(٥٤) - ٢٣٨٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَيَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَنْبَأَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ،
===
بالملازمة، وكثرة تذلله عند المطالبة، وكأنه ﷺ يعرض بالشفاعة. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب القضاء، باب الشهادات، باب في الحبس في الدين وغيره (ج ١٠ ص ٤٢) من "العون".
ودرجته: أنه ضعيف جدًّا؛ لضعف سنده، لأن فيه ثلاثة مجاهيل، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهذا الحديث: ضعيف متنًا وسندًا (٤)(٢٤٩).
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث شريد بن سويد بحديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٤) - ٢٣٨٩ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(ويحيى بن حكيم) المقومي - بتشديد الواو المكسورة - أبو سعيد البصري، ثقة حافظ عابد، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس بن لقيط العبدي البصري، أصله من بخارى، ثقة حافظ ثبت، من التاسعة، مات سنة تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا يونس بن يزيد) الأيلي الأموي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
стр. 6687
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ
===
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني، ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن كعب بن مالك) الأنصاري المدني، ثقة، من الثالثة، قيل: له رؤية، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أبيه) كعب بن مالك بن عمرو الأنصاري السلمي - بفتح السين واللام - أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، فأنزل الله فيهم قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ ... ﴾ الآية (١)؛ الصحابي المشهور المدني رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع)، مات في خلافة علي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن أباه كعبَ بن مالك (تقاضى) أي: طالب عبد الله (بن أبي حدرد) الأسلمي أبا محمد المدني، له ولأبيه صحبة، قال ابن سعد: أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر، مات سنة إحدى وسبعين (٧١ هـ)، وحدرد هذا على فَعْلَع، لم يأت من الأسماء على وزن فعلع بتكريرِ العين غيرُهُ، نبهَ عليه العيني؛ أي: طالب كعبُ بن مالك لابن أبي حدرد (دينًا) أي: بقضاء دين كان (له) أي: لكعب (عليه)؛ أي: على ابن أبي حدرد في عهد رسول الله ﷺ (في المسجد) النبوي متعلق بتقاضى؛ يعني: طلب دينه منه في المسجد.
стр. 6688
حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا فَنَادَى كَعْبًا، فَقَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "دَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا"، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّطْرِ، فَقَالَ: قَدْ فَعَلْتُ،
===
وفيه جواز الكلام في المسجد عند الضرورة، وقال بعضهم: إن الكلام في المسجد يأكل الحسنات إذا قصد ذلك، وأما إذا جاء للصلاة فتشاغل بالتكلم .. فلا. انتهى من "التكملة".
ووقع في رواية زمعة بن صالح عن الزهري أن ذلك الدين كان أُوقِيَّتَينِ، أخرجه الطبراني؛ كما في "فتح الباري" (١/ ٤٥٩).
(حتى ارتفعت أصواتهما) وحتى هنا بمعنى الفاء العاطفة؛ كما هي في رواية مسلم؛ أي: ارتفعت أصواتهما رفعًا غير بالغ حد الإنكار مع أنه كان يتضمن إحياء حق (حتى سمعهما) أي: سمع صوتهما المرتفع (رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (في بيته) أي: في حجرته، ولا يستلزم سماعه ﷺ أصواتهما أن يكونا قد رفعا أصواتهما رفعًا بالغًا حد الإنكار؛ لصغر المسجد وقرب الحجرة، وأما رفع الصوت المتفاحش .. فممنوع في المسجد؛ لما أخرجه البخاري في باب رفع الصوت في المسجد عن السائب بن يزيد عن عمر رضي الله تعالى عنه.
(فخرج إليهما) رسول الله ﷺ (فنادى كعبًا) فقال: يا كعب (فقال) كعب: (لبيك) أي: أجبت لك إجابةً بعد إجابة (يا رسول الله) فـ (قال) رسول الله ﷺ لكعب: (ح) أي: اترك وأسقط (من دينك) قدر (هذا) أي: النصفـ (وأومأ) أي: أشار رسول الله ﷺ (بيده) الشريفة (إلى الشطر) والنصف.
(فقال) كعب لرسول الله ﷺ : (قد فعلت) ما أمرتني به
стр. 6689
قَالَ: "قُمْ فَاقْضِهِ".
===
يا رسول الله من إسقاط شطر ديني، فـ (قال) رسول الله ﷺ لابن أبي حدرد: ("قم فاقضه") أي: فَأَدِّهِ النصفَ الباقيَ من دينه، وهذا أمر على جهة الوجوب؛ لأن رب الدين لما أطاع بوضع ما وضع .. تعين على المديون أن يقوم بما بقي عليه، لئلا يجتمع على رب الدين وضعُهُ ومَطْلٌ، وهكذا ينبغي أن يُبَتَّ الأمرُ بين المتصالحين، فلا يُترك بينهما علقةٌ ما أمكن.
قال القرطبي: وفي الحديث دليل على أن الإشارة بمنزلة الكلام إذا فهمت؛ لأنها دالة على الكلام، كالحروف والأصوات، فتصح شهادة الأَخْرَسِ ويمينه ولعانه وعقوده بها إذا فُهم ذلك عنه، وهذا منه ﷺ على جهة الإرشاد إلى الصلح، وهذا على الإقرار؛ لأن نزاعهما لم يكن في أصل الدين، وإنما كان في التقاضي، وهو متفق عليه، وأما الصلح على الإنكار .. فهو الذي أجازه مالك وأبو حنيفة والشعبي والحسن البصري، وقال الشافعي: الصلح على الإنكار باطل، وبه قال ابن أبي ليلى. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة، باب التقاضي والملازمة في المسجد، باب رفع الصوت في المساجد، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب المساقاة، باب استحباب الوضع من الدين، وأبو داوود في كتاب الأقضية، باب في الصلح، والنسائي في كتاب القضاة، باب حكم الحاكم، والدارمي ومالك وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث شريد بن سويد.
стр. 6690
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6691
(٢٦) - (٨١٦) - بَابُ الْقَرْضِ
(٥٥) - ٢٣٩٠ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ يُسَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ رُومِيٍّ قَالَ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ أُذُنَانٍ يُقْرِضُ
===
(٢٦) - (٨١٦) - (باب القرض)
وهو دفع مالك للغير؛ لينتفع به على أن يرد بدله، وهو سنة.
* * *
(٥٥) - ٢٣٩٠ - (١) (حدثنا محمد بن خلف) بن عمار أبو نصر (العسقلاني) صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي أبو يوسف الطنافسي ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سليمان بن يُسير) - بضم الياء؛ كما في "الخلاصة" - وقيل: ابن قُسيم، أبو الصبَّاح - بالموحدة - النخعي مولاهم؛ مولى إبراهيم النخعي الكوفي، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في أجر الصدقة، ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن قيس بن رومي) مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(قال) قيس: (كان سليمان بن أذنان) وسليمان هذا ليس من رجال هذا الإسناد، وإنما ذكر في الإسناد لغرض استقراض علقمة منه، فلا حاجة إلى معرفة ترجمته، وبحثت في كتب الرجال، ولم أر من ذكره (يقرض) أي:
стр. 6692
عَلْقَمَةَ أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِهِ، فَلَمَّا خَرَجَ عَطَاؤُهُ .. تَقَاضاهَا مِنْهُ وَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقَضَاهُ، فَكَأَنَّ عَلْقَمَةَ غَضِبَ، فَمَكَثَ أَشْهُرًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ إِلَى عَطَائِي، قَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةً، يَا أُمَّ عُتْبَةَ؛ هَلُمِّي تِلْكَ الْخَرِيطَةَ الْمَخْتُومَةَ الَّتِي عِنْدَكِ، فَجَاءَتْ بِهَا فَقَالَ: أَمَا
===
يسلف (علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي، ثقة ثبت فقيه عابد، من الثانية، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
أي: يسلف سليمان لعلقمة (ألف درهم) على أن يرد بدله مؤجلًا (إلى) أخذ (عطائه) أي: رزقه وراتبه (فلما خرج) ونزل (عطاؤه) أي: عطاء علقمة وراتبه وأخذه .. (تقاضاها) أي: طلب سليمان (منه) أي: من علقمة قضاء تلك الدراهم وأداءها له بدل قرضه (واشتد) سليمان في طلب قضائها (عليه) أي: على علقمة، وقال له قولًا شديدًا (فقضاه) أي: فقضى علقمة تلك الدراهم لسليمان بدل قرضه.
(فكأن علقمة غضب) على سليمان؛ لاشتداده عليه في استقضائها منه (فمكث) علقمة (أشهرًا) ثلاثة فأكثر لم يرجع إلى سليمان (ثم أتاه) أي: أتى علقمة سليمان مرة ثانية (فقال) علقمة لسليمان: (أقرضني) أي: أسلفني مرة ثانية (ألف درهم) مؤجلة (إلى) أخذ (عطائي) وراتبي.
(قال) سليمان لعلقمة: (نعم) أقرضك ما طلبت مني (و) أكرمك (كرامة) ولا أهينك بامتناعي من إقراضك؛ لأجل مطلك أولًا في قضاء ديني، ثم قال سليمان لزوجته أو لخادمته: (يا أم عتبة؛ هلمي) أي: هاتي (تلك الخريطة) والشنطة (المختومة) أي: المقفلة على ما فيها من الدراهم (التي) كانت مستودعة (عندك، فجاءت) أم عتبة إلى سليمان (بها) أي: بتلك الخريطة.
(فقال) سليمان لعلقمة: (أما) أي: انتبه يا علقمة واستمع ما أقول لك
стр. 6693
وَاللهِ إِنَّهَا لَدَرَاهِمُكَ الَّتِي قَضَيْتَنِي مَا حَرَّكْتُ مِنْهَا دِرْهَمًا وَاحِدًا، قَالَ: فَلِلّهِ أَبُوكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ بِي، قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْكَ، قَالَ: مَا سَمِعْتَ مِنِّي؟ قَالَ: سَمِعْتُكَ تَذْكُرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِمًا
===
(والله؛ إنها) أي: إن هذه الدراهم المحفوظة في الخريطة (لدراهمك) - بفتح الكاف - على أنه خطاب لعلقمة لا لأم عتبة (التي قضيتني) أي: أديتنيها بدل قرضي لك (ما حركت) ولا أخذت (منها) أي: من دراهمك التي قضيتني (درهما واحدًا، قال) علقمة لسليمان: (فلله أبوك) يا سليمان؛ أي: فلله العجب الذي أنشأ اللبن الذي ارتضع به أبوك، فهو من صنيع التعجب؛ كقولهم: لله درك فارسًا" ثم قال علقمة لسليمان: (ما حملك) وبعثك (على ما فعلت بي؟ ! ) أي: على التشديد الذي فعلت بي في قضاء دينك وأنت غني عنه.
(قال) سليمان لعلقمة: حملني على ما فعلت بك من التشديد عليك في قضاء ديني (ما سمعت منك) يا علقمة من الحديث (قال) علقمة لسليمان: (ما سمعت مني؟ ) أي: أي شيء وأي حديث سَمِعْتَهُ مني يا سليمان؟ (قال) سليمان: (سمعتك) يا علقمة (تذكر) وتحدث (عن) عبد الله (بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه قيس بن رومي، وهو مجهول، وأيضًا فيه سليمان بن يسير، ويقال له: ابن منيرة، ويقال: ابن شقير، ويقال: ابن شتير، ويقال: ابن سفيان، وكله واحد، وهو متفق على تضعيفه.
(أن النبي ﷺ قال: ما من مسلم) ولا مسلمة؛ لأنهن شقائق الرجال (يقرض) ويسلف (مسلمًا) محتاجًا إلى القرض أو مسلمة؛
стр. 6694
قَرْضًا مَرَّتَيْنِ .. إِلَّا كَانَ كَصَدَقَتِهَا مَرَّةً"، قَالَ: كَذَلِكَ أَنْبَأَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ.
(٥٦) - ٢٣٩١ - (٢) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ،
===
لما مر آنفًا (قرضًا) دراهم أو غيرها (مرتين) فأكثر .. (إلا كان) قرضها له تلك الدراهم (كصدقتها) أي: مثل صدقتها عليه (مرة) أخرى في الأجر والثواب (قال) علقمة لسليمان: نعم (كذلك) أي: مثل ما قلت لي يا سليمان (أنبأني) وأخبرني (ابن مسعود) رضي الله تعالى عنه.
قال السندي: قوله: (فقال: أما إنها والله لدراهمك) - بفتح كاف الخطاب - على أنه خطاب لعلقمة لا لأم عتبة.
قوله (على ما فعلت بي) أي: من الاشتداد في التَّقَاضِي مع أنك ما كنتَ محتاجًا إلى الدراهم (قال: ما سمعت منك) أي: أردت أن أقرضك مرة ثانية فأنال هذا الفضل. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن حبان في "صحيحه" بإسناده إلى ابن مسعود.
فدرجته: أنه ضعيف (٥)(٢٥٠)؛ لعدم المشاركة فيه، ولأنه ليس له شاهد، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٦) - ٢٣٩١ - (٢) (حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم) بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
стр. 6695
حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
(حدثنا هشام بن خالد) بن زيد بن مروان الأزرق أبو مروان الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكن قال بعضهم: لا يعرف حاله. يروي عنه: (د ق).
(حدثثا خالد بن يزيد) بن عبد الرحمن بن أبي مالك هانئ أبو هاشم الدمشقي، ضعيف مع كونه كان فقيهًا، وقد اتهمه ابن معين، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(ح وحدثنا أبو حاتم) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي أبو حاتم الرازي الحافظ الكبير أحد الأئمة الأعلام، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وسبعين ومئتين (٢٧٧ هـ). يروي عنه: (د س فق)، وهذا السند من زيادة أبي الحسن بن القطان.
(حدثنا هشام) الأزرق أبو مروان الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا خالد بن يزيد) بن عبد الرحمن (بن أبي مالك) هانئ، ضعيف مع كونه كان فقيهًا، وقد اتهمه ابن معين، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك هانئ الهمداني - بالسكون - الدمشقي القاضي، صدوق ربما وهم، من الرابعة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (د س ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 6696
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضلُ مِنَ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، وَالْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ".
===
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الضعف جدًّا؛ لأن فيهما خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك أبا هاشم الهمداني الدمشقي، ضعفه أحمد في "العلل"، وابن معين في "تاريخ الدوري"، وأبو داوود "الآجري"، والنسائي في "الضعفاء"، وأبو زرعة الدمشقي وابن الجارود والساجي والعقيلي في "الضعفاء الكبير"، والدارقطني في "الضعفاء" وغيرهم، فهو متفق على ضعفه جدًّا.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : رأيت ليلة أسري بي) من مكة إلى بيت المقدس (على باب الجنة) متعلق برأيت؛ أي: رأيت حين أسري وعرج بي إلى السماء (مكتوبًا) أي: كتابًا مكتوبًا على باب الجنة صفته (الصدقة) أي: صدقة التطوع؛ كما يدل عليه السياق تجزى (بعشر أمثالها، والقرض) يجزى (بثمانية عشر) أمثاله.
(فقلت لجبريل) الأمين ﵇: (ما بال القرض) وشأنه إنه (أفضل) وأكثر أجرًا (من الصدقة؟ قال) جبريل في جواب سؤال الرسول ﷺ : ذلك (لأن السائل يسأل) الصدقة (وعنده) ما يكفيه ويغنيه عن السؤال (والمستقرض لا يستقرض) أي: لا يسأل؛ أي: الإقراض (إلا من حاجة) أي: إلا لأجل حاجة ضرورية؛ لأن القرض واجب الأداء، فلا يختاره أحد ولا يرضاه إلا لحاجة ضرورية، ولا يخفى ما بين هذا الحديث والحديث الذي قبله من التعارض.
стр. 6697
(٥٧) - ٢٣٩٢ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ حُمَيْدٍ الضَّبِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ الْهُنَائِيِّ
===
وفي "حاشية السيوطي": قال سراج الدين البلقيني: الحديث دل على أن درهم القرض بدرهمي صدقة، لكن الصدقة لم يعدلها شيء ولم يقابلها، والقرض عادله منه درهم، فسقط مقابله، وبقي ثمانية عشر. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (٦)(٢٥١)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة ثانيًا.
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثالثًا بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٧) - ٢٣٩٢ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثني عتبة بن حميد الضبي) أبو معاذ البصري، صدوق له أوهام، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي) - بضم أوله ثم نون ومد - ويقال: يزيد بن أبي إسحاق، ويقال: يزيد بن أبي يحيى، مجهول، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
стр. 6698
قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ الرَّجُلُ مِنَّا يُقْرِضُ أَخَاهُ الْمَالَ فَيُهْدِي لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا فَأَهْدَى لَهُ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ .. فَلَا يَرْكَبْهَا وَلَا يَقْبَلْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ".
===
(قال) يحيى الهنائي: (سألت أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يحيى الهنائي، فهو مجهول، وفيه أيضًا إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف فيما روى عن غير أهل بلده، وعتبة بن حميد ضعفه أحمد.
أي: سألت أنس بن مالك عن حكم إهداء المستقرض للمقرض هدية، فقلت له في سؤاله: (الرجل منا) أي: من المسلمين أو من الأنصار (يقرض أخاه) المسلم وكذا غيره (المال) أي: يسلف لأخيه ماله لينتفع به ثم يرد له بدله (فيهدي) المستقرض (له) أي: للمقرض هدية على وجه الإكرام له، فهل يجوز للمقرض أن يأخذ منه تلك الهدية (قال) أنس في جواب سؤال الهنائي: لا يجوز ذلك؛ لأنه (قال رسول الله ﷺ : إذا أقرض أحدكم قرضًا) لأخيه المسلم (فأهدى) المستقرض (له) أي: للمقرض هدية (أو حمله على الدابة) أي: حمل المستقرض المقرض على دابته.
(فلا يركبها) أي: فلا يركب المقرض تلك الدابة (ولا يقبله) أي: ولا يقبل المقرض ذلك المهدى له من المستقرض؛ لأن إقراضه يكون حينئذ من القرض الذي جر منفعة للمقرض، وهو لا يجوز؛ كربا الفضل (إلا أن يكون) ذلك الإهداء أو الإركاب مما (جرى) ووقع (بينه) أي: بين المقرض (وبينه) أي: وبين المستقرض (قبل ذلك) أي: قبل الإهداء والإركاب الواقعين الآن بعد قرضه له؛ فإنه يجوز ذلك حينئذ؛ لأنه كان عادة بينهما قبل الاستقراض.
стр. 6699
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث يدل على أنه لا ينبغي أن يجر القرض نفعًا للمقرض.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فلا مشاركة فيه ولا شاهد له، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده؛ كما مر آنفًا، فالحديث: ضعيف متنًا وسندًا (٧)(٢٥٢)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة؛ كسابقيه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث، وكلها ضعاف، والغرض من سوقها: الاستئناس.
والله أعلم
стр. 6700
(٢٧) - (٨١٧) - بَابُ أَدَاءِ الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ
(٥٨) - ٢٣٩٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ الْأَطْوَلِ
===
(٢٧) - (٨١٧) - (باب أداء الدين عن الميت)
(٥٨) - ٢٣٩٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث .. تركه، مات بعد سنة تسع عشرة ومئتين بيسير.
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أخبرني عبد الملك) بن عمير بن سويد بن حارثة اللخمي (أبو عمرو) ويقال: (أبو عمر) وقول المؤلف: (أبو جعفر) تحريف من النساخ، والصواب ما كتبناه؛ كما في "التهذيب" و"التقريب"، الكوفي المعروف بالقبطي، ويقال له: الفرسي: نسبة إلى فرس له سابق، ثقة فصيح عالم تغير حفظه في آخره، وربما دلس، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة - بضم القاف وفتح المهملة - العبدي العوقي - بفتح المهملة والواو ثم قاف - البصري مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان أو سمع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعد بن الأطول) بن عبد الله بن خالد أبي مطرف الجهني الصحابي
стр. 6701
أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِئَةِ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ عِيَالًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَخَاكَ مُحْتَبَسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ أَدَّيْتُ عَنْهُ إِلَّا دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرَأَةٌ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: "فَأَعْطِهَا فَإِنَّهَا مُحِقَّةٌ".
===
الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل بالبصرة، مات بها سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن أخاه) أي: أخا سعد، اسمه يسار بن الأطول (مات وترك ثلاث مئة درهم، وترك عيالًا) أي: أولادًا صغارًا وحريمًا (فأردت) أي: قصدت (أن أنفقها) أي: أن أصرف تلك الثلاث مئة (على عياله) وأولاده (فقال) لي (النبي ﷺ : إن أخاك) يسار بن الأطول (محتبس) أي: محبوس ممنوع عن مقامه الكريم (بدينه) أي: بسبب الدين الذي عليه (فاقض) أي: فأد دينه (عنه) للدائن.
(فقال) سعد: قلت له ﷺ : (يا رسول الله؛ قد أديت) دينه (عنه) لغرمائه (إلا دينارين ادعتهما) أي: طلبتهما (امرأة) من غرمائه (و) الحال أنه (ليس لها) أي: لتلك المرأة (بينة) أي: شاهد يشهد لها على دينها، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (فأعطها) أي: أد لتلك المرأة ما ادعته من دينها (فإنها محقة) أي: صادقة في دعواها ذلك الدين، فأديتها إياهما؛ امتثالًا لأمره ﷺ .
قال السندي: قوله: "محتبس" أي: عن دخول الجنة "فأعطها" فيه القضاء بباطن الأمر. انتهى.
وليس لسعد هذا عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له شيء في
стр. 6702
(٥٩) - ٢٣٩٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ،
===
الكتب الخمسة، وإسناده صحيح، عبد الملك أبو جعفر ذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين، وقال المزي في "تحفة الأشراف": رواه سعيد الجريري عن أبي نضرة عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولم يسمه، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث سعد بن الأطول أيضًا، وروى البيهقي في "سننه" الطريق الأولى من طريق تمتام عن عفان به، ومن طريق عبد الواحد بن غياث عن حماد بن سلمة، وروى الطريق الثاني عن عبد الواحد بن غياث أيضًا عن حماد به.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد وإن انفرد به ابن ماجه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بن الأطول بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٩) - ٢٣٩٤ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، ثقة، لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ابن اليتيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي، ثقة رمي بالإرجاء، وسماعه من ابن أبي عروبة بأخرة، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة،
стр. 6703
عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَكَلَّمَ الْيَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ عَلَيْهِ، فَأَبَى عَلَيْهِ،
===
مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن وهب بن كيسان) القرشي مولاهم أبي نعيم المدني المعلم، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن أباه) أي: أن أبا جابر؛ وهو عبد الله بن حرام (توفي) يوم أحد شهيدًا (وترك) أي: أبوه دينًا (عليه) مقدار (ثلاثين وسقًا) من التمر؛ والوسق الواحد: ستون صاعًا، كانت تلك الأوسق الرجل من اليهود، فاستنظره جابر) أي: طلب جابر من ذلك الرجل الإنظار والإمهال والتأخير لأجل أخذ دينه (فأبى) اليهودي وامتنع (أن ينظره) أي: أن ينظر أجل الدين ويؤخره إلى ميسرته.
(فكلم جابر) أي: أخبر جابر إباء اليهودي من الإنظار (رسول الله ﷺ ؛ ليشفع) رسول الله ﷺ ويطلب (له) أي: لجابر من اليهودي الإمهال ويصل (إليه) أي: إلى إمهاله بواسطة رسول الله ﷺ (فجاءه) أي: فجاء اليهودي (رسول الله ﷺ ، فكلم) رسول الله ﷺ (اليهودي) وطلب منه الحضور إلى حيطان جابر (ليأخذ) ذلك اليهودي (ثمر نخله) أي: ثمر نخل جابر (بالذي) أي: بدل الدين الذي (له) أي: لليهودي (عليه) أي: على جابر.
(فأبى) اليهودي وامتنع حضور حيطان جابر ليأخذ ما عليه بقدر دينه (عليه)
стр. 6704
فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيهَا ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: "جُدَّ لَهُ فَأَوْفِهِ الَّذِي لَهُ"، فَجَدَّ لَهُ بَعْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَفَضَلَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ وَسْقًا، فَجَاءَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَائِبًا،
===
ﷺ ، أي: أبي على النبي ﷺ ما طلب منه من حضوره لما يعلم من أن ثمر نخله لا يوفي دينه (فكلمه) أي: كلم اليهوديَّ (رسولُ الله ﷺ وطلب منه الإنظار (فأبى) اليهودي (أن ينظره) أي: أن يؤخره ويمهله أجل دينه.
(فدخل رسول الله ﷺ النخل) أي: حيطان نخل جابر (فمشى) النبي ﷺ (فيها) أي: في حيطان نخله يمينًا وشمالًا؛ ليخرص ما عليها ويدعو فيها (ثم قال) رسول الله ﷺ : (لجابر جد) واقطع ما عليها من الثمر (له) أي: لليهودي؛ لتؤدي دينه له (فأوفه) أي: فأوف اليهودي وأد له من المجدود الدين (الذي له) أي: لليهودي عليك.
(فجد) جابر واقتطف ما على النخل من الثمر (له) أي: لليهودي (بعدما رجع رسول الله ﷺ إلى منزله (ثلاثين وسقًا) من ذلك النخل (وفضل له) أي: بقي لجابر بعدما أدى دين اليهودي (اثنا عشر وسقًا، فجاء جابر) بعدما أدى وأوفى دين اليهودي (ليخبره) ﷺ (بالذي كان) أي: بالأمر الخارق الذي وجد من وفاء الثمر القليل الدين الكثير (فوجد) جابر وعلم (رسول الله ﷺ غائبًا) أي: غير حاضر في منزله ولا في المسجد.
стр. 6705
فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَاءَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ أَوْفَاهُ وَأَخْبَرَهُ بِالْفَضْلِ الَّذِي فَضَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَخْبِرْ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"، فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُبَارِكَنَّ اللهُ فِيهَا.
===
(فلما انصرف) ورجع (رسول الله ﷺ إلى المسجد أو إلى المنزل .. (جاءه) أي: جاء جابر رسول الله ﷺ (فأخبره) أي: فأخبر جابر رسول الله ﷺ (أنه) أي: أن جابرًا (قد أوفاه) أي: قد أوفى اليهودي وأداه جميع دينه من ذلك الثمر القليل (وأخبره) أي: وأخبر جابر للنبي ﷺ (بالفضل) أي: بالزائد (الذي فضل) وبقي من ثمره بعد قضاء دين اليهودي.
(فقال رسول الله ﷺ لجابر: (أخبر) يا جابر (بذلك) الخبر الذي أخبرتنيه (عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه؛ أي: أخبره بوفاء الثمر القليل الدين الكثير وفضل ما فضل منه بعد وفاء الدين، وإنما خص بالإخبار له من بين سائر الصحابة؛ لأنه كان كثير الاهتمام بأمر جابر وشأنه، فاراد النبي ﷺ أن يبشر عمر بذلك، والله أعلم.
(فذهب جابر إلى عمر) بن الخطاب (فأخبره) أي: فأخبر جابر عمر خبر ما جرى في قضاء دينه بالثمر القليل (فقال له) أي: لجابر (عمر) بن الخطاب حين أخبره ما جرى في قضاء دينه: والله (لقد علمت) وتيقنت وفاء ذلك الثمر القليل ذلك الدين الكثير (حين مشى) وطاف (فيه) أي: في حائط ذلك النخل (رسول الله ﷺ إنه (ليباركن الله) ؛ أي: لينزلن الله تعالى البركة (فيها) أي: في ثمر تلك الحديقة التي طاف فيها حتى يُوفِّي ثمرها القليل ذلك الدين الكثير؛ معجزةً له ﷺ وكرامة له.
стр. 6706
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري: في كتاب الاستقراض، باب إذا قاص أو جازفه في الدين تمرًا بتمر أو غيره، وفي كتاب الصلح، باب الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث والمجازفة في ذلك، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الرجل يموت وعليه دين وله وفاء يستنظر غرماؤه، والنسائي في كتاب الوصايا، وأحمد في "المسند".
فدرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6707
(٢٨) - (٨١٨) - بَابٌ: ثَلَاثٌ مَنِ ادَّانَ فِيهِنَّ .. قَضَى اللهُ عَنْهُ
(٦٠) - ٢٣٩٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو أُسَامَةَ وَجَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ،
===
(٢٨) - (٨١٨) - (باب: ثلاث من ادان فيهن .. قضى الله عنه)
(٦٠) - ٢٣٩٥ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا رشدين) بكسر وسكون المعجمة (ابن سعد) بن مُفلِح المَهْرِيُّ - بفتح الميم وسكون الهاء - أبو الحجاج المصري، ضعيف، رجح أبو حاتم عليه ابنَ لهيعة، وقال يونس: كان صالحًا في دينه فأدركته غفلة الصالحين، فخلَّط في الحديث، من السابعة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(وعبد الرحمن) بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت. يروي عنه: (ع)، ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ)، وهو ابن ثمانين.
(وجعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حُريث المخزومي، صدوق، من التاسعة، مات سنة ست، وقيل: سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 6708
عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَنْعُمٍ، عَنِ عِمْرَانَ بْنِ عَبْدٍ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الدَّيْنَ يُقْضَى مِنْ صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
===
(عن) عبد الرحمن بن زياد (بن أنعم) - بفتح أوله وسكون ثانيه وضم ثالثه المُهْمَل - الإفريقي قاضيها، ضعيف في حفظه، من السابعة، مات سنة ست وخمسين ومئة (١٥٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (د ت ق).
(قال أبو كريب: وحدثنا) أيضًا (وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام مشهور، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن زياد (بن أنعم عن عمران بن عبد) بغير إضافة (المعافري) أبي عبد الله المصري، ضعيف، من الرابعة. يروي عنه: (د ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل القرشي السهمي المدني رضي الله تعالى عنهما، مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف على الراجح سنة (٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذان السندان؛ الأول منهما من خماسياته، والثاني منهما من سداسياته، وحكمهما: الضعف؛ لأن فيهما ابن أنعم، وهو متفق على ضعفه، ضعفه أحمد وابن معين والنسائي، وغيرهم.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : إن الدين يقضى) أي: يؤدى (من صاحبه) أي: عن المدين (يوم القيامة)،
стр. 6709
إِذَا مَاتَ إِلَّا مَنْ يَدَيَّنُ فِي ثَلَاثِ خِلَالٍ؛ الرَّجُلُ تَضْعُفُ قُوَّتُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَسْتَدِينُ يَتَقَوَّى بِهِ لِعَدُوِّ اللهِ وَعَدُوِّهِ، وَرَجُلٌ يَمُوتُ عِنْدَهُ مُسْلِمٌ لَا يَجِدُ مَا يُكَفِّنُهُ وَيُوَارِيهِ إِلَّا بِدَيْنٍ، وَرَجُلٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُزْبَةَ فَيَنْكِحُ خَشْيَةً عَلَى دِينِهِ؛ فَإِنَّ اللهَ يَقْضِي عَنْ هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
أي: يؤخذ من ثواب المدين فيعطى للدائن بقدر دينه يوم القيامة (إذا مات) كل منهما (إلا) دين (من يدين) أي: يستدين؛ أي: يتحمل الدين (في) إحدى (ثلاث خلال) أي: خصال؛ أي: أمور.
أحدها: (الرجل تضعف قوته) بقلة الزاد والسلاح (في) الجهاد في (سبيل الله) أي: في إعلاء كلمة الله تعالى وإظهار دينه (فيستدين) أي: فيتحمل الدين حالة كونه (يتقوى به) أي: يستعد بذلك الدين على الجهاد والقتال (لعدو الله وعدوه) أي: عدو ذلك المديون.
(و) ثانيها: (رجل يموت عنده مسلم) أو مسلمة حالة كونه (لا يجد ما يكفنه) أي: ما يكفن ذلك الميت به من ثوب (و) ما (يواريه) به؛ أي: وما يدفنه به من أجرة من يحفر القبر ويلحده (إلا بدين) أي: إلا بسبب استدانته من الناس قدر ما يكفيه لكفنه وأجرة حفر قبره.
(و) ثالثها: (رجل خاف على نفسه) فتنة (العزبة) وحَمْلِها له على الزنا (فـ) يستدين و (ينكح خشية على دينه) أي: خشية على نفسه فتنة الدين بوقوعه في الزنا (فإن الله) تعالى (يقضي) الدين (عن هؤلاء) الثلاثة (يوم القيامة) أي: يقضي ما استدانوا بسببها، ومعنى قضاء الله الدين عنهم: إرضاؤه الدائن بثواب من عنده حتى لا يطلب دينه منهم.
стр. 6710
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (٨)(٢٥٣)؛ لضعف سنده بما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الضعيف متنًا وسندًا.
والله أعلم
стр. 6711
كتاب الرّهون
стр. 6712
(١٤) - كِتَابُ الرُّهُونِ
(٢٩) - (٨١٩) - بَابُ رَهْنِ الدِّرْعِ
(٦١) - ٢٣٩٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ
===
(١٤) - (كناب الرهون)
(٢٩) - (٨١٩) - (باب رهن الدرع)
(٦١) - ٢٣٩٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث) - بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة - ابن طلق بن معاوية النخعي أبو بكر الكوفي قاضيها، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءات ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة، وكان مولده أول سنة إحدى وستين. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل - بضم الذال المعجمة - النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة فقيه إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات دون المئة سنة ست وتسعين (٩٦ هـ) وهو ابن خمسين. يروي عنه: (ع).
(حدثني الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو، ثقة مخضرم مكثر فقيه، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 6713
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
===
(أن النبي ﷺ اشترى من يهودي) اسمه أبو الشحم الظفري، كذا رواه الشافعي والبيهقي؛ كما في "التلخيص الحبير" (٣/ ٣٥) (طعامًا) ورد عند البخاري في الجهاد والمغازي أنه كان ثلاثين صاعًا من الشعير، وكذا رواه ابن ماجه وأحمد وغيرهما عن ابن عباس، وأخرجه الترمذي عن ابن عباس فذكر عشرين، وجمع بينهما الحافظ في "الفتح" في الرهن (٥/ ٩٩) بأنه كان فوق العشرين ودون الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وألغى أخرى بثمن مؤجل (إلى أجل) معلوم؛ يعني: إلى سنة؛ كما في "تنبيه المعلم" (ورهنه) أي: وأعطى النبي ﷺ اليهودي (درعه) أي: درعًا له ﷺ من حديد رهنًا لليهودي؛ لتكون وثيقةً للثمن المؤجل، قيد الدرع بالحديد؛ إخراجًا لدرع المرأة وهو قميصها. انتهى "كوكب".
قال السندي: قوله: (اشترى من يهودي ... ) إلى آخره، يدل على جواز البيع بالأجل، وعلى جواز الرهن، وعلى جواز المعاملة مع الكفرة، وعلى أن الذمي يمكَّن من السلاح، والظاهر أن الأجل كان معلومًا في العقد إلا أن التعبير وقع منه في الحديث بلفظ النكرة. انتهى منه.
وهذا الحديث في البيع بثمن مؤجل، وأخذ الرهن لذلك المؤجل.
فائدة
والرهن لغةً: الثبوت والدوام، ومنه الحالة الراهنة، وشرعًا: جعل عين ماليةٍ وثيقةً لدين يستوفى من ثمنها أو من أجرة منافعها عند تعذر الوفاء.
ويلزم الرهن بالعقد، ويجبر الراهن على دفع الرهن للمرتهن؛ كما هو مبسوط في كتب الفروع.
стр. 6714
(٦٢) - ٢٣٩٧ - (٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ،
===
قال الحافظ في كتاب السلم من "الفتح" (٤/ ٣٥٨): وفي هذا الحديث رد على من قال: إن الرهن في السلم لا يجوز، وقد أخرج الإسماعيلي من طريق ابن نمير عن الأعمش أن رجلًا قال لإبراهيم النخعي: إن سعيد بن جبير يقول: إن الرهن في السلم هو الربا المضمون، فرد عليه إبراهيم بهذا الحديث، ورويت كراهة ذلك عن ابن عمر والحسن والأوزاعي، وهي إحدى الروايتين عن أحمد، ورخص فيه الباقون، والحجة فيه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١)، واللفظ عام، فيدخل السلم في عمومه؛ لأنه أحد نوعي البيع. انتهى من "التكملة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، ومسلم في كتاب المساقاة، باب الرهن وجوازه في الحضر كالسفر، والنسائي في كتاب البيوع، باب الرجل يشتري الطعام إلى أجل ويسترهن البائع منه بالثمن رهنًا.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٢) - ٢٣٩٧ - (٢) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، طلب للقضاء بين الناس فامتنع، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 6715
حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ رَهَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ دِرْعَهُ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِالْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ لِأَهْلِهِ مِنْهُ شَعِيرًا.
===
(حدثني أبي) علي بن نصر بن علي بن صهبان الجهضمي البصري، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر - بوزن جعفر - الدستوائي البصري، ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، ولكنه يدلس كثيرًا، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (لقد رهن رسول الله ﷺ أي: وضع (درعه) الحديد (عند يهودي) يسكن (بالمدينة) رهنًا له بسبب ما اشترى منه من الطعام بثمن مؤجل (فأخذ) رسول الله ﷺ قوتًا (لأهله) وزوجاته (منه) أي: من ذلك اليهودي (شعيرًا) نحو ثلاثين صاعًا؛ كما صرح به في حديث ابن عباس الآتي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب البيوع، باب الرهن في الحضر.
стр. 6716
(٦٣) - ٢٣٩٨ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِطَعَامٍ.
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة ﵂.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٣) - ٢٣٩٨ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن عبد الحميد بن بهرام) الفزاري المدائني صاحب شهر بن حوشب، صدوق، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أسماء بنت يزيد) بن السكن الأنصارية، تكنى بأم سلمة، ويقال: أم عامر، صحابية لها أحاديث. يروي عنها: (عم) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، وثقه أحمد ويعقوب بن شيبة والدوري والعجلي، وضعفه شعبة وأبو حاتم والنسائي في كتاب "الضعفاء والمتروكين".
(أن النبي ﷺ توفي) بالبناء للمجهول (و) الحال أن (درعه مرهونة عند يهودي بطعام) اشترى النبي ﷺ منه بعلة
стр. 6717
(٦٤) - ٢٣٩٩ - (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ،
===
صرفه إلى أهله؛ وهو ثلاثون صاعًا من شعير كما هو مصرح به في حديث رواه ابن عباس في هذا الباب.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أسماء أيضًا، وكذا ابن أبي شيبة، وأبو يعلى الموصلي في "مسنده"، والعجلي في "تاريخه" من حديث ابن حوشب، وله شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث عائشة في "البخاري" وغيره، انظر التخريج السابق، ومن حديث أنس بن مالك.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله وبما بعده، وإن كان سنده حسنًا؛ بسبب شهر بن حوشب، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة السابق أول هذا الباب.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٤) - ٢٣٩٩ - (٤) (حدثنا عبد الله بن معاوية) بن موسى (الجمحي) أبو جعفر البصري، ثقة معمر، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا ثابت بن يزيد) الأحول أبو زيد البصري. روى عن: هلال بن خباب، وعاصم الأحول، وسليمان التيمي، ويروي عنه: (ع)، وعبد الله بن معاوية الجمحي، ومعاوية بن عمرو، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال أبو حاتم: ثقة، أوثق من عبد الأعلى، وأحفظ من عاصم، ووثقه
стр. 6718
حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَاتَ وَدِرْعُهُ رَهْنٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.
===
أبو داوود، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هلال بن خباب) - بخاء معجمة وموحدتين - العبدي مولاهم أبو العلاء البصري نزيل المدائن، صدوق تغير بأخرة، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس أبي عبد الله المكي، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، حكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ مات ودرعه) أي: قميصه من الحديد، يلبس في حالة الحرب؛ أي: مات والحال أن درعه (رهن) أي: مرهونة (عند يهودي) اسمه أبو الشحم؛ كما مر (بـ) سبب شراء النبي ﷺ منه (ثلاثين صاعًا من شعير) بثمن مؤجل إلى سنة، كما في "تنبيه المعلم"، فأبى اليهودي إلا برهن، فأعطى النبي ﷺ اليهودي درعًا له، وهي ذات الفضول، والدرع زرد ينسج من حديد، وهو من لباس الحرب.
والحديث دليل على جواز الشراء بالنسيئة، وعلى جواز الرهن بالدين، وعلى جوازه في الحضر وإن كان الكتاب قيده بالسفر، وعلى جواز المعاملة مع أهل الذمة وإن كان مالهم لا يخلو عن الربا وثمن الخمر. انتهى من "المرقاة".
стр. 6719
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شواهد؛ منها: ما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد، باب (٨٩)، رقم (٢٩١٦)، ومنها: ما أخرجه الترمذي في كتاب البيوع، باب (٧) ما جاء في الرخصة في الشراء إلى أجل، رقم (١٢١٤)، وفيه عشرين صاعًا، والنسائي في كتاب البيوع (٨٣)، باب مبايعة أهل الكتاب، وأحمد في "المسند"، والدارمي في كتاب البيوع، باب في السلف، وأبو يعلى في "مسنده".
فدرجته: أنه صحيح؛ لأن له شواهد ولصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
فالأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، وكلها صحيحة.
والله أعلم
стр. 6720
(٣٠) - (٨٢٠) - بَابٌ: الرَّهْنُ مَرْكوبٌ وَمَحْلُوبٌ
(٦٥) - ٢٤٠٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الظَّهْرُ يُرْكَبُ
===
(٣٠) - (٨٢٠) - (باب: الرهن مركوب ومحلوب)
(٦٥) - ٢٤٠٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.
(عن زكريا) ابن أبي زائدة خالد بن ميمون بن فيروز، وقيل: هبيرة بن ميمون الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، وسماعه من أبي إسحاق بأخرة، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل أبي عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة وله نحو ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : الظهر) أي: ظهر الدابة (يركب) بالبناء للمجهول، وكذلك يشرب المذكور بعده، وهو خبر بمعنى الأمر؛ والمراد من الظهر: ظهر الدابة، وقيل: الظهر: الإبل القوي، يستوي فيه الواحد والجمع، ولعله سمي بذلك؛ لأنه يقصد لركوب الظهر؛ أي: يركب المرتهن ظهر الدابة المرهونة في مقابلة إنفاقه عليها إذا أنفق عليها، ولبن
стр. 6721
إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ نَفَقَتُهُ".
===
الدر - بفتح الدال وتشديد الراء - مصدر بمعنى الدارة؛ أي: لبن البهيمة التي هي ذات الضرع، ويحتمل كون قوله: "ولبن الدر" من إضافة الشيء إلى نفسه؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ (١)، قاله الحافظ.
(إذا كان) ذلك الظهر (مرهونًا) لصاحب الدين (ولبن) ذات (الدر) يحلب و (يشرب إذا كان) صاحب الدر (مرهونًا، وعلى الذي يركب) الظهر (ويشرب) اللبن أيًّا كان، سواء كان راهنًا أو مرتهنًا (نفقته) أي: نفقة ذلك الحيوان دابةً كان أو بهيمة ذات لبن.
قيل: إن فاعل الركوب والحلب لم يتعين، فيكون الحديث مجملًا، فلا يصح الاستدلال به.
وأجيب عنه: بأنه لا إجمال، بل المراد المرتهن؛ بدليل أن انتفاع الراهن بالمرهون لأجل كونه ملكًا له؛ والمراد هنا: الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن؛ كما وقع التصريح به في بعض الروايات.
وفيه دليل على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بما يحتاج إليه، ولو لم يأذن له المالك، وبه قال أحمد وإسحاق والليث والحسن وغيرهم، وقال الشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، بل الفوائد للراهن والمؤن عليه، كذا في "النيل". انتهى من "العون".
وفي الحديث حجة من قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحته، ولو لم يأذن له المالك، وهو قول أحمد وإسحاق وطائفة من أهل
стр. 6722
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العلم؛ قالوا: ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب بقدر النفقة، ولا ينتفع بغيرهما؛ لمفهوم الحديث، وأما دعوى الإجمال في الحديث .. فقد دل بمنطوقه على إباحة الانتفاع في مقابلة الإنفاق، وهذا يختص بالمرتهن؛ لأن الحديث وإن كان مجملًا، لكنه يختص بالمرتهن، لأن انتفاع الراهن بالمرهون؛ لكونه مالك رقبته، لا لكونه منفقًا عليه، بخلاف المرتهن، وذهب الجمهور إلى أن المرتهن لا ينتفع من المرهون، وتأولوا الحديث، لكونه ورد على خلاف القياس من وجهين؛ أحدهما: التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه، والثاني: تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة.
قال ابن عبد البر: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل على نسخه حديث ابن عمر: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه" رواه البخاري. انتهى.
وقال الشافعي: يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من درها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له؛ كما كانت قبل الرهن.
واعترضه الطحاوي؛ بما رواه هشيم عن زكريا في هذا الحديث، ولفظه: "إذا كانت الدابة مرهونة .. فعلى المرتهن علفها ... " الحديث.
قال: فتعين أن المراد المرتهن لا الراهن، ثم أجاب عن الحديث بأنه محمول على أنه كان قبل تحريم الربا، فلما حرم الربا .. ارتفع ما أبيح في هذا للمرتهن، وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ في هذا متعذر، والجمع بين الأحاديث ممكن.
وقد ذهب الأوزاعي والليث وأبو ثور إلى حمله على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذٍ للمرتهن الإنفاق على الحيوان؛ حفظًا
стр. 6723
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لحياته، بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه، وهي من جملة مسائل الظفر، كذا أفاد الحافظ في "فتح الباري".
قلت: حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون خلاف الظاهر.
وقال في "سبل السلام": إنه تقييد للحديث بما لم يقيد به الشارع، وأما قول ابن عبد البر: يدل على نسخه حديث ابن عمر: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه" .. ففيه ما قال الحافظ في جواب الطحاوي؛ من أن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ في هذا متعذر، والجمع بين الحديثين ممكن.
وقال في "السبل": أما النسخ .. فلا بد له من معرفة التاريخ، على أنه لا يحمل عليه إلا إذا تعذر، ولا تعذر هنا؛ إذ يخص عموم النهي بالمرهونة. انتهى.
وأما قوله: بأن الحديث يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة .. ففيه أن هذا الحديث أيضًا أصل من أصول الشريعة، والجمع بين هذا الأصل وتلك الأصول المجمع عليه وتلك الآثار الثابتة التي أشار إليها .. ممكن.
وأما قول الجمهور: إن الحديث ورد على خلاف القياس ... إلى آخره .. ففيه ما قال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح؛ وهو قوله: "الرهن مركوب ومحلوب، وعلى الذي يركب ويحلب النفقة" .. على خلاف القياس، فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة ويحلبها، وضمنه ذلك بالنفقة .. فهو مخالف للقياس من وجهين، والصواب ما دل عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن الرهن إذا كان حيوانًا .. فهو محترم في نفسه بحق الله سبحانه، وكذالك فيه حق الملك، وللمرتهن حق الوثيقة.
стр. 6724
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضًا بيد المرتهن، فإذا كان في يده فلم يركبه ولم يحلبه .. ذهب نفعه باطلًا، وإن مكن صاحبه من ركوبه .. خرج عن يده وتوثيقه، وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ويأخذ لبنه .. شق عليه غاية المشقة ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلف المرتهن بيع اللبن، وحفظ ثمنه للراهن .. شق عليه، فكان بمقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة، ففي هذا جمع بين المصلحتين وتوفير الحقين؛ فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه .. أدى عنه واجبًا، وله فيه حق، فله أن يرجع ببدله، ومنفعة الركوب والحلب يصح أن يكونا بدلًا، فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلًا، ويُلزم بعوض ما أنفق المرتهن، وإن قيل للمرتهن: لا رجوع لك .. كان فيه إضرار به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء مختار، ثم ذكر ابن القيم كلامًا حسنًا مفيدًا، من شاء الوقوف عليه .. فليرجع إلى "الإعلام".
وقال القاضي الشوكاني في "النيل": ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول، فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع، وعن حديث ابن عمر بأنه عام، وحديث الباب خاص، فيبنى العام على الخاص، والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقتضي بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه الجمع، لا بمجرد الاحتمال مع الإمكان. انتهى كلام الشوكاني.
فالحاصل: أن حديث الباب صحيح محكم ليس بمنسوخ، ولا يرده أصل
стр. 6725
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من أصول الشريعة، ولا أثر من الآثار الثابتة، وهو دليل صريح في جواز الركوب على الدابة المرهونة بنفقتها، وشرب لبن الدر المرهونة بنفقتها، وهو قول أحمد وإسحاق؛ كما ذكره الترمذي، وأما قياس الأرض المرهونة على الدابة المرهونة والدر المرهونة .. فقياس مع الفارق، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرهن، باب الرهن مركوب ومحلوب، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في الرهن، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء من الانتفاع بالرهن، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عامر الشعبي عن أبي هريرة، وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفًا، والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: ليس له أن ينتفع من الرهن بشيء.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم