما لم يُغرِّمها الطعامَ؛ لأنه كان مهدىً، فإتلافهم له قبول، أو في حكم القبول.
وحتى في قوله: (حتى جاءت بقصعتها التي) هو (في بيتها) بمعنى الفاء العاطفة؛ أي: وأكلوا الطعام المجموع فجاءت بقصعتها الصحيحة بأمر النبي ﷺ لها بالمجيء بها التي هو ﷺ في بيتها ونوبتها؛ وهي عائشة؛ لأنها كسرت القصعة (فدفع) رسول الله ﷺ (القصعة الصحيحة) التي جاءت بها عائشة (إلى الرسول) أي: إلى رسول التي أرسلت الطعام؛ وهي زينب أو غيرها (وترك) رسول الله ﷺ القصعة (المكسورة) وهي قصعة زينب (في بيت التي كسرتها) أي: كسرت المكسورة؛ وهي عائشة.
стр. 6408
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال المنذري: والتي كان رسول الله ﷺ في بيتها عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، والتي أرسلت القصعة إلى النبي ﷺ هي زينب بنت جحش، وقيل: أم سلمة، وقيل: صفية بنت حيي رضوان الله تعالى عليهن. انتهى كلام المنذري.
والمراد هنا: أنها لما رأت حسن الطعام .. غارت، وأخذتها مِثْلُ الرعدة، فكسرت القصعة. انتهى منه.
قال في "السبل": والحديث دليل على أن من استهلك على غيره شيئًا .. كان مضمونًا بمثله، وهو متفق عليه في المثلي من الحبوب وغيرها.
وأما المتقوم .. ففيه ثلاثة أقوال:
الأول للشافعي والكوفيين: أنه يجب فيه المثل حيوانًا كان أو غيره، ولا تعتبر القيمة إلا عند عدمه، والثاني: أن المتقوم يضمن بقيمته، وقال مالك والحنفية: أما ما يكال أو يوزن .. فمثله، وما عدا ذلك من العروض والحيوانات فالقيمة. انتهى منه.
وقال القسطلاني: استشكل هذا بأنه إنما يحكم في الشيء بمثله إذا كان متشابه الأجزاء؛ كالدراهم وسائر المثليات، والقصعة إنما هي من المتقومات؟
والجواب: ما حكاه البيهقي بأن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة؛ بجعل القصعة المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن ذلك على سبيل الحكم على الخصم. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المظالم
стр. 6409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والغصب، باب إذا كسر قصعةً أو شيئًا لغيره، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب فيمن أفسد شيئًا يغرم مثله، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء فيمن يكسر له الشيء ما يحكم له من مال الكاسر، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6410
(٦٢) - (٧٧٢) - بَابُ الرَّجُلِ يَضَعُ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِ جَارِه
(١٤٠) - ٢٢٩٧ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ
===
(٦٢) - (٧٧٢) - (باب الرجل يضع خشبة على جدار جاره)
(١٤٠) -٢٢٩٧ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان بن الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (دق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم الأصبحي المدني، ثقة عالم، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) عبد الرحمن: (سمعت أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه حالة كونه (يبلغ به) أي: يوصل بهذا الحديث (النبي ﷺ ويرفعه إليه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.