عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ أَنَّهُ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ عَلَى عَهْدِ رَسُول اللهِ ﷺ فَأَبْصَرَ صَاحِبَهَا يَبِيعُهَا بِكَسْرٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَال: "لَا تَبْتَعْ صَدَقَتَكَ".
===
عمر، روى أبوه (عن جده) أي: عن جد عمر بن عبد الله؛ وهو (عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن عمر بن الخطاب (تصدق بفرس) له نفيس جواد سابق لغيره؛ أي: أركبه رجلًا من المسلمين؛ ليجاهد عليه في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمته.
قال النووي: معناه: تصدق به ووهبه لمن يقاتل عليه، وكان هذا الفرس يسمى الورد؛ فقد أخرج ابن سعد من طريق الواقدي: وأهدى تميم الداري لرسول الله ﷺ فرسًا يقال له: الورد، فأعطاه عمر، فحمل عليه عمر في سبيل الله تعالى (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته ﷺ .
قال الحافظ: ظاهره أنه حمله حمل تمليك؛ ليجاهد به؛ إذ لو كان حمل تحبيس ووقف .. لَمْ يجز بيعه، ويدل على أنه تمليك قوله ﷺ : "العائد في الصدقة"، ولو كان حبسًا؛ أي: وقفًا .. لقال: في حبسه أو وقفه؛ فالمراد بسبيل الله: الجهاد لا الوقف.
(فأبصر) عمر (صاحبها) أي: صاحب الفرس التي تصدق بها عليه (يبيعها بكسر) أي: برخص ونقص عن ثمن المثل (فأتى) عمر (النبي ﷺ ، فسأله عن ذلك) أي: فسأل النبي ﷺ عن حكم شرائه لذلك الفرس هل يجوز لي أم لا؟ (فقال) له رسول الله ﷺ : ("لا تبتع صدقتك") أي: لا تشتر ذلك الفرس منه،
стр. 6582
(١٨) - ٢٣٥٣ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ،
===
وفي رواية مسلم زيادة: "فإن العائد في صدقته .. كالكلب يعود في قيئه" في القبح والاستقذار.
والفاء في قوله: "فإن العائد في صدقته" للتعليل؛ أي: كما يقبح أن يقيء الكلب، ثم يأكل؛ كذلك يقبح أن يتصدق بشيء، ثم يجره إلى نفسه بوجه من الوجوه. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الهبات، باب كراهية شراء الإنسان ما تصدق به ممن تصدق عليه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨) - ٢٣٥٣ - (٢) (حدثنا يحيى بن حكيم) المقومي - بكسر الواو المشددة - ويقال: المقوم، أبو سعيد البصري، ثقةٌ حافظ عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان - بتقديم الزاي على الذال المعجمتين - السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقةٌ متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ)، وقد قارب التسعين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سليمان) بن طرخان (التيمي) أبو المعتمر البصري، نزل في التيم
стр. 6583
عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ: غَمْرٌ أَوْ غَمْرَةٌ، فَرَأَى مُهْرًا أَوْ مُهْرَةً مِنْ أَفْلَائِهَا يُبَاعُ
===
فنسب إليهم، ثقةٌ عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان النهدي) عبد الرَّحمن بن مل - بتثليث الميم وتشديد اللام - مشهور بكنيته مخضرم، من كبار الثانية، ثقةٌ ثبت عابد، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عامر) بن ربيعة العنزي حليف بني عدي أبي محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة مشهورة، ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزبير بن العوام) الأسدي المدني الصحابي المشهور، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد ستة الشورى رضي الله تعالى عنهم، قتل سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنه) أي: أن الزبير (حمل) رجلًا من المسلمين، لَمْ أر من ذكر اسم الرجل (على فرس) له؛ ليجاهد ذلك الرجل في سبيل الله على ذلك الفرس (يقال له) أي: لذلك الفرس: (غمر) - بفتح المعجمة وسكون الميم - وصف المذكر (أو) يقال له: (غمرة) وصف المؤنث، قال ابن منظور في "لسان العرب": الغمر وكذا الغمرة: الفرس الجواد السابق، يقال: فرس غمر؛ أي: جواد كثير العدو واسع الجري. انتهى.
(فرأى) الزبير (مهرًا) بضم الميم وسكون الهاء (أو) قال: رأى (مهرة) كذلك (من أفلائها) أي: من أولاد تلك الغمرة التي تصدق (يباع) ذلك الفلو،
стр. 6584
يُنْسَبُ إِلَى فَرَسِهِ فَنَهَى عَنْهَا.
===
والجملة الفعلية صفة لمهرًا، وكذا قوله: (ينسب) ذلك المهر إلى أفلائها صفة ثانية للمهر أيضًا؛ أي: فرأى مهرًا يباع وينسب (إلى فرسه) الذي تصدق وحمل عليه من يجاهد في سبيل الله، فأراد بعض أولاده أن يشتري له ذلك المهر (فنهى) الزبير ذلك البعض الذي أراد شراءها (عنها) أي: عن شراء تلك المهرة له؛ لأنَّها من صدقته.
قال السندي: (مهرًا أو مهرة) المهر: ولد الفرس، والأنثى مهرة، قوله: (أفلائها) جمع فلو؛ كعدو وأعداء؛ وهو المهر. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، قال البوصيري: إسناده صحيح، رواه أحمد بن منيع في "مسنده"، فقال: حدثنا يزيد بن هارون فذكره بإسناده ومتنه سواء، وله شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عمر، تقدم في باب الرجوع في الهبة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6585
(١٠) - (٨٠٠) - بَابُ مَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ثُمَّ وَرِثَهَا
(١٩) - ٢٣٥٤ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ:
===
(١٠) - (٨٠٠) - (باب من تصدق بصدقة ثم ورثها)
(١٩) - ٢٣٥٤ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عطاء) الطائفي، أصله من الكوفة، صدوق يخطئ ويدلس، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه) بريدة بن الحصيب الأسلمي المروزي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) بريدة بن الحصيب: (جاءت امرأة) من المسلمين، لَمْ أر من ذكر اسمها (إلى النبي ﷺ فقالت) تلك المرأة للنبي صلى الله
стр. 6586
يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ: "آجَرَكِ اللهُ وَرَدَّ عَلَيْكِ الْمِيرَاثَ".
(٢٠) - ٢٣٥٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الرَّقِّيُّ،
===
عليه وسلم: (يا رسول الله، إني تصدقت على أمي) ووالدتي (بجارية) أي: بأمة خادمة لها (وإنها) أي: وإن أمي (ماتت) وليس لها وارث غيري، (فقال) رسول الله ﷺ لتلك المرأة: (آجرك) - بالمد والقصر وكسر الكاف خطابًا للمؤنث - أي: أثابك (الله) تعالى على تصدقك على أمك؛ أي: ثبت أجرك عند الله تعالى (ورد عليك) الأمة (الميراث) أي: ميراثك عن أمك؛ أي: رجع الله تعالى عليك الأمة بسبب لا دخل لك فيه، فلا يكون سببًا لنقصان الأجر في الصدقة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن أخرجه أحمد في "المسند"، وتقدم تخريجه للمؤلف في كتاب الصيام، باب من مات وعليه صيام من نذر.
فدرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث بريدة بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٠) - ٢٣٥٥ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقةٌ متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الله بن جعفر) بن غيلان - بالمعجمة - (الرقي) أبو عبد الرَّحمن
стр. 6587
حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي أَعْطَيْتُ أُمِّي حَدِيقَةً لِي، وَإِنَّهَا
===
القرشي مولاهم، ثقةٌ، لكنه تغير في آخره فلم يفحش اختلاطه، من العاشرة، مات سنة عشرين ومئتين (٢٢٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبيد الله) بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي مولاهم الجزري الرقي، ثقةٌ فقيه ربما وهم، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الكريم) بن مالك الجزري أبي سعيد الحراني مولى بني أمية الخضرمي - بالخاء والضاد المعجمتين - نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقةٌ متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ) يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبد الله بن عمرو: (جاء رجل) من المسلمين (إلى النبي ﷺ لَمْ أر من ذكر اسمه (فقال) ذلك الرجل: (إني أعطيت) يا رسول الله (أمي حديقة) أي: بستانًا (لي) لتأكل من ثمارها، (وإنها)
стр. 6588
مَاتَتْ وَلَمْ تَتْرُكْ وَارِثًا غَيْرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَجَبَتْ صَدَقَتُكَ، وَرَجَعَتْ إِلَيْكَ حَدِيقَتُكَ".
===
أي: وإن أمي (ماتت) الآن (و) الحال أنَّها (لم تترك وارثًا) يرثها (غيري) فكيف أفعل بتلك الحديقة؟ (فقال) له (رسول الله ﷺ : وجبت) وثبتت (صدقتك) أي: ثبت أجرها لك عند الله تعالى (ورجعت إليك حديقتك) بالميراث من أمك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث بريدة بن الحصيب رواه مسلم في "صحيحه" وأصحاب "السنن الأربعة".
فدرجته: أنه صحيح بما قبله؛ لصحة إسناده إلى عمرو بن شعيب بن محمد عن جده عند من يحتج بحديثه، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
قال السندي: قوله: "وجبت صدقتك" أي: تمت ونفذت، والمعنى: ما حصل فيها نقص بسبب الرجوع إليك بالإرث.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول منهما للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6589
(١١) - (٨٠١) - بَابُ مَنْ وَقَفَ
(٢١) - ٢٣٥٦ - (١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(١١) - (٨٠١) - (باب من وقف)
والوقف لغةً: الحبس، يقال: وقفت الدابة بمعنى أوقفتها ومنعتها من المشي، وأوقفت السيارة: عطلتها من السير.
واصطلاحًا: حبسُ مال معين قابل للنقل يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، وقطعِ التصرف فيه، على أن يصرف في جهةِ خير؛ تقربًا إلى الله تعالى.
وأركانه أربعة: واقف، وموقوف، وموقوف عليه، وصيغة. انتهى "ب ج".
(٢١) - ٢٣٥٦ - (١) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي (الجهضمي) البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا معتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عون) بن أرطبان المزني مولاهم البصري، ثقةٌ ثبت، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته؛ لأنه من مسند ابن عمر، بخلاف الرواية الآتية؛
стр. 6590
قَالَ: أَصَابَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي أَصَبْتُ
====
فإنه جعله من مسند عمر، فيكون من سداسياته؛ كما سيأتي، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (أصاب عمر بن الخطاب) أي: أخذ (أرضًا) وصارت إليه (بـ) قسم أرض (خيبر) بين الغانمين لها حين فتحت خيبر عنوة، وقسمت أرضها بينهم (فأتى) عمر (النبي ﷺ حالة كون عمر (فاستأمره) أي: استشار النبي ﷺ فيما يفعل فيها، وفي رواية مسلم زيادة: (فيها) أي: يستشيره فيما يفعل بتلك الأرض من البيع أو الوقف أو المساقاة لأهلها، طالبًا في ذلك أمر النبي ﷺ بما رأى فيها من إمساكها أو وقفها أو هبتها أو بيعها، وفي هذا استحباب أن يستأمر الرجل أهل العلم والدين والفضل في طرق الخير، سواء كانت دينية أو دنيوية، واستحباب أن يشير المستشار بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور، وأن مثل هذا السؤال لا يدخله الرياء، بخلاف ما يقوله جهال المتقشفة، كذا في "مبسوط السرخسي" (١٢/ ٢١).
وقد وقع في رواية صخر بن جويرية عند البخاري في الوصايا أن اسم الأرض: شمغ، وكانت نخلًا، وذكر الحموي في "معجم البلدان" (٢/ ٨٤): أنه بسكون الميم، وقيده بعض المغاربة بالتحريك.
وأخرج عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بشمغ، حكاه الحافظ في "الفتح".
(فقال) عمر في الاستشارة: (يا رسول الله؛ إني أصبت) أي: أخذت
стр. 6591
مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتَ .. حَبَسْتَ أَصلَهَا وَتَصدَّقْتَ بِهَا"،
===
في نصيبي من الغنيمة (مالًا) أي: أرضًا (بخيبر) ذات نخل، تسمى: شمغًا (لم أصب) -بضم الهمزة- من أصاب الرباعي؛ أي: آخذ (مالًا) أي: أرضًا (قط) أي: في زمن من الأزمنة الماضية من عمري (هو) أي: ذلك المال (أنفس) أي: أجود وأطيب (عندي منه) أي: من المال الذي حصلته بخيبر، وكان مقتضى السياق أن يقول: منها، ولكنه ذكَّره؛ نظرًا إلى أنها بمعنى المال، وفي "العون": الضمير يرجع إلى قوله: (أرضًا) ولعل تذكيره باعتبار تأويلها بالمال. انتهى.
والأنفس بمعنى النفيس؛ لأنه اسم فاعل من نفس المضموم، لا اسم تفضيل، والنفيس: الجيد المغتبط به، يقال: نفس المال؛ من باب كرم نفاسة؛ إذا كان جيدًا، قال الداوودي: سمي نفيسًا؛ لأنه يأخذ النفس ويجذبها إليه، كذا في "فتح الباري".
(فما) ذا (تأمرني به) فيها؟ أي: في تلك الأرض، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (إن شئت .. حبست) -بتخفيف الموحدة وتشديدها- أي: وقفت (أصلها) أي: نخلها وأرضها على ملك الله تعالى، وهذا على قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: معناه: حبسته على ملكك؛ فلا تخرجها عن ملكك بالبيع والهبة (وتصدقت بها) أي: بغلتها وحاصلها من حبوبها وثمارها وتصدقت بمنافعها.
وفي قوله: "حبست ... " إلى آخره .. استيفاء الشروط والأركان، فأشار بالحبس إلى الصيغة، وهو يستلزم الواقف والموقوف عليه والموقوف.
стр. 6592
قَالَ: فَعَمِلَ بِهَا عُمَرُ عَلَى أَلَّا يُبَاعَ أَصْلُهَا وَلَا يُوهَبَ وَلَا يُورَثَ، تَصَدَّقَ بِهَا لِلْفُقَرَاءِ وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ،
===
وقوله: "وتصدقت بها" أي: جعلت منافعها للفقراء، وقد وقع ذلك صريحًا في رواية يحيى بن سعيد عند الطحاوي، ولفظها: "تصدَّقَ بثمرِه، وحَبَسَ أصلَهُ"، وفي رواية عبيد الله بن عمر عند النسائي: "احبس أصلها، وسبل ثمرتها".
والتسبيل: الإباحة؛ كأنك جعلت عليها طريقًا مطروقة، كذا في "مجمع البحار"، وقال السندي: قوله: "وسبل" - بتشديد الباء - أي: اجعل ثمرتها في سبيل الله، ومنه يقال: الوقف المسبل؛ يعني: المباح لكل أحد.
(قال) ابن عمر: (فعمل بها) أي: تصدق بها (عمر) أي: وقف أرضه رضي الله تعالى عنه (على) شرط (ألا يباع أصلها) أي: أرضها ونخلها وأشجارها؛ أي: لا يبيعه الواقف ولا الناظر (ولا يوهب) أصلها: أي: لا يهبه الواقف ولا الناظر (ولا يورث) أصلها لوارث الواقف، وظاهره أن هذا الشرط من كلام عمر رضي الله تعالى عنه، وفي رواية مسلم زيادة: (قال) ابن عمر: فـ (تصدق بها) أي: بتلك الأرض عمر على أن تصرف غلتها (للفقراء) أي: تقسم حبوبها وثمارها للفقراء الذين لا مال لهم ولا كسب يقع موقعًا من حاجاتهم.
(و) على أن تصرف (في) ذوي (القربى) للواقف، أي: وفي الأقارب له، والمراد: قربى الواقف؛ لأنهم الأحق بصدقة قريبهم، ويحتمل -على بعد- أن يراد به: قربى النبي ﷺ ؛ كما في الغنيمة (و) على أن تصرف (في الرقاب) أي: في فك الرقاب وعتقهم وإخراجهم من رقهم؛ بأن يشترى من غلتها رقاب فيعتقون (و) على أن تصرف (في سبيل الله) تعالى؛ أي: في
стр. 6593
وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ.
===
مؤن الجهاد، وهو أعم من الغزاة ومن شراء آلات الحرب وغير ذلك (و) على أن تصرف في حوائج (ابن السبيل) والمسافرين (و) في حوائج (الضيف) والمراد به: مريد السفر.
وأطلق عليه ابن السبيل؛ لشدة ملازمته للسبيل؛ وهي الطريق، ولو بالقصد، وبالضيف: من نزل بقوم وهو يريد القرى منهم، قال العيني في "العمدة": وهو من قبيل عطف العام على الخاص؛ لأن الضيف يكون من المسافر ومن المقيم.
(لا جناح) أي: لا ذنب ولا إثم (على من وليها) أي: ولي أمر هذه الصدقة وسياستها وعملها (أن يأكل منها) أي: من غلتها وثمرتها (بالمعروف) أي: بالوجه المعروف شرعًا، وبالذي يتعارفه الناس فيما بينهم؛ بحيث لا ينسبون فاعله لإفراط فيه ولا تفريط، قال القرطبي: جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حنى لو اشترط الواقف أن العامل لا يأكل منه .. يستقبح ذلك منه.
والمراد بالمعروف: القدر الذي جرت به العادة، وقيل: القدر الذي يدفع به الشهوة، وقيل: المراد: أن يأخذ منه قدر أجرة عمله، والأول أولى، كذا في "فتح الباري".
(أو يطعم) معطوف على يأكل؛ أي: لا جناح على من وليها أن يأكل هو بنفسه منها بالمعروف أو أن يطعم (صديقًا) له منها بالمعروف، والصديق - بفتح الصاد وكسر الدال المخففة - ضد العدو.
وقوله: (غير متمول) منها حال من فاعل يأكل ويطعم؛ أي: له أن يأكل
стр. 6594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
منها بنفسه ويطعم صديقًا، حالة كونه غير متخذ منها مالًا؛ أي: مالًا مملوكًا له منها في أكله وإطعامه منها، والمراد: أنه لا يتملك شيئًا من رقابها، قاله القسطلاني، وقال القاري: أي: غير مدخر منها؛ يعني: لا يجوز أن يكون أكله وإطعامه على وجه التمول والتمليك وتكثير المال، وإنما يكون المعتاد في أكله وإطعامه. انتهى من "الكوكب".
تتمة
قوله: (فتصدق بها عمر على ألا يباع أصلها ولا يوهب ... ) إلى آخره، كذا وقع لأكثر الرواة، وظاهره أن هذا الشرط من كلام عمر رضي الله تعالى عنه، ولكن وقع في بعض الروايات الأخرى ما ظاهره أنه كان من كلام النبي ﷺ ؛ فمنها: ما أخرجه البخاري في الوصايا، في باب قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (١)، من طريق صخر بن جويرية عن نافع، وفيه: (فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره").
ومنها: ما أخرجه الطحاوي من طريق أبي عاصم وسعيد بن سفيان الجحدري عن ابن عون عن نافع، وفيه: (قال: "إن شئت .. حبست أصلها لا تباع ولا توهب") قال أبو عاصم: وأراه قال: (لا تورث)، ذكره في "شرح معاني الآثار"، في كتاب الهبة والصدقة، باب الصدقات الموقوفات (٢/ ٢٠٧).
ومنها: ما أخرجه الطحاوي أيضًا، والبيهقي في "سننه" (٦/ ١٦٠) من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن نافع، وفيه: (فقال له النبي ﷺ : "تصدق بثمره، واحبس أصله لا يباع ولا يورث") ولفظ
стр. 6595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الطحاوي: "تصدق به؛ تقسم ثمره، وتحبس أصله لا تباع ولا تورث" فهؤلاء الأربعة: صخر بن جويرية، وأبو عاصم، وسعيد الجحدري، ويحيى بن سعيد الأنصاري .. كلهم يجعلون هذا الشرط من كلام النبي ﷺ ، ولا مانع من أن يكون من كلامهما جميعًا، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر، والظاهر: أن النبي ﷺ هو الذي بين هذا الشرط أولًا، فلما وقف عمر رضي الله تعالى عنه أرضه فعلًا .. ذكر هذا الشرط في وقفه، والله تعالى أعلم.
قوله: (فتصدق عمر في الفقراء ... ) إلى آخره، ظاهره أنه وقف أرضه في عهد النبي ﷺ ، ولكن ربما يشكل عليه ما أخرجه أبو داوود في رقم (٢٨٧٩) من كتاب هذا الوقف لعمر، وفيه: أن كاتب هذا الوقف لعمر هو معيقيب، وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن معيقيبًا كان كاتبه في زمن خلافته، وقد وصفه فيه بأنه أمير المؤمنين.
وجمع بينهما الحافظ في "الفتح" (٥/ ٣٠١) بأنه يحتمل أن يكون وقفه في زمن النبي ﷺ باللفظ، وتولى هو بنفسه النظر عليه إلى أن حضرته الوصية، فكتب حينئذ الكتاب، ويحتمل أن يكون آخر وقفيته، ولم يقع منه قبل ذلك إلا استشارته في كيفيته.
وقد روى الطحاوي وابن عبد البر من طريق مالك عن ابن شهاب، قال: قال عمر: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ .. لرددتها، فهذا يشعر بالاحتمال الثاني، وأنه لم ينجز الوقف إلا عند وصيته.
وقد يقال: يستبعد من مثل عمر رضي الله تعالى عنه أن يؤخر ما أشار به
стр. 6596
(٢٢) - ٢٣٥٧ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ،
===
النبي ﷺ إلى آخر حياته، والظاهر أنه لم يؤخر الوقف، وإنما أخر كتابته، وأما ما رواه الطحاوي وابن عبد البر .. فعلى تقدير صحته، فإنه من مرسل ابن شهاب، يحتمل أن يكون عمر يرى أن مثل هذا الوقف يجوز فيه الرجوع؛ كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ويحتمل أن يكون مراده: أني لو لم أعمل بنيتي في الوقف على عهد رسول الله ﷺ .. لرجعت في نيتي ولما وقفته، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب الشروط، باب الشروط في الوقف، وكتاب الوصايا، وكتاب الأيمان، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوقف، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يوقف الوقف، والترمذي في كتاب الأحكام، باب في الوقف، والنسائي في كتاب الإحباس، باب كيف يكتب الحبس، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٢) -٢٣٥٧ - (٢) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) المكي، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق صنف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
стр. 6597
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ الْمِئَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهَا وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "احْبِسْ أَصْلَهَا
===
(حدثنا سفيان) بن عيينة، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أبي عثمان المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
(قال) ابن عمر: (قال عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته؛ لأنه من مسندات عمر، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات.
(يا رسول الله؛ إن المئة سهم) أي: إن السهام المئة (التي) أخذتها (بخيبر) حيث قسمت الغنيمة بين المسلمين، وجملة قوله: (لم أصب) خبر إن في قوله: إن المئة سهم؛ أي: إن تلك السهام لم أصب أنا (مالًا قط) أي: لم آخذ أنا قط مالًا (هو أحب إلي منها) أي: من تلك السهام المئة (وقد أردت) أي: قصدت (أن أتصدق بها) أي: بتلك السهام المئة في سبيل الله تعالى (فقال) لي (النبي ﷺ : احبس أصلها) أي: أرضها
стр. 6598
وَسَبِّلْ ثَمَرَهَا".
(٢٢) - ٢٣٥٧ - (م) قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: (فَوَجَدْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِي كِتَابِي عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ،
===
وشجرها في سبيل الله؛ من الحبس؛ وهو الوقف؛ أي: اجعلها محبوسة في سبيل الله لا تباع ولا توهب ولا تورث.
(وسبل ثمرها) قال السندي: أي: اجعل ثمرتها في سبيل الله؛ أي: في طاعة الله؛ من التسبيل؛ وهو الإباحة؛ أي: أبحها للفقراء والمساكين؛ كأنك جعلت عليها طريقًا مطروقة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث بلفظ عبيد الله: النسائي في كتاب الإحباس، باب حبس المتاع.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عمر، فقال رحمه الله تعالى:
(٢٢) -٢٣٥٧ - (م) (قال) لي شيخي محمد (بن أبي عمر) بعدما حدثني الحديث السابق: (فوجدت هذا الحديث) الذي حدثتكه عن سفيان عن عبيد الله عن نافع؛ أي: وجدته (في موضع آخر في كتابي) أي: من كتابي وثبتي؛ أي: وجدته بلفظ (عن سفيان، عن عبد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبي عبد الرحمن العمري المدني، ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
стр. 6599
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ).
===
(عن نافع، عن ابن عمر قال: قال) والدي (عمر) بن الخطاب.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف، غرضه: بيان متابعة عبد الله بن عمر بن حفص لعبيد الله بن عمر بن حفص في الرواية عن نافع.
(فذكر) عبد الله (نحوه) أي: نحو حديث عبيد الله؛ أي: قريبه لفظًا ومعنىً.
وحديث عبد الله انفرد به ابن ماجه، فهو ضعيف؛ لضعف سنده؛ لأن فيه عبد الله بن عمر بن حفص، فهو ضعيف (٢)(٢٤٧)، وغرضه: بيان المتابعة؛ كما مر آنفًا.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للمتابعة.
والله أعلم
стр. 6600
(١٢) - (٨٠٢) - بَابُ الْعَارِيَّةِ
(٢٣) - ٢٣٥٨ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ،
===
(١٢) - (٨٠٢) - (باب العارية)
والعاريَّةُ - بتشديد الياء على الأفصح، وقد تخفف، وفيها لغة ثالثة؛ وهي عَارَةٌ على وزن ناقَةٍ - لغةً: مأخُوذةٌ من مصدر عارَ؛ إذا ذهب ورجعَ بسُرْعة، ومنه قيل للغلام الخفيف: عَيَّار؛ لكثرةِ ذهابه ومجيئه، وإنما أُخذت من ذلك؛ لذهابِها ومجيئِها بسرعة لمالكها غالبًا.
أو مأخُوذةٌ من التعاوُر؛ وهو التناوُب؛ لأن المستعير والمالكَ يتناوَبان في الانتفاع بها، فحقيقتُها لغةً: الذهابُ والمجيءُ بسرعة.
وشرعًا: إباحةُ الانتفاعِ مِن أهل التبرع بما يحلُّ الانتفاع به مع بقاءِ عَيْنِهِ ليَرُدَّه على المتبرِّع.
وأركانُها أربعة: مُعير، ومستعير، ومُعار، وصيغة.
وهو لفظٌ يُشعر بالإذنِ في الانتفاع به؛ كأَعَرْتُك، أو بطلبِه؛ كأَعِرْني مع لفظ الآخر أو فعلِه. انتهى من "البيجوري على الغاية".
(٢٣) - ٢٣٥٨ - (١) (حدثنا هشامُ بن عمَّار) بن نُصير السلمي الدمشقي صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سُليم العَنْسي -بالنون- أبو عتبة الحمصيُّ، صدوق في روايته عن أهل بلده مُخلّطٌ في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
стр. 6601
حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ".
===
(حدثنا شُرحبيل) بضم أوله وفتح الراء وسكون المهملة (ابن مسلم) بن حامد الخَولاني الشامي، صدوق فيه لينٌ، ووثَّقه أحمدُ والعِجليُّ، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(قال) شُرحبيل: (سمعتُ أبا أُمامة) الباهليَّ صُديَّ بن عَجْلان الصحابيَّ المشهور رضي الله تعالى عنه، سكَن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السندُ مِن رُباعياته، وحكمه: الصحةُ؛ لأن رجالَه صدوقون؛ لأن إسماعيلَ بن عياش روى عن أهل بلده، فهو صدوق ليس مخلّطًا.
أي: سمعتُ أبا أمامة حالة كونه (يقول: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: العاريةُ مؤدَّاة) أي: يجب ردُّها إلى المُعير إن بقيَتْ وردُّ مثلِها أو قيمتِها إن تلفَتْ؛ لأنها أمانة مضمونة.
قال السندي: قوله: (مؤداة) أي: وجَب رَدُّ عينِها إن بقيَتْ، وقيل: مضمونة يجب أداؤُها بِردِّ عَينِها أو قيمتِها إن تَلِفَتْ.
وقال التوربشتي: أي: تُؤدَّى إلى صاحبها؛ واختلَفُوا في تأويلِه على حَسَب اختلافهم في الضمانِ: فالقائلُ بالضمانِ يقولُ: تُؤدَّى عينًا حالَ البقاء، وقيمةً عند التلف، وفائدةُ التأدية عند من يَرى خلافَ ذلك: إلزام المستعير مؤنةَ ردها إلى مالِكها. انتهى من "العون".
(والمِنْحةُ) -بكسر الميم وسكون النون- هي ما يَمْنحُه الرجلُ صاحبَه - أي: يُعطيه - من ذاتِ در؛ ليشربَ لبنَها، أو شجرةٍ؛ ليأكل ثمرها، أو أَرْضًا؛ ليزرعَها (مردودةٌ) فيه: إعلامٌ بِأنَّها تتَضمَّنُ تمليكَ المنفعةِ لا تمليكَ الرَّقَبة. انتهى منه.
стр. 6602
(٢٤) - ٢٣٥٩ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
===
قال السندي: والمنحة في الأصل: العطية؛ ويقال لِما يُعْطي الرجلُ لِيُنْتَفَع به؛ كأرض يُعطيها للزرع، وشاة لِلَّبن، أو شجرة لأكل الثمرة، ومرجعُ الكل إلى تمليك المنفعة، فيجب ردُّ عينه إلى مالكه بعد الفراغ من الانتفاع بها. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في تضمين العارية، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مؤداة، قال أبو عيسى: وفي الباب عن سمرة وصفوان وأنس، قال: وحديثُ أبي أمامة حديث حسن غريب، وأخرجه أحمد وابن حبان والبيهقي.
قال الحافظ الزيلعيُّ: قال صاحبُ "التنقيح": روايةُ إسماعيل بن عياش عن الشاميين جَيِّدَة، وشرحبيلُ من ثقات الشاميين، قاله الإمام أحمد. ووثَّقَهُ أيضًا العجليُّ وابنُ حبان، وضعَّفَه ابنُ معين. انتهى، والحديثُ أخرجه الترمذي في الوصايا مطولًا. انتهى من "التحفة".
فدرجةُ هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحةِ سنده وللمشاركة فيه، وغرضُه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثُمَّ استشهد المؤلف لحديث أَبِي أمامة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٤) - ٢٣٥٩ - (٢) (حدَّثنا هشامُ بن عمار) بن نُصير السلمي الدمشقي، صدوق، من العاشرة مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(وعبدُ الرحمن بن إبراهيم) بن عَمرو العثمانيُّ مولاهم، أبو سعيد لقبه
стр. 6603
الدِّمَشْقِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْعَارِيَّةُ مُؤَدَّاةٌ وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ".
===
دُحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
وقوله: (الدمشقيان) راجع إلى الراويَيْنِ.
(قالا) أي: قال كُلٌّ منهما:
(حدثنا محمد بن شعيب) بن شَابُور -بالمعجمة والموحدة- الأمويُّ مولاهم الدمشقي نزيلُ بيروت، صدوق صحيحُ الكتاب، من كِبار التاسعة، مات سنةَ مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عبد الرحمن بن يزيد) بن جابر الأزديِّ أبي عُتْبَةَ الشاميِّ الدَّارَانِي، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبريِّ أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغيَّر قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحةُ؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: العاريةُ مؤداة) إلى المُعِير إن بقيَتْ، ومضمونة بمثلها أو قيمتها إن تلفَتْ بغير الاستعمالِ المأذون فيه؛ كما هو مقرر في كتب الفقه.
(والمنحةُ) أي: البهيمة المُعْطَاة للمحتاج ليشربَ لبنها مثلًا (مردودة)
стр. 6604
(٢٥) -٢٣٦٠ - (٣) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ح وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ
===
بذاتها إلى مالكها بعد انقطاعِ اللبن، وقد مرَّ ما فيه من البَحْثِ في الحديث المذكور قَبْلَه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في السنن الأربعة من حديث الحسن عن سمرة، ورواه البيهقي في "السنن الكبرى" في كتاب العارية عن ابن عباس والدارقطني.
فدرجتُه: أنه صحيح؛ لصحةِ سنده، ولأن له شواهد، وغرضُه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي أمامة بحديث سمرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٥) -٢٣٦٠ - (٣) (حدثنا إبراهيم بن المستمر) الهذلي العروقي -بضم العين وبالقاف- الناجي -بالنون والجيم- أبو إسحاق البصري، صدوق يغرب، من الحادية عشرة، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا محمد بن عبد الله) بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومئتين (٢١٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا يحيى بن حكيم) المقومي أبو سعيد البصري، ثقة حافظ عابد مصنف، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب لجده، وقيل: هو
стр. 6605
جَمِيعًا، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ".
===
إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من محمد بن عبد الله وابن أبي عدي رويا (عن سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سنة سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، من الطبقة الثالثة، مات سنة عشرة ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سمرة) بن جندب بن هلال الفزاري حليف الأنصار الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات، ولكن فيهما انقطاع؛ لأن في سماع الحسن عن سمرة خلافًا.
(أن رسول الله ﷺ قال: على اليد) الآخذة ضمان (ما أخذت) بعارية أو غصب أو سرقة (حتى تؤديه) أي: حتى تؤدي اليد الآخذة ما أخذته إلى مالكه وترده إليه، ويلزم منه أن السارق يضمن المسروق وإن قطعت يده. انتهى "سندي بزيادة".
أي: يجب على اليد رد ما أخذته.
قال الطيبي: (ما) موصولة مبتدأ مؤخر، و (على اليد) خبره مقدم، والعائد
стр. 6606
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
محذوف؛ تقديره: أي: ما أخذته اليد ضمان على صاحبها، والإسناد إلى اليد على المبالغة؛ لأنها هي المتصرفة، (حتى تؤديه) بصيغة الإسناد إلى الفاعل المؤنث؛ أي: حتى تؤديه تلك اليد إلى مالكه.
والحديث دليل على أنه يجب على الإنسان رد ما أخذته يده من مال غيره بإعارة أو إجارة أو غيرهما حتى يرده إلى مالكه، وبه استدل من قال بأن المستعير ضامن، ويجيء الخلاف في ذلك.
قال القاضي: هذا الحديث دليل على أن العارية مضمونة على المستعير، فلو تلفت في يده .. لزمه الضمان، وبه قال ابن عباس وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهما، وإليه ذهب عطاء والشافعي وأحمد، وذهب شريح والحسن والنخعي وأبو حنيفة والثوري إلى أنها أمانة في يده لا تضمن إلا بالتعدي، وروي ذلك عن علي وابن مسعود. انتهى كذا في "المرقاة"، انتهى من "العون".
قال الحافظ ابن القيم: اختلف أهل الحديث في سماع الحسن من سمرة على ثلاثة أقوال: أحدها: صحة سماعه منه مطلقًا، وهذا قول يحيى بن سعيد وعلي بن المديني وغيرهما، والثاني: أنه لا يصح سماعه منه مطلقًا، وإنما روايته عنه من كتاب، والثالث: صحة سماعه منه حديث العقيقة وحده.
وحديث الحسن هذا عن سمرة في العارية أخرجه الحاكم في "صحيحه"، وقال: هو على شرط البخاري، وفيما قاله نظر؛ فإن البخاري لم يخرج حديث العارية في كتابه من طريق الحسن عن سمرة، وإنما أخرجه من حديث أيوب السختياني عن ابن سيرين، قال: حدثنا سليمان بن عامر الضبي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مع الغلام العقيقة ... " الحديث. انتهى منه.
стр. 6607
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
==
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب في تضمين العارية، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في العارية مؤداة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ إلى هذا.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكر المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6608
(١٣) - (٨٠٣) - بَابُ الْوَدِيعَةِ
(٢٦) - ٢٣٦١ - (١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ الْجَهْمِ الْأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ،
===
(١٣) - (٨٠٣) - (باب الوديعة)
والوديعة لغةً: الشيء الموضوع عند غير صاحبه للاستحفاظ.
وشرعًا: العقد المقتضي للاستحفاظ.
وأركانها أربعة: مودع -بكسر الدال- ومودع عنده -بفتحها- ومودع به -بفتحها- وهي العين المودعة، وصيغة؛ وهي الإيجاب والقبول.
* * *
(٢٦) - ٢٣٦١ - (١) (حدثنا عبيد الله بن الجهم الأنماطي) البصري، مقبول، من الحادية عشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أيوب بن سويد) الرملي أبو مسعود الحميري السيباني - بمهملة مفتوحة ثم تحتانية ساكنة ثم موحدة - نسبة إلى سيبان؛ بطن من حمير، صدوق يخطئ، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ)، وقيل: سنة اثنتين ومئتين. يروي عنه: (د ت ق).
(عن المثنى) بن الصباح اليماني الأَبْنَاوِيِّ - بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعدها نون - نسبة إلى أَبْنَاء فارسَ، أبي عبد الله، نزيل مكة، ضعيف اختلط بأخرة، وكان عابدًا، من كبار السابعة، مات سنة تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه (عم).
стр. 6609
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً .. فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ".
===
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما، مات ليالي الحرة على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف المثنى بن الصباح ومن روى عنه، وكذا أيوب بن مسعود، صدوق يخطئ.
(قال) عبد الله بن عمر: (قال رسول الله ﷺ : من أودع) -بضم الهمزة- واستحفظ (وديعة .. فلا ضمان عليه) لأنه أمين عليها؛ فالأمين لا يضمن الأمانة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٣)(٢٤٨)؛ لضعف سنده، ولعدم المشاركة والشاهد له، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6610
(١٤) - (٨٠٤) - بَابُ الْأَمِينِ يَتَّجِرُ فِيهِ فَيَرْبَحُ
(٢٧) - ٢٣٦٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ
===
(١٤) - (٨٠٤) - (باب الأمين يتجر فيه فيربح)
(٢٧) - ٢٣٦٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن شبيب بن غرقدة) - بمعجمة وقاف - ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الجعد، ويقال: ابن أبي الجعد، ويقال: اسم أبيه عياض (البارقي) - بالموحدة والقاف - نسبة إلى بارق - بكسر الراء - بطن من الأزد؛ وهو بارق بن عدي بن حارثة، وإنما قيل له: بارق؛ لأنه نزل عند جبل يقال له: بارق، فنسب إليه، قاله النووي في "تهذيب الأسماء"، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، سكن الكوفة وهو أول قاض بها. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات، وترجم لهذا الحديث أبو داوود بقوله: (باب في المضارب يخالف).
والمضارب مأخوذ من المضاربة بمعنى المقارضة، ويعبر عنه الفقهاء بقولهم: (باب القراض) - بكسر القاف - وهو لغةً: القطع، يقال: قرضت الثوب بالمقراض؛ أي: قطعته بالمقص.
وشرعًا: قطع الرجل شيئًا من أمواله دافعًا للغير؛ ليعامل فيه، ويقسم الربح بينهما، قال الطيبي: مأخوذة من الضرب في الأرض؛ وهو السفر لما كان الربحُ يحصُلُ في الغالب بالسفر، أو من الضرب في المال؛ وهو التصرف.
стр. 6611
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي لَهُ شَاةً فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ بِدِينَارٍ وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبَرَكَةِ، قَالَ: فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ .. لَرَبَحَ فِيهِ.
===
والعامل مضارب - بكسر الراء - وتسمى المضاربة في لغة أهل الحجاز قراضًا - بكسر القاف - انتهى من "العون".
(أن النبي ﷺ أعطاه) أي: أعطى عروة (دينارًا) لـ (يشتري له) أي: ليشتري عروة للنبي ﷺ (شاةً) واحدة (فاشترى له) ﷺ بذالك الدينار (شاتين، فباع) عروة (إحداهما) أي: إحدى الشاتين (بدينار، فأتى) عروة (النبي ﷺ بدينار وشاة، فدعا له) أي: لعروة (رسول الله ﷺ بالبركة) في تجارته وعمله.
قال شبيب بن غرقدة: (قال) لنا عروة: (فكان) هو؛ أي: عروة أنه (لو اشترى التراب) فباعه .. (لربح فيه) أي: في ذلك التراب فضلًا عن المال، هذا مبالغة في ربحه أو حقيقة؛ فإن بعض أنواع التراب يباع؛ كـ "الأرميني" في مصر، و"البراشا" في الأرميا.
قوله: (فاشترى له شاتين) فيه دليل على أنه يجوز للوكيل إذا قال له الموكل: اشتر بهذا الدينار شاة، ووصف له الشاة التي أمره بشرائها .. أن يشتري به شاتين بالصفة المذكورة؛ لأن مقصود الموكل قد حصل، وزاد الوكيل خيرًا، ومثل هذا لو أمره أن يبيع شاة بدرهم، فباعها بدرهمين، أو بأن يشتريها بدرهم، فاشتراها بنصف درهم، وهو الصحيح عند الشافعية؛ كما نقله النووي، قاله الشوكاني. انتهى منه.
قوله: (فباع إحداهما) فيه دليل على صحة بيع الفضولي، وبه قال مالك
стр. 6612
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والشافعي في القول القديم، وقواه النووي، وهو مروي عن جماعة من السلف؛ منهم: علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر رضي الله تعالى عنهم.
وقال الشافعي في الجديد: إن البيع الموقوف والشراء الموقوف باطلان؛ لقوله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك"، وأجاب عن حديث عروة البارقي بما فيه من المقال، وعلى تقدير الصحة، فيمكن أنه كان وكيلًا في البيع، بقرينة فهمه منه ﷺ .
وقال أبو حنيفة: إنه يكون البيع الموقوف صحيحًا دون الشراء، والوجه: أن الإخراج عن ملك المالك مفتقر إلى إذنه، بخلاف الإدخال.
ويجاب بأن الإدخال للمبيع في الملك يستلزم الإخراج من الملك للثمن، وروي عن مالك العكس من قول أبي حنيفة، فإن صح .. فهو قوي؛ لأن فيه جمعًا بين الأحاديث، قاله الشوكاني.
والحديث لا يدل صريحًا على ما ترجم به أبو داوود؛ لأن القصة المذكورة فيه ليست من باب المضاربة؛ كما لا يخفى.
وبوب الشيخ ابن تيمية في "المنتقى" بقوله: (باب من وكل في شراء شيء فاشترى بالثمن أكثر منه وتصرف في الزيادة) وأورد فيه هذا الحديث.
وأما معنى ترجمة ابن ماجه؛ أي: هذا (باب الأمين) والوكيل في شراء شيء، فـ (يتجر) أي: فيكتسب الربح (فيه) أي: فيما وكل فيه (فيربح) أي: فيحصل الربح فيما اكتسب فيه، ثم يأتي برأس المال وربحه إلى موكله.
فالحديث موافق لترجمة ابن ماجه، دون ترجمة أبي داوود. انتهى من "العون" بزيادة.
стр. 6613
(٢٧) - ٢٣٦٢ - (م) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري رواه في "صحيحه" في كتاب بدء الخلق، في الباب الذي قبل باب فضائل الصحابة من طريق ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة سمعت الحي يحدثون عن عروة البارقي، وهو مرسل؛ لأن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة، وإنما سمعه من الحي، وقال الرافعي: هو مرسل، قال الحافظ في "الفتح": الصواب: أنه متصل في إسناده مبهم، والله أعلم.
وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في المضارب يخالف، والترمذي في كتاب البيوع، باب (٢٨) رقم (١٢٥٨).
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عروة البارقي ﵁، فقال:
(٢٧) - ٢٣٦٢ - (م) (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر (الدارمي) أبو جعفر السرخسي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا حبان) بفتح الحاء المهملة (ابن هلال) أبو حبيب البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومئتين (٢١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو الحسن البصري، أخو حماد بن زيد، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة سبع وستين ومئة
стр. 6614
عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْخِرِّيتِ، عَنْ أَبِي لَبِيدٍ لِمَازَةَ بْنِ زَبَّارٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ قَالَ: قَدِمَ جَلَبٌ فَأَعْطَانِي النَّبِيُّ ﷺ دِينَارًا، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
===
(١٦٧ هـ). يروي عنه: (م د ت ق)، وجاء في نسخة من السنن (سعيد بن يزيد) وهو تصحيف.
(عن الزبير بن الخريت) - بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم فوقانية - البصري، ثقة من الخامسة. يروي عنه: (خ م د ت ق).
(عن أبي لبيد) بفتح اللام (لمازة) بكسر اللام وتخفيف الميم وبالزاي (ابن زبار) - بفتح الزاي وتشديد الموحدة آخره راء مهملة - الأزدي الجهضمي البصري، صدوق ناصبي، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن عروة بن أبي الجعد البارقي) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، وغرضه: بيان متابعة أبي لبيد لشبيب بن غرقدة في الرواية عن عروة البارقي.
(قال) عروة: (قدم) المدينة المنورة (جَلَبٌ) - بفتحتين - أي: حيوانٌ مجلوبٌ للبيع (فأعطاني النبي ﷺ دينارًا) واحدًا لأشتري له شاة واحدة، (فذكر) أبو لبيد (نحوه) أي: نحو حديث شبيب وقريبه لفظًا ومعنىً.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 6615
(١٥) - (٨٠٥) - بَابُ الْحَوَالَةِ
(٢٨) - ٢٣٦٣ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي الزِنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ،
===
(١٥) - (٨٠٥) - (باب الحوالة)
الحوالة - وهي بفتح الحاء، وحكي كسرها - لغةً: التحول؛ أي: الانتقال.
وشرعًا: نقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وأركانها خمسة، بل ستة: محيل، ومحتال، ومحال عليه، ودينان: دين المحتال على المحيل، ودين المحيل على المحال عليه، وصيغة؛ كما في البيع؛ كأحلتك على فلان بالدين الذي لك عليَّ، على الدين الذي لي على فلانٍ، وهي رخصة؛ لأنها بيع دين بدين، جوز للحاجة على الأصح، وقيل: إنها استيفاء. انتهى "ب ج".
(٢٨) - ٢٣٦٣ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهِلَالِيُّ الكوفي ثم المكي، ثقة إمام مدلس، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 6616
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "الظُّلْمُ مَطْلُ الْغَنِيِّ،
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : الظلم مطل الغني) في الكلام تقديم وتأخير؛ تقديره: أي: مطل الغني ظلم؛ لأن المحكوم عليه هو المطل، والظلم محكوم به؛ كما في رواية حديث ابن عمر الآتي.
وفي حديث أبي هريرة في رواية مسلم: (مطل الغني) أي: تسويف القادر المتمكن من أداء الدين الحال وتأخيره عن أدائه (ظلم) منه لرب الدين، فهو حرام، بل كبيرة.
قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه.
فمطل الغني؛ ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور، ولو كان غنيًا، ولكنه ليس متمكنًا من الأداء؛ لغيبة المال أو لغير ذلك، فيجوز له التأخير إلى وقت الإمكان.
قال القرطبي: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن من ذلك، وطلب المستحق حقه، يقال: مطل الدين؛ من باب نصر؛ إذا امتنع من أدائه مع تمكنه منه.
وقوله: (مطل الغني) من باب إضافة المصدر إلى فاعله، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة، وهو في الشرع محرم مذموم.
ووجهه هنا: أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل، فحق به الذم والعقاب.
стр. 6617
وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ .. فَلْيَتْبَعْ".
===
(وإذا أتبع أحدكم) بالبناء للمفعول؛ من الاتباع؛ وهو أن يجعل غيره يطالب ثالثًا؛ وهو إحالة الدين على الثالث؛ أي: إذا أحيل أحدكم بدينه (على) محال عليه (مليء) - بهمز آخره - فعيل من ملؤ الرجل بوزن كرم؛ إذا صار غنيًا، فهو مليء، ورواه بعضهم بتشديد الياء، فكأنه الهمزة؛ ولهذا قال الكرماني: الملي كالغني لفظًا ومعنىً، ورد بأن أصله مهموز.
(فليتبع) - بفتح الياء وإسكان التاء أمر من باب سمع - أي: إذا أحيل أحدكم على محال عليه موسر .. فليحتل؛ وذالك لما فيه من التيسير على المديون.
والأمر فيه محمول على الندب عند الجمهور؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر.
وحمله داوود على الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر، فليس بصحيح؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال، وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم.
وأيضًا فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر وتنفيس عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق.
وإذا تقرر ذلك .. فالحوالة معناها: تحويل الدين من ذمة إلى ذمة، وهي مستثناة من بيع الدين بالدين؛ لما فيها من الرفق والمعروف، ولها أركان وشروط مبسوطة في الفروع. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحوالة، باب إذا أحال على مليء .. فليس له رد، وفي كتاب الاستقراض، باب مطل الغني ظلم، ومسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، وأبو داوود في كتاب
стр. 6618
(٢٩) - ٢٣٦٤ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
البيوع، باب ما جاء في المطل، والنسائي في كتاب البيوع، باب مطل الغني، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، ومالك في كتاب البيوع، والدارمي في كتاب البيوع.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٩) - ٢٣٦٤ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن توبة) بن سليمان بن زيد الثقفي أبو سليمان الرازي، أصله من الطائف، ثم نزل قزوين، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يونس بن عبيد) بن دينار العبدي أبي عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع؛ لأن يونس بن عبيد لم يسمع من نافع شيئًا.
стр. 6619
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ .. فَاتْبَعْهُ".
===
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : مطل الغني) أي: تسويفه وتأخيره أداء الدين الذي حل أجله بلا عذر (ظلم) أي: تعد على صاحب الدين حرام من الكبائر (وإذا أحلت) أيها الدائن بدينك، وهو بضم الهمزة مبني للمفعول؛ من الإحالة؛ أي: أحالك المحيل (على) محال عليه (مليء) أي: غني بما يدفعه في قضاء الدين الذي أحيل عليه .. (فاتبعه) - بفتح الفاء ودرج الهمزة وسكون التاء وفتح الموحدة وسكون العين - لأنه أمر مبني على السكون؛ أي: فاحتل على ذلك الغني؛ أي: فَاتْبَعْ المحيلَ ووافق إحالتَه إياك على المحال عليه الغني؛ تيسيرًا عليه في قضائه دينك، والهمزة في قوله: (وإذا أحلت) همزة قطع.
وفي قوله: (فاتبعه) همزة الوصل.
قوله: (مطل الغني) أي: تأخيره أداء الحق من وقتٍ إلى وقتٍ بغير عذرٍ (ظلم) فإنَّ المَطْلَ منعُ أداء ما استحق أداؤه، وهو حرام من المتمكن، ولو كان غنيًّا ولكنه ليس متمكنًا .. جاز له التأخير إلى الإمكان، ذكره النووي.
قال الحافظ: المراد بالغني هنا: من قدر على الأداء فأخره، ولو كان فقيرًا.
قال: وقوله: "مطل الغني" هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى: أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز.
وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيًّا، ولا يكون غناه سببًا لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق
стр. 6620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغني .. فهو في الفقير أولى، ولا يخفى بُعْدُ هذا التأويل. انتهى، انتهى من "التحفة".
قوله: "إذا أحلت على مليء" أي: وإذا جعلت محتالًا تابعًا للغير بطلب الحق وأخذه منه.
قوله: "على مليء" أي: غني، قال في "النهاية": المليء - بالهمزة - الثقة الغني، وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء. انتهى.
قوله: "فاتبعه" أي: فاتبع المحال عليه والحقه؛ لتأخذَ منه حقَّك؛ أي: فلتحتل؛ أي: فلتقبل الحوالة. انتهى باختصار من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي.
فدرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده منقطعًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم