عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ بِالْيَمَنِ فِي ثَلَاثَةٍ وَقَعُوا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلَ اثْنَيْنِ فَقَالَ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ فَقَالَا: لَا، ثُمَّ سَأَلَ اثْنَيْنِ فَقَالَ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ؟ فَقَالَا: لَا، فَجَعَلَ كُلَّمَا سَأَلَ
===
(عن عبد خير) بن يزيد (الحضرمي) أبي عمارة الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، لم يصح له صحبة. يروي عنه: (عم).
(عن زيد بن أرقم) بن زيد بن قيس الأنصاري الخزرجي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين، مات سنة ست أو ثمان وستين (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) زيد بن أرقم: (أتي) وجيء (علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه (وهو) أي: والحال أن عليًّا نازل (باليمن) لدعوة الناس إلى الله تعالى ببعث النبي ﷺ إياه لدعوة الناس إلى التوحيد؛ أي: استفتي (في) حكم (ثلاثة) أنفار من أهل اليمن (وقعوا على امرأة) أي: جامعوها (في طهر واحد) فولدت من جماعهم ولدًا، فاختصموا إلى على في ذلك (فسأل) عليٌّ (اثنين) منهم؛ (فقال) لهما: (أتقران لهذا) الثالثِ (بالولد) وتتركانه له ليأخذه؟
(فقالا) أي: قال هذان المسؤلان لعلي: (لا) نقر له الولد ولا نتركه له (ثم سأل) على (اثنَيْنِ) منهم؛ أي: واحدًا من هذين المسؤولين أولًا والثالثَ الباقي (فقال) علي لهما: (أتقران لهذا) الثالث لكما (بالولد) وتتركانه له؟
(فقالا) أي: قال هذان المسؤولان في المرة الثانية لعلي: (لا) نقر بالولد ولا نتركه لهذا الثالث (فجعل) أي: فصار شأنهم أنه (كلما سأل) على
стр. 6442
اثْنَيْنِ: أَتُقِرَّانِ لِهَذَا بِالْوَلَدِ قَالَا: لَا، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالَّذِي أَصَابَتْهُ الْقُرْعَةُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ ثُلُثَيِ الدِّيَة، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ.
===
(اثنين) منهما بقوله: (أتقران لهذا) الثالث (بالولد) وتتركانه له؟ (قالا) أي: قال النفران المسؤولان: (لا) نقر للثالث بالولد ولا نتركه.
(فـ) لما استمرا على عدم إقرار الولد للثالث .. (أقرع) على (بينهم) أي: بين الأنفار الثلاثة جميعًا، فخرجت القرعة لواحد منهم.
وفي رواية أبي داوود زيادة قبل الإقراع؛ وهي: (فقال) علي لهم: (أنتم شركاء متشاكسون) أي: متنازعون في الولد، فـ (إني مقرع بينكم) في هذا الولد (فمن قرع) بالبناء للمفعول؛ أي: فمن خرجت القرعة باسمه .. (فله الولد وعليه) أي: وعلى من خرجت القرعة باسمه (لصاحبيه ثلثا الدية) أي: ثلثا قيمة الأم؛ فإنها انتقلت إليه من يوم وقع عليها بالقيمة؛ لأن الأم أمة، فصارت أم ولد له، ففوت عليهما قيمة ثلثي الأمة.
فلنرجع إلى عبارة ابن ماجه: (وألحق الولد بالذي أصابته القرعة) أي: خرجت له القرعة (وجعل) على (عليه) أي: على الذي أصابته القرعة وألحق الولد به (ثلثي الدية) أي: ثلثي قيمة الأم.
وروى الحميدي هذا الحديث في "مسنده"، فقال في روايته: (فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه).
(فذكر ذلك) الحكم الذي حكم به على بين الأنفار الثلاثة - ولم أر من ذكر اسم الذي أخبر ذلك للنبي ﷺ (للنبي ﷺ ، فضحك) أي: تبسم النبي ﷺ (حتى بدت) وظهرت لمن عنده (نواجذه) ﷺ ؛ أي: أضراسه؛ وهي المسماة أضراس العقل؛
стр. 6443
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أي: ضحك ملء فمه، وفي رواية أبي داوود: (فضحك حتى بدت أضراسه أو) للشك (نواجذه) والأضراس: هي الأسنان سوى الثنايا الأربعة.
والنواجذ من الأسنان: هي الضواحك التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر: أنها أقصى الأسنان.
والمراد: الأول؛ لأنه ما كان به الضحك حتى يبدو آخر أضراسه فورَدَ: (كُلُّ ضحكه التبسمُ)، وإن أريد بها الأواخر لاشتهارها بها .. فوَجْهُه أن يُراد مبالغةُ مِثلِه في ضحكه من غير أن يُراد ظهورُ نواجذه؛ كما في "المجمع".
قال المنذري: في هذا الحديث دليل على أن الولد لا يلحق بأكثر من أب واحد، وفيه إثبات القرعة في أمر الولد وإحقاق القارع.
وللقرعة مواضع غير هذا؛ في العتق، وتساوي البينتين في الشيء يتداعاه اثنان فصاعدًا، وبالخروج بالنساء في الأسفار، وفي قسم المواريث وإفراز الحصص بها، وقد قال بجميع وجوهها نفر من العلماء، ومنهم من قال بها في بعض هذه المواضع، ولم يقل بها في بعض.
وممن قال بظاهر حديث زيد بن أرقم إسحاق ابن راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد، وكان الشافعي يقول به في القديم، وقيل لأحمد في حديث زيد هذا، فقال: حديث القافة أحب إلي.
وقد تكلم بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم، وقد قيل فيه: إنه منسوخ. انتهى، انتهى من "العون".
وقال ذلك البعض: إن في إسناده على رواية أبي داوود .. الأجلح، واسمه يحيى بن عبد الله الكندي، ولا يحتج بحديثه. انتهى.
وقال في "النيل": واعلم: أنه لا معارضة بين حديث العمل بالقافة وحديث
стр. 6444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العمل بالقرعة؛ لأن كل واحد منهما دل على أن ما استعمل عليه طريق شرعي، فأيما حصل .. وقع به الإلحاق، فإن حصلا معًا .. فمع الاتفاق ومع الاختلاف الظاهر أن الاعتبار بالأول منهما؛ لأنه طريق شرعي يثبت به الحكم ولا ينقضه طريق آخر يحصل بعده. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في الطلاق، باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد، والنسائي في كتاب الطلاق، باب القافة، وأحمد في "المسند"، وابن أبي شيبة في "مصنفه" وغيرهم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله تعالى أعلم
стр. 6445
(٦٨) - (٧٧٨) - بَابُ الْقَافَةِ
(١٥٤) - ٢٣١١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ مَسْرُورًا
===
(٦٨) - (٧٧٨) - (باب القافة)
جمع قائف، والقائف: الذي يعرف آثار الأقدام، أو آثار النسب.
* * *
(١٥٤) - ٢٣١١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار) بن نصير -بضم النون- السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (دخل علي) في بيتي (رسول الله ﷺ ذات يوم) أي: يومًا من الأيام، فلفظ: (ذاتَ) مقحم، أو الإضافة فيه للبيان، حالة كونه (مسرورًا) أي: فرحان، وفي رواية مسلم زيادة: (تبرق أسارير وجهه) أي: حالة كونه (تبرق) أي: تضيء وتلمع من السرور والفرح (أسارير) أي: خطوطُ جبهةِ (وجهِه) الشريف، والأسارير: الطرائق الدقيقة، والتكسر اليسير
стр. 6446
وَهُوَ يَقُولُ: "يَا عَائِشَةُ؛ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ
===
الذي يكون في الجبهةِ والوجهِ، والغضونُ أكثر منه، وواحدُ الأسارير أسرار، وواحدها سِر وسَرَر، وأساريرُ جمع الجمع، ويجمع جمعَ القلة على أسرَّةٍ، وهذا عبارة عن انطلاقِ وظهورِ وجهه وظهورِ السُّرور عليه، ويعبر عن خلاف ذالك بالمُقَطَّبِ؛ أي: المجمَّعِ، فكأن الحزن والغضب جمعه وقبضه. انتهى من "المفهم".
(وهو) أي: دخل علي والحال أنه (يقول) لي: (يا عائشة؛ ألم تري) أي: ألم تعلمي (أن مجززًا) - بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاي الأولى وتشديدها - وهو المعروف عند الحفاظ، وكان ابن جريج يقول: مجززًا - بفتح الزاي الأولى - وقيل عنه أيضًا: محرزًا - بحاء مهملة ساكنة وراء مكسورة ثم زاي آخره - والصواب الأول؛ فإنه روي أنه إنما سمي مجززًا؛ لأنه كان إذا أخذ أسيرًا جز ناصيته، وقيل: حلق لحيته وأطلقه، قاله الزبيري.
قال الحافظ: فعلى هذا كان له اسم غير مجزز، لكن لم أر من ذكره. انتهى.
(المدلجي) - بضم الميم وسكون الدال وكسر اللام - أي: المنسوب إلى بني مدلج؛ قبيلة من العرب كانت فيهم القيافة وفي بني أسد، وكانت العرب تعترف لهم بذلك. انتهى من "المفهم"، وهو منسوب إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة. انتهى "نووي".
وقال الأبي: وكان يقال: في العرب علوم ثلاثة: السيافة، والعيافة، والقيافة؛ فالسيافة: شم تراب الأرض، فيعلم بها الاستقامة على الطريق أو الخروج عنها، والعيافة: زجر الطير والطيرة والتفاؤل ونحو ذالك، والقيافة: اعتبار الشبه في إلحاق النسب. انتهى.
والقائف: من يتبع الآثار ويعرفها، ويعرف شبه الرجل بأبيه وأخيه، والجمع
стр. 6447
دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا عَلَيْهِمَا قَطِيفَة قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَقَدْ بَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ".
===
قافة، يقال: فلان يقوف الأثر ويقتافه قيافة؛ مثل قفا الأثر واقتفاه، كذا في "عمدة القاري"، وقال الحافظ: سمي بذلك؛ لأنه يقفو الأثر؛ أي: يتبعها، فكأنه مقلوب من القافي. انتهى.
أي: ألم تري أن مجززًا المدلجي (دخل علي) آنفًا؛ كما في رواية مسلم؛ أي: في زمن قريب (فرأى أسامة) بن زيد (وزيد) بن حارثة الكلبي، والحال أن (عليهما قَطِيفةً قد غطَّيا) وستَرا بها -والقطيفة: كساء غليظ مخطط- (رؤوسَهما وقد بدت أقدامهما) أي: ظهرت من تحت القطيفة أقدامهما، (فقال) مجزز: (إن هذه الأقدام بعضها من بعض) فسُرَّ وفَرِحَ رسولُ الله ﷺ بقوله حتى استنارت أسارير جبهتِه وخطوطِها.
وحاصل القصة: أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة رضي الله تعالى عنه؛ لأنه كان أسود شديد السواد، وكان أبوه زيد أبيض من القطن، فلما أخبر مجزز القائف بأن بينهما شبهًا .. سر النبي ﷺ بذلك؛ لأن الجاهلية كانت تعتمد على قول القائف، فكان قوله زاجرًا لهم عن الطعن في نسبه.
قال الحافظ: وقد أخرج عبد الرزاق من طريق ابن سيرين أن أم أسامة؛ وهي أم أيمن الحبشية مولاة النبي ﷺ كانت سوداء، فلهذا جاء أسامة أسود.
قال عياض: لو صح أن أم أيمن كانت سوداء .. لم ينكروا سواد ابنها أسامة؛ لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود، قلت: يحتمل أنها كانت صافيةً، فجاء أسامة شديد السواد، فوقَعَ الإِنْكَارُ لذالك، كذا في "فتح الباري".
стр. 6448
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وزيد بن حارثة عربي صريح، من كلب، أصابه سباء، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها، فوهبته للنبي ﷺ فتبناه، فكان يدعى زيد ابن محمد، حتى نزل قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١)، فقيل له بعد نزولها: زيد بن حارثة، وابن زيد: أسامة، وأمه: أم أيمن بركة، وكانت تدعى أم الظباء، مولاة عبد الله بن عبد المطلب ودايةُ؛ (أي: حاضنةُ) رسولِ الله ﷺ ، ولم أر لأحد أنها كانت سوداء، إلا ما روي عن ابن سيرين في " تاريخ أحمد بن سعيد"، فإن كان هذا .. فلهذا خرج أسامة أسود، لكن لو كان هذا صحيحًا .. لم ينكر الناس لونه؛ إذ لا ينكر أن يلد الإنسان أسود من سوداء، وقد نسبها الناس، فقالوا: أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان.
وقد ذكر مسلم في الجهاد عن ابن شهاب أن أم أيمن كانت من الحبش وصيفةً لعبد الله بن عبد المطلب والد النبي ﷺ ، ولعل ابن شهاب نسبها إلى الحبشة؛ لأنها من مهاجرة الحبشة، وتزوجها عبيد بن زيد من بني الحارث، فولدت له أيمن، وتزوجها بعده زيد بن حارثة بعد النبوة، فولدت له أسامة، شهدت أحدًا، وكانت تداوي الجرحى، وشهدت خيبر، وتوفيت في أول خلافة عثمان بعشرين يومًا. انتهى من "المفهم".
قال القرطبي: وقد استدل جمهور العلماء على الرجوع إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبي ﷺ بقول هذا القائف، وما كان ﷺ بالذي يسر بالباطل ولا يعجبه، ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة والثوري وإسحاق وأصحابهم، متمسكين بإلغاء النبي ﷺ الشبه
стр. 6449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في حديث اللعان على ما ذكر فيه، وفي حديث سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، وقد انفصل عن هذا الاعتراض بأن إلغاء الشبه في تلك المواضع التي ذكروها إنما هو لمعارض أقوى منه، وهو معدوم هنا، والله أعلم.
ثم اختلف الآخذون بقول القافة هل يؤخذ بذلك في أولاد الحرائر والإماء أو يختص بأولاد الإماء؟ على قولين؛ فالأول: قول الشافعي ومالك في رواية ابن وهب عنه، ومشهور مذهبه قَصْرُهُ على ولد الأمة، وفرق بينهما بأن الواطئ في الاستبراء يستند وطؤه لعقد صحيح، فله شبهة الملك، فيصح إلحاق الولد به إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وطئه، وليس كذلك الوطء في العدة؛ إذ لا عقد إذ لا يصح، وعلى هذا، فليزم من نكح في العدة أن يحد ولا يلحق به الولد؛ إذ لا شبهة له، وليس مشهور مذهبه على هذا، فالأولى ما رواه ابن وهب عنه، وقاله الشافعي، ثم العجب أن هذا الحديث الذي هو الأصل في هذا الباب إنما وقع في الحرائر؛ فإن أسامة وأباه ابنا حرتين، فكيف النسبُ الذي خُرِّج عليه دليلُ الحكم وهو الباعثُ عليه؟ ! هذا ما لا يجوز عند الأصوليين. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المناقب، باب فضائل زيد بن حارثة، ومسلم في كتاب الرضاع، باب العمل بإلحاق القائف بالولد، وأبو داوود في كتاب الطلاق، باب القافة، والنسائي في كتاب الطلاق، باب في القافة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 6450
(١٥٥) - ٢٣١٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
يُوسُفَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، حَدَّثَنَا سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ قُرَيْشًا أَتَوُا امْرَأَةً كَاهِنَةً
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٥٥) - ٢٣١٢ - (٢)) حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي، ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسرائيل) بن يونس بن إسحاق السبيعي الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سماك بن حرب) بن أوس بن خالد الذهلي الكوفي، صدوق، من الرابعة، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم المكي؛ مولى ابن عباس، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذالك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن سماك بن حرب مختلف فيه فيما رواه عن عكرمة.
(أن قريشًا أتوا) أي: جاؤوا في الجاهلية (امرأةً كاهنةً) أي: مخبرةً عن
стр. 6451
فَقَالُوا لَهَا: أَخْبِرِينَا أَشْبَهَنَا أَثَرًا بِصَاحِبِ الْمَقَامِ؟ فَقَالَتْ: إِنْ أَنْتُمْ جَرَرْتُمْ كِسَاءً عَلَى هَذِهِ السِّهْلَةِ ثُمَّ مَشَيْتُمْ عَلَيْهَا .. أَنْبَأْتُكُمْ، قَالَ: فَجَرُّوا كِسَاءً ثُمَّ مَشَى النَّاسُ عَلَيْهَا، فَأَبْصَرَتْ أَثَرَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: هَذَا أَقْرَبُكُمْ إِلَيْهِ شَبَهًا، ثُمَّ مَكَثُوا بَعْدَ ذَالِكَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مَا شَاءَ اللهُ،
===
المغيبات، ولم أر من ذكر اسمها (فقالوا لها) أي: لتلك الكاهنة: (أخبرينا) أيتها الكاهنة (أشبهنا أثرًا) أي: أكثرنا شبهًا أثر قدمه (بـ) أثر قدم (صاحب) هذا (المقام) يعنون مقام إبراهيم الخليل ﵇، (فقالت) الكاهنة لهم: (إن أنتم جررتم كساءً) لكم؛ أي: إن جررتم كساء لكم (على هذه السهلة) والرملة ومسحتموها بالكساء، وجعلتموها مستوية؛ بحيث لا يكون فيها ارتفاع بعضها وانخفاض البعض الآخر منها (ثم مشيتم) بأقدامكم (عليها) على السيرة والترتيب .. (أنبأتكم) ذلك؛ أي: أخبرتكم بأكثركم شبهًا قدمه بقدم صاحب هذا المقام.
(قال) ابن عباس: (فجروا) أي: جر جمع من قريش (كساء) لهم على تلك السهلة والرملة؛ لتكون مستوية، والكساء: ثوب غليظ من صوف له خطوط تلبسه الأعراب (ثم مشى الناس) منهم (عليها) أي: على تلك السهلة التي سويت بجر الكساء عليها، وفيهم رسول الله ﷺ (فأبصرت) المرأة، أي: رأت (أثر) قدم (رسول الله ﷺ على تلك السهلة (فقالت) المرأة لهم: (هذا) الأثر، أي: قدم صاحب هذا الأثر (أقربكم إليه) إلى صاحب المقام (شبهًا) أي: أقرب أقدامكم إلى صاحب هذا المقام شبهًا.
قال ابن عباس: (ثم مكثوا) أي: مكث الناس (بعد ذلك) أي: بعد إخبار الكاهنة (عشرين سنة أو) قال ابن عباس: ثم مكثوا بعد ذلك (ما شاء الله)
стр. 6452
ثُمَّ بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ .
===
من الزمن والشك من عكرمة (ثم) بعد مضي تلك المدة (بعث الله) (محمدًا ﷺ أي: أرسله بدعوة الناس إلى التوحيد.
قال السندي: والمراد بصاحب المقام: إبراهيم ﵇، والمراد: أنه أكثر اتباعًا لإبراهيم لا أنتم يا معشر قريش.
قوله: (على هذه السهلة) هي الرمل الخشن المختلط بالدقاق الناعم، كذا ذكره السيوطي. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح بما قبله، وإن كان سنده حسنًا؛ لما تقدم، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6453
(٦٩) - (٧٧٩) - بَابُ تَخْيِيرِ الصَّبِيِّ بَيْنَ أَبَوَيْهِ
(١٥٦) - ٢٣١٣ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(٦٩) - (٧٧٩) - (باب تخيير الصبي بين أبويه) إذا افترقا بالطلاق
* * *
(١٥٦) - ٢٣١٣ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد) بن عبد الرحمن الخراساني، نزيل مكة ثم اليمن، ثقة ثبت، قال ابن عيينة: كان أثبت أصحاب الزهري، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن هلال بن أبي ميمونة) عليِّ بن أسامة العامري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنةَ بضعَ عشرةَ ومئةٍ (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي ميمونة) اسمه أسامة، وقيل: اسمه سُليم؛ كما في "الترمذي"، وقيل: سليمان، وقيل سَلْمى؛ كما في "التقريب"، وقال في "تهذيب التهذيب": قيل: إنه والد هلال بن أبي ميمونة ولا يصح. روى عن: أبي هريرة وغيره، ويروي عنه: هلال بن أبي ميمونة وغيره. انتهى "تحفة الأحوذي".
المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عن: أبي هريرة، ويروي عنه: (عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 6454
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَقَالَ: "يَا غُلَامُ؛ هَذِهِ أُمُّكَ وَهَذَا أَبُوكَ".
===
(أن النبي ﷺ خير غلامًا) قال القاري: أي: ولدًا بلغ سن البلوغ، وتسميته غلامًا باعتبار ما كان؛ كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ (١)، وقيل: غلامًا مميزًا. انتهى.
قلت: الظاهر أن المراد بالغلام: المميز. انتهى "تحفة الأحوذي".
(بين أبيه وأمه) قال القاري: وهو مذهب الشافعي، وأما عندنا .. فالولد إذا صار مستغنيًا؛ بأن يأكل وحده ويشرب وحده ويليس وحده، قيل: ويستنجي وحده .. فالأب أحق به، وقدَّر الخَصَّاف الاستغناءَ بسبع سنين، وعليه الفتوى.
قال ابن الهمام: إذا بلغ الغلام السن الذي يكون الأب أحقَّ به؛ كسبع مثلًا .. أخذه الأب، ولا يتوقف على اختيار الغلام ذالك، وعند الشافعي يخير الغلام في سبع أو ثمان، وعند أحمد وإسحاق يخير في سبع؛ لهذا الحديث. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
(وقال) النبي ﷺ في تخييره: (يا غلام؛ هذه أمك وهذا أبوك) فاختر أيهما شئت؛ كما في رواية الترمذي، ومن أنكر تخيير الولد يرى أن تخيير النبي ﷺ لهذا الولد مخصوص بهذا الولد؛ ضرورة أن الصغير لا يهتدي لنفسه إلى الصواب، والهداية من الله تعالى للصواب لغير هذا الولد غير لازمة، بخلاف هذا الولد؛ فقد وفق للخير بدعائه ﷺ ؛ كما سيأتي في الحديث الآتي. انتهى من "السندي" بتصرف.
قال الخطابي في "المعالم": هذا التخيير في الغلام الذي قد عقل واستغنى عن الحضانة وإذا كان كذالك .. خير بين والديه، وقد اختلف العلماء في ذالك:
стр. 6455
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال الشافعي: إذا صار ابن سبع سنين أو ثماني سنين .. خير، وبه قال إسحاق.
وقال أحمد: يخير إذا كبر، وقال أصحاب الرأي وسفيان الثوري: الأم أحق بالغلام حتى يأكل وحده ويلبس وحده، وبالجارية حتى تحيض، ثم الأب أحق الوالدين، وقال مالك: الأم أحق بالجواري هان حِضْنَ حتى ينكِحْنَ، وأما الغلمان .. فهو أحق بهم حتى يحتلموا.
قال الخطابي: يشبه أن يكون من ترك التخيير وصار إلى أن الأب أحق بالولد إذا استغنى عن الحضانة .. إنما ذهب إلى أن الأم إنما حظها الحضانة؛ لأنها أرفق بذلك وأحسن تأتيًا له، فإذا جاوز الولد حد الحضانة .. فإنه يحتاج إلى الأدبِ والمعاشِ، والأبُ أبصر بأسبابهما وأوقى من الأم، ولو تُرك الصبيُّ واختيارَه .. لَمال إلى البطالة واللعبِ، قال: وإن صح الحديث .. فلا مَذْهَبَ عنه. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه مختصرًا ومطولًا.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وذكر أن أبا ميمونة اسمه سليم، وقال غيره: اسمه سلمان، ووقع في أصل سماعنا سلمى؛ كما ذكرنا آنفًا. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب من أحق بالولد، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 6456
(١٥٧) -٢٣١٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث رافع بن سنان الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٧) -٢٣١٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري، وهو الذي يقال له: (ابن علية) اسم أمه الأسدية أيضًا، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عثمان) بن مسلم (البتي) - بفتح الموحدة وتشديد المثناة المكسورة - أبي عمرو البصري، ويقال: اسم أبيه سليمان، صدوق عابوا عليه الإفتاء بالرأي، من الخامسة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عبد الحميد بن سلمة) الصواب - كما في رواية أبي داوود والنسائي -: (عن عبد الحميد بن جعفر) بن عبد الله بن رافع الأنصاري الأوسي، صدوق رمي بالقدر وربما وهم، من السادسة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) جعفر بن عبد الله بن رافع الأنصاري، والد عبد الحميد، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن جده) أي: روى أبوه جعفر عن جده، فالضمير في جده عائد إلى أبيه؛ أي: عن جد جعفر رافع بن سنان الأنصاري الأوسي أبي الحكم المدني الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديث مختلف في إسناده. يروي عنه: (دس ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 6457
أَنَّ أَبَوَيْهِ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ أَحَدُهُمَا كَافِرٌ وَالْآخَرُ مُسْلِم، فَخَيَّرَه فَتَوَجَّهَ إِلَى الْكَافِرِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ؛ اهْدِه"، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْمُسْلِمِ فَقَضَى لَهُ بِهِ.
===
(أن أبويه) أي: أن أبوي الجد وهما سنان وزوجته (اختصما) أي: ترافعا (إلى النبي ﷺ ؛ أحدهما) أي: أحد الأبوين (كافر) وهو المرأة، ولم أر من ذكر اسمها (والآخر مسلم) وهو سنان، وبينهما ابن صغير لم يبلغ، فأجلس النبي ﷺ الولد بينهما؛ الأب ها هنا والأم ها هنا (فخيره) أي: فخير النبي ﷺ الولد بينهما (فتوجه) الولد؛ أي: استقبل بوجهه (إلى الكافر) منهما؛ ليكون معه فدعا النبي ﷺ للولد التوفيق (فقال) النبي ﷺ في الدعاء له: (اللهم؛ اهده) أي: أرشد هذا الولد إلى ما هو سبب في هدايته (فتوجه) الولد (إلى المسلم) منهما وهو الأب (فقضى) النبي ﷺ (له) أي: للمسلم (به) أي: بذلك الولد؛ أي: بأخذه؛ ليكون معه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطلاق، باب إذا أسلم أحد الزوجين، والنسائي في كتاب الطلاق كلاهما عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن جده رافع بن سنان أنه أسلم وامرأتُهُ أَبَتْ أن تُسْلِمَ، فجاء بابن له صغيرٍ لم يبلغ، فأجلس النبي ﷺ الأبَ ها هنا والأم ها هنا، ثم خيره، وقال: "اللهم؛ اهده"، فذهب إلى أبيه. رواه أحمد والنسائي بهذا اللفظ.
وأما أبو داوود .. فرواه بهذا السند بلفظ: عن عبد الحميد بن جعفر قال: أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم، وأبت امرأتُهُ أن تُسْلِمَ، فأتت النبيَّ ﷺ ، فقالت: ابنتي وهي فطيمٌ أو شِبْهَه، وقال رافع: ابنتي،
стр. 6458
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: رسول الله ﷺ : "اُقْعُدْ ناحيةً"، وقال لها: "اقعدي ناحيةً"، فأُقعدت الصبية بينهما، ثم قال: "ادعوها"، فمالت إلى أمها، فقال النبي ﷺ : "اللهم؛ اهدها"، فمالت إلى أبيها فأخذها. رواه أحمد وأبو داوود، وعبدُ الحميد هذا هو عبدُ الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري. انتهى من "تحفة الأحوذي".
فالحديث واحد، ولكن اختلفت الروايتان بأن الولد ابنٌ أو بنتٌ.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
قال الخطابي: وفي هذا الحديث بيان أن الولد الصغير إذا كان بين المسلم والكافر .. فإن المسلم أحق به، وإلى هذا ذهب الشافعي، وقال أصحاب الرأي في الزوجين يفترقان بطلاق والزوجة ذمية: إن الأم أحق بولدها ما لم تتزوج، ولا فرق في ذالك بين المسلمة والذمية. انتهى من "العون".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله سبحان وتعالى أعلم
стр. 6459
(٧٠) - (٧٨٠) - بَابُ الصُّلْحِ
(١٥٨) - ٢٣١٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِين
===
(٧٠) - (٧٨٠) - (باب الصلح)
(١٥٨) - ٢٣١٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد) القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف) المزني المدني، ضعيف أفرط من نسبه إلى الكذب، من السابعة. يروي عنه: (دت ق).
(عن أبيه) عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد المزني المدني والد كثير، مقبول، من الثالثة. يروي عنه (دت ق).
(عن جده) عمرو بن عوف بن زيد بن مِلْحَة - بكسر أوله وحاء مهملة - أبي عبد الله المزني الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، مات في ولاية معاوية. يروي عنه: (دت ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه كثير بن عبد الله، وهو متفق على ضعفه.
(قال) عمرو بن عوف: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: الصلح جائز بين المسلمين) خصهم بالذكر لا لإخراج غيرهم، بل لدخولهم في ذالك دخولًا أوليًا اهتمامًا بشأنهم.
стр. 6460
إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا".
===
والصلح لغةً: قطع المنازعة بين اثنين فأكثر، وشرعًا: عقد يحصل به قطعها. انتهى "ب ج".
(إلا صلحًا حرم حلالًا) كأن يصالح امرأته على ألا يطأ جاريته (أو أحل حرامًا) كأن يصالح من درهم على أكثر منها؛ فإنه لا يحل للربا. انتهى "سندي".
وعبارة "التحفة": قوله: (إلا صلحًا حرم حلالًا) كمصالحة الزوجة للزوج على ألا يطلقها، أو ألا يتزوج عليها، أو على ألا يبيت عند ضرتها (أو) صلحًا (أحل حرامًا) كالصلح على أكل مال لا يحل أكله؛ كمال اليتيم ونحو ذالك.
وزاد الترمذي في روايته: (والمسلمون على شروطهم) أي: ثابتون عليها لا يرجعون عنها (إلا شرطًا حرم حلالًا) فهو باطل؛ كأن يشترط ألا يطأ أمته أو زوجته أو نحو ذالك (أو أحل حرامًا) كأن يشترط نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه ابن ماجه وأبو داوود، وانتهت روايته عند قوله: (شروطهم).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي وصححه، وفي تصحيح الترمذي هذا الحديث نظر؛ لأن في إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، وهو ضعيف جدًّا، قال فيه الشافعي وأبو داوود: هو ركن من أركان الكذب، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد، وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه، قال الذهبي: أما الترمذي .. فروى من حديثه: (الصلح جائز بين المسلمين)، وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه، وقال ابن كثير في "إرشاده": قد نوقش أبو عيسى - يعني: الترمذي - في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله. انتهى.
стр. 6461
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واعتذر له الحافظ، فقال: اعتبر بكثرة طرقه، كذا قال الشوكاني في "النيل"، وذكر فيه طرقه، وقال بعد ذكرها: لا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فاقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه الطرق واتفقت حسنًا. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
قلت: فهذا الحديث درجته: أنه حسن، وسنده ضعيف، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6462
(٧١) - (٧٨١) - بَابُ الْحَجْرِ عَلَى مَنْ يُفْسِدُ مَالَهُ
===
(٧١) - (٧٨١) - (باب الحجر على من يفسد ماله)
والحجر - بفتح الحاء وسكون الجيم - لغةً: المنع، ومنه سمي العقل حِجرًا؛ لمنعه صاحبه من ارتكاب ما لا يليق، وهذا معنى الحجر بفتح الحاء.
وأما الحجر بكسرها .. فيطلق على الفرس، وعلى حجر إسماعيل، وعلى العقل، وعلى حجر ثمود، وعلى المنع، وعلى الكذب، وعلى حجر الثوب، ونظمها بعضهم في قوله:
ركبت حجرًا وطفت البيت خلف الحجر ... وحزت حجرًا عظيمًا ما دخلت الحجر
لله حجر منعني من دخول الحجر ... ما قلت حجرًا ولو أعطيت ملء الحجر
فقوله: (ركبت حجرًا) أي: فرسًا (وطفت البيت خلف الحجر) أي: حجر إسماعيل ﵇ (وحزت حجرًا عظيمًا) أي: عقلًا (ما دخلت الحجر) أي: حجر ثمود (لله حجر) أي: منع (منعني من دخول الحجر) أي: حجر ثمود، فهو مكرر مع ما سبق (ما قلت حجرًا) أي: كذبًا (ولو أعطيت ملء الحجر) أي: حجر الثوب.
وشرعًا: منع التصرف في المال.
وجملة من يحجر عليه: ثمانية، نظمها بعضهم، فقال:
ثمانية لم يشمل الحجر غيرهم ... تضمنهم بيت وفيه محاسن
صبي ومجنون سفيه ومفلس ... رقيق ومرتد مريض وراهن
وفي قوله: (لم يشمل الحجر غيرهم) نظر؛ لأنَّ أنواعَ الحجر كثيرة، أنهاها
стр. 6463
(١٥٩) - ٢٣١٦ - (١) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك أَنَّ رَجُلًا
===
بعضهم إلى نحو السبعين، بل قال الأذرعي: إن هذا الباب واسع جدًّا لا تنحصر أفراد مسائله. انتهى "ب ج".
* * *
(١٥٩) - ٢٣١٦ - (١) (حدثنا أزهر بن مروان) الرقاشي - بتخفيف القاف والشين المعجمة - النَوَّاءُ - بنون وواو مشددة - لقبه فريخ - بالخاء المعجمة مصغرًا - صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رجلًا) اسمه حبان - بفتح الحاء المهملة والموحدة المشددة - ابن منقذ بن عمرو الأنصاري، وقيل: بل هو والده منقذ بن عمرو، وكان قد بلغ مئة وثلاثين سنة، وكان قد شج في بعض مغازيه مع النبي ﷺ في بعض الحصون بحجر، فأصابته في رأسه مأمومة، فتغير بها لسانه وعقله، لكن لم يخرج عن التمييز، قاله النووي. انتهى من "العون".
стр. 6464
كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي عُقْدَتِهِ ضعْفٌ وَكَانَ يُبَايِعُ، وَأَنَّ أَهْلَهُ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ احْجُرْ عَلَيْهِ، فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي لَا أَصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، فَقَالَ: "إِذَا بَايَعْتَ .. فَقُلْ: هَا وَلَا خِلَابَةَ".
===
أي: أن رجلًا من الأنصار (كان في عهد رسول الله ﷺ في عقدته) - بضم فسكون - أي: في رأيه ونظره في مصالح نفسه وعقله (ضعف) أي: كان ضعيف النظر والرأي (وكان) ذلك الرجل (يبايع) مع الناس؛ أي: يعامل معاملة البيع والشراء (وأن أهله) أي: أقاربه (أتوا النبي ﷺ أي: جاؤوه (فقالوا) له ﷺ : (يا رسول الله؛ احجر) بتقديم المهملة على الجيم (عليه) أي: على هذا الرجل الضعيف العقل؛ أمر من الحجر؛ وهو المنع من التصرف، ومنه حجر القاضي على الصغير والسفيه؛ إذا منعهما من التصرف في مالهما. انتهى "نهاية".
أي: امنعه من المعاملة مع الناس؛ لأنه ضعيف الرأي والفكر (فدعاه) أي: فدعا ذلك الرجل (النبي ﷺ فنهاه) النبي ﷺ (عن ذلك) أي: عن المبايعة مع الناس، (فقال) الرجل: (يا رسول الله؛ إني لا أصبر عن) معاملة (البيع، فقال) له رسول الله ﷺ : (إذا بايعت) أي: عاملت معاملة البيع مع الناس .. (فقل) لمن بايعت معه: (ها) بالقصر في رواية المؤلف؛ أي: خذ هذا المبيع، وهات الثمن؛ أي: أعطه (ولا خلابة) - بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام - أي: لا خديعة ولا لنفي الجنس؛ أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين النصيحة.
قال النووي: واختلف العلماء في هذا الحديث: فجعله بعضهم خاصًا في حقه، وأن المغابنة بين المتبايعين لازمة، لا خيار للمغبون بسببها، سواء قلت أو كثرت،
стр. 6465
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وآخرين، وهي أصح الروايتين عن مالك.
وقال البغداديون من المالكية: للمغبون الخيار لهذا الحديث، بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة، فإن كان دونه .. فلا.
والصحيح الأول؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أثبت له الخيار، وإنما قال له: "قل: لا خلابة"، ولا يلزم من هذا ثبوت الخيار، ولأنه لو ثبت أو أثبت له الخيار .. كانت قضية عين لا عموم لها، فلا ينفذ منه إلى غيره إلا بدليل. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وقال التوربشتي: لقنه النبي ﷺ هذا القول؛ يعني قوله: "لا خلابة" ليتلفظ به عند البيع؛ ليطلع به صاحبه على أنه ليس من أهل البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة؛ ليرى له كما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك العهدِ أَحِقَّاءَ لا يغبنون أخاهم المسلمَ، وكانوا ينظرون له كما ينظرون لأنفسهم. انتهى.
واستعماله في الشرع عبارة عن اشتراط خيار الثلاث، وقد زاد بعضهم في هذا الحديث بإسناد حسن: (ثم أنتَ بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال).
واستدل به أحمد؛ لأنه يَرُدُّ بالغبنِ الفاحشِ لمن لم يعرف قيمةَ السلعة، وحدَّهُ بعضُ الحنابلة بثُلُث القيمة، وقيل: بسُدسها.
وأجاب الشافعية والحنفية والجمهور بأنها واقعة عين وحكاية حالة، فلا يصح دعوى العموم عند أحد، كذا في "إرشاد الساري".
قال في "النيل": قوله: "ولا خلابة" اختلف العلماء في هذا الشرط هل كان خاصًّا بهذا الرجل أم كان يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع؟
стр. 6466
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأجيب بأن النبي ﷺ إنما جعل لهذا الرجل الخيار؛ للضعف الذي كان في عقله؛ كما في حديث أنس، فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك، بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كان إذا غبن .. يشهد رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا، فيرجع في ذلك.
وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ولم يقل هذه المقالة، وهذا مذهب الجمهور، وهو الحق. انتهى ملخصًا.
قوله: فقل (ها) بالقصر، وفي رواية الترمذي وأبي داوود: (هاء هاء) مرتين بالمد وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون.
قال في "المجمع": هو أن يقول كل من البيعين: (ها) فيعطيه ما في يده؛ كحديث: "إلا يدًا بيد"، وقيل: معناه: (هاك وهات) أي: خذ وأعط. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في الرجل يقول عند البيع: لا خلابة، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء فيمن يخدع في البيع، قال أبو عيسى: وفي الباب عن ابن عمر، وحديث أنس حديث حسن صحيح غريب، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث محمد بن يحيى بن حبان عن جده منقذ بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 6467
(١٦٠) - ٢٣١٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانٍ قَالَ: هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عَمْرٍو وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَصَابَتْهُ آمَّةٌ فِي رَأْسِهِ فَكَسَرَتْ لِسَانَهُ، وَكَانَ لَا يَدَعُ عَلَى ذَلِكَ
===
(١٦٠) -٢٣١٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي البصري، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ) يروي عنه (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم، ثقة إمام المغازي، ولا يصح قول من قال: إنه مدلس ضعيف؛ كما في "التهذيب"، من الخامسة.
مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن يحيى بن حبان) - بفتح الحاء المهملة والباء المشددة - ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) محمد بن يحيى: (هو) أي: الشأن، وهو مبتدأ أول (جدي) مبتدأ ثان (منقذ بن عمرو) خبر للمبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول، وجملة الأول مقول محكي لقال، وجملة قوله: (وكان رجلًا) معطوفة على جملة المبتدأ الأول، على كونها مقولًا لقال؛ أي: وكان جدي منقذ بن عمرو الأنصاري الأوسي المدني (قد أصابته) جراحة (آمة) - بتشديد الميم - أي: واصلة إلى أم الرأس والدماغ (في رأسه، فكسرت) أي: شلت تلك الجراحة (لسانه، وكان) جدي (لا يدع) ولا يترك (على ذلك) أي: مع ذلك؛ أي: مع إصابة تلك الجراحة التي
стр. 6468
التِّجَارَةَ وَكَانَ لَا يَزَالُ يُغْبَنُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: "إِذَا أَنْتَ بَايَعْتَ .. فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثُمَّ أَنْتَ فِي كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَهَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ؛ فَإِنْ رَضِيتَ .. فَأَمْسِكْ، وِإنْ سَخِطْتَ .. فَارْدُدْهَا عَلَى صَاحِبِهَا".
===
نقصت عقله (التجارة) أي: تقليب المال بالتبايع؛ لغرض الربح.
(وكان) جدي (لا يزال يغبن) ويخاع في تجارته (فأتى) جدي (النبي ﷺ ، فذكر ذلك) أي: خداعه في البيع (له) ﷺ (فقال) ﷺ (له) أي: لجدي: (إذا أنت بايعت) الناس .. (فقل) لمن بايعته: (لا خلابة) ولا خديعة في الدين (ثم) بعدما قلت ذلك؛ أي: لا خلابة (أنت في كل سلعة ابتعتها) أو اشتريتها (بالخيار ثلاث ليال) بين ردها إلى صاحبها بالفسخ أو تركها لك (فإن رضيت) تلك السلعة مع الغبن .. (فأمسك) لنفسك ولا تردها (وإن سخطتـ) ها ولم ترضها لنفسك .. (فارددها على صاحبها) وخذ ثمنك منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6469
(٧٢) - (٧٨٢) - بَابُ تَفْلِيسِ الْمُعْدِمِ وَالْبَيْعِ عَلَيْهِ لِغُرَمَائِهِ
(١٦١) - ٢٣١٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
(٧٢) - (٧٨٢) - (باب تفليس المعدِم والبيع عليه لغرمائه)
والتفليس لغةً: النداء على المفلس بصفة الإفلاس؛ ليحذر الناس معاملته.
وشرعًا: الحجر على من عليه دين حال لا يفي به ماله، والحجر عليه بطلب الغرماء، أو المفلس إن استقل، أو على وليه إن لم يستقل.
و(المعدِم) - بكسر الدال -: هو المفلس.
والمفلس لغةً: من صار ماله فلوسًا؛ أي: جددًا جمع فلس؛ أي: جديد؛ وهي قطع من النحاس كانت معروفةً؛ وهي المسماة بالهللة عند السعوديين، ثم كني الإفلاس عن قلة المال أو عدمه.
وشرعًا: الشخص الذي ارتكبته الديون ولا يفي ماله بدينه أو ديونه.
والكلام فيه مبسوط في الفروع، فراجعه.
(و) في (البيع) لماله قهرًا (عليه لـ) قضاء دين (غرمائه) عنه. انتهى "ب ج".
* * *
(١٦١) - ٢٣١٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شبابة) بن سوار المدائني، أصله من خراسان، قيل: اسمه مروان الفزاري مولاهم، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقة، من
стр. 6470
عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَشَجِّ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ للهِ ﷺ
===
السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بكير بن عبد الله بن الأشج) المخزومي مولاهم المدني نزيل مصر، ثقة، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عياض بن عبد الله بن سعد) بن أبي سرح - بفتح المهملة وسكون الراء - القرشي العامري المكي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو سعيد: (أصيب رجل) من المسلمين (في عهد رسول الله ﷺ أي: في زمان حياته النيرة المنيرة عند أهل الحق والإيمان، قال القرطبي، وكذا النووي والأبي: هو معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وكان غرماؤه يهود، فكلمهم النبي ﷺ في أن يخففوا عنه، أو ينظروه، فحكم النبي ﷺ بما ذكر في الحديث.
وظاهر هذا الحديث: أن الجائحة أتت على كل الثمرة حتى لم يبق له منها ما يباع عليه؛ فقد ثبتت عسرته، فحكمه الإنظار إلى الميسرة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١).
стр. 6471
فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا فَكَثُرَ دَيْنُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ"، يَعْنِي: الْغُرَمَاءَ.
===
(في ثمار) متعلق بأصيب؛ أي: أصيب في ثمار (ابتاعها) واشتراها من اليهود بآفة أعدمتها بالكلية، والمعنى: أصابه خسارة بسبب آفة أصابت وأهلكت ثمارًا اشتراها بعد بدو صلاحها، ولم يقطعها ولم ينقد ثمنها (فكثر) بضم المثلثة عليه (دينه) وهذا الحديث هو الذي احتج به الفقهاء؛ لعدم وجوب وضع الجائحة؛ إذ لو كانت الجائحة موضوعة .. لم يصر الرجل مديونًا بسببها.
(فقال رسول الله ﷺ للناس: (تصدقوا عليه) أي: على هذا المديون، وفيه فضل مواساة المحتاج ومن عليه دين، والحث على الصدقة عليه (فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك) أي: ما جمع له من الصدقة قدر (وفاء دينه) أي: قدر ما يفي ويقضي دينه (فقال رسول الله ﷺ لغرمائه؛ كما في رواية مسلم؛ أي: الذين استحقوا عليه الدين: (خذوا ما وجدتم) أي: ما حصلتم؛ يعني: مما تصدق به عليه (وليس لكم
إلا ذلك) أي: إلا ما حصلتم، بل عليكم الإنظار إلى ميسرته، قال الراوي: (يعني) النبي ﷺ بقوله: "خذوا ... " إلى آخره: (الغرماء) أي: غرماءه.
والظاهر من الرواية؛ أي: من قوله: "إلا ذلك" قال في المبارق: ليس معناه إبطال حق الغرماء فيما بقي من ديونهم عليه، بل معناه: ليس لكم الآن إلا هذا، وليس لكم حبسه ما دام معسرًا. انتهى.
قوله: "خذوا ما وجدتم" منه أخذ الفقهاء حكم التفليس، وأن الغرماء
стр. 6472
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يجوز لهم أخذ ما وجدوه عند مديونهم المفلس، ولكن بواسطة القاضي، ولا يترك له إلا ما يحتاج إليه من الثياب وغيرها.
قال الشافعي: ويترك عليه دست من ثيابه؛ يعني: بدلة، وقيل: دستان؛ لأنه إذا غسل ثيابه .. لا بد له من ملبس، وقالوا: إذا كان يكتفي بدونها .. تباع ويقضى الدين ببعض ثمنها، ويشتري بما بقي ثوبًا يلبسه، وكذا يفعل في المسكن، وعن هذا قالوا: يباع ما لا يحتاج إليه في الحال؛ كاللبد في الصيف، والنطع في الشتاء، وينفق عليه وعلى زوجته وأطفاله وأرحامه. انتهى "رد المحتار" في كتاب الحجر (٥/ ١٠٥).
قوله: "وليس لكم إلا ذلك" قال الخطابي في "معالم السنن" (٥/ ١٢٠): وليس في الحديث أنه أمر أرباب الأموال أن يضعوا عنه شيئًا من أثمان الثمار ثلثًا أو أقل منه أو أكثر، إنما أمر الناس أن يعينوه؛ ليقضي حقوقهم، فلما أبدع بهم .. أمرهم بالكف عنه إلى الميسرة، وهذا حكم كل مفلس أحاط به الدين، وليس له مال.
وقال أبو حنيفة: يجوز للغرماء ملازمته وأخذ فضل كسبه مهما وجدوا، وعند الصاحبين له: لا يجوز ملازمته بعد التفليس.
قال القرطبي: وقوله ﷺ : "تصدقوا عليه" لا يدل على وجوب التصدق على المفلس في قضاء دينه، ومن فعل ذلك أو حض عليه .. كان خيرًا له، وفيه ثواب كثير؛ لأنه سعى في تخليص ذمة المسلم من المطالبة المستقبلة، أو من الإثم اللاحق بتأخير الأداء عن الإمكان إن كان قد وقع ذلك، وفعل النبي ﷺ ذلك بمعاذ؛ ليبين لخصومه أنه ليس عنده شيء، ولتطيب قلوبهم بما أخذوا، فيسهل عليهم ترك ما بقي، وليخف الدين
стр. 6473
(١٦٢) - ٢٣١٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ،
===
عن معاذ، وليتشارك المتصدقون في أجر المعونة وثوابها، وليكون ذلك سنةً حسنةً.
قوله: "خذوا ما وجدتم" يدل على أن المفلس يؤخذ منه كل ما يوجد له، ويستثنى من ذلك ما كان ضرورته، وروى ابن نافع عن مالك أنه لا يترك له إلا ما يواريه، والمشهور: أنه يترك له كسوته المعتادة ما لم يكن فيها فضل، ولا ينزع منه رداؤه إن كان مزريًا أو منقصًا، وفي ترك كسوة زوجته وبيع كتبه إن كان عالمًا خلاف، ولا يترك له مسكن ولا خاتم ولا ثوب جمعته ما لم تقل قيمتها. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم؛ أخرجه في كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارة، باب وضع الجائحة، والترمذي في كتاب الزكاة، باب ما جاء من تحل له الصدقة من الغارمين وغيرهم، والنسائي في كتاب البيوع، باب وضع الجوائح.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد الخدري بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٢) -٢٣١٩ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني
стр. 6474
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزٍ، عَنْ سَلَمَةَ الْمَكِّيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَلَعَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ مِنْ غُرَمَائِهِ ثُمَّ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ مُعَاذ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَخْلَصَنِي بِمَالِي ثُمَّ اسْتَعْمَلَنِي.
===
البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن مسلم بن هرمز) المكي، ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن سلمة المكي) يروي عنه: (ق)، وعبد الله بن مسلم بن هرمز روى عن جابر، قال في "التقريب": مقبول، ولعل الصواب: مجهول، من الرابعة.
(عن جابر بن عبد الله) ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سلمة المكي لا يعرف حاله، وفيه عبد الله بن مسلم فهو ضعيف، قال فيه ابن حبان: يرفع الموقوف ويسند المرسل، لا يجوز الاحتجاج به، وقال أحمد: كل بلية منه، وقال ابن معين: صدوق كثير الخطأ. انتهى.
(أن رسول الله ﷺ خلع) واستخلص (معاذ بن جبل من) خصومة (غرمائه، ثم استعمله) وولاه (على اليمن، فقال معاذ: إن رسول الله ﷺ استخلصني) من خصومة غرمائي (بـ) دفع (مالي) لهم (ثم استعملني) وولاني على اليمن.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وحكم سنده الضعف؛ لما مر آنفًا، ولكن لم ينفرد به سلمة المكي عن جابر؛ فقد تابعه عليه معاذ بن رفاعة عن
стр. 6475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جابر؛ كما رواه الحاكم في "المستدرك"، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" عن الحاكم بالإسناد والمتن.
ودرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بما قبله، ضعيف السند؛ لما تقدم، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6476
(٧٣) - (٧٨٣) - بَابُ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ،
===
(٧٣) - (٧٨٣) - (باب من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس)
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي، ثقة ثبت، من العاشرة مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقة إمام فقيه، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من سفيان وليث بن سعد رويا (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري النجاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يكنى أبا محمد، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين، ثقة متقن، من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي
стр. 6477
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ .. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ".
===
المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابد، من الثالثة، مات قبل المئة سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سباعياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من وجد) وأدرك (متاعه) وماله الذي باعه للمفلس (بعينه) أي: بذاته بأن يكون غير هالك حسًا أو معنىً بالتصرفات الشرعية؛ كالهبة والوقف وغيرهما (عند رجل) أو امرأة (قد أفلس) وأفقر وعجز عن أداء ثمنه؛ أي: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم، والفقر أعم من الإفلاس، والإفلاس لغةً: عوز المال، والهمزة فيه للسلب، بمعنى: سلبت فلوسه، وقيل: الهمزة لانتقال من حال إلى حال؛ كما في حلنا.
(فهو) أي: ذلك الواجد متاعه، فالضمير عائد إلى من الشرطية أو الموصولة (أحق به) أي: بمتاعه؛ أي: بأخذه (من غيره) من سائر الغرماء.
قال السندي: قوله: "عند رجل" أي: بعد أن باعه له ولم يقبض من ثمنه شيئًا؛ كما في رواية: (قد أفلس الرجل) أي: إذا صار إلى حال لا فلوس له، أو صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، وحقيقته: الانتقال من اليسر إلى العسر، قيل: المفلس لغةً: من لا عين له ولا عرض، وشرعًا: من قصر ما بيده عما عليه من الديون. انتهى منه.
استدل به الجمهور على أن الرجل إذا اشترى من الآخر ولم يقض ثمنه حتى
стр. 6478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أفلس، ثم وجد البائع عنده السلعة المبيعة له بعينها، فإن ذلك البائع يملك فسخ البيع واسترداد متاعه منه، ولا يشاركه فيه أحد من الغرماء غيره، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وبه قال عروة والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر؛ كما في "المغني" لابن قدامة.
وقال أبو حنيفة: البائع في هذه الصورة المذكورة أسوة الغرماء، وليس له أن ينفرد بمتاعه، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والثوري وابن شبرمة ووكيع وصاحباه وزفر؛ كما في "عمدة القاري".
واستدل الجمهور بأحاديث الباب، وحملوها على البيع؛ لما في بعض رواية مسلم من التصريح بالبيع: (إنه لصاحبه الذي باعه)، واستدل أبو حنيفة وموافقوه بأن المبيع قد خرج عن ملك البائع بالبيع، وكان له أولًا حق الإمساك للمبيع إلى أن يقبض الثمن، فتساوى فيه هو والغرماء بسبب الاستحقاق، فيساويهم في الاستحقاق كسائرهم. انتهى من "التكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستقراض، باب إذا وجد ماله عند مفلس، ومسلم في كتاب المساقاة، باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارة، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء إذا أفلس للرجل غريم فيجد عنده متاعه بعينه، والنسائي في كتاب البيوع، ومالك.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به للترجمة.
* * *
стр. 6479
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (م) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (م) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه (عم).
(عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام في المغازي، من الخامسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم المدني الأصبحي، ثقة إمام حجة متقن، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي المدني، ثقة فقيه عابد، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، غرضه: بيان متابعة الزهري لعمر بن عبد العزيز في الرواية عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
стр. 6480
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا .. فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا .. فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ".
===
(أن النبي ﷺ قال: أيما رجل) كلمة (ما) زائدة، زيدت لزيادة الإبهام، ورجل مجرور بإضافة أيٍّ إليه (باع سلعة) أي: بضاعة ولم يقبض ثمنها من المشتري، فأفلس المشتري (فأدرك) أي: وجد البائع (سلعته بعينها) أي: بذاتها لم تتغير بزيادة ولا نقصان (عند رجل) اشترى منه (و) الحال أن الرجل الذي اشتراه منه (قد أفلس) وعجز عن أداء ثمنها (ولم يكن) البائع (قبض من ثمنها شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا .. (فهي) أي: فتلك السلعة حق (له) فيأخذها.
(وإن كان) ذلك البائع (قبض من ثمنها شيئًا) ولو قليلًا .. (فهو) أي: فذلك البائع (أسوة لـ) سائر (الغرماء) أي: مقتد بهم في قسمة مال المفلس، ليس له أخذ تلك العين بخصوصه، وقوله: "أسوة" - بتثليث الهمزة - أي: يكون مثلهم في ذلك.
وقال الخطابي: وهذا سنة النبي ﷺ ، وقد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان بن عفان ﵁، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولا نعلم لهما مخالفًا في الصحابة، وهو قول عروة بن الزبير، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وابن شبرمة: هو أسوة الغرماء.
وقال بعض من يحتج لقولهم: هذا مخالف للأصول الثابتة ولمعانيها، والمبتاع قد ملك السلعة وصارت من ضمانه، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، وتأولوا الخبر على الودائع والبيوع الفاسدة ونحوها.