عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "الظُّلْمُ مَطْلُ الْغَنِيِّ،
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : الظلم مطل الغني) في الكلام تقديم وتأخير؛ تقديره: أي: مطل الغني ظلم؛ لأن المحكوم عليه هو المطل، والظلم محكوم به؛ كما في رواية حديث ابن عمر الآتي.
وفي حديث أبي هريرة في رواية مسلم: (مطل الغني) أي: تسويف القادر المتمكن من أداء الدين الحال وتأخيره عن أدائه (ظلم) منه لرب الدين، فهو حرام، بل كبيرة.
قال القاضي وغيره: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه.
فمطل الغني؛ ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام؛ لمفهوم الحديث، ولأنه معذور، ولو كان غنيًا، ولكنه ليس متمكنًا من الأداء؛ لغيبة المال أو لغير ذلك، فيجوز له التأخير إلى وقت الإمكان.
قال القرطبي: المطل: منع قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن من ذلك، وطلب المستحق حقه، يقال: مطل الدين؛ من باب نصر؛ إذا امتنع من أدائه مع تمكنه منه.
وقوله: (مطل الغني) من باب إضافة المصدر إلى فاعله، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه في أصل اللغة، وهو في الشرع محرم مذموم.
ووجهه هنا: أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل، فحق به الذم والعقاب.
стр. 6617
وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ .. فَلْيَتْبَعْ".
===
(وإذا أتبع أحدكم) بالبناء للمفعول؛ من الاتباع؛ وهو أن يجعل غيره يطالب ثالثًا؛ وهو إحالة الدين على الثالث؛ أي: إذا أحيل أحدكم بدينه (على) محال عليه (مليء) - بهمز آخره - فعيل من ملؤ الرجل بوزن كرم؛ إذا صار غنيًا، فهو مليء، ورواه بعضهم بتشديد الياء، فكأنه الهمزة؛ ولهذا قال الكرماني: الملي كالغني لفظًا ومعنىً، ورد بأن أصله مهموز.
(فليتبع) - بفتح الياء وإسكان التاء أمر من باب سمع - أي: إذا أحيل أحدكم على محال عليه موسر .. فليحتل؛ وذالك لما فيه من التيسير على المديون.
والأمر فيه محمول على الندب عند الجمهور؛ لأنه من باب المعروف والتيسير على المعسر.
وحمله داوود على الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر، فليس بصحيح؛ لأن ملك الذمم كملك الأموال، وقد أجمعت الأمة على أن الإنسان لا يجبر على المعاوضة بشيء من ملكه بملك غيره، فكذلك الذمم.
وأيضًا فإن نقل الحق من ذمة إلى ذمة تيسير على المعسر وتنفيس عنه، فلا يجب، وإنما هو من باب المعروف بالاتفاق.
وإذا تقرر ذلك .. فالحوالة معناها: تحويل الدين من ذمة إلى ذمة، وهي مستثناة من بيع الدين بالدين؛ لما فيها من الرفق والمعروف، ولها أركان وشروط مبسوطة في الفروع. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحوالة، باب إذا أحال على مليء .. فليس له رد، وفي كتاب الاستقراض، باب مطل الغني ظلم، ومسلم في كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، وأبو داوود في كتاب
стр. 6618
(٢٩) - ٢٣٦٤ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
البيوع، باب ما جاء في المطل، والنسائي في كتاب البيوع، باب مطل الغني، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في مطل الغني أنه ظلم، ومالك في كتاب البيوع، والدارمي في كتاب البيوع.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٩) - ٢٣٦٤ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن توبة) بن سليمان بن زيد الثقفي أبو سليمان الرازي، أصله من الطائف، ثم نزل قزوين، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يونس بن عبيد) بن دينار العبدي أبي عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، إلا أنه منقطع؛ لأن يونس بن عبيد لم يسمع من نافع شيئًا.
стр. 6619
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِلْتَ عَلَى مَلِيءٍ .. فَاتْبَعْهُ".
===
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : مطل الغني) أي: تسويفه وتأخيره أداء الدين الذي حل أجله بلا عذر (ظلم) أي: تعد على صاحب الدين حرام من الكبائر (وإذا أحلت) أيها الدائن بدينك، وهو بضم الهمزة مبني للمفعول؛ من الإحالة؛ أي: أحالك المحيل (على) محال عليه (مليء) أي: غني بما يدفعه في قضاء الدين الذي أحيل عليه .. (فاتبعه) - بفتح الفاء ودرج الهمزة وسكون التاء وفتح الموحدة وسكون العين - لأنه أمر مبني على السكون؛ أي: فاحتل على ذلك الغني؛ أي: فَاتْبَعْ المحيلَ ووافق إحالتَه إياك على المحال عليه الغني؛ تيسيرًا عليه في قضائه دينك، والهمزة في قوله: (وإذا أحلت) همزة قطع.
وفي قوله: (فاتبعه) همزة الوصل.
قوله: (مطل الغني) أي: تأخيره أداء الحق من وقتٍ إلى وقتٍ بغير عذرٍ (ظلم) فإنَّ المَطْلَ منعُ أداء ما استحق أداؤه، وهو حرام من المتمكن، ولو كان غنيًّا ولكنه ليس متمكنًا .. جاز له التأخير إلى الإمكان، ذكره النووي.
قال الحافظ: المراد بالغني هنا: من قدر على الأداء فأخره، ولو كان فقيرًا.
قال: وقوله: "مطل الغني" هو من إضافة المصدر للفاعل عند الجمهور، والمعنى: أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل بالدين بعد استحقاقه، بخلاف العاجز.
وقيل: هو من إضافة المصدر للمفعول، والمعنى: يجب وفاء الدين ولو كان مستحقه غنيًّا، ولا يكون غناه سببًا لتأخير حقه عنه، وإذا كان كذلك في حق
стр. 6620
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغني .. فهو في الفقير أولى، ولا يخفى بُعْدُ هذا التأويل. انتهى، انتهى من "التحفة".
قوله: "إذا أحلت على مليء" أي: وإذا جعلت محتالًا تابعًا للغير بطلب الحق وأخذه منه.
قوله: "على مليء" أي: غني، قال في "النهاية": المليء - بالهمزة - الثقة الغني، وقد أولع الناس فيه بترك الهمزة وتشديد الياء. انتهى.
قوله: "فاتبعه" أي: فاتبع المحال عليه والحقه؛ لتأخذَ منه حقَّك؛ أي: فلتحتل؛ أي: فلتقبل الحوالة. انتهى باختصار من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي.
فدرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده منقطعًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6621
(١٦) - (٨٠٦) - بَابُ الْكَفَالَةِ
(٣٠) - ٢٣٦٥ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي شُرَحْبِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ
===
(١٦) - (٨٠٦) - (باب الكفالة)
أي: الضمان؛ لتوافق الترجمة الحديث الآتي.
الكفالة - بفتح الكاف - لغةً: مطلق الالتزام.
وشرعًا: التزام إحضار من عليه حق آدمي؛ كالقصاص، في موضع معين في وقت معين؛ كالمحكمة، بخلاف الضمان؛ فإنه التزام ما في ذمة الغير من الحقوق المالية، وهو المراد هنا؛ كما مر آنفًا.
(٣٠) - ٢٣٦٥ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(والحسن بن عرفة) بن يزيد العبدي أبو علي البغدادي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بفتح العين وسكون النون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثني شرحبيل بن مسلم) بن حامد (الخولاني) الشامي، صدوق فيه لين، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
стр. 6622
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ".
===
(قال) شرحبيل: (سمعت أبا أمامة) صدي بن عجلان (الباهلي) الشامي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالشام سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ رجاله رجال الصحيح.
(يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الزعيم) أي: الضامن؛ وهو من التزم ضمان ما في ذمة الغير من الأموال (غارم) أي: ضامن لما التزم ضمانه من الغرم؛ وهو أداء ما التزمه من المال.
والمعنى: أنه ضامنٌ، ومن ضمن دينًا .. لزمه أداؤه. انتهى من "العون".
(والدين مقضي) أي: واجب أداؤه لصاحبه سواء أَدَّاهُ الضامنُ أو الأصيلُ؛ أي: واجب قضاؤُه عند محِله لا هَوَادةَ فيه ولا رُخصة في تأخيره عن مَحِله.
وعبارة السندي: قوله: (مقضي) أي: يجب قضاؤه ولا يسوغ الإمهال والتسامح في أمره. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارة، باب في تضمين العارية، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في أن العارية مضمونة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الكفالة؛ بمعنى الضمان.
واستدلَّ به؛ أي: بهذا الحديث مَن يُنكِرُ الكفالةَ بالنفس؛ لعدم تصوُّرِ الضمان فيه، قاله السندي، والله أعلم.
стр. 6623
(٣١) - ٢٣٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا لَزِمَ غَرِيمًا لَهُ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي أُمَامَةَ بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣١) - ٢٣٦٦ - (٢) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي التاجر أبو جعفر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) نسبة إلى دراورد؛ قرية بخراسان ولد فيها، أبو محمد الجهني مولاهم المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن أبي عمرو) ميسرة مولى المطلب المدني أبي عثمان، ثقة ربما وهم، من الخامسة، مات بعد الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس المكي، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
قال ابن عباس: (أن رجلًا) من المسلمين (لزم) أي: لازم (غريمًا) أي: مدينًا له، لم أر من ذكر اسمهما (له) أي: لذلك الرجل استدان منه (بعشرة دنانير) وقوله: (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته .. متعلق بلزم.
стр. 6624
فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ أُعْطِيكَهُ، فَقَالَ: لَا وَاللهِ؛ لَا أُفَارِقُكَ حَتَّى تَقْضِيَنِي، أَوْ تَأْتِيَنِي بِحَمِيلٍ، فَجَرَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "كَمْ تَسْتَنْظِرُهُ؟ "، فَقَالَ: شَهْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَنَا أَحْمِلُ لَهُ"،
===
(فقال) الغريم للرجل الأول: (ما عندي شيء أعطيكه) عن دينك (فقال) الرجل الأول؛ يعني: الدائن لمدينه الذي لازمه: والله (لا) أتركك عن ملازمتي (والله؛ لا أفارقك حتى تقضيني) أي: تؤديني ديني (أو) حتى (تأتيني بحميل) أي: بضامن يضمن لك عن ديني (فـ) منعه أن يفارقه حتى (جره) أي: جر الدائن مدينه وسحبه (إلى) مجلس (النبي ﷺ ليحكم بينهما (فقال له) أي: للغريم (النبي ﷺ : كم) مدة (تستنظره؟ ) أي: تطلب منه الإنظار والإمهال لك فيها لتطلب له حقه فيها (فقال) الغريم للنبي ﷺ : أطلب منه الإنظار والإمهال لي (شهرًا) لأطلب له حقه فيه.
(فقال رسول الله ﷺ للدائن: (فأنا أحمل) وأكفل (له) أي: لإحضار هذا الغريم بعد شهر، وهذا موضع الترجمة؛ لأنه يدل على صريح الكفالة بلا تأويل، فلا حاجة إلى تأويلها بالضمان بالنظر إلى هذا الحديث، بل تأويلها بالضمان بالنظر إلى الحديث السابق؛ أعني: حديث أبي أمامة، فالأولى أن يقال: في الترجمة حذف؛ والتقدير: باب الكفالة والضمان، فالحديث الأول استدلال على الجزء الأول من الترجمة، وهذا الحديث استدلال على الجزء المحذوف من الترجمة؛ أعني: الضمان، فجمع بينهما في ترجمة واحدة؛ كما يجمعهما الفقهاء فيه، فليتدبر.
لكن في رواية أبي داوود: (فتحمل بها) أي: بتلك الدنانير (النبي
стр. 6625
فَجَاءَهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا؟ "، قَالَ: مِنْ مَعْدِنٍ، قَالَ: "لَا خَيْرَ فِيهَا"، وَقَضَاهَا عَنْهُ.
===
ﷺ فعلى هذه الرواية فلا بد من تأويل الكفالة بالضمان في الحديثين، تأمل.
(فجاءه) أي: فجاء ذلك الغريم النبي ﷺ ، فالضمير المستتر المرفوع للغريم، والبارز المنصوب للنبي ﷺ (في الوقت الذي قالـ) ـه ووعده (النبي ﷺ يعني: عند تمام الشهر المذكور له.
وفي رواية أبي داوود زيادة: (فأتاه) أي: فأتى الغريم النبي ﷺ (بقدر ما وعده) يعني: من الدنانير العشرة (فقال له) أي: للغريم (النبي ﷺ : من أين أصبت) وحصلت (هذا) الذي جئت به من الدنانير العشرة؟ فـ (قال) الغريم للنبي ﷺ : حصلته (من معدن) قال في "القاموس": المعدن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب ونحوه. انتهى.
فـ (قال) النبي ﷺ للغريم: (لا خير) ولا نفع (فيها) أي: في هذه الدنانير التي جئت بها من المعدن؛ أي: لا رخصة في التصرف فيها؛ لأنها لم تُزَكَّ، ففيها حق المساكين، فلا يجوز التصرف فيها قبل التزكية (وقضاها) أي: أدى الدنانير العشرة التي كانت دينًا عليه النبي ﷺ (عنه) تبرعًا؛ لأنه ضامن له، والضامن يغرم بما ضمن له.
قال السندي: قوله: "لا خير" كأنه عَلِمَ أنه ما أَدَّى خُمسَ المأخوذ من
стр. 6626
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المعدن، وإلا .. فالمأخوذ من المعدن إذا كان على وجهه .. يجوز استعماله. انتهى منه.
تتمة
قال الخطابي: وجه رده ﷺ الذهب المستخرج من المعادن وقوله: "لا خير فيها" يُشْبِهُ أن ذلك لسببٍ عَلِمَه رسولُ الله ﷺ في ذلك الذهب خاصَّةً، لا مِن جهة أن الذهب المستخرج لا يباح تموله وتملكه؛ فإن غالب عامة الذهب والفضة مستخرجة من المعادن، وقد أقطع رسول الله ﷺ بلالَ بنَ الحارثِ المعادنَ القَبَلِيَّةَ كانوا يؤدون عنها الحق، وهو عمل المسلمين، وعليه أمر الناس إلى اليوم.
وقد يحتمل أن يكون ذلك السببُ من أجل أن أصحاب المعادن يَبِيعُون تُرابَها ممن يُعالجه ويَصِيغُ منه الذهب أو الفضة، فيحصِّل ما فيه من ذهب أو فضة، وهو غَرر لا يُدْرَى: هل يُوجد فيه شيء منهما أو لا؟
وقد كره بيع تراب المعادن جماعة من العلماء؛ منهم: عطاء والشعبي وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد ابن حنبل وإسحاق بن راهويه.
وفيه وجه آخر: وهو أن معنى قوله: "ليس فيها خير" أي: ليس فيها رواج ولا لحاجتنا فيها نجاح؛ وذالك أن الدين الذي كان تحمله عنه دنانير مضروبة، والذي جاء به تبر غير مضروب، وليس في حضرته من يضربه دنانير، وإنما كان تحمل إليهم الدنانير من بلاد الروم، فأول من وضع السكة في الإسلام وضرب الدنانير عبد الملك بن مروان؛ فهي تدعى المروانية إلى هذا الزمان.
وفيه وجه آخر: وهو أن يكون إنما كرهه؛ لما يقع فيه من الشبهة ويدخله
стр. 6627
(٣٢) - ٢٣٦٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ
===
من الغرر عند استخراجهم إياه من المعدن؛ وذالك أنهم استخرجوه بالعشر أو الخمس أو الثلث، فما يصيبونه وهو غرر لا يدرى: هل يصيب فيه شيئًا أم لا؟ فكان ذلك بمنزلة العقد على رد العبد الآبق، والبعير الشارد، لا يدرى: هل يظفر بهما أم لا؟ وفي هذا الحديث إثبات الحمالة والضمان، وفيه إثبات ملازمة الغريم ومنعه من التصرف حتى يخرج من الحق الذي عليه. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في استخراج المعادن.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به، أو الاستدلال به للجزء الثاني الذي قدرناه؛ وهو الضمان.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي أمامة بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٢) - ٢٣٦٧ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
(حدثنا أبو عامر) عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج.
(عن عثمان بن عبد الله بن موهب) التيمي مولاهم المدني الأعرج، ثقة، من الرابعة مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
стр. 6628
قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا فَقَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ؛ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا"، فَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ: أَنَا أَتَكَفَّلُ بهِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِالْوَفَاءِ"، قَالَ: بِالْوَفَاءِ، وَكَانَ الَّذِي عَلَيْهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا.
===
(قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي قتادة الأنصاري الحارث بن ربعي السلمي - بفتحتين - المدني، شهد أحدًا وما بعدها رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ أتي) بالبناء للمفعول (بجنازة ليصلي عليها) فسأل عنها هل عليها دين أم لا؟ فقالوا: نعم، عليها دين (فقال) لمن عنده: (صلوا على صاحبكم) وميتكم (فإن عليه دينًا، فقال أبو قتادة: أنا أتكفل) وأضمن (به) أي: بدينه عنه، فـ (قال النبي ﷺ لأبي قتادة: أتكفل عنه ("بالوفاء") أي: بوفاء وقضاء ما عليه من الدين؟
(قال) أبو قتادة: تكفلت (بالوفاء) أي: بوفاء ما عليه من الدين، قال أبو قتادة: (وكان) الدين (الذي عليه) أي: على ذلك الميت (ثمانية عشر) درهمًا (أو) قال: كان الذي عليه من الدين (تسعة عشر درهمًا) والشك من عبد الله بن أبي قتادة.
قال السندي: قوله: (أنا أتكفل به) فيه دليل على جواز الضمان عن الميت،
стр. 6629
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومن لا يقول به .. يحمله على الوعد، ولذلك قال: بالوفاء، وعبر بعض الرواة عنه بلفظ الكفالة، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على المديون، والنسائي في كتاب الجنائز، باب الصلاة على من عليه دين.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
تتمة
قال القاضي وغيره: امتناع النبي ﷺ عن الصلاة على المديون إما للتحذير عن الدين والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء، أو كراهة أن يوقف دعاؤه؛ بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم.
وقال القاضي ابن العربي في "العارضة": وامتناعه من الصلاة على من ترك عليه دينًا تحذير عن التقحم في الديون؛ لئلا تضيع أموال الناس؛ كما ترك الصلاة على العصاة زجرًا عنها؛ حتى يجتنب خوفًا من العار، ومن حرمان صلاة الإمام وخيار المسلمين. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
قوله: (فقال أبو قتادة: هو عليَّ) فيه دليل: على جواز الضمان عن الميت سواء ترك وفاء أو لم يترك، وهو قول أكثر أهل العلم، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يصح الضمان من حيث إنه لم يخلف وفاء بالاتفاق، ولو ضمن عن حر معسر دينًا، ثم مات من عليه الدين .. كان الضمان بحاله، فإذا لم يناف موت المعسر دوام الضمان .. فلا ينافي ابتداءه.
стр. 6630
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الطيبي: والتمسك بالحديث أولى من هذا القياس، ذكره القاري نقلًا عن "شرح السنة". انتهى منه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6631
(١٧) - (٨٠٧) - بَابُ مَنِ ادَّانَ دَيْنًا وَهُوَ يَنْوِي قَضَاءَهُ
(٣٣) - ٢٣٦٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبِيدَةُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ،
===
(١٧) - (٨٠٧) - (باب من ادان دينًا وهو ينوي قضاءه)
(٣٣) - ٢٣٦٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبيدة) مكبرًا (ابن حميد) - مصغرًا - ابن صهيب الكوفي أبو عبد الرحمن المعروف بالحذاء التيمي أو الليثي أو الضبي، صدوق نحوي ربما أخطأ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب - بتشديد المثناة الفوقية ثم الموحدة - الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زياد بن عمرو بن هند) الجملي، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (س ق). انتهى من "التقريب"، وقال في "التهذيب": روى عن عمران بن حذيفة، وعنه منصور بن المعتمر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له النسائي وابن ماجه حديثًا واحدًا عن ابن حذيفة هو عمران، مقبول، من الثالثة.
قال في "التهذيب": هو أحد المجاهيل، قال: كانت ميمونة تدان ... الحديث، وعنه زياد بن عمرو بن هند الجملي.
قلت: ذكره مسلم في الطبقة الثانية من أهل الكوفة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وأخرج حديثه في "صحيحه"، وكذا الحاكم، وقال الذهبي في "الميزان": لا يعرف. انتهى منه.
стр. 6632
عَنِ ابْنِ حُذَيْفَةَ - هُوَ عِمْرَانُ - عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مَيْمُونَةَ قَالَ: كَانَتْ تَدَّانُ دَيْنًا، فَقَالَ لَهَا بَعْضُ أَهْلِهَا: لَا تَفْعَلِي، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: بَلَى؛ إِنِّي سَمِعْتُ نَبِيِّي وَخَلِيلِي ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدَّانُ دَيْنًا يَعْلَمُ اللهُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ
===
(عن ابن حذيفة هو عمران، عن أم المؤمنين ميمونة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات؛ كما ذكرنا.
(قال) عمران: (كانت) ميمونة (تدان دينًا) - بتشديد الدال - من ادان؛ إذا استقرض، وهو افتعال من الدين، أصله: اتدان، قلبت تاء الافتعال دالًا فأدغمت الدال في الدال، فصار ادان.
فقوله: (تدان) مضارع مرفوع، أصله: تتدان بتاءين؛ أولاهما تاء المضارعة، ثانيتهما تاء الافتعال، فقلبت دالًا، فأدغمت الدال في الدال، فصار تدان.
أي: كانت ميمونة تستقرض دينًا من الناس؛ أي: تأخذ منهم قرضًا على أن ترد بدله.
(فقال لها) أي: لميمونة (بعض أهلها) وأقاربها: (لا تفعلي) ذلك الاستقراض؛ لأنه قد تكون عاجزة عن رد بدله (وأنكر) ذلك البعض (ذلك) الاستقراض (عليها) أي: على ميمونة؛ مخافة أن تكون مفلسة، فيكون ذلك عارًا عليهم.
(قالت) ميمونة لذلك البعض: (بلى) أي: ليس الأمر كما خفت علي؛ فـ (إني سمعت نبيي) ومخبري ومخبر جميع العالمين عن الله تعالى (وخليلي) ومحبوب قلبي رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم) ومسلمة (يدان) أي: يستقرض (دينًا) من الناس، والحال أنه (يعلم الله) (منه) أي: من ذلك المسلم؛ أي: من قلبه (أنه) أي: أن ذلك المسلم (يريد)
стр. 6633
أَدَاءَهُ .. إِلَّا أَدَّاهُ اللهُ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا".
(٣٤) - ٢٣٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُفْيَانَ مَوْلَى الْأَسْلَمِيِّينَ،
===
ويقصد (أداءه) وقضاءه ووفاءه لصاحبه الذي استقرض منه .. (إلا أداه الله) سبحانه؛ أي: إلا أدى الله ذلك الدين وقضاه (عنه) أي: عن ذلك المستقرض (في) حياته (الدنيا) أي: قبل موته؛ أي: فصار أخذها وصرفها في الخير خيرًا محضًا لا شر فيه. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب البيوع، باب التسهيل فيه رقم (٤٧٠٠).
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ميمونة بحديث عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٤) - ٢٣٦٩ - (٢) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الأسدي الحزامي - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد؛ لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) دينار الديلي المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن سفيان) الأسلمي (مولى الأسلميين) المدني، مقبول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
стр. 6634
عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ مَعَ الدَّائِنِ حَتَّى يَقْضِيَ دَيْنَهُ مَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا يَكْرَهُ اللهُ"، قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ يَقُولُ لِخَازِنِهِ: اذْهَبْ فَخُذْ
===
(عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي عبد الله المدني، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبي جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب الهاشمي، ولد بأرض الحبشة وله صحبة، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وهو ابن ثمانين. يروي عنه: (ع) ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبد الله بن جعفر: (قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله مع الدائن حتى يقضي دينه، ما لم يكن فيما يكره الله") بعونه، لأنه أعان أخاه المديون بالدين، هذا هو المتبادر من اللفظ، لكن كلام عبد الله بن جعفر يشير إلى أن الدائن بمعنى ذي الدين؛ أي: المديون، ثم رأيت في "الصحاح" قال: دان يأتي بمعنى أقرض واستقرض، وعلى هذا فكلام عبد الله مبني على أنه من دان بمعنى استقرض. انتهى "سندي".
(قال) محمد الباقر: (فكان عبد الله بن جعفر) رضي الله تعالى عنه (يقول لخازنه) أي: لصاحب خزنته وخادمه: (اذهب) إلى أصحاب الغنى (فخذ)
стр. 6635
لِي بِدَيْنٍ؛ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبِيتَ لَيْلَةً إِلَّا وَاللهُ مَعِي بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
===
أي: فاستقرض (لي) منهم (بدين) أي: بقرض؛ لنرد لهم بدله إذا حصلنا المال؛ (فإني أكره أن أبيت ليلة) من الليالي (إلا والله معي) أي: بعونه (بعد) الكلام (الذي سمعتـ) ـه (من رسول الله ﷺ في شأن الدين؛ وهو قوله المذكور آنفًا؛ يعني: قوله: "كان الله مع الدائن حتى يقضي دينه" الذي عليه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن أخرجه الدارمي في كتاب البيوع، باب في الدائن معان، والبخاري في "التاريخ الكبير"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب البيوع، قال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" من حديث جعفر وأبيه وعبد الله بن جعفر، ولم يروه عنه إلا سعيد ولا عنه إلا ابن أبي فديك.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6636
(١٨) - (٨٠٨) - بَابُ مَنِ ادَّانَ دَيْنًا لَمْ يَنْوِ قَضَاءَهُ
(٣٥) - ٢٣٧٠ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ صُهَيْبِ الْخَيْرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ زِيَادِ بْنِ صَيْفِيِّ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا صُهَيْبُ الْخَيْرِ،
===
(١٨) - (٨٠٨) - (باب من ادان دينًا لم ينو قضاءه)
(٣٥) - ٢٣٧٠ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا يوسف بن محمد بن صيفي بن صهيب الخير) بن سنان، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال البخاري: فيه نظر.
(حدثني عبد الحميد بن زياد بن صيفي بن صهيب) الرومي، لين الحديث، من الثامنة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: شيخ.
(عن شعيب بن عمرو) بن سليم الأنصاري، وزعم ابن حبان أنه حفيدُ صهيب الرومي شيخِهِ، والأول أثبت، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا صهيب الخير) بن سنان الرومي أبو يحيى المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالمدينة سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ) في خلافة علي ﵁. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة، وقال البوصيري: حكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو يوسف بن محمد.
стр. 6637
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ يَدَيَّنُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَلَّا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ .. لَقِيَ اللهَ سَارِقًا".
(٣٥) - ٢٣٧٠ - (م) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ صُهَيْبٍ،
===
(عن رسول الله ﷺ قال: أيما رجل) أو امرأة (يدين) أي: يستقرض (دينًا وهو مجمع) - بصيغة اسم الفاعل - أي: عازم؛ من أجمع بمعنى عزم؛ أي: عازم في نيته على (ألا يوفيه) أي: على ألا يوفي ذلك الدين ويقضيه (إياه) أي: للمقرض .. (لقي الله) سبحانه يوم القيامة، حالة كونه (سارقًا) أي: على صورة السارق.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكونِ سندِه حسنًا، وله شاهد في "الصحيحين"، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث صهيب الرومي رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٥) - ٢٣٧٠ - (م) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) الأسدي (الحزامي) صدوق، من العاشرة، مرت ترجمته آنفًا، فراجعها.
(حدثنا يوسف بن محمد بن صيفي، عن عبد الحميد بن زياد) بن صيفي.
(عن أبيه) زياد بن صيفي بن صهيب، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن جده صهيب) بن سنان الرومي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
стр. 6638
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
(٣٦) - ٢٣٧١ - (٢) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن في رجاله مختلفًا فيه؛ وهو يوسف بن محمد، غرضه بسوقه: بيان متابعة زياد بن صيفي لشعيب بن عمرو في الرواية عن صهيب بن سنان، فعلى هذا فالمتابعة في التابعي، أو بيان متابعة إبراهيم بن المنذر لهشام بن عمار في الرواية عن يوسف بن محمد، وعلى هذا فالمتابعة في مشايخ المؤلف.
(عن النبي ﷺ وساق زياد بن صيفي (نحوه) أي: نحو حديث شعيب بن عمرو؛ أي: قريبه لفظًا ومعنىً.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث صهيب بن سنان بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٦) - ٢٣٧١ - (٢) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني، نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي الجهني مولاهم المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ثور بن زيد الديلي) المدني، ثقة، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 6639
عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى ابْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا .. أَتْلَفَهُ اللهُ".
===
(عن أبي الغيث مولى) عبد الله (بن مطيع) ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله صدوقون أو ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: من أخذ أموال الناس) باسم الاستعارة أو الاستقراض أو الإجارة مثلًا حالة كونه (يريد إتلافها) على مالكها .. (أتلفه الله) تعالى؛ أي: يجازيه على إتلافه بإتلاف أموره، دينًا ودنيا؛ جزاءً وفاقًا.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الاستقراض، باب من أخذ أموال الناس يريد أداءها أو إتلافها، وفي "التاريخ الكبير" له.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6640
(١٩) - (٨٠٩) - بَابُ التَّشْدِيدِ فِي الدَّيْنِ
(٣٧) - ٢٣٧٢ - (١) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ،
===
(١٩) - (٨٠٩) - (باب التشديد في الدين)
(٣٧) - ٢٣٧٢ - (١) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي - بالمهملة - البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا خالد بن الحارث) بن عُبيد بن سُليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة اليَعْمَرِي - بفتح التحتانية والميم بينهما عين ساكنة مهملة - شامي، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
стр. 6641
عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ فَارَقَ الرُّوحُ الْجَسَدَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ ثَلَاثٍ .. دَخَلَ الْجَنَّةَ؛ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ
===
(عن ثوبان) بن بُجْدَدٍ الهاشمي مولاهم (مولى رسول الله ﷺ الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه صَحِب النبيَّ ﷺ ولازمه في حياته، ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين (٥٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن رسول الله ﷺ أنه قال: من فارق الروح) بالرفع على الفاعلية (الجسد) بالنصب على المفعولية؛ أي: من فارق روحه جسده (وهو بريء) أي: والحال أنه بريء (من ثلاث) خصال .. (دخل الجنة) أولًا.
وقوله: (من الكبر ... ) إلى آخره .. بدل من ثلاث، بدل تفصيل من مجمل، قوله: "من الكبر" بكسر الكاف وسكون الموحدة وبالراء.
(والغلول) وهو ما يأخذه أحد الغزاة من الغنيمة مختصًا به ولا يُحضِرُه إلى أميرِ الجيش ليقسمه بين الغزاة، سواء قل أو كثر، وسواء كان الآخذ أمير الجيش أو أحدهم.
واختلف العلماء في الطعام والعَلُوفة ونحوهما اختلافًا كثيرًا، قاله المنذري في "الترغيب".
وقال الجزري في "النهاية": الغلول: الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفيةً .. فقد غَلَّ.
وسميت غلولًا؛ لأن الأيدي فيها مغلولة؛ أي: ممنوعة مجعول فيها غل؛ وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضًا. انتهى.
стр. 6642
وَالدَّيْنِ".
===
(والدين) بفتح الدال المهملة وسكون التحتية.
(دخل الجنة) يفهم منه أن من مات وهو ليس بريئًا من هذه الثلاث .. لا يدخل الجنة أصلًا إن استحلها، أو ابتداءً حتى يعاقب عليها إن لم يستحلها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في الغلول، والبيهقي، والدارمي في كتاب البيوع، باب ما جاء في التشديد في الدين، والحاكم في "المستدرك" في كتاب البيوع، وأحمد في "مسنده".
قوله: "من الكِبْرِ والغلول والدين " قال الترمذي بعد تخريج هذا الحديث: هكذا قال سعيد (الكَنْزِ) - بفتح الكاف وسكون النون وزاي معجمة - وقال أبو عوانة في حديثه: (الكبر) - بكسر الكاف وسكون الموحدة وراء مهملة - قال: ورواية سعيد أصح.
وقال الحافظ أبو الفضل العراقي: المشهور في الرواية بالباء الموحدة والراء، وذكره ابن الجوزي في "مجمع الأسانيد" عن الدارقطني أنه (الكنز) - بالنون والزاي - لما ذكره ابن مردويه في "تفسيره": ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ (١). انتهى.
قلت: فالكبر - بالباء الموحدة - بمعنى التكبر والعلو، قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ... ﴾ والآية.
وهذا هو الموافق لما بعده؛ إذ الكلام فيما يتعلق بالأموال.
والغلول - بضمتين -: الخيانة في الغنيمة، و (الدين) - بفتح الدال - معروف. انتهى "سندي".
стр. 6643
(٣٨) - ٢٣٧٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
===
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ثوبان بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٨) - ٢٣٧٣ - (٢) (حدثنا أبو مروان) محمد بن عثمان بن خالد الأموي (العثماني) المدني، نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا إبراهيم بن سعد) بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة حجة، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري المدني قاضيها، ثقة فاضل عابد، من الخامسة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمر بن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قاضيها، صدوق يخطئ، من السادسة، قتل بالشام سنة اثنتين وئلاثين ومئة (١٣٢ هـ) مع بني أمية. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 6644
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضى عَنْهُ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : نفس المؤمن معلقة) أي: محبوسة عن مقامها الكريم (بـ) سبب (دينه) الذي مات وهو عليه (حتى يقضى) بالبناء للمفعول؛ أي: حتى يوفى (عنه) ذلك الدين. انتهى منه.
قوله: "نفس المؤمن معلقة" قال السيوطي: أي: محبوسة عن مقامها الكريم.
وقال العراقي: أي: أمرها موقوف لا حكم لها بنجاة ولا هلاك حتى ينظر هل يقضى ما عليها من الدين أم لا؟ انتهى.
وسواء ترك الميت وفاء أم لا؛ كما صرح به جمهور أصحابنا، وشذ الماوردي، فقال: إن الحديث محمول على من أخلف وفاءً، كذا في "قوت المغتذي".
وقال الشوكاني في "النيل": فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت، والإخبار لهم بأن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه.
وأما من لا مال له ومات عازمًا على القضاء .. فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه، بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي الله سبحانه لقضاء دينه، وإن كان له مال ولم يقض منه الورثة، أخرج الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا: "من دان بدين في نفسه وفاؤه
стр. 6645
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ومات .. تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه ومات .. اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة".
وأخرج أيضًا من حديث ابن عمر: "الدين دينان؛ فمن مات وهو ينوي قضائه .. فأنا وليه، ومن مات ولا ينوي قضاءه .. فذلك الذي يؤخذ من حسناته، ليس يومئذ دينار ولا درهم".
وأخرج أحمد وأبو نعيم في "الحلية" والبزَّارُ والطبراني بلفظ: "يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله ، فيقول: يا بن آدم؛ فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب؛ إنك تعلم أني أخذته، فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى على يدي إما حرق وإما سرق وإما ضياع، فيقول الله: صدق عبدي، وأنا أحق من قضى عنك، فيدعو الله بشيءٍ فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته"، هكذا ذكر الشوكاني هذه الأحاديث بغير الإسناد، ولم يَتكلَّم عليها بشيء من الصحة والضعف.
ثم ذكر حديث أبي هريرة مرفوعًا: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها .. أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها .. أتلفه الله" أخرجه البخاري.
ثم ذكر حديث ميمونة: "ما من مسلم يدانُ دينًا يعلم الله أنه يريد أداءه .. إلا أدى الله عنه في الدنيا والآخرة"، قال: أخرج الحاكم بلفظ: "من تداين بدين في نفسه وفاؤُه، ثم مات .. تجاوز الله عنه، وأرضى غريمه بما شاء"، ثم قال: وقد ورد أيضًا ما يدل على أن من مات من المسلمين مديونًا .. فدَيْنُه على مَن إليه ولايةُ أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم، وإن كان له مال .. كان لورثته.
стр. 6646
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أخرج البخاري من حديث أبي هريرة: "ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، فأيما مؤمن مات وترك مالًا .. فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينًا أو ضياعًا .. فليأتني فأنا مولاه".
وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه في حديث آخر: "من ترك مالًا .. فلأهله، ومن ترك دينًا أو ضياعًا .. فإلي وعلي، وأنا أولى بالمؤمنين".
قال الشوكاني: وفي معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه ﷺ أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون، فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال .. صلى على من مات مديونًا وقضى عنه، وذلك مشعر أن من مات مديونًا .. استحق أن يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين، وهو أحد المصارف الثمانية، فلا يسقط حقه بالموت، ودعوى من ادعى اختصاصه ﷺ بذلك .. ساقطة، وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله ﷺ : "وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه" أخرجه أحمد وابن ماجه وسعيد بن منصور والبيهقي، وهم لا يقولون: إن ميراث من لا وارث له مختص برسول الله ﷺ .
وقد أخرج الطبراني من حديث سليمان ما يدل على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة، ولفظه: "من ترك مالًا .. فلورثته، ومن ترك دينًا .. فعلي، والولاة من بعدي من بيت المال". انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الجنائز، باب ما
стр. 6647
(٣٩) - ٢٣٧٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَوَاءٍ، حَدَّثَنَا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ،
===
جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه ... " الحديث، والدارمي في كتاب البيوع، وأحمد في "المسند".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ثوبان بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٩) - ٢٣٧٤ - (٣) (حدثنا محمد بن ثعلبة بن سواء) - بفتح الواو والمد - السدوسي - بفتح المهملة - البصري، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عمي محمد بن سواء) - بتخفيف الواو والمد - السدوسي العنبري - بنون وموحدة - أبو الخطاب البصري المكفوف، صدوق رمي بالقدر، من التاسعة، مات سنة بضع وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن حسين) بن ذكوان (المعلم) المكتب العوذي - بفتح المهملة وسكون الواو بعدها معجمة - البصري، ثقة ربما وهم، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مطر) بن طهمان (الوراق) أبي رجاء السلمي مولاهم الخراساني، صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف، من السادسة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، ويقال: سنة تسع وعشرين ومئة. يروي عنه: (م عم).
стр. 6648
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ وَعَليْهِ دِينَارٌ أَوْ دِرْهَمٌ .. قُضِيَ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ".
===
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مطرًا الوراق، وهو مختلف فيه.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : من مات وعليه دينار أو درهم) دينًا .. (قضي من حسناته) للدائن وأعطي له بقدر دينه (ليس ثم) أي: في يوم القيامة (دينار ولا درهم) يقضى للدائن.
قال السندي: قوله: (قضي من حسناته) أي: أخذ من حسناته ويعطى للدائن في مقابلة دينه. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن، لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6649
(٢٠) - (٨١٠) - بَابٌ: مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا .. فَعَلَى اللهِ وَعَلَى رَسُولِهِ
(٤٠) - ٢٣٧٥ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: إِذَا تُوُفِّيَ الْمُؤْمِنُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
(٢٠) - (٨١٠) - (باب: من ترك دينًا أو ضياعًا .. فعلى الله وعلى رسوله)
(٤٠) - ٢٣٧٥ - (١) (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) الأموي أبو الطاهر (المصري) ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد الأموي الأيلي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ كان يقول: إذا توفي المؤمن) أو المؤمنة؛ أي: مات (في عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن
стр. 6650
وَعَلَيْهِ الدَّيْنُ .. فَيَسْأَلُ: "هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ مِنْ قَضَاءٍ؟ "، فَإِنْ قَالُوا: نَعَمْ، صَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالُوا: لَا، قَالَ: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"،
===
حياته ﷺ (و) الحال أن (عليه) أي: على ذلك المؤمن (الدين) سواء كان لله أو لآدمي.
والفاء في قوله: (فيسأل) رسول الله ﷺ زائدة في جواب (إذا) الشرطية؛ أي: يسأل (هل ترك) هذا الرجل (لدينه) الذي عليه (من قضاء؛ ) أي: من وفاء؛ أي: ما يُقْضَى به دينُه، و (من) زائدة في المفعول (فإن قالوا) أي: إن قال الحاضرون عنده: (نعم) أي: ترك لدينه وفاءً .. (صلى) رسول الله ﷺ (عليه) أي: على ذلك الميت صلاة الجنازة (وإن قالوا) أي: قال الحاضرون: (لا) أي: ما ترك لدينه وفاءً .. (قال) من حضر عنده: ("صلوا على صاحبكم") أي: على ميتكم صلاة الجنازة، وأما أنا .. فلا أصلي عليه.
قال القاضي وغيره: امتناع النبي ﷺ من الصلاة على المديون الذي لم يترك لدينه وفاء؛ إما للتحذير عن الدين والزجر عن المماطلة والتقصير في الأداء، أو كراهة أن يوقف دعاؤه بسبب ما عليه من حقوق الناس ومظالمهم.
وقال القاضي ابن العربي في "العارضة": وامتناعه من الصلاة على من ترك عليه دينًا؛ تحذيرًا من التقَحُّمِ في الديون؛ لئلا تَضِيعَ أموالُ الناس؛ كما ترك الصلاة على العصاة زجرًا عنها؛ حتى يُجْتَنب خوفًا من العارِ، ومِن حرمان صلاة الإمام وخيارِ المسلمين. انتهى، انتهى من "التحفة".
وفي قوله: "صلوا على صاحبكم" الأمر بصلاة الجنازة، وهي فرض كفاية؛ كما في "النووي"؛ يعني: أنه ﷺ كان في أول الأمر لا يصلي
стр. 6651
فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ الْفُتُوحَ .. قَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ" فَمَنْ تُوُفِّيَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ .. فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا .. فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ".
===
على ميت عليه دين لا وفاء له (فلما فتح الله) (على رسوله ﷺ الفتوح) والغنائم .. (قال) رسول الله ﷺ : (أنا أولى بالمؤمنين) وأحق بهم؛ أي: برعاية مصالحهم في الدين والدنيا والآخرة (من أنفسهم) وأعلم بمضارهم ومنافعهم (فمن توفي) بالبناء للمجهول؛ أي: مات منهم (وعليه دين) سواء كان لله أو لآدمي .. (فعلي قضاؤه) أي: أداء ذلك الدين عنه، وكان ذلك من خالص ماله، وقيل: من بيت المال، قاله الكرماني (ومن ترك مالًا) قليلًا كان أو كثيرًا .. (فهو) أي: فذلك المال مقسوم الورثته) لا حظ لي فيه.
قال القرطبي: سؤال النبي ﷺ عن الميت: هل عليه دين أو لا، وامتناعه من الصلاة على من مات وعليه دين ولم يترك وفاءً .. إشعار بصعوبة أمر الدين، وأنه لا ينبغي أن يتحمله الإنسان إلا من ضرورة، وأنه إذا أخذه .. فلا ينبغي أن يتراخى في أدائه إذا تمكن منه، لما قدمناه من أن الدين شين، والدين هم بالليل ومذلةٌ بالنهار، وإخافةٌ للنفوس، بل وإرقاق لها، وكان هذا من النبي ﷺ ليرتدعَ مَن يتساهل في أخذ الدين، حتى لا تَتَشوَّشَ أوقاتهم عند المطالبة، وكان هذا كله في أول الإسلام، وقد حكي أن الحرَّ كان يباع في الدين في ذلك الوقت؛ كما رواه البزار من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ يقال له: سُرَّقُ، ثم نسخ ذلك كله بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). انتهى من "المفهم".
стр. 6652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال أيضًا قوله: (وعليه دين) يعم الديون كلها، ولو افترق الحال والحكم .. لتعين التنويع أو السؤال، ويحتمل أن يكون ﷺ تبرع بالتزام ذلك على مقتضى كرم أخلاقه، لا أنه أمر واجب عليه.
وقال بعض أهل العلم: بل يجب على الإمام أن يقضي من بيت المال دين الفقراء اقتداء بالنبي ﷺ ؛ فإنه قد صرح بوجوب ذلك عليه؛ حيث قال: "فعلي قضاؤه"، ولأن الميت الذي عليه الدين يخاف أن يعذب في قبره على ذلك الدين؛ كما صح عن النبي ﷺ ؛ حيث دعي ليصلي على ميت، فأخبر أن عليه دينًا ولم يترك وفاءً، فقال: "صلوا على صاحبكم"، فقال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله، وعلي دينه، فصلى عليه، ثم قال له: "قم فأده عنه"، فلما أدى عنه .. قال ﷺ : "الآن حين بردت عليه جلدته" رواه أحمد (٣/ ٢٣٠) والبيهقي والحاكم.
وكما كان على الإمام أن يسد رمقه ويراعي مصلحته الدنيوية، كان أحرى وأولى أن يسعى فيما يرفع عنه به العذاب الأخروي. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ : "من ترك مالًا .. فلأهله"، ومسلم في كتاب الفرائض، باب من ترك مالًا، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء في الصلاة على المديون، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الصلاة، باب الصلاة على من عليه دين.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 6653
(٤١) - ٢٣٧٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَرَكَ مَالًا
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤١) - ٢٣٧٦ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر) الصادق (ابن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي عبد الله المدني، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب السجاد أبي جعفر المعروف بالباقر؛ لسعته في العلم، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي المدني، رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : من ترك مالًا)
стр. 6654
فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعا .. فَعَلَيَّ وإِلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ".
===
قل أو كثر .. (فـ) ماله مقسوم (لورثته) لا حظ لي فيه (ومن ترك دينًا) لم يترك له وفاء (أو) ترك (ضياعًا) - بفتح الضاد المعجمة وبكسرها - أي: أولادًا صغارًا ضائعين .. (فعلي) دينه؛ أي؛ قضاؤه عنه (وإلي) مؤنة ضياعه وعياله (وأنا أولى) وأحق (بـ) رعاية مصالح (المؤمنين) وحقوقهم من أنفسهم.
قوله: "أو ضياعًا" هو بالفتح مصدر ضاع يضيع؛ إذا هلك، يطلق على العيال تسمية للفاعل بالمصدر؛ لأنها إذا لم تتعهد .. ضاعت.
ويروى بكسر الضاد، جمع ضائع؛ كجياع جمع جائع، وقيل: الضياع اسم لما هو في معرض الضياع إن لم يتعهد؛ كالذرية الصغار، والزمنى الذين لا يقومون بكل أنفسهم، وسائر من يدخل في معناهم.
قوله: "فعلي وإلي" قال الخطابي: هذا فيمن ترك دينًا لا وفاء له في ماله؛ فإنه يقضى دينه من الفيء، فأما من ترك وفاء .. فإن دينه يقضى عنه، ثم بقية ماله بعد ذلك مقسوم بين ورثته. انتهى، انتهى من "العون".
وقوله: " أولى بالمؤمنين" أي: أحق بهم وأقرب إليهم، وقيل: معنى الأولوية النصرة والتولية؛ أي: أنا أتولى أمورهم بعد وفاتهم وأنصرهم فوق ما كان منهم لو عاشوا، كذا في "فتح الودود".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في أرزاق الذرية.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 6655
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم