(٨٧) - ٢٤٢٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الْجَحْدَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُوسٍ أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَكْرَى الْأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٧) - ٢٤٢٢ - (٢) (حدثنا أحمد بن ثابت الجحدري) أبو بكر البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الخمسين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) عن نحو من ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن خالد) بن مهران المجاشعي أو القرشي أو الخزاعي مولاهم أبي المنازل البصري الحذاء، ثقة، يرسل، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني الحميري، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة ست ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(أن معاذ بن جبل) بن عمرو الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ رجاله ثقات.
(أكرى الأرض على عهد رسول الله ﷺ أي: آجرها على سبيل المخابرة أو المزارعة (و) في عهد (أبي بكر) الصديق (و) في عهد (عمر) بن الخطاب (و) في عهد (عثمان) بن عفان رضي الله تعالى عنهم
стр. 6792
عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، فَهُوَ يَعْمَلُ بِهِ إِلَى يَوْمِكَ هَذَا.
(٨٨) - ٢٤٢٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
أجمعين وأرضاهم؛ أي: أكرى (على الثلث والربع) أي: أكراها على شرط أن يكون له الثلث أو الربع مما تخرج الأرض، قال طاووس لمجاهد: (فهو) أي: معاذ بن جبل (يعمل به) أي: بإكراء الأرض ببعض ما يخرج منها (إلى يومك هذا) الذي أنت فيه الآن يا مجاهد، ولم يذكر طاووس عليًّا؛ لأن معاذًا لم يدرك عهد علي؛ لأنه؛ أي: لأن معاذًا مات سنة ثماني عشرة (١٨ هـ) ولم يدرك عهد علي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٨) - ٢٤٢٣ - (٣) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(ومحمد بن إسماعيل) بن البختري - بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة - الحساني أبو عبد الله الواسطي نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ)، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ت ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من
стр. 6793
عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُوسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَأَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ الْأَرْضَ .. خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ خَرَاجًا مَعْلُومًا".
===
التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة إمام فقيه، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي، المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني الحميري، ثقة، من الثالثة، مات سنة سمت ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(قال) طاووس: (قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(إنما قال رسول الله ﷺ : لأن يمنح) ويعطي (أحدكم أخاه) المسلم (الأرض) أي: أرضه بلا أجرة وعوض منيحة وعارية؛ لينتفع بها .. (خير له) أي: أكثر أجرًا له (من أن يأخذ) عليها (خراجًا معلومًا) أي: أجرًا معينًا مما تنبت الأرض؛ كثلثه وربعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحرث والمزارعة، وفي مواضع أخر، ومسلم في كتاب البيوع، باب الأرض تمنح، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في المزارعة، والترمذي في كتاب الأحكام، باب من المزارعة، والنسائي في كتاب المزارعة، باب ذكر الأحاديث المختلفة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
стр. 6794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6795
(٤٠) - (٨٣٠) - باب اسْتِكْرَاءِ الْأَرْضِ بِالطَّعَامِ
(٨٩) - ٢٤٢٤ - (١) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ
===
(٤٠) - (٨٣٠) - (باب استكراء الأرض بالطعام)
(٨٩) - ٢٤٢٤ - (١) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي - بالمهملة - أو الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري مولاهم أبو النضر، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يعلى بن حكيم) الثقفي مولاهم المكي نزيل البصرة، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن سليمان بن يسار) الهلالي مولاهم المدني؛ مولى ميمونة أم المؤمنين، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن رافع بن خديج) بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 6796
قَالَ: كُنَّا نُحَاقِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَزَعَمَ أَنَّ بَعْضَ عُمُومَتِهِ أَتَاهُمْ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ .. فَلَا يُكْرِيهَا بِطَعَامٍ مُسَمّىً".
===
(قال) رافع: (كنا) معاشر الأنصار (نحاقل) أي: نكري مزارعنا ببعض ما يخرج منها (على عهد) أي: في زمان حياة (رسول الله ﷺ ، فزعم) أي: قال رافع: (أن بعض) أهل (عمومته) والعمومة: من له اشتراك لأبيك في الولادة؛ أي: أن بعض أعمامي؛ وهو ظهير بن عدي؛ كما صرح به في رواية مسلم (أتاهم) أي: أتى المحاقلين للأرض (فقال) ذلك البعض: (قال رسول الله ﷺ : من كانت له أرض) أي: مزرعة .. (فلا يكريها بطعام مسمىً) أي: معين المقدار؛ كالثلث والربع مما يخرج منها.
قال السندي: قوله: "فلا يكريها ... " إلى آخره .. نفي بمعنى النهي، وفي بعض النسخ: (فلا يكرها) بحذف الياء على صيغة النهي.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحرث والمزارعة، ومسلم في كتاب البيوع، باب كراء الأرض بالطعام، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في التشديد في ذلك، والنسائي في كتاب المزارعة، باب ذكر الاختلاف في الأحاديث.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6797
(٤١) - (٨٣١) - بَابُ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ
(٩٠) - ٢٤٢٥ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ زُرَارَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ
===
(٤١) - (٨٣١) - (باب من زرع في أرض قوم بغير إذنهم)
(٩٠) - ٢٤٢٥ - (١) (حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة) الحضرمي مولاهم أبو محمد الكوفي، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه (م د ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي إسحاق) الهمداني السبيعي عمرو بن عبد الله الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن رافع بن خديج) بن عدي الأنصاري الأوسي الحارثي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث أو أربع وسبعين، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شريك بن عبد الله، وهو كثير الخطأ، وتفرد به عن أبي إسحاق، وتفرد به أيضًا أبو إسحاق عن عطاء، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج.
стр. 6798
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ .. فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَتُرَدُّ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ".
===
(قال) رافع: (قال رسول الله ﷺ : من زرع) زرعًا (في أرض) مملوكة لـ (قوم بغير إذنهم) له في الزراعة فيها .. (فليس له) أي: لذلك الزارع (من الزرع شيء) قليل ولا كثير من ذلك الزرع، على أن الزرع لمن له أرض، لا لمن له البذر (وتُرَدُّ عليه) أي: تُضْمَنُ له بدلُ (نفقته) أي: بدل ما أنفقها في حراثتها من بدل البذر وأجرة الحراثة.
وفي الحديث دليل على من غصب أرضًا وزرعها .. كان الزرع لمالك الأرض، وللغاصب ما غرمه في الزرع يسلمه له مالك الأرض.
قال الترمذي: هذا الحديث حسن غريب، وسألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال أبو عيسى: والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.
قال ابن رسلان في "شرح السنن": وقد استدل به - كما قال الترمذي - أحمد على أن من زرع بذرًا في أرض غيره واسترجعها صاحبها .. فلا يخلو؛ إما أن يسترجعها مالكها ويأخذها بعد حصاد الزرع، أو يسترجعها والزرع قائم قبل أن يحصد؛ فإن أخذها مستحقها بعد حصاد الزرع .. فإن الزرع لغاصب الأرض، لا نعلم فيها خلافًا؛ وذلك لأنه نماء ماله، وعليه أجرة الأرض إلى وقت التسليم، وضمان نقص الأرض وتسوية حفرها.
وإن أخذ الأرض صاحبها من الغاصب والزرع قائم فيها .. لم يملك إجبار الغاصب على قلعه، وخير المالك بين أن يدفع إليه نفقته ويكون الزرع له، أو يترك الزرع للغاصب، وبهذا قال أبو عبيد.
وقال الشافعي وأكثر الفقهاء: إن صاحب الأرض يملك إجبار الغاصب على
стр. 6799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلعه، واستدلوا بقوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" ويكون الزرع لمالك البذر عندهم على كل حال، وعليه كراء الأرض.
ومن جملة ما استدل به الأولون ما أخرجه أحمد وأبو داوود: (أن النبي ﷺ رأى زرعًا في أرض ظهير، فأعجبه ... ) الحديث، وقد تقدم آنفًا، فدل على أن الزرع تابع للأرض. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب في زرع الأرض بغير إذن صاحبها، والترمذي في كتاب الأحكام، باب ما جاء في من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وأحمد في "المسند"، والبيهقي في "السنن"، والبغوي في "شرح السنة".
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر، وغرضه بسوقه: الاستدلال به على الترجمة.
قال الشوكاني: ولا يخفى أن حديث رافع بن خديج أخص من قوله: "ليس لعرق ظالم حق" مطلقًا، فيبنى العام على الخاص، وهذا على فرض أن قوله ﷺ : "ليس لعرق ظالم حق" يدل على أن الزرع لرب البذر، فيكون الراجح ما ذهب إليه أهل القول الأول؛ من أن الزرع لصاحب الأرض إذا استرجع أرضه والزرع فيها، وأما إذا استرجعها بعد حصاد الزرع .. فظاهر الحديث أنه أيضًا لصاحب الأرض، ولكن إذا صح الإجماع على أنه للغاصب .. كان مخصصًا لهذه الصورة، وقد روي عن مالك وأكثر علماء المدينة مثل ما قاله الأولون. انتهى.
وقال ابن رسلان: إن حديث: "ليس لعرق ظالم حق" وردَ في الغرس الذي له
стр. 6800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عرق مستطيل في الأرض، وحديث رافع ورد في الزرع، فيجمع بين الحديثين، ويعمل بكل واحد منهما في موضعه. انتهى.
ولكن قال الشوكاني: ما ذكرناه من الجمع أرجح؛ لأن بناء العام على الخاص أولى من المصير إلى قصر العام على السبب من غير ضرورة. انتهى.
قوله: "وترد عليه نفقته" أي: على الغاصب ما أنفقه على الأرض؛ من المؤونة في الحرث والسقي وقيمة البذر، وغير ذلك؛ كالسماد، وقيل: المراد بالنفقة: قيمةُ الزرع فتُقدَّر قيمتُه ويُسلِّمُها المالكُ، والظاهر الأول.
قال الإمام أبو سليمان الخطابي بعدما ضعف هذا الحديث: ويشبه أن يكون معناه لو صح وثبت على العقوبة والحرمان للغاصب، والزرع في قول عامة الفقهاء لصاحب البذر؛ لأنه تولد من عين ماله، وتكوَّن منه، وعلى الزراع كراء الأرض، غير أن أحمد بن حنبل كان يقول: إذا كان الزرع قائمًا .. فهو لصاحب الأرض، فأما إذا حُصد .. فإنما يكون له أجرة الأرض. انتهى.
وحكى ابن المنذر عن أبي داوود قال: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث رافع بن خديج قال: عن رافع ألوانٌ، ولكن أبا إسحاق زاد فيه: (زرع بغير إذنه)، وليس غيره يذكر هذا الحرف. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من هذا الوجه من حديث شريك بن عبد الله، قال: وسألت محمد بن إسماعيل - يعني: البخاري - عن هذا الحديث، فقال: هو حديث حسن، وقال: لا أعرفه من حديث أبي إسحاق إلا من رواية شريك.
وقال الخطابي: هذا الحديث لا يثبت عند أهل المعرفة بالحديث،
стр. 6801
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحدثني الحسن بن يحيى عن موسى بن هارون الحمال أنه ينكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لم يروه عن أبي إسحاق غير شريك، ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق، وعطاء لم يسمع من رافع بن خديج شيئًا، وضعفه البخاري، وقال: تفرد بذلك شريك عن أبي إسحاق، وزاد فيه: (زرع بغير إذنه)، وليس غيره يذكر هذا الحرف، وشريك يهم كثيرًا أو أحيانًا. انتهى من "العون".
قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: وليس مع مَن ضعَّف هذا الحديث حجة؛ فإن رواته محتج بهم في الصحيح، وهم أشهر مِن أن يُسأل عن توثيقهم، وقد حسنه إمام المحدثين أبو عبد الله البخاري والترمذي بعده، وذكره أبو داوود ولم يضعفه، فهو حسن عنده، واحتج به الإمام أحمد وأبو عبيد، وقد تقدم شاهده من حديث رافع بن خديج في قصة الذي زرع في أرض ظهير بن عدي بن رافع، فأمر النبي ﷺ أصحاب الأرض أن يأخذوا الزرع ويردوا عليه نفقته، وقال فيه لأصحاب الأرض: خذوا زرعكم، فجعله زرعًا لهم؛ لأنه تولد من منفعة أرضهم، فتولده في الأرض كتولد الجنين في بطن أمه.
ولو غصب رجل فحلًا فأنزاه؛ أي: أركبه على ناقته، أو رمكته - الرَّمكة بفتحتين: الأنثى من البَراذِين. انتهى "م خ" - لكان الولدُ لصاحب الأنثى دون صاحب الفحل؛ لأنه إنما يكون حيوانًا من حرثها، ومني الأب لما لم يكن له قيمة .. أهدره الشارع؛ لأن عسب الفحل لا يقابل بالعوض، ولما كان البذر مالًا متقومًا .. رَدَّ على صاحبه قيمتَه، ولم يذهب عليه باطلًا، وجعل الزرع لمن يكون في أرضه؛ كما يكون الولدُ لمن يكون في بطن أمه ورمكته
стр. 6802
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وناقته، فهذا محض القياس لو لم يأت فيه حديث، فمثَلُ هذا الحديث الحسن الذي له شاهد من السنة على مثله، وقد تأيَّد بالقياس الصحيح من حجج الشريعة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 6803
كتابُ المساقاة
стр. 6804
(١٥) - كتَابُ الْمُسَاقَاةِ
(٤٢) - (٨٣٢) - بَابُ مُعَامَلَةِ النَّخِيلِ وَالْكُرُومِ
===
(١٥) - (كتاب المساقاة)
(٤٢) - (٨٣٢) - (باب معاملة النخيل والكروم)
والمساقاة لغةً: مشتقة؛ أي: مأخوذة من السَّقي - بفتح السين وسكون القاف وتخفيف الياء - وإنما أُخذت منه؛ لاحتياجها إليه غالبًا؛ لأنه أنفعُ أعمالِها وأكثرُها مؤنةً، لا سيما في أرض الحجاز؛ فإنهم يَسْقُونَ من الآبار، ويصح ضبطه بكسر القاف وتشديد الياء؛ وهو صغار النخل، وإنما أُخذت منه على هذا القول؛ لأنه موردُها، والأول هو الأظهر؛ لأن السقي عليه مصدر، فالاشتقاق منه ظاهر، بخلاف الثاني؛ فإن السقي عليه ليس مصدرًا، فلا يظهر الاشتقاق منه، إلا أن يراد مطلق الأخذ؛ كما أشرنا إليه.
وشرعًا: دفع الشخصِ نخلًا أو شَجَرَ عنبٍ بصيغةٍ لمن يتعهَّدُه بسَقْيٍ وتربيةٍ على أن له قدرًا معلومًا من ثمره.
وقولنا: (بصيغة) كساقيتُك على هذا النخل أو العنب، أو أسلمته إليك؛ لتتعهده بكذا فيَقْبَل، وقولنا: (دفع الشخص) هو المالك، و (من يتعهَّده) هو العامل.
وأركانها ستة: مالك، وعامل، وعمل، ومورد، وثمر، وصيغة، وكلُّها تُؤخذ من الضابط المذكور.
стр. 6805
(٩١) - ٢٤٢٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
===
فائدة
واعلم: أن النخلَ والعنبَ يخالفان غيرَهما من بقيةِ الأشجار في أربعة أمور: الزكاةِ، والخَرْصِ، وبيعِ العرايا، والمساقاةِ.
واختلفوا أيُّهما أفضلُ، والراجح: أن النخلَ أفضلُ؛ لورود: "أَكْرِمُوا عماتكم النخل المُطْعِمَاتِ في المحل" وإن تُكلِّمَ فيه، وإنما قيل لها: عمَّاتٌ؛ لأنها خُلِقت من فَضْلةِ طينةِ آدم في وادي النُّعمان، والنخلُ أيضًا مقدَّم على العنب في جميع القرآن.
وشبَّه ﷺ النخلةَ بالمؤمن في كونِها تَنْفَعُ بجميعِ أجزائها، وشَبَّه عَيْنَ الدجالِ بحبَّةِ العنبِ؛ لأنها أصلُ الخمر، وهي أُمُّ الخبائث. انتهى "ب ج" على "ابن ق س".
* * *
(٩١) - ٢٤٢٦ - (١) (حدثنا محمد بن الصبَّاح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(وسهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي أبو عمرو الخياط الحافظ صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(وإسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
стр. 6806
قَالُوا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ.
===
كلهم (قالوا: حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ (القطان) التميمي البصري أبو سعيد، ثقة متقن حافظ إمام قدوة، من كبار التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أبو عثمان، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ عامل أهل خيبر) أي: يهودَها؛ أي: سَاقَى وزَارَع يهودَ خيبر على أشجارها وأراضيها التي بين الأشجار؛ أي: عاملهم (بالشطر) أي: بالنصف أو بالبعض (مما يخرج) ويستغل منها (من ثمر أو زرع) أي: يخرج من أشجارها من ثمر، أو يخرج من أرضها من زرع.
وقوله: (من ثمر) إشارة إلى المساقاة (أو زرع) إشارة إلى المزارعة.
وقوله: (عامل أهل خيبر) وذلك لأنه ﷺ لما فتحها .. ملك نخلها وزرعها، فصار الزرع من المالك فقام مقام البذر، فكانت مساقاةً ومزارعةً والحاجة داعية إليهما؛ لأن مالك الأشجار قد لا يحسن العمل فيها أو لا يتفرغ له، ومن يحسن ويتفرغ قد لا يكون له أشجار ولا أرض، فيحتاج ذاك إلى الاستعمال، وهذا إلى العمل، ولو اكتراه المالك ..
стр. 6807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لزمته الأجرة في الحال، وقد لا يحصل له شيء من الثمار ويتهاون العامل في العمل.
قال السندي: قوله: (عامل أهل خيبر) وكانت المعاملة مساقاةً ومزارعةً مستقلين عند قوم، ومساقاة متضمنة للمزارعة عند آخرين لا مزارعة فقط.
والمساقاة: إجارة على العمل في الأشجار بجزء من الخارج.
والمزارعة: كراء الأرض بما يخرج منها.
وما بينهما فرق، والمساقاة قد تتضمن المزارعة؛ بأن يكون في البستان أرض بياض، فيشترط الزرع فيها أيضًا تبعًا للمساقاة، وهذا الحديث يحتمل ذلك؛ كما تحتمل المساقاة والمزارعة الاستقلال، وقد جوز المزارعة تبعًا للمساقاة بعض من لم يجوزها استقلالًا، فلم يتم به استدلال من يستدل به على جواز المزارعة استقلالًا، فافهم. انتهى منه.
وهذا الحديث يدل على جواز المساقاة، وبه قال مالك والشافعي والثوري والليث وأحمد وجميع فقهاء المحدثين وأهل الظاهر وجماهير العلماء، وقال أبو حنيفة: لا تجوز، قاله النووي.
قال الخطابي: وخالف أبا حنيفة صاحباه، فقالا بقول الجماعة من أهل العلم، وأول أبو حنيفة هذه الأحاديث على أن خيبر فتحت عنوة، وكان أهلها عبيدًا لرسول الله ﷺ ؛ فما أخذه .. فهو له، وما تركه .. فهو له.
واحتج الجماهير بظواهر هذه الأحاديث، وبقوله ﷺ : "أقركم ما أقركم الله" وهذا صريح في أنهم لم يكونوا عبيدًا. انتهى.
стр. 6808
(٩٢) - ٢٤٢٧ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الحرث والمزارعة، باب المزارعة بالشطر، ومسلم في كتاب المساقاة، باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، وأبو داوود في كتاب البيع، باب في المساقاة، والترمذي في كتاب المزارعة، باب ما ذكر في المزارعة، ومالك في "الموطأ"، في كتاب المساقاة، باب ما جاء في المساقاة، والدارمي في كتاب البيوع، باب أن النبي ﷺ عامل خيبر.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(٩٢) - ٢٤٢٧ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن توبة) بن سليمان بن زيد الثقفي أبو سليمان الرازي، أصله من الطائف، ثم نزل قزوين، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي القاضي أبي عبد الرحمن، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم).
стр. 6809
عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ أَهْلَهَا عَلَى النِّصْفِ نَخْلَهَا وَأَرْضَهَا.
===
(عن الحكم بن عتيبة) - مصغرًا - أبي محمد الكندي الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن مقسم) - بكسر أوله - ابن بجرة - بضم الموحدة وسكون الجيم - أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس؛ للزومه له، صدوق، وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ جدًّا، بل ضعيف، والحكم بن عتيبة لم يسمع من مقسم إلا أربعة أحاديث.
(أن رسول الله ﷺ أعطى خيبر أهلها) اليهود؛ ليعملوا فيها (على) شرط أن يكون لهم (النصف) أي: نصف ما يخرج منها من ثمرها وزرعها.
وقوله: (نخلها وأرضها) بالنصب فيهما على الإبدال من خيبر، بدل تفصيل من مجمل.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح المتن بما قبله، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر؛ لأن متنه صحيح به.
стр. 6810
(٩٣) - ٢٤٢٨ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ .. أَعْطَاهَا عَلَى النِّصْفِ.
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٣) - ٢٤٢٨ - (٣) (حدثنا علي بن المنذر) الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسلم) بن كيسان الضبي الملائي البراد (الأعور) أبي عبد الله الكوفي، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه مسلمًا الأعور، وهو متفق على ضعفه؛ ضعفه أحمد وابن معين وأبو زرعة الرازي والفلاس والبخاري وأبو داوود الآجري والترمذي والنسائي والجوزجاني وابن حبان، فهو ضعيف جدًّا.
(قال) أنس: (لما افتتح) وغلب (رسول الله ﷺ خيبر) اسم مدينة من أعمال المدينة .. (أعطاها) أي: لأهلها لمساقاة أشجارها ومزارعة أرضها (على) شرط أن يعطوا بـ (النصف) من ثمارها وزروعها والنصف الآخر للمسلمين على قدر سهمانهم.
стр. 6811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح متنه بحديث ابن عمر المذكور أول هذا الباب، ضعيف السند؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6812
(٤٣) - (٨٣٣) - بَابُ تَلْقِيحِ النَّخْلِ
(٩٤) - ٢٤٢٩ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ
===
(٤٣) - (٨٣٣) - (باب تلقيح النخل)
(٩٤) - ٢٤٢٩ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي أبو محمد الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة، كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت الناس في إسرائيل من أبي نعيم، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي أبي يوسف الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبي المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أنه) أي: أن سماكًا (سمع موسى بن طلحة بن عبيد الله) القرشي التيمي أبا عيسى أو أبا محمد المدني نزيل الكوفة، ثقة فاضل، من الثانية، ويقال: إنه ولد في عهد النبي ﷺ ، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 6813
يُحَدِّثُ عَنْ أَبيهِ قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي نَخْلٍ، فَرَأَى قَوْمًا يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ فَقَالَ: "مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ "، قَالُوا: يَأْخُذُونَ مِنَ الذَّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ فِي الْأُنْثَى، قَالَ: "مَا أَظُنُّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا"،
===
حالة كون موسى (يحدث عن أبيه) طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبي محمد المدني رضي الله تعالى عنه، وهو المسمى طلحة الفياض، أحد العشرة المبشرة المشهور، استشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ)، وهو ابن ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) طلحة بن عبيد الله: (مررت مع رسول الله ﷺ يومًا من الأيام (في) بساتين (نخل، فرأى) رسول الله ﷺ (قومًا) كائنين على رؤوس النخل وأعاليها حالة كونهم (يلقحون النخل) ويؤبرونها؛ من التلقيح؛ وهو التأبير؛ وهو أن يشق طلع الإناث فيؤخذ من طلع الذكور فيوضع فيها؛ ليكون الثمر بإذن الله تعالى أجود مما لم يؤبر (فقال) رسول الله ﷺ لمن عنده: ("ما يصنع هؤلاء؟ ") أي: أي شيء يفعل هؤلاء المتعلقون بالنخل؟ فـ (قالوا) أي: فقال الحاضرون عنده ﷺ في جواب سؤال الرسول ﷺ : هم (يأخذون من) طلع (الذكر، فيجعلونه) أي: يجعلون ما أخذوا من طلع الذكر (في) طلع (الأنثى).
فـ (قال: ما أظن ذلك) التلقيح الذي يفعلونه (يغني) وينفع (شيئًا) في الثمر من الزيادة أو الجودة، بل النافع فيها هو الله تعالى؛ فإن المثمر هو الله تعالى، إنما قال النبي ﷺ ذلك على سبيل الظن؛ لأنه لم
стр. 6814
فَبَلَغَهُمْ فَتَرَكُوهُ فَنَزَلُوا عَنْهَا، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّمَا
===
يمارس الفلاحة والزراعة، ولم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة بينهم؛ لأنه لم يكن ممن عانى الزراعة والفلاحة ولا باشر شيئًا من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة، وتمسك بالقَاعِدَةِ الكلّيةِ المعلومةِ التي هي: (أنه ليس في الوجود ولا في الإمكان فاعل ولا خالق ولا مؤثر إلا الله تعالى) فإذا نسب شيء إلى غيره تعالى نسبة التأثير .. فتلك النسبة مجازية عرضية لا حقيقية، فصدق قوله ﷺ : "ما أظن ذلك يغني شيئًا" فإن الذي يغني في الأشياء عن الأشياء بالحقيقة هو الله تعالى، غير أن الله تعالى قد أجرى عادته؛ بأن ستر تأثير قدرته في بعض الأشياء بأسباب معتادة، فجعلها مقارنة لها، ومغطاة بها؛ ليؤمن من سبقت له السعادة بالغيب، وليضل من سبقت له الشقاوة بالجهل والريب: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (١).
(فبلغهم) أي: بلغ ووصل أولئك القوم ذلك القول الذي قاله النبي ﷺ ؛ يعني: قوله: "ما أظن ذلك يغني شيئًا"، وفي رواية مسلم بدل هذا: (فأُخْبِرُوا) بالبناء للمجهول المسند إلى ضمير الجمع؛ أي: فأخبر أولئك القوم الملقحون للنخل (بذلك) أي: بما قاله النبي ﷺ من قوله: "ما يغني ذلك شيئًا" (فتركوه) أي: فترك القوم الملقحون ذلك التلقيح؛ تمسكًا بقول النبي ﷺ (فنزلوا) أي: هبطوا (عنها) أي: عن النخيل.
(فبلغ النبي ﷺ أي: وصل إليه ذلك؛ أي: تَرْكُهم التلقيح بسبب قوله ذلك (فقال) النبي ﷺ لمن عنده: قولوا لهم: لا تتركوا التلقيح بسبب قولي: "ما أظن ذلك يغني شيئًا" (إنما) قولي
стр. 6815
هُوَ الظَّنُّ؛ إِنْ كَانَ يُغْنِي شَيْئًا .. فَاصْنَعُوهُ؛ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَإِنَّ الظَّنَّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، وَلكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ: قَالَ اللهُ، فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ".
===
ذلك (هو الظن) لا اليقين من الله تعالى، ثم قال: (إن كان) ذلك التلقيح في عادتكم (يغني) وينفع (شيئًا) من الأثمار .. (فاصنعوه) أي: فاصنعوا ذلك التلقيح ولا تتركوه لأجل قولي ذلك، وفي رواية مسلم زيادة: (فإني إنما ظننت) ذلك؛ أي: عدم نفع التلقيح في الأثمار (ظنًّا) يخطئ ويصيب، وقلت ذلك بالرأي والظن لا بالوحي من الله تعالى (فلا تؤاخذوني) أي: لا تلوموني بما قلته بالظن والرأي.
(فإنما أنا بشر مثلكم) في عدم علم الغيب (وإن الظن) الذي قلته لكم من عدم نفع التلقيح شيئًا .. قد (يخطئ) عن الواقع ولا يقع (و) قد (يصيب) أي: يوافق الواقع فيقع (ولكن ما قلت لكم) في مقالتي تلك: (قال الله) ما يغني ذلك شيئًا، (فـ) حينئذ (لن أكذب على الله) أي: فلن أكون كاذبًا على الله بذلك الظن الذي قلته لكم؛ لأني لم أنسبه إلى الله تعالى، والله أعلم.
قال النووي: قال العلماء: ورأيه ﷺ في أمور المعاش وظنه فيها كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا الخطأ ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق همه بالآخرة ومعارفها. انتهى.
قال القرطبي: قوله: "إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن"، وقوله في الرواية الأخرى: "إنما أنا بشر" هذا كله منه ﷺ اعتذار لمن ضعف عقله؛ مخافة أن يزله الشيطان فيكذِّب النبي ﷺ فيكفر، وإلا .. فما وقع منه شيء يحتاج فيه إلى اعتذار، غاية ما جرى منه مصلحة دنيوية خاصة بقوم مخصوصين لم يعرفها من لم يباشرها ولا كان من أهلها المباشرين لعملها، وأوضح ما في هذه الألفاظ المعتذر بها في هذه
стр. 6816
(٩٥) - ٢٤٣٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى،
===
القصة قوله: "أنتم أعلم بأمر دنياكم"، وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم، "ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئًا - من الوحي - .. فخذوا به" أي: بالذي حدثتكم عن الله تعالى.
وهذا أَمْرُ جزمٍ بوجوب الأخذ عنه في كل أحواله؛ من الغضب والرضا والمرض والصحة، وإنما أمرتكم بالأخذ به "فإني" أي: لأني "لن أكذب" - بكسر الذال من باب ضرب - أي: لن أقول "على الله " بالكذب ولن أنسب إليه ما لم يقله ولم يأمرني به؛ أي: لا يقع منه فيما يبلغه عن الله تعالى كذب ولا غلط لا سهوًا ولا عمدًا، وقد قلنا: إن صدقه في ذلك هو مدلول المعجزة، وأما الكذب العمد المحض .. فلم يقع منه قط في خبر من الأخبار، ولا جرب عليه شيء من ذلك منذ أنشأه الله تعالى إلى أن توفاه الله تعالى، وقد كان في صغره معروفًا بالصدق والأمانة، ومجانبة أهل الكذب والخيانة، حتى إنه كان يسمى بالصادق الأمين، يشهد له بذلك كل من عرفه وإن كان من أعدائه وممن خالفه. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره في معاش الدنيا على سبيل الرأي، والبيهقي في "السنن الكبرى".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث طلحة بن عبيد الله بحديث أنس وعائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٥) - ٢٤٣٠ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان
стр. 6817
حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَهِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَ أَصْوَاتًا فَقَالَ: "مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ "، قَالُوا:
===
وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث .. تركه، من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ)، وقيل مات بعدها بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا ثابت) بن أسلم البناني أبو محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري رضي الله تعالى عنه.
(و) حدثنا حماد بن سلمة أيضًا، حدثنا (هشام بن عروة) فهو معطوف على ثابت.
(عن أبيه) عروة بن الزبير.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
فالسند الأول من خماسياته، والثاني من سداسياته.
كل من أنس وعائشة رضي الله تعالى عنهما حدثا (أن النبي ﷺ سمع أصواتًا) من اصطكاك الأشجار (فقال) النبي ﷺ : ("ما هذا الصوت؟ ") أي: ما سببه؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون
стр. 6818
النَّخْلُ يُؤَبِّرُونَهَا فَقَالَ: "لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا .. لَصَلَحَ"، فَلَمْ يُؤَبِّرُوا عَامَئِذٍ فَصَارَ شِيصًا، فَذَكَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ .. فَشَأْنَكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ دِينِكُمْ .. فَإِلَيَّ".
===
عند رسول الله ﷺ : (النخل) أي: هذا الصوت الذي سمعته صوت النخل، يظهر من اصطكاكها عندما (يؤبرونها) ويشققون طلعها؛ لوضع طلع الذكور فيها (فقال) النبي ﷺ : (لو لم يفعلوا) أي: لو لم يفعل هؤلاء المؤبرون تأبيرها وتَركُوها على حالها .. (لصلح) ثمرها؛ لأن المُثْمِرَ والمُؤثِّر فيه هو الله تعالى لا غيره؛ لأنه خالق كل شيء.
قال الراوي - كما في رواية مسلم -؛ إما عائشة وإما أنس بن مالك: فتركوا التأبير (فلم يؤبروا) أي: لم يؤبر الملقحون النخل (عامئذ) أي: عام إذ قال النبي ﷺ : لو لم يفعلوا التأبير .. لصلح الثمر؛ تمسكًا بقوله ﷺ .
قال الراوي: (فصار) الثمر (شيصًا) أي: خرج الثمر من النخل حالة كونه شيصًا - بكسر الشين المعجمة - أي: بسرًا رديئًا.
قال المازري: الشيص: البسر الذي لا نوى له، وقال القاضي: الشيص: هو رديء البسر، وإذا يبس .. كان حشفًا. انتهى "أبي".
(فذكروا) أي: ذكر الذين تركوا (لتلقيح اللنبي ﷺ أنهم لما تركوا التلقيح .. صار الثمر شيصًا (فقال) لهم النبي ﷺ : (إن كان) الأمر من أموركم (شيئًا من أمر دنياكم) أي: متعلقًا بها؛ كالتلقيح هنا .. (فـ) عليكم (شأنكم) أي: أن تفعلوا (به) أي: بذلك الأمر شأنكم وعادتكم فيه؛ كتلقيح الثمر (وإن كان) ذلك الأمر أمرًا (من أمور دينكم .. فـ) فوضوا أمره (إليَّ) فاسألوني عنه؛ فأنا أعلم به منكم؛ أي: فأنتم أعلم
стр. 6819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
مني بأمر دنياكم ومعاشكم بالتجربة، فامشوا على عادتكم فيما يستقبل من أمور دنياكم، وكأنه قال: وأنا أعلم بأمر دينكم، فاقتدوا بي في أمور الدين.
والمعنى: وأنتم أعلم بالأمور التي وكلها الشرع إلى التجربة، ولم يأت فيها بأمر أو نهي جازم. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا ... إلى آخره.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 6820
(٤٤) - (٨٣٤) - بَابٌ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ
(٩٦) - ٢٤٣١ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ خِرَاشِ بْنِ حَوْشَبٍ الشَّيْبَانِيُّ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ
===
(٤٤) - (٨٣٤) - (باب: المسلمون شركاء في ثلاث)
(٩٦) - ٢٤٣١ - (١) (حدثنا عبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن خراش بن حوشب الشيباني) أبو جعفر الكوفي، ضعيف، وأطلق عليه ابن عمار الكَذِبَ، من الثامنة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ق).
(عن العوام بن حوشب) بن يزيد الشيباني أبي عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم أبي الحجاج المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن خراش، وهو متفق على ضعفه.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : المسلمون شركاء
стр. 6821
فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ، وَثَمَنُهُ حَرَامٌ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: (يَعْنِي: الْمَاءَ الْجَارِيَ).
===
في ثلاثـ) ـة أمور، قال السندي: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث، فقالوا: إن هذه الأمور الثلاثة لا تملك ولا يصح بيعها مطلقًا.
(في الماء) بدل من ثلاث؛ بدل تفصيل من مجمل، والمشهور أن المراد بالماء: ماء السماء والعيون والأنهار التي لا مالك لها (و) في (الكلأِ) والمشهور بين العلماء أن المراد بالكلأِ: الكلأ المباح، الذي لا يختص بأحد (و) في (النار) والمراد بها: الشجر الذي يحتطبه الناس من المباح فيوقدونه.
فالماء؛ إذا أحرزه إنسان في إناء وملكه .. يجوز بيعه، وكذا غيره، وقال الخطابي: الكلأ: هو الذي ينبت في موات الأرض يرعاه الناس، وليس لأحد أن يختص به.
والنار: فسره بعضهم بالحجارة التي تورى؛ فليس لأحد أن يمنع غيره من أخذها، وقال بعضهم: له منع من أخذ جمرة؛ أي: جذوة، وليس له منع من أراد أن يستصبح منها مصباحًا، أو أدنى منها فيستدفئ بها؛ لأن ذلك لا ينقص من عينها شيئًا. انتهى منه.
قال الراوي: (وثمنه) أي: ثمن كل من هذه الأمور الثلاثة (حرام) أكله على بائعه؛ لأنه ليس مملوكًا له، فلا يجوز بيعه.
(قال أبو سعيد) شيخ المؤلف: (يعني) النبي ﷺ أو الراوي بذلك الماء الذي هو مشترك: (الماء الجاري) في الأنهار والعيون.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث بُهَيَّةَ عن أبيها بنحوه وبلفظه رواه أحمد في "مسنده"، والبيهقي وابن أبي شيبة في "مصنفه"، وله أيضًا شاهد من حديث أبي هريرة المذكورِ بعده.
стр. 6822
(٩٧) - ٢٤٣٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ لَا يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ وَالْكَلَأُ وَالنَّارُ".
===
فدرجته: أنه صحيح بغيره وسنده ضعيف، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٧) - ٢٤٣٢ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد) المقرئ أبو يحيى المكي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة إمام حجة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث) من المنافع (لا يمنعن) - بضم الياء وسكون العين على صيغة المجهول المسند إلى ضمير الإناث - أي: لا يمنع أحد أراد الأخذ منها؛ لأنها مشتركة بين الناس؛ وهي (الماء) أي: ماء الأنهار والعيون الجارية (والكلأ) أي: حشيش الموات (والنار) أي: نار حطب
стр. 6823
(٩٨) - ٢٤٣٣ - (٣) حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ خَالِدٍ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ غُرَابٍ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مَرْزُوقٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ،
===
الموات؛ فهذه الثلاثة مشتركة بين المسلمين والذميين، لا يمنع أحد منهم من أخذها والانتفاع بها؛ لأنها مشتركة بينهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٩٨) - ٢٤٣٣ - (٣) (حدثنا عمار بن خالد) بن يزيد بن دينار (الواسطي) التمار أبو الفضل، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا علي بن غراب) باسم الطائر الفزاري مولاهم الكوفي القاضي، قال علي بن الحسين الفلكي الهمذاني: غراب لقبه، اسمه عبد العزيز، سماه بذلك مروان بن معاوية، صدوق وكان يدلس ويتشيع، وأفرط ابن حبان في تضعيفه، من الثامنة، مات سنة أربع وئمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (س ق).
(عن زهير بن مرزوق) مجهول، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن علي بن زيد) بن عبد الله بن زهير بن عبد الله (بن جدعان) التيمي البصري، أصله حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان، ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وئلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
стр. 6824
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: "الْمَاءُ وَالْمِلْحُ وَالنَّارُ"،
===
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن بن أبي وهب القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، مات بعد التسعين، وقد ناهز الثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن زيد ابن جدعان، وهو متفق على ضعفه.
(أنها قالت: يا رسول الله؛ ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ ) أي: لا يحل منع الناس من أخذه؛ لكونه مشتركًا بين المسلمين، فـ (قال) النبي ﷺ في جواب سؤالها ذلك: الشيء لا يحل منع الناس منه ثلاثة: (الماء) الجاري على وجه الأرض؛ كالأنهار والعيون الجارية (والملح) في معدنه بحريًا كان أو بريًا (والنار) الموقدة في حطب الموات، ثم (قال) لها النبي ﷺ : (يا حميراء) لقب لها، ولكنه لم يثبت في حديث صحيح، ومعناه: يا بيضاء.
قال السندي: قوله: "يا حميراء" بالتصغير، قال السيوطي في "النهاية": الحميراء تصغير الحمراء؛ يريد: البيضاء، وقد تكرر في الحديث، وهذا الحديث الذي ورد فيه (الحميراء) ضعيف، واستثني من ذلك ما أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ١١٩) في كتاب "معرفة الصحابة"، من طريق عبد الجبار بن الورد عن عمار الذهني عن سالم بن أبي الجعد عن أم سلمة قالت: ذكر النبي ﷺ خُروجَ بعض أمهات المؤمنين، فضحكت عائشة، فقال: "يا حميراءُ؛ ألا تكوني أنتِ"، ثم التفتَ إلى عَليٍّ فقال له: "إن وَلِيت من
стр. 6825
قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَذَا الْمَاءُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا بَالُ الْمِلْحِ وَالنَّارِ؟ قَالَ: "يَا حُمَيْرَاءُ؛ مَنْ أَعْطَى نَارًا .. فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا أَنْضَجَتْ تِلْكَ النَّارُ، وَمَنْ أَعْطَى مِلْحًا .. فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا طَيَّبَ ذَلِكَ الْمِلْحُ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ يُوجَدُ الْمَاءُ .. فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمَاءُ .. فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا".
===
أمرها شيئًا .. فارْفُق بها". قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم. انتهى.
(قالت) عائشة: (قلت: يا رسول الله؛ هذا الماء قد عرفناه) أي: قد عرفنا كونه مشتركًا؛ لشدة احتياج الناس إليه، (فما بال الملح والنار؟ ) أي: فما شأنهما في كونهما مشتركًا بين الناس؟ فـ (قال) لها النبي ﷺ : (يا حميراء) شأنهما وفائدتهما عظيم، فلعظم منفعتهما (من أعطى نارًا) للمحتاج إليها .. (فكأنما تصدق) عليه (بجميع ما أنضجت) وطبخت (تلك النار، ومن أعطى ملحًا) للمحتاج إليه .. (فكأنما تصدق) عليه (بجميع ما طيب) وأصلح (ذلك الملح) عليه.
(ومن سقى) وأشرب (مسلمًا شربةً من ماء) أي: سقية منه (حيث يوجد) فيه؛ أي: في موضع يوجد فيه (الماء) كالحاضرة والمدن .. (فكأنما أعتق رقبة) أي: يثاب على سقيه ثواب من أعتق رقبة مسلمة (ومن سقى مسلمًا شربةً من ماء حيث لا يوجد الماء) أي: في مكان لا يوجد فيه الماء؛ كالصحارى والقفار .. (فكأنما أحياها) أي: أنقذ تلك الرقبة المسلمة من الهلاك؛ أي: يثاب على سقيها الماء ثواب من أنقذها من الهلاك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده بما
стр. 6826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تقدم آنفًا، فهذا الحديث: ضعيف السند والمتن (١٤)(٢٥٩)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس.
والله أعلم
стр. 6827
(٤٥) - (٨٣٥) - بَابُ إِقْطَاعِ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ
(٩٩) - ٢٤٣٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا فَرَجُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ، حَدَّثَنِي عَمِّي ثَابِتُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ
===
(٤٥) - (٨٣٥) - (باب إقطاع الأنهار والعيون)
(٩٩) - ٢٤٣٤ - (١) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) نزيل مكة، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق صنف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا فرج بن سعيد بن علقمة بن سعيد بن أبيض بن حمال) المأربي أبو روح اليماني، صدوق، من السابعة. يروي عنه: (د ق).
(حدثني عمي ثابت بن سعيد بن أبيض بن حمال) - بالمهملة وتشديد الميم - المأربي - بكسر الراء بعدها موحدة - مقبول، من السادسة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه سعيد) بن أبيض بن حمال المرادي أبي هانئ المأربي - بكسر الراء بعدها موحدة - مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبيه أبيض بن حمال) - بالمهملة وتشديد الميم - المأربي - بسكون الهمزة وكسر الراء بعدها موحدة - له صحبة وأحاديث رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن أكثر رجاله من المقبولين.
стр. 6828
أَنَّهُ اسْتَقْطَعَ الْمِلْحَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: مِلْحُ سَدِّ مَأْرِبٍ، فَأَقْطَعَهُ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التَّمِيمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي قَدْ وَرَدْتُ الْمِلْحَ
===
(أنه) أي: أن أبيض بن حمال (استقطع الملح) أي: طلب من النبي ﷺ أن يقطع له الملح (الذي يقال له: ملح سد مأرب، فأقطعه) أي: فأقطع ذلك الملح النبي ﷺ (له) أي: لأبيض بن حمال، يقال: أقطعته أرضًا: جعلتها له قطيعة؛ والمراد به: ما يخص به الإمام بعض الرعية من أرض الموات، فيختص به ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه.
واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في مذهب الشافعية.
وحكى عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك، قال: وأكثر ما يستعمل في الأرض؛ وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يجوزه؛ إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما أن يجعل له غلته مدةً. انتهى كذا في "الفتح"، انتهى من "تحفة الأحوذي".
قوله: (سد مأرب) - بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الراء، وقيل: بفتحها -: موضع باليمن.
قوله: (أن يقطع له الملح) أي: معدن الملح.
قوله: (فأقطعه له) أي: أقطع له النبي ﷺ ذلك الملح؛ لظنه ﷺ أنه يخرج منه الملح بعملٍ وكَدٍّ (ثم) بعدما أقطع النبي ﷺ لأبيض (إن الأقرع بن حابس التميمي) على ما ذكره الطيبي، وقيل: إنه العباس بن مرداس (أتى رسول الله ﷺ وجاءه (فقال) الأقرع: (يا رسول الله؛ إني قد وردت) وجئت (الملح) الذي
стр. 6829
فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مَاءٌ، وَمَنْ وَرَدَهُ .. أَخَذَهُ؛ وَهُوَ مِثْلُ الْمَاءِ الْعِدِّ، فَاسْتَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبْيَضَ بْنَ حَمالٍ فِي قَطِيعَتِهِ فِي الْمِلْحِ فَقَالَ: قَدْ أَقَلْتُكَ مِنْهُ عَلَى أَنْ تَجْعَلَهُ مِنِّي صَدَقَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هُوَ مِنْكَ
===
أقطعته لأبيض بن حمال ومررت عليه (في الجاهلية) أي: في زمن جاهليتي قبل الإسلام.
(وهو) أي: ذلك الملح الذي أقطعته لأبيض بن حمال (بأرض ليس بها ماء، ومن ورده) أي: ورد ذلك الملح .. (أخذه) أي: أخذ من ذلك الملح قدر حاجته؛ (وهو) أي: ذلك الملح (مثل الماء العد) - بكسر العين المهملة وتشديد الدال المهملة - أي: مثل الماء المسبل المهيأ لشرب الناس؛ أي: مثل الماء الدائم الذي لا ينقطع يشترك فيه الناس (فاستقال رسول الله ﷺ والاستقالة: طلب فسخ العقود بلفظ الاستقالة؛ أي: طلب من (أبيض بن حمال) الفسخ (في) عقد (قطيعته في الملح) أي: في عقد ما أقطعه من الملح والرجوع عنه بلفظ الإقالة؛ بأن يقول الرسول ﷺ لأبيض: أقلني فيما أقطعته لك من الملح، فيقول الأبيض: أقلتك فيه يا رسول الله؛ كما ذكره الراوي بقوله: (فقال) الأبيض لرسول الله ﷺ : (قد أقلتك) أي: قبلت رجوعك يا رسول الله (منه) أي: من إقطاع الملح لي (على) شرط (أن تجعله مني صدقة) أي: على شرط أن تجعل ذلك الملح صدقةً مني على المسلمين؛ أي: صدقة جارية مني عليهم، ووقفًا مؤبدًا مني عليهم.
(فقال) له (رسول الله ﷺ : هو) أي: ذلك الملح (منك)
стр. 6830
صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِثْلُ الْمَاءِ الْعِدِّ، مَنْ وَرَدَهُ .. أَخَذَهُ" قَالَ فَرَجٌ: وَهُوَ الْيَوْمَ عَلَى ذَلِكَ، مَنْ وَرَدَهُ أَخَذَهُ قَالَ: فَقَطَعَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَرْضًا وَنَخْلًا بِالْجُرْفِ، جُرْفِ مُرَادَ مَكَانَهُ حِينَ أَقَالَهُ مِنْهُ.
===
لا من غيرك (صدقة) جارية ووقف مؤبد منك عليهم (وهو) أي: ذلك الملح (مثل الماء العد) أي: المسبل المهيا لمنفعة المسلمين (من ورده) أي: من ورد ذلك الملح .. (أخذه) أي: أخذ منه وارده كالماءِ المسبلِ على كونه مشتركًا بين المسلمين.
قال المؤلف: (قال) لنا بواسطة شيخنا محمد بن أبي عمر (فرج) بن سعيد المأربي: (وهو) أي: ذلك الملح (اليوم) أي: في هذا العصر الحاضر (على ذلك) أي: على ما شرطه أبيض؛ أي: على أن (من ورده .. أخذه، قال) فرج أيضًا: (فقطع له) أي: لأبيض (النبي ﷺ أرضًا ونخلًا) أي: مزارع وبساتين كائنين (بالجرف جرف مراد) والجرف - بضم الجيم والراء أو سكون الراء مع الجيم المضمومة -: هو ما جرفته السيول وأكلته من الأرض؛ ومراد: اسم قبيلة باليمن مشهورة فيه؛ أي: قطع له مزارع ونخلًا كائنين في وادي مراد المسمى ذلك الوادي بالجرف؛ لتراكم السيول فيها وأكلها له، وهو قريب بسد مأرب؛ أي: قطع له ذلك (مكانه) أي: بدل ذلك الملح (حين أقاله) أي: حين أقال النبي ﷺ ورجع ذلك الملح (منه) أي: من أبيض بن حمال.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب إقطاع الأرضين، والترمذي في كتاب الأحكام، باب في القطائع، قال أبو عيسى: حديث أبيض حديث حسن غريب.