(٧٣) - (٧٨٣) - بَابُ مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ،
===
(٧٣) - (٧٨٣) - (باب من وجد متاعه بعينه عند رجل قد أفلس)
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي، ثقة ثبت، من العاشرة مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقة إمام فقيه، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من سفيان وليث بن سعد رويا (عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) الأنصاري النجاري المدني القاضي، اسمه وكنيته واحد، وقيل: إنه يكنى أبا محمد، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي أمير المؤمنين، ثقة متقن، من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي
стр. 6477
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ .. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ".
===
المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: أبو بكر اسمه، وكنيته أبو عبد الرحمن، وقيل: اسمه كنيته، ثقة فقيه عابد، من الثالثة، مات قبل المئة سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سباعياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من وجد) وأدرك (متاعه) وماله الذي باعه للمفلس (بعينه) أي: بذاته بأن يكون غير هالك حسًا أو معنىً بالتصرفات الشرعية؛ كالهبة والوقف وغيرهما (عند رجل) أو امرأة (قد أفلس) وأفقر وعجز عن أداء ثمنه؛ أي: صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم، والفقر أعم من الإفلاس، والإفلاس لغةً: عوز المال، والهمزة فيه للسلب، بمعنى: سلبت فلوسه، وقيل: الهمزة لانتقال من حال إلى حال؛ كما في حلنا.
(فهو) أي: ذلك الواجد متاعه، فالضمير عائد إلى من الشرطية أو الموصولة (أحق به) أي: بمتاعه؛ أي: بأخذه (من غيره) من سائر الغرماء.
قال السندي: قوله: "عند رجل" أي: بعد أن باعه له ولم يقبض من ثمنه شيئًا؛ كما في رواية: (قد أفلس الرجل) أي: إذا صار إلى حال لا فلوس له، أو صار ذا فلوس بعد أن كان ذا دراهم ودنانير، وحقيقته: الانتقال من اليسر إلى العسر، قيل: المفلس لغةً: من لا عين له ولا عرض، وشرعًا: من قصر ما بيده عما عليه من الديون. انتهى منه.
استدل به الجمهور على أن الرجل إذا اشترى من الآخر ولم يقض ثمنه حتى
стр. 6478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أفلس، ثم وجد البائع عنده السلعة المبيعة له بعينها، فإن ذلك البائع يملك فسخ البيع واسترداد متاعه منه، ولا يشاركه فيه أحد من الغرماء غيره، وهو قول مالك والشافعي وأحمد، وبه قال عروة والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر؛ كما في "المغني" لابن قدامة.
وقال أبو حنيفة: البائع في هذه الصورة المذكورة أسوة الغرماء، وليس له أن ينفرد بمتاعه، وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والثوري وابن شبرمة ووكيع وصاحباه وزفر؛ كما في "عمدة القاري".
واستدل الجمهور بأحاديث الباب، وحملوها على البيع؛ لما في بعض رواية مسلم من التصريح بالبيع: (إنه لصاحبه الذي باعه)، واستدل أبو حنيفة وموافقوه بأن المبيع قد خرج عن ملك البائع بالبيع، وكان له أولًا حق الإمساك للمبيع إلى أن يقبض الثمن، فتساوى فيه هو والغرماء بسبب الاستحقاق، فيساويهم في الاستحقاق كسائرهم. انتهى من "التكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستقراض، باب إذا وجد ماله عند مفلس، ومسلم في كتاب المساقاة، باب من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارة، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء إذا أفلس للرجل غريم فيجد عنده متاعه بعينه، والنسائي في كتاب البيوع، ومالك.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به للترجمة.
* * *
стр. 6479
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (م) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٦٣) -٢٣٢٠ - (م) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه (عم).
(عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام في المغازي، من الخامسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم المدني الأصبحي، ثقة إمام حجة متقن، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) بن المغيرة المخزومي المدني، ثقة فقيه عابد، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، غرضه: بيان متابعة الزهري لعمر بن عبد العزيز في الرواية عن أبي بكر بن عبد الرحمن.
стр. 6480
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ وَقَدْ أَفْلَسَ وَلَمْ يَكُنْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا .. فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا .. فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ".
===
(أن النبي ﷺ قال: أيما رجل) كلمة (ما) زائدة، زيدت لزيادة الإبهام، ورجل مجرور بإضافة أيٍّ إليه (باع سلعة) أي: بضاعة ولم يقبض ثمنها من المشتري، فأفلس المشتري (فأدرك) أي: وجد البائع (سلعته بعينها) أي: بذاتها لم تتغير بزيادة ولا نقصان (عند رجل) اشترى منه (و) الحال أن الرجل الذي اشتراه منه (قد أفلس) وعجز عن أداء ثمنها (ولم يكن) البائع (قبض من ثمنها شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا .. (فهي) أي: فتلك السلعة حق (له) فيأخذها.
(وإن كان) ذلك البائع (قبض من ثمنها شيئًا) ولو قليلًا .. (فهو) أي: فذلك البائع (أسوة لـ) سائر (الغرماء) أي: مقتد بهم في قسمة مال المفلس، ليس له أخذ تلك العين بخصوصه، وقوله: "أسوة" - بتثليث الهمزة - أي: يكون مثلهم في ذلك.
وقال الخطابي: وهذا سنة النبي ﷺ ، وقد قال بها كثير من أهل العلم، وقد قضى بها عثمان بن عفان ﵁، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولا نعلم لهما مخالفًا في الصحابة، وهو قول عروة بن الزبير، وبه قال مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقال إبراهيم النخعي وأبو حنيفة وابن شبرمة: هو أسوة الغرماء.
وقال بعض من يحتج لقولهم: هذا مخالف للأصول الثابتة ولمعانيها، والمبتاع قد ملك السلعة وصارت من ضمانه، فلا يجوز أن ينقض عليه ملكه، وتأولوا الخبر على الودائع والبيوع الفاسدة ونحوها.
стр. 6481
(١٦٤) - ٢٣٢١ - (٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ
===
وقال الخطابي: أيضًا فالحديث إذا صح وثبت عن رسول الله ﷺ .. فليس إلا التسليم له، وكل حديث أصل برأسه، ومعتبر بحكمه في نفسه، فلا يجوز أن يعترض عليه بسائر الأصول المخالفة له، أو يجترأ إلى إبطاله بعدم النظير له وقلة الأشباه في نوعه، وها هنا أحكام خاصة وردت بها أحاديث، فصارت أصولًا؛ كحديث الجنين وحديث القسامة والمصراة، وروى أصحاب الرأي حديث النبيذ وحديث القهقهة في الصلاة، وهما - مع ضعف سندهما - مخالفان للأصول، فلم يمتنعوا من قبولهما؛ لأجل هذه العلة. انتهى كلامه. انتهى من "العون".
فهذا الحديث قد تقدم بيان من شارك المؤلف في روايته، فهو من المتفق عليه، فذكره لبيان المتابعة فيه، ولكن إنما شاركه في هذه الرواية أبو داوود والدارقطني.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث آخر له ﵁، فقال:
(١٦٤) - ٢٣٢١ - (٢) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(وعبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ دس ق).
стр. 6482
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ أَبِي الْمُعْتَمِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَافِعٍ، عَنِ ابْنِ خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ وَكَانَ قَاضِيًا بِالْمَدِينَةِ قَالَ: جِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ:
===
كلاهما (قالا: حدثنا ابن أبي فديك) محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك - مصغرًا - الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) هشام بن شعبة القرشي العامري أبي الحارث المدني، أحد الأئمة الأعلام، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي المعتمر بن عمرو بن رافع) المدني مشهور بكنيته. روى عن عمر بن خلدة الزرقي، ويروي عنه: (دق)، ومحمد بن عبد الرحمن بن أيي ذئب، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: ليس بمعروف بحمل العلم، من السادسة.
(عن) عمر (بن خلدة) - بسكون اللام - الأنصاري (الزرقي) المدني قاضيها، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (دق) كما قال المؤلف: (وكان) ابن خلدة (قاضيًا بالمدينة) المنورة.
(قال) عمر بن خلدة: (جئنا أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (في) شأن (صاحب لنا قد أفلس) أي: افتقر وارتكبته الديون.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا المعتمر بن عمرو، وهو مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات.
قال عمر بن خلدة: فسألنا أبا هريرة عن حكم ماله، (فقال) أبو هريرة:
стр. 6483
هَذَا الَّذِي قَضى فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ .. فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ".
(١٦٥) -٢٣٢٢ - (٣) حَدَّثَنَا عَمْرُوبْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا الْيَمَانُ بْنُ عَدِيٍّ،
===
صاحبكم (هذا) مثل الرجل (الذي قضى فيه النبي ﷺ أي: حكم صاحبكم هذا مثل حكم الرجل الذي قضى فيه النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ في حكمه: (أيما رجل مات) منكم وعليه ديون (أو أفلس) وعليه ديون .. (فصاحب المتاع) الذي عنده ولم يؤد ثمنه (أحق) أي: مستحق (بـ) أخذ (متاعه) الذي لم يؤد له ثمنه (إذا وجده بعينه) أي: بذاته بلا نقصان ولا زيادة.
فهذا الحديث أخرجه أبو داوود في كتاب البيوع، باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه عنده.
فدرجته: أنه صحيح بما قبله، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له ﵁، فقال:
(١٦٥) -٢٣٢٢ - (٣)) حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار) القرشي مولاهم أبو حفص (الحمصي) صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (دس ق).
(حدثنا اليمان بن عدي) الحضرمي أبو عدي الحمصي، لين الحديث، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
стр. 6484
حَدَّثَنِي الزَّبِيدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّمَا امْرِيءٍ مَاتَ وَعِنْدَهُ مَالُ امْرِيءٍ بِعَيْنِهِ اقْتَضَى مِنْهُ شَيْئًا أَوْ لَمْ يَقْتَضِ .. فَهُوَ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ".
===
(حدثني الزبيدي محمد بن عبد الرحمن) الصواب: محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي - بالزاي وبالموحدة مصغرًا - أبو الهذيل الحمصي القاضي، ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري، من السابعة، مات سنة ست أو سبع أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(عن الزهري) محمد بن مسلم.
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني.
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : أيما امرئ مات وعنده مال امرئ) غيره، وقوله: (بعينه) توكيد للمال، والباء زائدة في التوكيد؛ أي: عنده مال شخص آخر بعينه؛ أي: بذاته لم يتغير بزيادة ولا نقص؛ بأن اشترى منه سواء (اقتضى منه) أي: اقتضى وأخذ من ثمنه (شيئًا، أو لم يقتض) من ثمنه شيئًا .. (فهو) أي: فصاحب المتاع (أسوة) وقدوة (لـ) سائر (الغرماء) أي: شريك لهم في قيمة ماله، فلا يأخذ متاعه بعينه، وهذا معارض لما سبق أول الباب؛ يعني: في متابعته.
قلت: لا معارضة؛ لأن الحديث السابق أصح من هذا؛ لأنه من المتفق عليه، وهذا انفرد به ابن ماجه، والله أعلم.
стр. 6485
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال أبو داوود: حديث مالك عن الزهري - يعني: الحديث الأول - أصح من حديث الزبيدي؛ يعني: هذا.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6486
(٧٤) - (٧٨٤) - بَابُ كَرَاهِيَةِ الشَّهَادَةِ لِمَنْ لَمْ يُسْتَشْهَدْ
(١٦٦) - ٢٣٢٣ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَمْرُو بْنُ رَافِعٍ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ
===
(٧٤) - (٧٨٤) - (باب كراهية الشهادة لمن لم يستشهد)
(١٦٦) -٢٣٢٣ - (١) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر بن أبي شيبة العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(وعمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر - بضم الحاء المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة صحيح الكتاب، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي، ثقة فقيه من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيدة) بن عمرو (السلماني) - بكسر السين وسكون اللام - ويقال: بفتحها؛ نسبة إلى بطن من مراد، المرادي الكوفي تابعي كبير، من الثانية، مخضرم فقيه ثبت، كان شريح إذا أشكل عليه شيء .. سأله، مات سنة اثنتين
стр. 6487
قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: "قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَبْدُرُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ".
===
وسبعين (٧٢ هـ)، أو بعدها، والصحيح أنه مات قبل سنة سبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) عبيدة: (قال عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
قال عبد الله: (سئل رسول الله ﷺ لم أر من ذكر اسم هذا السائل (أي الناس خير؟ ) فـ (قال) رسول الله ﷺ : خير الناس (قرني) أي: خير أمتي القرن الذي يلوني؛ وهم قرن الصحابة (ثم الذين يلونهم) وهم قرن التابعين (ثم الذين يلونهم) وهم قرن أتباع التابعين (ثم) بعد هذه القرون الثلاثة (يجيء قوم تبدر) أي: تسبق (شهادة أحدهم يمينه) تارةً (و) تسبق (يمينه شهادته) تارة أخرى.
قال النووي: هذا ذم لمن يشهد ويحلف مع شهادته، ومعنى الحديث: أنه يجمع بين اليمين والشهادة؛ فتارة تسبق هذه، وتارة هذه.
قال في "المصباح": يقال: بدر إلى الشيء بدورًا؛ من باب قعد، وبادر إليه مبادرة وبدارًا؛ من باب قاتلَ، بمعنى: أسرع.
قال العيني: في حالين لا في حالة واحدة، قال الكرماني: تقدم الشهادة على اليمين وبالعكس دور، فلا يمكن وقوعه، فما وجهه؛ لأن الدور محال؟
قلت: معناه: هم الذين يحرصون على الشهادة، مشغوفين بترويجها،
стр. 6488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يحلفون على ما يشهدون به، فتارة يحلفون قبل أن يأتوا بالشهادة، وتارة يعكسون. انتهى منه.
يعني: أن هذا القرن الرابع يقل فيه الورع، فيقدم الناس فيه على الأيمان والشهادة من غير توقف ولا تحقيق، كذا فسره القرطبي، وهو مؤيد بما سيأتي في حديث عمر: "يشهدون قبل أن يستشهدوا".
قيل: معناه: أن الناس يجمعون بين اليمين والشهادة؛ فتارة تسبق هذه، وتارة هذه، واستدل به المالكية على بطلان شهادة من حلف على شهادته، والجمهور على عدم البطلان. انتهى من "التكملة".
والقرن - بسكون الراء - من الناس: أهل زمان واحد، قال الشاعر:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم ... وخلفت في قرن فأنت غريب
مشتق من الاقتران؛ وهو بمعنى الوقت من الزمان، يقال له ذلك؛ لأنه يقرن قرن أمة بأمة.
واختلفوا في تحديد مقدار زمانه: فقيل: ثمانون سنة، وقيل: ستون سنة.
وقال الحافظ في "فتح الباري" (٥/ ٧ و ٦): والمراد بقرن النبي ﷺ في هذا الحديث: الصحابة.
وقد سبق في صفة النبي ﷺ قوله: (وبعثت في خير قرون بني آدم)، وفي حديث بريدة عند أحمد: "خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم"، وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من مات من الصحابة مئة سنة وعشرون سنة، أو دونها، أو فوقها بقليل، على الاختلاف في وفاة أبي الطفيل، وهو آخر من مات من الصحابة.
وإن اعتبر ذلك من وفاته ﷺ .. فيكون مئة سنة، أو تسعين،
стр. 6489
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو سبعًا وتسعين، وأما قرن التابعين؛ فإن اعتبر من سنة مئة .. كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم؛ فإن اعتبر منها .. كان نحوًا من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله أعلم.
واتفقوا أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومئتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا.
قوله: "ثم الذين يلونهم ... " إلى آخره، واقتضى هذا الحديث أن يكون الصحابة أفضل من التابعين، والتابعون أفضل من أتباع التابعين، لكن هل هذه الأفضلية بالنسبة إلى المجموع أو الأفراد؟ محل بحث، وإلى الثاني نحا الجمهور، والأول قول ابن عبد البر.
قال الحافظ: والذي يظهر أن من قاتل مع النبي ﷺ ، أو في زمانه بأمره، أو أنفق شيئًا من ماله بسببه .. لا يعدله في الفضل أحد بعده كائنًا من كان.
وأما من لم يقع له ذلك .. فهو محل البحث، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ (١).
وأطال الحافظ في "الفتح" في تحقيق محل البحث، ثم انتهى إلى أن ما فاز به من شاهد النبي ﷺ من زيادة فضيلة المشاهدة .. فلا يعدله فيها أحد، وكذلك من عمل شيئًا من أعمال الخير في عهده ﷺ .. فلا يعدله في تلك الأعمال من جاء بعده، أما الفضائل الجزئية .. فلها مجال واسع. انتهى كلامه.
стр. 6490
(١٦٧) - ٢٣٢٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ،
===
قال القرطبي: وظاهر هذا الحديث أن هذه القرون الثلاثة أفضل مما بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرون أنفسها متفاضلة؛ فأفضلها الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده، فأما أفضلية الصحابة؛ وهو القرن الأول على ما بعدهم .. فلا تخفى، وأما أفضلية من بعدهم بعضهم على بعض .. فبحسب قربهم إلى القرن الأول وبحسب ما ظهر على أيديهم؛ من إعلاء كلمة الدين ونشر العلم، وفتح البلاد والأمصار، وإخماد كلمة الكفر، ولا خفاء أن الذي كان من ذلك في قرن التابعين .. كان أكثر وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعده غلبت الشرور، وارتبكت الأمور. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأيمان والنذور، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة (ثم الذين يلونهم ... ) إلى آخره، والبيهقي في "السنن الكبرى"، والترمذي في كتاب المناقب، باب ما جاء في فضل من رأى النبي ﷺ وصحبه.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٧) - ٢٣٢٤ - (٢) (حدثنا عبد الله بن الجراح) بن سعيد التميمي أبو محمد القهستاني - بضم القاف والهاء وسكون المهملة ثم مثناة - نزيل نيسابور: نسبة إلى قهستان؛ ناحية بخراسان بين هراة ونيسابور، قال النسائي:
стр. 6491
حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِينَا مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ: "احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِي،
===
ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة اثنتين، ويقال: سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (دق).
(حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، ثقة صحيح الكتاب، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن عمير) بن سويد اللخمي مولاهم الكوفي، ثقة فصيح عالم تغير حفظه وربما دلس، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي - بضم السين - الصحابي بن الصحابي ﵄، نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين. يروي عنه: (ع).
(قال) جابر: (خطبنا عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه (بالجابية) موضع بالمدينة يصلون فيه صلاة الاستسقاء والعيد.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فقال) عمر في خطبته: (إن رسول الله ﷺ قام فينا) معاشر الصحابة (مثل مقامي) بفتح الميم؛ لأنه مصدر ميمي؛ من قام الثلاثي؛ أي: قام فينا في حياته قيامًا مثل قيامي (فيكم) على المنبر للوعظ (فقال) في خطبته: (احفظوني) أيها الناس (في أصحابي) أي: راعوني في شأنهم؛ فلا تؤذوهم لأجل حقي وصحبتي، أو اقتداءً بأخلاقي وأحوالي فيهم، وأنهم على الخير، وهذا أقرب إلى ما بعده.
стр. 6492
ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَمَا يُسْتَشْهَدُ، وَيَحْلِفَ وَمَا يُسْتَحْلَفُ".
===
(ثم) احفظوني في (الذين يلونهم) يعني: التابعين (ثم) احفظوني في (الذين يلونهم) يعني: أتباع التابعين (ثم) بعد أتباع التابعين (يفشو) ويكثر (الكذب، حتى يشهد الرجل) منهم لغيره (وما بستشهد) بالبناء للمفعول؛ أي: والحال أنه ما تطلب منه الشهادة.
قيل: هو كناية عن شهادة الزور؛ أي: إن الناس ما يطلبون منه الشهادة؛ لعلمهم أنه ليس بشاهد، وقيل: هو الذي انتصب شاهدًا، وليس هو من أهل الشهادة. انتهى "سندي".
(ويحلف) مع شهادته (وما يستحلف) بالبناء للمفعول أيضًا؛ أي: والحال أنه ما يطلب منه الحلف؛ أي: ما عنده مبالاة بالحلف؛ أي: يحلف على ما يعلم وعلى ما لا يعلم، فلا يتورع عن شهادة الزور.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لأن له شواهد؛ منها: حديث ابن مسعود المذكور قبله، ولصحة سنده.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6493
(٧٥) - (٧٨٥) - بَابُ الرَّجُلِ عِنْدَهُ الشَّهَادَةُ وَلَا يَعْلَمُ بِهَا صَاحِبُهَا
(١٦٨) - ٢٣٢٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُعْفِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ الْعُكْلِيُّ، أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ،
===
(٧٥) - (٧٨٥) - (باب الرجل عنده الشهادة ولا يعلم بها صاحبها)
يعني: المشهود له.
* * *
(١٦٨) - ٢٣٢٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن عبد الرحمن) بن الحسن بن علي (الجعفي) الكوفي، نزيل دمشق، صدوق يحفظ وله غرائب، من الحادية عشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا زيد بن الحباب) أبو الحسين (العكلي) - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان وكان بالكوفة، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أخبرني أُبَيُّ بن عباس بن سهل بن سعد) الأنصاري (الساعدي) فيه ضعف، قال الذهبي في "الميزان": وإن لم يكن بالثبت .. فهو حسن الحديث، وأخرج الدارقطني حديثه في الاستنجاء، وحسن إسناده، من السابعة، ما له في "البخاري" غير حديث واحد، فهو مختلف فيه. يروي عنه: (خ ت ق).
(حدثني أبو بكر) كنيته واسمه واحد ابن محمد (بن عمرو بن حزم)
стр. 6494
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالد الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "خَيْرُ الشُّهُودِ
===
الأنصاري النجاري المدني القاضي، ثقة عابد، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه (ع).
(حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان) الأموي المدني، صدوق، من السابعة، قتل سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثني خارجة بن زيد بن ثابت) الأنصاري أبو زيد المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة مئة، وقيل: قبلها. يروي عنه: (ع).
(أخبرني عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري) الخزرجي النجاري المدني، قيل: ولد في عهد النبي ﷺ ، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، واسم أبي عمرة: عمرو بن محصن، وقيل: ثعلبة بن عمرو بن محصن. يروي عنه: (ع).
(أنه سمع زيد بن خالد الجهني) المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أُبيَّ بن عباس، فهو مختلف فيه.
أي: سمع زيدًا حالة كونه (يقول: إنه سمع رسول الله ﷺ يقول: خير الشهود) أي: أفضلهم في مرتبة الشهادة وأكثرهم أجرًا عند الله تعالى؛ والشهود جمع شاهد؛ كحضور جمع حاضر، وخروج جمع
стр. 6495
مَنْ أَدَّى شَهَادَتَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا".
===
خارج، وقعود جمع قاعد؛ هم (من أدى) وأخبر (شهادته) أي: تحملها وأداها عند القاضي (قبل أن يسألها) بالبناء للمجهول؛ أي: قبل أن يطلب بأدائها في المحكمة؛ يعني به: الشهادة التي يجب أداؤها وإن لم يسألها؛ كشهادة بحق لم يحضر مستحقه أو بشيء يخاف ضياعه أو فوته بطلاق، أو عتق على من قام على تصرفه من الاستمتاع بالزوجة، واستخدام العبد، إلى غير ذلك.
قال النووي: وفي هذا الحديث تأويلان؛ أصحهما وأشهرهما تأويل مالك وأصحاب الشافعي؛ أنه محمول على من عنده شهادة لإنسان بحق ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، ويأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له؛ لأنها أمانة له عنده، والثاني: أنه محمول على شهادة الحسبة في غير حقوق الآدميين؛ كالطلاق والعتق والوصايا العامة والحدود ونحو ذلك؛ فمن علم شيئًا من هذا النوع .. وجب عليه رفعه إلى القاضي وإعلامه به، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، كذا في "المرقاة". انتهى من "العون".
قال ابن عبد البر: قال ابن وهب: قال مالك: تفسير هذا الحديث: أن الرجل يكون عنده شهادة في الحق لرجل لا يعلمها، فيخبره بشهادته ويرفعها إلى السلطان، زاد يحيى بن سعيد: إذا علم أنه ينتفع بها الذي له الشهادة؛ وهذا لأن الرجل ربما نسي شاهده فظل مغمومًا لا يدري من هو، فإذا أخبره الشاهد بذلك .. فرج كربه، وفي الحديث: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا .. نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".
стр. 6496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولا يعارض هذا حديث: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها" لأن النخعي قال: معنى الشهادة هنا: اليمين؛ أي: يحلف قبل أن يستحلف.
واليمين قد تسمى شهادة، قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ (١). انتهى كلامه.
قال المنذري: وقال غير النخعي: هذا في الأمانة والوديعة تكون لليتيم لا يعلم بها بمكانها غيره، فيخبر بما يعلم من ذلك، وقيل: هذا مثل في سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها؛ كما يقال: الجواد يعطي قبل سؤاله؛ عبارة عن حسن عطائه وتعجيله.
وقال الفارسي: قال العلماء: إنما هي في شهادته الحسبة إذا كان عنده علم لو لَمْ يظهره .. لضاع حكم من أحكام الدين وقاعدة من قواعد الشرع، فأما في شهادات الخصوم .. فقد ورد الوعيد فيمن يشهد ولا يستشهد؛ لأن وقت الشهادة على الإحكام إنما يدخل إذا جرت الخصومة بين المتخاصمين وأيس من الإقرار واحتيج إلى البينة، فحينئذٍ يدخل وقت الشهادة بهذا الوجه في هذا الحديث. انتهى كلام المنذري، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم: في كتاب الأقضية، باب بيان خير الشهود، وأبو داوود في كتاب الأقضية، باب في الشهادات، والترمذي في كتاب الشهادات، باب الشهداء أيهم خير.
стр. 6497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده - وإن كان حسنًا؛ كما مر آنفًا - وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6498
(٧٦) - (٧٨٦) - بَابُ الْإِشْهَادِ عَلَى الدُّيُونِ
(١٦٩) - ٢٣٢٦ - (١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْجُبَيْرِيُّ وَجَمِيلُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَتَكِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَرْوَانَ الْعِجْلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
(٧٦) - (٧٨٦) - (باب الإشهاد على الديون)
(١٦٩) - ٢٣٢٦ - (١) (حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري) - بالجيم والموحدة مصغرًا - أبو حفص البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(وجميل) بفتح الجيم (ابن الحسن) بن جميل (العتكي) الجهضمي أبو الحسن البصري نزيل الأهواز، صدوق يخطئ، أفرط فيه عبدان، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن مروان) بن قدامة العقيلي المعروف بـ (العجلي) أبو بكر البصري، صدوق له أوهام، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الملك بن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة العبدي البصري، صدوق ربما أخطأ، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) أبي نضرة العبدي البصري مشهور بكنيته، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من: خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رجاله ليسوا ثقات إلَّا أبا نضرة؛ فإنه ثقةٌ.
стр. 6499
قَالَ: تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فَقَالَ: هَذِهِ نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا.
===
(قال) أبو نضرة: (تلا) أبو سعيد الخدري (هذه الآية) المذكورة بقوله: (﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ... ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ) أبو سعيد في تلاوته: (﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا .. ﴾ (١)، فقال) أبو سعيد: (هذه) القطعة الأخيرة منها؛ يعني: قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (نسخت ما قبلها) يعني: الأمر بالإشهاد وبكتابة الوثيقة بينهما؛ يعني: لا يجبان إذا حصل الائتمان بينهما، وهذا الحديث وإن كان موقوفًا، فهو في حكم الرفع؛ لأن مثله ما يقال بالرأي.
وقوله: (هذه نسخت ما قبلها) لعل المراد: أنهم أمروا أولًا بالكتابة مطلقًا، ثم أمروا بالاكتفاء بالشهادة عند الأمن، فنسخ به الأمر الأول ابتداءً.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه ابن عدي في "الكامل"، من طريق هلال بن بشر عن محمد بن مروان فذكره، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" عن سعد الماليني عن ابن عدي به، ورواه البيهقي أيضًا عن طريق الوليد بن شجاع عن محمد بن مروان، فذكره بإسناده ومتنه سواء، وعزاه السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٣٧٣) عند تفسير الآية (٢٨٣) من سورة البقرة للبخاري في "التاريخ "، وأبو داوود والنحاس معًا في "الناسخ"، وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "سننه" بإسناد جيد عن أبي سعيد الخدري.
стр. 6500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
==
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6501
(٧٧) - (٧٨٧) - بَابُ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ
(١٧٠) - ٢٣٢٧ - (١) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ،
===
(٧٧) - (٧٨٧) - (باب من لا تجوز شهادته)
(١٧٠) - ٢٣٢٧ - (١) (حدثنا أيوب بن محمد) بن زياد الوزان أبو محمد (الرقي) مولى ابن عباس، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا مُعَمَّرُ) بصيغة اسم مفعول؛ مِن عَمَّر المضعف (ابن سليمان) النخعي أبو عبد الله الرقي، ثقةٌ فاضل، من التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(ح وحدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقةٌ حافظ متقن فاضل، من الحادية عشرة مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح، وله ست وثمانون. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقةٌ متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال معمر بن سليمان ويزيد بن هارون: (حدثنا حجاج بن أرطاة) - بفتح الهمزة - ابن ثور بن هبيرة النخعي أبو أرطاة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم)، قال أبو حاتم: صدوق يدلس عن الضعفاء يكتب حديثه، وقال ابن المبارك: كان الحجاج
стр. 6502
عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ،
===
يدلس، فكان يحدثنا الحديث عن عمرو بن شعيب. انتهى.
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله بن عمرو، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) أي: روى شعيب عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الحسن، لأن فيهما حجاج بن أرطاة، وهو صدوق مدلس، روى عن عمرو بن شعيب بالعنعنة.
(قال) جده عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : لا تجوز) أي: لا تصح ولا تقبل (شهادة خائن ولا خائنة) على غيرهما.
قال السندي: يحتمل أن يراد: الخيانات في أمانات الناس، وأن يراد: الأعم الشامل للخيانة في أحكام الله تعالى؛ من ترك المأمورات، وارتكاب المنهيات.
قال أبو عبيدة: لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترضه الله تعالى على عباده وأتمنهم عليه، وقد شمل الكل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (١)، فقد دخل فيه كلّ من يضيع شيئًا مما أمر الله به أو ارتكب شيئًا مما نهى الله تعالى عنه.
стр. 6503
وَلَا مَحْدُودٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ".
===
وعلى هذا؛ فعطف المجرور بعده عليه من عطف الخاص على العام؛ لغرض الاهتمام بالخاص؛ قيل: هو الوجه؛ لئلا يخرج كثير من أنواع الفسق، قيل: حقيقة الخيانة لا يعلمها إلَّا الله تعالي، لكن قد يغلب الظن بها بالأمارات، وهذا يكفي في. رد الشهادة. انتهى منه.
(وَلَا) تصح أيضًا شهادة (محدود) بحد ارتكب سببه (في الإسلام) أي: بعد دخوله في الإسلام؛ كأن زنى أو شرب بعد أن تعلم أن هذه الأمور من محارم الله يحرم ارتكابها، أما ما ارتكب سببه في الجاهلية قبل الإسلام .. فلا يحد به ولا ترد شهادته به؛ لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وإنما ردت شهادته بذلك؛ لما في ارتكابه المحرمات من الاستخفاف بمحرمات الله، فجوزي برد شهادته؛ كما يجب إقامة الحد عليه (وَلَا) تصح أيضًا شهادة (ذي غمر) - بكسر الغين وسكون الميم - وهو الحقد والعداوة في غير الله تعالي، والمعنى: أنه لا تجوز شهادة عدو على عدوه سواء كان أخاه نسبًا أو أجنبيًا، فالمراد بقوله: (على أخيه) أي: مثله، ولا يخص بأخوة الإسلام؛ لئلا يخرج حكم الذمي، ومقتضى كلام "القاموس": أنه بفتحتين، وأن كسر الغين لغة. انتهى منه.
وفي رواية أبي داوود: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية، ولا ذي غمر على أخيه).
قوله: (وَلَا زان ولا زانية) المانع من قبول شهادتهما الفسق الصريح.
قوله: (وَلَا ذي غمر على أخيه) فإن قيل: لَمْ قبلتم شهادة المسلمين على الكفار مع العداوة بينهما؟
قال ابن رسلان: قلنا: العداوة ها هنا دينية، والدين لا يقتضي شهادة الزور، بخلاف الدنيوية، قال: وهذا مذهب الشافعي ومالك وأحمد والجمهور.
стр. 6504
(١٧١) - ٢٣٢٨ - (٢) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ،
===
وقال أبو حنيفة: لا تمنع العداوة قبول الشهادة؛ لأنَّها لا تخل بالعدالة، فلا تمنع الشهادة، كالصداقة. انتهى.
قال في "النيل": والحق عدم قبول شهادة العدو على عدوه؛ لقيام الدليل على ذلك، والأدلة لا تعارض بمحض الآراء. انتهي، انتهى من العون.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأقضية، باب من ترد شهادته.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لأن حجاج بن أرطاة لَمْ ينفرد بروايته عن عمرو بن شعيب، جل له متابع في الرواية عن عمرو؛ وهو سليمان بن موسى الأشدق، صدوق، من الخامسة؛ كما في رواية أبي داوود، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، وله أيضًا شاهد من حديث عائشة أخرجه الترمذي في كتاب الشهادات، باب فيمن لا تجوز شهادته.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧١) - ٢٣٢٨ - (٢) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة بن عمران التجيبي المصري صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاثة أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم المصري القرشي مولاهم، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني نافع بن يزيد) الكلاعي - بفتح الكاف واللام الخفيفة - أبو يزيد
стр. 6505
عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ".
===
المصري، يقال: إنه مولى شرحبيل بن حسنة، ثقةٌ عابد، من السابعة، مات سنة ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن) يزيد بن عبد الله بن أسامة (بن الهاد) الليثي أبي عبد الله المدني، ثقةٌ مكثر، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو بن عطاء) القرشي العامري المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء بن يسار) الهلالي مولاهم مولى ميمونة رضي الله تعالى عنها المدني، ثقةٌ فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن أبا هريرة (سمع رسول الله ﷺ يقول: لا تجوز) ولا تقبل (شهادة بدوي على صاحب قرية) والبدوي: هو الذي يسكن البادية في المضارب والخيام ولا يقيم في موضع خاص، بل يرتحل من مكان إلى مكان، وصاحب القرية: هو الذي يسكن القرى؛ وهي المصر الجامع.
قال في "النهاية": إنما كره شهادة البدوي؛ لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع، ولأنهم في الغالب لا يضبطون الشهادة على وجهها. انتهى من "العون".
стр. 6506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الخطابي: إنما لا تقبل شهادة البدوي؛ لجهلهم بأحكام الشرع وبكيفية تحمل الشهادة وأدائها بغير زيادة ولا نقصان، وإن كان عدلًا من أهل قبول الشهادة .. جازت شهادته، خلافًا لمالك.
قيل: إن كانت العلة جهالتهم .. لزم إلا يكون للتخصيص في قوله: "على صاحب قرية" فائدة.
وقيل: معنى "لا تجوز" عند من يرى الجواز؛ أي: لا يحسن؛ لحصول التهمة لبعد ما بين الرجلين، ويؤيد ذلك تعديتها بعلي، فلو شهد له .. يقبل، وقيل: معنى "لا تجوز" أي: لا تحسُنُ أن يَحْمِلَ مصلحةً؛ لأنه يتعذَّر طلبُه عند الحاجة إليه؛ أي: إلى أداء شهادته، وقيل: يحتمل أن يكون ورد في الشهادة على الإعسار، وفيها يعتبر أن يكون الشاهد من أهل الخِبْرة الباطنة. انتهى "سندي".
وكذلك قال أحمد، وذهب إلى العمل بهذا الحديث جماعة من أصحاب أحمد، وبه قال مالك وأبو عبيد، وذهب الأكثر إلى القبول، قال ابن رسلان: وحملوا هذا الحديث على من لَمْ تعرف عدالته من أهل البدو والغالب أنهم لا تعرف عدالتهم. كذا في "النيل".
قال المنذري: وأخرجه ابن ماجة، ورجال إسناده احتج بهم مسلم في "صحيحه"، وقال البيهقي: وهذا الحديث مما تفرد به محمد بن عمرو بن عطاء عن عطاء بن يسار، فإن كان حفظه .. فقد قال أبو سليمان الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره شهادة أهل البدو؛ لما فيهم من عدم العلم بإتيان الشهادة على وجهها ولا يقيمونها على حقِّها؛ لقصورِ علمِهم عما تحملُها وتغيُّرِها عن جهتِها، والله أعلم. انتهى من "العون".
стр. 6507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأقضية، باب شهادة البدوي على أهل الأمصار.
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6508
(٧٨) - (٧٨٨) - بَابُ الْقَضَاءِ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ
(١٧٢) - ٢٣٢٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ الْمَدِينِيُّ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الزُّهْرِيُّ وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ
===
(٧٨) - (٧٨٨) - (باب القضاء بالشاهد واليمين)
(١٧٢) - ٢٣٢٩ - (١) (حدثنا أبو مصعب المديني أحمد بن عبد الله الزهري) هذه عبارةٌ غيرُ صحيحةٍ، والصوابُ: (حدثنا أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زُرارة بن مصعب بن عبد الرَّحمن بن عوف أبو مصعب الزهري المدني) الفقيه، صدوق عابه أبو خيثمة للفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقد نيف على تسعين سنة. يروي عنه: (ع) هكذا ذكره في التقريب في رقم (١٧) راجعه، وما في نسخة المؤلف تحريف من النساخ.
فائدة
والفرق بين المدائني والمديني والمدني: أن المدائني منسوب إلى مدائن كسرى فيها إيوانُهُ؛ وهي بلدة بقرب بغداد، سميت بلفظ الجمع؛ لعظمها، وأن المديني: بالياء منسوب إلى مدينة أصبهان، بناها المنصور، والمدني: بلا ياء منسوب إلى مدينة الرسول ﷺ .
وهذا هو المعروف عند أهل الأنساب، فلا تغتر بما قاله النووي في "شرح مقدمة مسلم". انتهى من "الكوكب الوهاج" (١/ ٣٦٥)، والله أعلم.
(ويعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي مولاهم أبو يوسف (الدورقي) ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ)، وله ست وثمانون سنة، وكان من الحفاظ. يروي عنه: (ع).
стр. 6509
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
===
كلاهما (قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن) واسم أبيه فروخ - بفتح وضم مع التشديد - غير منصرف للعلمية والعجمة، التيمي مولاهم أبي عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، قال ابن سعد: كانوا يتقونه لموضع الرأي، ثقةٌ فقيه مشهور، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سهيل بن أبي صالح) ذكوان السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان الزيات المدني، ثقةٌ ثبت، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قضى باليمين مع الشاهد) وفي رواية لأحمد زيادة في حديث ابن عباس الآتي: (إنما ذلك في الأموال).
قال الخطابي: يريد: أنه قضى للمدعي بيمينه مع شاهد واحد؛ كأنه أقام اليمين مقام شاهد آخر، فصار كالشاهدين. انتهى.
стр. 6510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والحديث دليل على جواز القضاء بشاهد ويمين.
وقال الخطابي أيضًا: القضاء باليمين وشاهد خاص بالأموال دون غيرها؛ لأن الراوي وقفه عليها، والخاصُّ لا يُتعدَّى به محلُّه ولا يقاس عليه غيره، واقتضاءُ العموم منه غير جائز؛ لأنه حكايةُ فعل، والفعل لا عمومَ له، فوجب صرفه إلى أمر خاص، وإنما قال الراوي: هو في الأموال كان مقصورًا عليها. انتهى كلامه.
وقال أيضًا: وليس هذا بمخالف لقوله ﷺ : "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه" لأنه في اليمين إذا كانت مجردة، وهذه يمين مقرونة ببينة، وكل واحدة منهما غير الأخري، فإذا تباين محلاهما .. جاز أن يختلف حكماهما. انتهي، انتهى من "العون".
قال النووي: واختلف العلماء في ذلك: فقال أبو حنيفة والكوفيون والشعبي والحكم والأوزاعي والليث والأندلسيون من أصحاب مالك: لا يحكم بشاهد ويمين في شيء من الإحكام.
وقال جمهور علماء الإسلام؛ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار: يقضى بشاهد ويمين المدعي في الأموال وما يقصد به الأموال، وبه قال أبو بكر الصديق وعلي وعمر بن عبد العزيز ومالك والشافعي وأحمد وفقهاء المدينة وسائر علماء الحجاز ومعظم علماء الأمصار رضي الله تعالى عنهم، وحجتهم: أنه جاءت أحاديث كثيرة في هذه المسألة من رواية علي وابن عباس وزيد بن ثابت وجابر وأبي هريرة وعمارة بن حزم وسعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم.
стр. 6511
(١٧٣) -٢٣٣٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
قال الحفاظ: أصح أحاديث الباب حديث ابن عباس.
قال ابن عبد البر: لا مطعن لأحد في إسناده، قال: ولا خلاف بين أهل المعرفة في ححته، قال: وحديث أبي هريرة وجابر وغيرهما حسنان، والله أعلم بالصواب. انتهى.
واعلم: أن لمن لا يقول بالقضاء باليمين مع الشاهد .. أعذارًا عن أحاديث الباب، وللقائلين به أجوبة شافية كافية، فعليك بالمطولات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، والترمذي في كتاب الإحكام، باب اليمين مع الشاهد.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧٣) -٢٣٣٠ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري.
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 6512
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ.
(١٧٤) - ٢٣٣١ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَرَوِيُّ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَاتِمٍ،
===
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد أبي جعفر الباقر، ثقةٌ فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قضى) للمدعي المدعى به (باليمين) أي: بيمين المدعى على أنه له (مع الشاهد) الواحد، وفي هذا الحديث ما تقدم في الحديث الأول.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الإحكام، باب ما جاء في اليمين مع الشاهد.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧٤) - ٢٣٣١ - (٣) (حدثنا أبو إسحاق الهروي إبراهيم بن عبد الله بن حاتم) نزيل بغداد، صدوق حافظ تكلم فيه بسبب القرآن، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (ت ق).
стр. 6513
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْحَارِثِ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَكِّيُّ، أَخْبَرَنِي قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ.
===
(حدثنا عبد الله بن الحارث) بن عبد الملك (المخزومي) أبو محمد المكي، ثقةٌ، من الثامنة. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سيف بن سليمان) أو ابن أبي سليمان المخزومي (المكي) ثقةٌ ثبت، رمي بالقدر سكن البصرة أخيرًا، ومات بعد سنة خمسين ومئة، من السادسة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(أخبرني قيس بن سعد) المكي، ثقةٌ، من السادسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقةٌ ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (قضى رسول الله ﷺ للمدعي (بالشاهد) الواحد (واليمين) أي: مع يمين المدعي على المدعى به على أنه له؛ أي: قضى للمدعي بالشاهد له ويمين منه، قال الأبي: معناه: حكم للمدعي بأن يحلف مع شاهد يقيمه ويستحق انتهى منه.
استدل بهذا الحديث الأئمة الثلاثة ﵏ تعالي، وهو قول الفقهاء السبعة في المدينة وعمر بن عبد العزيز والحسن وشريح وغيرهم.
وقال أبو حنيفة: لا يقضى بشاهد ويمين، وإنما الواجب شاهدان، أو رجل
стр. 6514
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وامرأتان، وهو قول الشعبي والنخعي والأوزاعي رحمهم الله تعالى؛ كما في "المغني"، وقول الزهري وعطاء والحكم بن عتبة والليث بن سعد وغيرهم، واستدل أبو حنيفة بقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١)، فالآية توجب بطلان القول بالشاهد واليمين.
واستدل الأئمة الثلاثة والجمهور القائلون باعتبار الشاهد مع اليمين بحديث الباب، وبأن هذا المعنى قد روي عن جمع من الصحابة بطرق كثيرة استوعبها البيهقي في "سننه".
قال القرطبي: ثم أحاديث هذا الباب كلها حجة للجمهور على الكوفيين والأوزاعي والنخعي وابن أبي ليلى والزهري والليث والحكم والشعبي؛ حيث نفوا الحكم بالشاهد واليمين، ونَقَضُوا من حكم به وبَدَّعُوهُ.
وقال الحكم: الشاهد واليمين بدعة، وأول من حكم به معاوية.
قلت: يا للعجب! ولضيعة العلم والأدب، كيف رد هؤلاء القوم هذه الأحاديث مع صحتها وشهرتها، وكيف اجترؤوا على تبديع من عمل بها حتى نقضوا حكمه، واستقصروا علمه، مع أنه قد عمل بذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم؛ أبو بكر وعمر وعلي وأبي بن كعب ومعاوية وشريح وعمر بن عبد العزيز، وكتب به إلى عماله، وإياس بن معاوية وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن وأبو الزناد وربيعة، ولذالك قال مالك: إنه ليكفي من ذلك ما مضى من السنة، أتَرَى هؤلاء تُنْتَقَضُ أحكامُهم ويُحْكَمُ ببدعتهِم؟ !
стр. 6515
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قالوا: والذي حَمَلَ هؤلاء المانعين على هذا اللجاج ما اغتروا به من واهنِ الحِجاج؛ وذالك أنهم وقع لهم أن الحكم باليمين والشاهد زيادة على نصِّ قولهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١).
ووجهُ تمسكهم: أنَّها حاضرةٌ لا للوجوه التي يُستحق بها المالُ نصٌّ في ذلك والزيادةُ على ذلك نسخ، ونسخُ القاطع بخبرِ الواحدِ لا يجوزُ إجماعًا، والقضاء بالشاهدِ واليمينِ إنما جاء بخبرِ الواحد، فلا يُقبل.
والجواب: منع كون الزيادة على النص نسخًا؛ إذ الجمع بين النص والزيادة يصح وليس ذلك نسخًا لحكم شرعي، ولو سلمناه .. لا نسلم أن الآية نص في حصر ذلك؛ لأن ذلك يبطل بنكول المدعى عليه ويمين المدعي؛ فإن ذلك يستحق به المال إجماعًا. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، وأبو داوود في كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث سُرَّق بن أسد الجهني رضي الله تعالى عنهما، فقال: