الخطبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإني لما فرغت من تبييض المجلد الرابع عشر من شرح هذا السنن المبارك .. تفرغت لتعليق المجلد الخامس عشر بعون الله وتوفيقه، فقلت:
* * *
قال المؤلف رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه؛ آمين:
стр. 7002
(١٩) - كِتَابُ الْحُدُودِ
(١) - (٨٦١) - بَابٌ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ
===
(١٩) - (كتاب الحدود)
(١) - (٨٦١) - (باب: لا يحلُّ دمُ امرئ مسلمٍ إلا في ثلاث)
والحدودُ جمعُ حد، وإنما جَمَعها؛ لاختلاف أنواعها، والحدُّ لغةً: المنع، سميت الحدود الشرعية بذلك؛ لمنعها من ارتكاب الفواحش، وذالك لأن من علم أنه إذا زنى .. حُد، امتنع من الزنا، وهكذا فقد منعه الحد من ارتكاب الزنا ونحوه، وقيل: لأن لها نهايات مضبوطةً، فتكون مأخوذةً من الحد بمعنى النهاية، وقيل: مأخوذة من حدَّ بمعنى قدَّر؛ لأن الشارع قدرها بما لا يزيد ولا ينقص.
وأما شرعًا: فهي عقوبة مقدرة وجبت على من ارتكب ما يوجبها.
فإن الشارع قدرها، فلا يزاد عليها ولا ينقص عنها.
وخرج بذلك التعزير؛ فإنه عقوبة غير مقدرة، بل موكولةٌ إلى رأي الإمام، وشرعت الحدود زواجر عن ارتكاب ما يوجبها من المعاصي، وقيل: جبرًا لذلك، والأول مبني على القول بأن الحدود زواجر، والثاني مبني على القول بأنها جوابر، والراجح أنها في حق الكافر زواجر، وفي حق المسلم جوابر، فإذا استوفيت في الدنيا .. فلا يعاقب على المعاصي التي اقتضتها في الآخرة؛ لأن الله أكرمُ من أن يعاقب على الذنب مرتين. انتهى من "ب ج على الغَزِّيِّ".
стр. 7003
(١) - ٢٤٩٢ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ فَسَمِعَهُمْ وَهُمْ يَذْكُرُونَ الْقَتْلَ
===
(١) - ٢٤٩٢ - (١) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
قوله: (بالنصب) النصب - بفتح النون وسكون الصاد المهملة -: هو مذهب تدينت به الناصبة من الخوارج؛ وهو نصب العداء للخليفة علي رضي الله تعالى عنه.
(أنبأنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه (ع).
(عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبي سعيد القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي أمامة) أسعد، وقيل: سعد (بن سهل بن حنيف) - مصغرًا - الأنصاري، معروف بكنيته، معدود في الصحابة، له رؤية ولم يسمع من النبي ﷺ ، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(أن عثمان بن عفان) ذا النورين الأموي المدني أحد الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أشرف) واطلع (عليهم) أي: على أبي أمامة ومن معه (فسمعهم) عثمان (وهم) أي: والحال أن أبا أمامة ومن معه (يذكرون القتل) أي: قتل عثمان
стр. 7004
فَقَالَ: إِنَّهُمْ لَيَتَوَاعَدُونِي بِالْقَتْلِ، فَلِمَ يَقْتُلُونِي؟
===
ويتشاورون عليه (فقال) لهم: (إنهم) أي: إن هؤلاء النفر (ليتواعدوني بالقتل) أي: ليتشاورون على قتلي (فلم يقتلوني؟ ) أي: لأي سبب يقتلوني؟
قوله: (فلم تقتلوني)، وفي رواية الترمذي: (فبم تقتلوني) بتشديد النون، وفي "المشكاة": (تقتلونني) قال القاري: بنونين، وفي نسخة من "المشكاة" بنون مشددة، وفي نسخة بتخفيفها؛ أي: فباي سبب تريدون قتلي؟ والخطاب للتغليب. انتهى.
قال الحافظ: قال شيخنا - يعني: الحافظ العراقي في "شرح الترمذي" -: استثنى بعضهم من الثلاثة الصائل ونحوه، فيباح قتله في الدفع، وقد يجاب عنه: بأنه داخل في المفارق للجماعة، أو يكون المراد: لا يباح تعمد قتله؛ بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعةً، بخلاف الثلاثة.
قال الحافظ: والجواب الثاني هو المعتمد، وحكى ابن التين عن الداوودي أن هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة؛ يعني: قوله : ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (١)، قال: فأباح القتل بمجرد الفساد في الأرض، قال: فقد ورد القتل بغير الثلاث أشياء؛ منها: قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٢)، وحديث "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط .. فاقتلوه"، وحديث: "من أتى بهيمة .. فاقتلوه"، وحديثُ: "مَن خرج وأَمْرُ الناسِ جَمْعٌ يريد تفرقهم .. فاقتلوه".
وقولُ جماعة من الأئمة: إن تاب أهل القَدَر؛ يعني القدرية، وإلا .. قتلوا، وقولُ جماعة من الأئمة: يضرب المبتاع حتى يرجع أو يموت، وقولُ جماعة
стр. 7005
وَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ دَمُ آمْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ رَجُلٌ زَنَى وَهُوَ مُحْصَنٌ
===
من الأئمة: يقتل تارك الصلاة، قال: وهذا كله زائد على الثلاث، قال الحافظ: وزاد غيره قتل من طلب أخذ مال إنسان أو حريمه بغير حق، ومن ارتد ولم يفارق الجماعة، ومن خالف الإجماع وأظهر الشقاق والخلاف، والزنديق إذا تاب على رأي، والساحر.
والجواب عن ذلك كله: أن الأكثر في المحاربة أنه إن قتل .. قتل، وبأن حكم الآية في الباغي أن يقاتل لا أن يقصد إلى قتله، وبأن الخبرين في اللواط وإتيان البهيمة لم يصحا، وعلى تقدير الصحة .. فهما داخلان في الزنا.
وحديث الخارج على المسلمين تقدم تأويله بأن المراد بقتله: حبسه ومنعه من الخروج، والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم، وبأن قتل تارك الصلاة عند مَن لا يُكَفِّره مختلف فيه؛ كما تقدم، وأما من طلب المال أو الحريم .. فمن حكم دفع الصائل، ومخالف الإجماع داخل في مفارق الجماعة، وقتل الزنديق؛ لاستصحاب حكم كفره، وكذا الساحر، وقد حكى ابن العربي عن بعض أشياخه أن أسباب القتل عشرة، قال ابن العربي: ولا تخرج عن هذه الثلاثة بحال؛ فإن من سحر أو سب نبي الله .. كفر داخل في التارك لدينه. انتهى كلام الحافظ باختصار، انتهى من "التحفة".
(وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل) إراقةُ (دم امرئ مسلم) هو صفة مقيدة لامرئ؛ أي: لا يحل إراقة دمهِ كُلِّه، وهو كناية عن قَتْلِهِ، ولو لم يُرَق دمُه؛ كالخَنقِ والسحرِ والسُّمِّ (إلا في إحدى ثلاث) من الخصال، وفي رواية الترمذي: (إلا بإحدى ثلاث) - بالباء - إحداها: خصلة (رجل زنى وهو محصن) أي: متعفف من الزنا بالوطء في نكاح صحيح.
стр. 7006
فَرُجِمَ، أَوْ رَجُلٌ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ رَجُلٌ ارْتَدَّ بَعْدَ إِسْلَامِهِ"، فَوَاللهِ؛ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا فِي إِسْلَامٍ، وَلَا قَتَلْتُ نَفْسًا مُسْلِمَةً، وَلَا ارْتَدَدْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ.
===
قوله: (فَرُجم) أي: قتل برجمه بالحجارة معطوف على (زنى) ولفظ الترمذي: (رجل زنى بعد إحصان) قال في "النهاية": أصل الإحصان: المنع، والمرأة تكون محصنة بالأسلام وبالعفاف والحرية وبالتزويج، يقال: أحصنَت المرأةُ، فهي محصَنة ومحصِنة - بكسر الصاد وفتحها - وكذلك الرجل. انتهى.
قوله: (فرجم) تقريرٌ ومزيد توضيح للمعنى، وكلمةُ (أو) في قوله: (أو رجل قتل نفسًا) محترمة بإيمان (بغير نفس) أي: بغير مقابلةِ نفس قَتَلها ذلك المقتولُ .. بمعنى الواو، وكذا فيما بعدها؛ أي: وثانيها: خصلة رجل قتل نفسًا محترمة (أو رجل) أي: وثالثها خصلة رجل (ارتدَّ) ورجع عن دينه (بعد إسلامه) إلى دين الشرك، ثم قال عثمان (فوالله؛ ما زنيت في جاهلية ولا في إسلام، ولا قتلت نفسًا مسلمة، ولا ارتددت منذ أسلمت) فبم تقتلوني؟ ! أي: فبأي سبب تقتلوني؟ !
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، والترمذي في كتاب الفتن، باب لا يحل دم امرئ مسلم، والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب ذكر ما يحل دم المسلم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عثمان بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 7007
(٢) - ٢٤٩٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ؛ وَهُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ
===
(٢) - ٢٤٩٣ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وأبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، إمام مشهور ثقة، من التاسعة مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي - بمعجمة وراء وفاء - الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبو عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله؛ وهو ابن مسعود) الهذلي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 7008
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَّا أَحَدُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ".
===
(قال) ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم) ومسلمة؛ أي: لا يحل إراقة دمه كله، وهو كناية عن قتله ولو لم يرق دمه (يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) وهذا يشير إلى أن المدار على الشهادة الظاهرة، لا على تحقيق إسلامه في الواقع.
قال الحافظ ابن حجر: هو صفة مفسرة، وليست قيدًا فيه؛ إذ لا يكون مسلمًا إلا بالشهادتين، أو هي حال مقيدة لموصوف إشعارًا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم. انتهى.
(إلا) دم (أحد ثلاثة نفر) وقوله: "أحد" بالرفع بدل من (امريء) على تقدير مضاف؛ كما قدرناه آنفًا؛ أي: لا يحل دم امرئ مسلم إلا دم أحد ثلاثة نفر؛ أي: أنفس.
وقوله: (النفس) بالرفع بدل من أحد بدل تفصيل من مجمل، أو خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: أحدهم: النفس القاتلة (بالنفس) المحترمة بالإيمان بغير حق (و) الثاني: (الثيب) أي: الشخص الواطئ في نكاح صحيح (الزاني) بعد إحصانه (و) الثالث: الشخص (التارك لدينه) بالارتداد عنه (المفارق للجماعة) أي: لجماعة المسلمين بالخروج عن دينه، والارتداد عنه بأن فعل مكفرًا، أو قال مكفرًا، فهو صفة كاشفة للتارك، وإلا .. لكانت الخصال أربعة، أو المعنى: التارك لدينه بالارتداد عنه المفارق لجماعة المسلمين بترك امتثال المأمورات واجتناب المنهيات؛ كان ترك الصلاة مع اعتقاد وجوبها؛ فإنه يقتل حدًّا لا كفرًا.
стр. 7009
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: (النفس بالنفس) قال القرطبي: موافق لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١)، ويعني به: النفوس المتكافئة في الإسلام والحرية؛ بدليل قوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر" رواه البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، في رقم (٦٩٠٣)، وهو حجة للجمهور من الصحابة والتابعين على من خالفهم، وقال: يقتل المسلم بالذمي؛ وهم أصحاب الرأي والشعبي والنخعي، ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة: (أن النبي ﷺ قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر) وهو منقطع، ومن حديث ابن البيلماني وهو ضعيف، ولا يصح في الباب إلا حديث البخاري المتقدم آنفًا.
وأما الحرية .. فشرط في التكافؤ، فلا يقتل حر بعبد عند مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وهو قول الحسن وعطاء وعمرو بن دينار وعمر بن عبد العزيز، محتجين في ذلك بأن العبد لما كان مالًا متقومًا .. كان كسائر الأموال إذا أتلفت، فإنما يكون فيها قيمة المتلف بالغة ما بلغت، والحر ليس بمال بالاتفاق، فلا يكون كفؤًا للعبد، فلا يقتل به، ويغرم قيمته ولو فاقت على دية الحر، ويجلد القاتل مئة جلدة، ويحبس عامًا عند مالك.
وذهبت طائفة أخرى إلى أنه يقتل به، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والنخعي والشعبي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي، محتجين بقوله ﷺ : "المسلمون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم" رواه أبو داوود، رقم (٢٧٥١)، وابن ماجه، رقم (١٦٨٣).
وذهب النخعي والثوري في أحد قوليه إلى أنه يقتل به وإن كان عبده، محتجين في ذلك بما رواه النسائي من حديث الحسن عن سمرة أن رسول الله
стр. 7010
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ﷺ قال: "من قتل عبده .. قتلناه، ومن جدعه .. جدعناه، ومن أخصاه .. خصيناه" رواه النسائي (٨/ ٢٠ - ٢١)، قال البخاري عن علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بهذا الحديث، قال البخاري: وأنا أذهب إليه، وقال غيره: لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة.
قوله: "الثيب الزاني" قال القرطبي أيضًا: الثيب هنا: المحصن، وهو اسم جنس يدخل فيه الذكر والأنثى، وهو حجة على ما اتفق عليه المسلمون من أن حكم الزاني المحصن الرجم، وسيأتي شروط الإحصان وبيان أحكام الرجم.
فائدة
وفي أصل النووي: (الثيب الزَّانِ) بحذف الياء للتخفيف، فتقول في إعرابه على رفع (الثيب): الزان صفة للثيب، والصفة تتبع الموصوف، تبعه بالرفع، وعلامة رفعه ضمة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص، أو تقول على جر (الثيب): الزانِ صفة للثيب، تبعه بالجر، وعلامة جره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف، منع من ظهورها الثقل؛ لأنه اسم منقوص، وإنما قدرنا الضمة أو الكسرة على الياء المحذوفة؛ لأن المحذوف للعلة كالثابت، ولما حذفوا الياء من (الزان) للتخفيف إجراء لأل مجرى التنوين المعاقب لها .. قالوا: فكما تحذف الياء مع التنوين .. تحذف مع أل. انتهى من "الأهدل".
فهو نظير قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ (١)، وقوله: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٢).
стр. 7011
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: (والتارك لدينه) يعني به: المرتد الذي قال فيه النبي ﷺ : "من بدل دينه .. فاقتلوه" رواه أحمد (١/ ٢٨٢)، والبخاري (٦٩٢٢).
وهذا الحديث يدل على أن المرتد الذي يقتل هو الذي يبدل بدين الإسلام دين الكفر؛ لأنه ﷺ استثناه من قوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" ثم ذكرهم، وذكر منهم (التارك لدينه)، وقد تقدم الكلام في الردة.
وقوله: "المفارق للجماعة" ظاهره أنه أتى به نعتًا جاريًا على التارك لدينه؛ لأنه إذا ارتد عن دين الإسلام .. فقد خرج عن جماعتهم، غير أنه يلحق بهم في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين وإن لم يكن مرتدًا؛ كالخوارج، وأهل البدع إذا منعوا أنفسهم من إقامة الحد عليهم وقاتلوا عليه، وأهل البغي، والمحاربون، ومن أشبههم، ويتناولهم لفظ: (المفارق للجماعة) بحكم العموم، وإن لم يكن كذلك .. لم يصح؛ لحصر المذكور في أول الحديث؛ حيث قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" فلو كان المفارق للجماعة إنما يُعنى به المفارقة بالردة فقط .. لبقي من ذكرناه من المفارقين للجماعة بغير الردة لم يدخلوا في الحديث ودماؤهم حلال بالاتفاق، وحينئذ لا يصح الحصر ولا يصدق، وكلام الشارع منزه عن ذلك، فدل على أن ذلك الوصف يعم جميع ذلك النوع، والله سبحانه أعلم.
وتحقيقه: أن كل من فارق الجماعة .. يصدق عليه أنه بدل دينه، غير أن المرتد بدل كل الدين، وغيره من المفارقين بَدَّلَ بَعْضَه. انتهى من "المفهم".
стр. 7012
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الديات، باب قوله تعالى: (أن النفس بالنفس)، ومسلم في كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، والترمذي في كتاب الديات، باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث عن ابن مسعود، قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به دم.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول منهما للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7013
(٢) - (٨٦٢) - بَابُ الْمُرْتَدِّ عَنْ دِينِهِ
(٣) - ٢٤٩٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَبَّاحِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ .. فَاقْتُلُوهُ".
===
(٢) - (٨٦٢) - (باب المرتد عن دينه)
(٣) - ٢٤٩٤ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا سفيان بن عيينة، عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله المكي الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : من بدل دينه) دين الإسلام بدين الكفر .. (فاقتلوه) أي: اجعلوا جزاء تبديله الدين إعدامه وقتله.
قال السندي: قوله: "من بدل" المراد بـ (من) المسلم، وبـ (دينه) الدين الحق، وهذا ظاهر من السياق، فلا يشمل عمومه من أسلم من الكفرة، ولا يحتاج إلى القول بتخصيص العموم، فتأمل، والجمهور أخذوا بعمومه، وخصه
стр. 7014
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بعضهم بالرجل، ويوافقه رواية: (لا يحل دم رجل). انتهى منه.
قال الحافظ: قوله: (مَن) عام يخص منه من بدَّله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر؛ فإنه تجري عليه أحكام الظاهر، ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر مع الإكراه.
وقال الحافظ أيضًا في "الفتح": استدل بقوله ﷺ : "من بدل دينه .. فاقتلوه" على قتل المرتدة؛ كالمرتد، وخصه الحنفية بالذَّكَر، وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال ولا القَتْلَ؛ لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة: "ما كانت هذه لتقاتل"، ثم نهى عن قتل النساء، واحتجوا أيضًا بأن (من) الشرطية لا تعم المؤنث، وقتل أبو بكر في خلافته امرأةً ارتدت والصحابة متوافرون، فلم ينكر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كله ابن المنذر، وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن، وأخرج مثله مرفوعًا في قتل المرتدة، لكنه سنده ضعيف، وقد وقع في حديث معاذ: أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن .. قال له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام .. فادعه، فإن عاد، وإلا .. فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام .. فادعها، فإن عادت، وإلا .. فاضرب عنقها"، وسنده صحيح، وهو نص في موضع النزاع، فيجب المصير إليه، ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها؛ الزنا والسرقة والقذف، ومن صور الزنا: رجم المحصن، فاستثني ذلك من قتل النساء، وكذلك يستثنى قتل المرتدة. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي"، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب
стр. 7015
(٤) - ٢٤٩٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ
===
لا يعذب بعذاب الله، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في المرتد، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب التحريم، باب الحكم في المرتد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث معاوية بن حَيْدَةَ رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤) - ٢٤٩٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بهز بن حكيم) بن معاوية بن حيدة القشيري أبي عبد الملك، صدوق، من السادسة، مات قبل ستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) حكيم بن معاوية بن حَيْدَةَ القُشيري والد بهز، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) معاوية بن حيدة بن معاوية بن كعب القشيري الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل البصرة، ومات بخراسان، وهو جد بهز بن حكيم. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لقلة المشاركة فيه مع كون بعض رجاله صدوقًا.
стр. 7016
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَقَمَ: "لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْ مُشْرِكٍ أَشْرَكَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ عَمَلًا حَتَّى يُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ".
===
(قال) معاوية: (قال رسول الله ﷺ : لا يقبل الله من مشرك أشرك) وارتد (بعدما أسلم عملًا) عمله من الأعمال الصالحة (حتى يفارق المشركين) الذين كان بينهم مهاجرًا (إلى المسلمين) خوفًا من فتنهم وارتداده ثانيًا.
قال السندي: قوله: "أشرك بعدما أسلم" تخصيصه بالمذكور تقبيح حاله، وإلا .. فكل مشرك كذلك، وظاهر الغاية أنه إذا أسلم بعد ذلك .. يقبل منه ما عمله حال الشرك من الحسنات، ومن لا يقول به .. يقول: إنه يقبل له الأعمال المتأخرة عن الإسلام إذا أسلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة، باب من سأل بوجه الله ، والطبراني، وأحمد في "المسند"، وابن المبارك في "الزهد".
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7017
(٣) - (٨٦٣) - بَابُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ
(٥) - ٢٤٩٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سِنَانٍ، عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّةِ، عَنْ أَبِي شَجَرَةَ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابِنْ عُمَرَ
===
(٣) - (٨٦٣) - (باب إقامة الحدود)
(٥) - ٢٤٩٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه (ع).
(حدثنا سعيد بن سنان) الحنفي أو الكندي أبو مهدي الحمصي، متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع، من الثامنة، مات سنة ثلاث أو ثمان وستين ومئة (١٦٨ هـ). يروي عنه: (ق)، وضعفه ابن معين وأبو حاتم والبخاري والنسائي، وقال ابن عدي في "الكامل": عامة ما يرويه وخاصة عن أبي الزاهرية غير محفوظ.
(عن أبي الزاهرية) حُدير بن كُريب الحضرمي الحمصي، صدوق، من الثالثة، مات على رأس المئة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبي شجرة كثير بن مرة) الحضرمي الحمصي، ثقة، من الثانية، ووهم من عده في الصحابة. يروي عنه: (عم).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 7018
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللهِ ".
(٦) - ٢٤٩٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سعيد بن سنان، وقد ضعفه الجمهور، أو الحسن، لأن أبا مسهر قال فيه: حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا أبو مهدي سعيد بن سنان، وكان ثقةً مرضيًا، فهو مختلف فيه، فحكم السند: الحسن.
(أن رسول الله ﷺ قال: إقامة حد) واحد (من حدود الله) على من استحقه رجلًا كان أو امرأة (خير) عند الله (من مطر أربعين ليلة في بلاد) أهل (الله يعني: المسلمين، قيل: وذالك لأن في إقامتها زجرًا للخلق عن المعاصي والذنوب، وسببًا لفتح أبواب السماء بالمطر، وفي القعود عنها والتهاون بها انهماكاتهم في المعاصي، وذالك سبب لأخذهم بالسنين والجدب وإهلاك الخلق بسبب الجدب والقحط.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة رواه النسائي وابن ماجه، وهو الحديث اللاحق بعد هذا.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن أو صحيح بما بعده، وإن كان سنده مختلفًا فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦) - ٢٤٩٧ - (٢) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي
стр. 7019
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَنْبَأنَا عِيسَى بْنُ يَزِيدَ، أَظُنُّهُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ .. خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحًا".
===
أبو حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن المبارك) المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عيسى بن يزيد) الأزرق أبو معاذ المروزي النحوي، مقبول، من السابعة، وكان على قضاء سرخس. يروي عنه: (س ق).
قال ابن المبارك: (أظنه) أي: أظن عيسى أنه روى لي (عن جرير بن يزيد) بن جرير بن عبد الله البجلي الصحابي المشهور، ضعيف، من السابعة، وفي "التهذيب": ذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (س ق).
(عن أبي زرعة) هرم (بن عمرو بن جرير) بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه جرير بن يزيد، وهو مختلف فيه، وثقه ابن حبان.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : حد) واحد من حدود الله تعالى (يعمل به) أي: يقام به (في الأرض) على مستحقه .. (خير) أي: أكثر بركة الأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا) أي: يومًا.
стр. 7020
(٧) - ٢٤٩٨ - (٣) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب السارق، باب الترغيب في إقامة الحد موقوفًا.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧) - ٢٤٩٨ - (٣) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، طلب للقضاء فامتنع، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حفص بن عمر) بن ميمون العدني الصنعاني أبو إسماعيل، لقبه الفرخ، ضعيف، من التاسعة. يروي عنه: (ق)، وفي "التهذيب": روى عن: الحكم بن أبان، وشعبة، ومالك، ويروي عنه: نصر بن علي الجهضمي، قال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبو عبد الله الطهْرَانيُّ، حدثنا حفص بن عمر العدني، وكان ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو حاتم: لين الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، له عند ابن ماجه حديث واحد: (من جحد آية من القرآن .. فقد حل ضرب عنقه)، وقال الدارقطني: ليس بقوي في الحديث. انتهى منه باختصار.
(حدثنا الحكم بن أبان) العدني أبو عيسى، صدوق عابد وله أوهام، من
стр. 7021
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ جَحَدَ آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ .. فَقَدْ حَلَّ ضرْبُ عُنُقِهِ، وَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .. فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يُصِيبَ حَدًّا فَيُقَامَ عَلَيْهِ".
===
السادسة. يروي عنه: (عم)، وقال ابن معين والنسائي: ثقة، وقال أبو زرعة: صالح، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة، وقال أحمد: مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن عكرمة) أبي عبد الله الهاشمي مولاهم، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
فهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه حفص بن عمر العدني، وهو مختلف فيه.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : من جحد) وأنكر (آية من القرآن) ولو أَقْصَرَ آيةٍ أو أقلَّ كلمةٍ .. (فقد حَلَّ) أي: جاز، بل وجب إن لم يَتُب عن ذلك (ضَرْبُ عنقه) بالسيف؛ لارتداده عن دينه بإنكار كتاب الله تعالى (ومن قال: لا إله إلا الله وحده) في ذاته وصفاته (لا شريك له) في أفعاله (وأن محمدًا عبده ورسوله) إلى كافة المكلفين، لدعوتهم إلى العقائد الصحيحة والشريعة الحنيفية .. (فلا سبيل) ولا تسلُّط (لأحد) من ولاة المسلمين (عليه) أي: على قَتْلِه؛ لأنه معصومُ الدم بهذه الكلمة المشرفة (إلا أن يصيب) ذلك القائل ويفعل (حدًّا) أي: مُوجِبَ حد عليه؛ كقتل النفس المسلمةِ المكافئة، أو زنًا بعد إحصان، أو ردة بعد إيمان (فيقام عليه) ذلك الحد من جهة ولاة الأمور.
стр. 7022
(٨) - ٢٤٩٩ - (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الْمَفْلُوجُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي صَادِقٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ نَاجِدٍ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨) - ٢٤٩٩ - (٤) (حدثنا عبد الله بن سالم) أو ابن محمد بن سالم الزُّبيدي - مصغرًا - أبو محمد الكوفي القزَّاز (المَفْلُوج) - بالجيم آخره - ثقة ربما خالف، من كبار الحادية عشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عُبيدة بن الأسود) بن سعيد الهمداني الكوفي، صدوق ربما دلس، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن القاسم بن الوليد) الهمداني أبي عبد الرحمن الكوفي القاضي، صدوق يُغْرِبُ، من السابعة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن أبي صادق) الأزدي الكوفي، قيل: اسمه مسلم بن يزيد، وقيل: عبد الله بن ناجد، صدوق، وحديثه عن علي مرسل، من الرابعة. يروي عنه: (س ق).
(عن ربيعة بن ناجد) الأزدي الكوفي، يقال: هو أخو أبي صادق الراوي عنه، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (س ق).
стр. 7023
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقِيمُوا حُدُودَ اللهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ".
===
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، وفي "الزوائد": هذا إسناد صحيح على شرط ابن حبان؛ فقد ذكر جميعَ رواته في "ثقاته"، والله أعلم.
(قال) عبادة: (قال رسول الله ﷺ : أقيموا حدود الله) تعالى على من وجبت عليه بالبينة أو بالإقرار (في القريب) إليكم في النسب (والبعيد) عنكم فيه، أو المعنى: في القوي والضعيف، وهو أنسب (ولا تأخذكم في الله) أي: في إقامتها عطف على (أقيموا)، وهو نهي تأكيد للأمر، ويجوز أن يكون خبرًا بمعنى النهي؛ أي: ولا تمنعكم من إقامتها مخافةُ (لومةِ لائم) لكم؛ لأجل قرابته لكم، أو لكونه قويًّا ذا جاه ومنزلة عندكم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح أو حسن، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، وكلها حسان.
والله أعلم
стр. 7024
(٤) - (٨٦٤) - بَابُ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ
(٩) - ٢٥٠٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: عُرِضْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَفَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ قُرَيْظَةَ،
===
(٤) - (٨٦٤) - (باب من لا يجب عليه الحد)
(٩) - ٢٥٠٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن عمير) - مصغرًا - ابن سويد اللخمي الكوفي، ويقال له: الفرسي، ثقة فصيح عالم تغير في آخره، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: سمعت عطية القرظي) - بضم القاف وفتح الراء بعدها ظاء مشالة - صحابي صغير رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
حالة كون عطية (يقول: عُرضنا) أي: جُمِعْنَا معاشر سَبْيِ بني قريظة (على رسول الله ﷺ يوم) غزوة بني (قريظة) قبيلة من اليهود
стр. 7025
فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ .. قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ .. خُلِّيَ سَبِيلُهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، فَخُلِّيَ سَبِيلِي.
===
(فكان من أنبت) شعرُ العانة .. (قتل) لأنه من الرجال؛ فإن إنبات شعر العانة من علامات البلوغ، فيكون من المقاتلة؛ لأن إنباتها في الظاهر علامة البلوغ، فاعتمدوا عليها وما اكتفوا بقولهم في البلوغ وعدمه؛ لأنه لا عبرة به.
(ومَنْ لم يُنبت) شعرُ العانة .. (خُلِّي سبيله) بالبناء للمجهول؛ أي: لم يُقْتَل؛ لأنه من الذرية يشبه أن يكون المعنى عندَ مَن فرق بين أهل الإسلام وبين أهل الكفر؛ حيثُ جَعَل الإنبات في الكفار بلوغًا، ولم يعتبره في المسلمين هو أن أهل الكفر لا يُوقَفُ على بلوغهم من جهة السِّنِّ، ولا يمكن الرجوعُ إلى قولهم؛ لأنهم مُتَّهَمُون في ذلك؛ لدفع القتل عن أنفسهم، ولأن أخبارهم غير مقبولة، فأما المسلمون وأولادُهم .. فقد يمكن الوقوفُ على مقادير أسنانهم؛ لأن أسنانهم محفوظة، وأوقات مواليدهم مؤرَّخَة معلومة، وأخبارهم في ذلك مقبولة؛ فلذا اعتبر في المشركين الإنبات، والله أعلم، قاله الخطابي.
وقال التوربشتي: وإنما اعتبر الإنبات في حقهم؛ لمكان الضرورة؛ إذ لو سُئلوا عن الاحتلام أو مَبْلَغ سنهم .. لم يكونوا يتحَدَّثُون بالصدق إذا رأوا فيه الهلاكَ. انتهى، انتهى من "العون".
قال عطية: (فكنت) أنا (فيمن لم ينبت) شعرُ العانة، (فخلي سبيلي) أي: فكوني ولم أقتل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في النزول على الحكم، والنسائي في كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل
стр. 7026
(٩) - ٢٥٠٠ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: فَهَا أَنَا ذَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ.
===
العلم؛ أنهم يرون الإنبات بلوغًا إن لم يعرف احتلامه ولا سنه، وهو قول أحمد وإسحاق، والدارمي في كتاب السير، باب حد الصبي متى يقتل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عطية القرظي ﵁، فقال:
(٩) - ٢٥٠٠ - (م) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان التاجر الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أنبأنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير) اللخمي الكوفي.
(قال) عبد الملك: (سمعت عطية القرظي يقول: فَهَا) أي: فَانْتَبِهُوا (أنا) هـ (ذا) الحاضر موجود (بين أظهركم) أي: بين وسطكم، فخذوا مني هذا الحديث.
وهذا السند من رباعياته، غرضه: بيان متابعة ابن عيينة للثوري.
فالحديث سبق تخريجه، فلا عود ولا إعادة.
ودرجته؛ كدرجة سابقه؛ أي: فإِنَّه صحيح؛ لصحة سنده.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عطية القرظي بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 7027
(١٠) - ٢٥٠١ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَأَبُو أُسَامَةَ قَالُوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا
===
(١٠) - ٢٥٠١ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو معاوية) محمد بن خازم الضرير، لقبه فأفأ، الكوفي، أحفظ الناس لحديث الأعمش، يهم في حديث غيره، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالوا: حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، من الخامسة، ثقة ثبت، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (عرضت) بالبناء للمجهول؛ أي: أدخلت (على رسول الله ﷺ في مجلسه ومركزه (يوم) غزوة (أحد) ليجيزني ويأذن لي في الجهاد؛ مأخوذ من قولهم: (عرض الأمير الجند) إذا اختبر أحوالهم، ونظر في هيئتهم وترتيب منازلهم قبل مباشرة القتال (وأنا) أي: والحال
стр. 7028
ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَنِي، قَالَ نَافِعٌ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي خِلَافَتِهِ فَقَالَ: هَذَا فَصْلٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ.
===
أني (ابن أربع عشرة سنة، فلم يجزني) في القتال؛ أي: لَمْ يأذن لي فيه؛ فالمراد بالإجازة: إعطاء الإذن له في القتال؛ والمعنى: أنه ﷺ استصغره؛ كما صرح به في بعض رواية مسلم، فلم يدخله في المقاتلة، ولم يجر عليه حكم الرجال (وعرضت عليه) ﷺ ؛ أي: أدخلت عليه وقربت إليه (يوم) غزوة (الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني) أي: أذن لي في القتال؛ أي: جعله رجلًا له حكم الرجال المقاتلين.
(قال نافع) بالسند السابق: (فحدثت به) أي: بهذا الحديث لعمر بن عبد العزيز؛ أي: فقدمت على (عمر بن عبد العزيز) الأموي المدني (في خلافته) فحدثت به هذا الحديث؛ يعني: حديث ابن عمر، وهو يومئذ خليفة المسلمين وأمير المؤمنين (فقال) لي عمر بن عبد العزيز: إن (هذا) السن؛ يعني: سن خمس عشرة سنة، لـ (فصل) أي: لوقت وسن فاصل؛ أي: مُميِّز (بَيْنَ الصغير والكبير) أي: بين الصبي والبالغ.
وفي رواية مسلم زيادة: (فكتب) عمر بن عبد العزيز (إلى عماله) أي: إلى ولاته ووُزَرَائه في الآفاق رسالةً بـ (أن يفرضوا) ويقدروا ويقرروا رزقًا وراتبًا في ديوان الجند والعسكر (لمن كان ابن خمس عشرة سنة) وكَمَّلَها (ومن كان دون ذلك) السن .. (فاجعلوه في العيال) أي: فاكتبوا اسمه في الديوان الذي يكتب فيه أسماءُ العيال، وكانوا يفرقون بين المقاتلة وغيرهم في العطاء؛ وهو الرزق الذي يجمع في بيت المال ويفرق على مستحقيه. انتهى من "الكوكب".
وقوله: (وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة) استشكله
стр. 7029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يزيدُ بن هارون؛ بأن بين أُحد والخندق سنتين، فينبغي أن يكون في الخندق ابن ست عشرة سنة، هذا الإشكال مبني على ما ذكره ابن إسحاق؛ من أن غزوة الخندق وقعت سنة خمس، واتفقوا على أن أحدًا كانت في شوال سنة: ثلاث؟
فالجواب الصحيح عنه: ما ذكره البيهقي وغيره؛ من أن قول ابن عمر: (عرضت يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة) أي: دَخَلْتُ فيها، وأن قوله: (وعرضت يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة) أي: تَجاوَزْتُهَا، فأَلْغَى الكسرَ في الأولي، وجَبَره في الثانية، وهو شائع مسموع في كلامهم؛ أي: من "فتح الباري" في (٥/ ٢٧٨).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، ومسلم في كتاب الإمارة، باب بيان سن البلوغ، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب الغلام يصيب الحد، والترمذي في كتاب الجهاد، باب حد بلوغ الرجل.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7030
(٥) - (٨٦٥) - بَابُ السَّتْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَدَفْعِ الْحُدُودِ بِالشُّبُهَاتِ
(١١) - ٢٥٠٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا .. سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ".
===
(٥) - (٨٦٥) - (باب الستر على المؤمن ودفع الحدود بالشبهات)
(١١) - ٢٥٠٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ، من كبار التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) السمان ذكوان الزيات القيسي مولاهم المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من ستر مسلمًا) عيبه .. (ستره الله) عيبه (في الدنيا والآخرة).
قال السندي: قوله: "من ستر مسلمًا" أي: ستر ذنبه ولم يظهره، أو ستر عورته؛ بأن أعطاه ثوبًا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 7031
(١٢) - ٢٥٠٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْجَرَّاحِ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ادْفَعُوا الْحُدُودَ مَا وَجَدْتُمْ لَهُ مَدْفَعًا".
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٢) - ٢٥٠٣ - (٢) (حدثنا عبد الله بن الجراح) بن سعيد التميمي أبو محمد القُهسْتَانِيُّ نزيل نيسابور، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة اثنتين أو سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن الفضل) المخزومي المدني أبي إسحاق، متروك، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبي سعد المدني، ثقةٌ، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إبراهيم بن الفضل، وهو متروك.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ادفعوا الحدود) أي: مُوجِبَها (ما وجدتم له مدفعًا) أي: سببًا دافعًا له؛ أي: ينبغي السعي في دفعه قبل إثباته بالبينة.
نعم؛ بعد ثبوته لا ينبغي التسامح في إجرائه. انتهى "سندي".
стр. 7032
(١٣) - ٢٥٠٤ - (٣) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْجُمَحِيُّ، حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، وسنده ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، ولكن له شاهد من حديث عائشة رواه الترمذي في "الجامع" مرفوعًا وموقوفًا بلفظ: (ادوؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم).
فدرجة الحديث: أنه صحيح بغيره، وسنده ضعيف، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣) - ٢٥٠٤ - (٣) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن عثمان) بن صفوان بن أمية بن خلف (الجمحي) المكي، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ق). انتهى من "التقريب"، وفي "التهذيب": قال أبو حاتم: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(حدثنا الحكم بن أبان) العدني أبو عيسي، صدوق عابد وله أوهام، من السادسة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، ثقةٌ عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
стр. 7033
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ .. سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ .. كَشَفَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ".
===
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو محمد بن عثمان.
(عن النبي ﷺ قال: من ستر عورة أخيه المسلم) أي: عيبه في الدنيا .. (ستر الله عورته) وعيبه (يوم القيامة، ومن كشف) وأظهر بين الناس (عورة أخيه المسلم .. كشف الله عورته) أي: عيبه في الدنيا (حتى يفضحه) - بفتح الياء والضاد - من باب فتح (بها) أي: بتلك العورة التي فضح بها أخاه (في) أهل (بيته) في الدنيا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة، رواه مسلم في "صحيحه" وأصحاب السنن، ورواه الترمذي أيضًا من حديث ابن عمر.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7034
(٦) - (٨٦٦) - بَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ
(١٤) - ٢٥٠٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ الْمِصْرِيُّ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ
===
(٦) - (٨٦٦) - (باب الشفاعة في الحدود)
(١٤) - ٢٥٠٥ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي مولاهم (المصري) ثقةٌ ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أخبرنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقةٌ ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقةٌ متقن إمام حافظ مشهور متفق على جلالته وإتقانه وثبته، أبي بكر المدني، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي أبي عبد الله المدني، ثقةٌ فقيه مشهور، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح، ومولده في أوائل خلافة عثمان. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن قريشًا أهمهم) أي: أقلقهم وأزعجهم وأحزنهم وشوشهم (شأن المرأة
стр. 7035
الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ ! فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
المخزومية) أي: المنسوبة إلى بني مخزوم، اسمها فاطمة بنت الأسود (التي سرقت) أي: أخذت أموال الناس خفية في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم (فقالوا) أي: فقال أهلها وأقاربها: (من يكلم) لنا (فيها) أي: في العفو عن حدها وإسقاطه عنها؛ أي: يكلم (رسول الله ﷺ لنا ويشفع لنا إليه؛ والاستفهام هنا استخباري.
فـ (قالوا) أي: قال غير أهلها ممن يعرف خواص رسول الله ﷺ مجيبين لأهلها: (ومن يجترئ) ويتشجع (عليه) أي: على تكليم رسول الله ﷺ وطلب المحاباة عنها منه (إلَّا أسامة بن زيد) بن حارثة الكلبي مولاه ﷺ ؟ ! والاستفهام هنا إنكاري بمعنى النفي؛ أي: لا يجترئ عليه أحد لهيبته إلَّا أسامة (حب رسول الله ﷺ وفي هذا تلميح بقول رسول الله ﷺ : "اللهم؛ إني أحبه فأحبه" كذا في "فتح الباري" فأتى بها؛ أي: أتى بتلك السارقة أهلها إلى رسول الله ﷺ ؛ ليقيم عليها الحد؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم.
(فكلمه) أي: فكلم رسول الله ﷺ فيها؛ أي: في إسقاط الحد عنها (أسامة) بن زيد مولى رسول الله ﷺ وحبه، فتلون؛ أي: تغير وجه رسول الله ﷺ ؛ أي: تغير لونه من البياض إلى الحمرة؛ لشدة غضبه لله تعالى (فقال رسول الله ﷺ )
стр. 7036
"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ! "، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ
===
لأسامة: (أتشفع) إلي يا أسامة (في) إسقاط (حد من حدود الله) تعالى؟ ! والاستفهام للإنكار على أسامة، يفهم منه تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيحرم على الشافع وعلى المشفع قبولها، وهذا مما لا يختلف فيه، واستدل به العلماء على أن الشفاعة في الحدود غير جائزة، وقيده أكثرهم بما إذا رفعت القضية إلى الإمام.
فأما قبل رفعها إلى السلطان .. فلا بأس بالشفاعة فيها، واستدلوا على ذلك بمرسل لحبيب بن أبي ثابت، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لأسامة: "لا تشفع في حد؛ فإن الحدود إذا انتهت إلي .. فليس لها مَتْرَك"، ذكره الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٨٧)، وله شاهد عند أبي داوود والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ: "تعافوا الحدود فيما بينكم؛ في بلغني من حد .. فقد وجب".
وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عُرِفَ بأذى الناس ومن لَمْ يُعرف منه ذلك، فقال: لا يشفع للأول مطلقًا، سواء بلغ الإمام أو لا، وأما من لَمْ يعرف بذلك .. فلا بأس أن يشفع له ما لَمْ يبلغ الإمام.
وأما الشفاعة فيما ليس فيه حد، وليس فيه حق لآدمي، وإنما فيه التعزير .. فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا. انتهى من "المفهم".
وفي رواية مسلم زيادة: (فقال له) أي: لرسول الله ﷺ (أسامة) بن زيد: (استغفر لي يا رسول الله) ذنب تشفعي فيما لا علم لي به (ثم) لما جاء العشي؛ أي: آخر النهار (قام) رسول الله ﷺ على المنبر (فاختطب) أي: خطب الناس ووعظهم، والتاء فيه لمبالغة معنى الثلاثي، بعدما أثنى على الله تعالى بما هو أهله؛ أي: لائق به تعالى من الكمالات.
стр. 7037
فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ .. تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ .. أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ؛ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ .. لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: قَدْ أَعَاذَهَا اللهُ أَنْ تَسْرِقَ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا.
===
(فقال): أما بعد؛ فـ (يا أيها الناس؛ إنما هلك الذين من قبلكم) مفعول مقدم على الفاعل؛ أي: فإنما أهلك الأمم الذين كانوا من قبلكم، وجملة (أن) من قوله: (أنهم كانوا) في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ أي: أهلكهم كونهم (إذا سرق فيهم الشريف) أي: ذو الشرف والقدر بينهم .. (تركوه) أي: سامحوه من إقامة الحد عليه (وإذا سرق فيهم الضعيف) أي: الوضيع .. (أقاموا عليه الحد) وفي هذا تهديد ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود وعلى ترك التسوية فيما بين الدنيء والشريف والقوي والضعيف، ولا خلاف في وجوب ذلك، وفيه حجة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى من "المفهم".
(وايم الله) أي: اسم الله قسمي (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت) على سبيل الفرض وتقدير المحال ... (لقطعت يدها)، ولذا زاد المؤلف فيما سيأتي آنفًا نقلًا عن شيخه محمد بن رمح (قال محمد بن رمح: سمعت الليث بن سعد يقول: قد أعاذها الله وحفظها (أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا) الدعاء لفاطمة.
وجواب لو الشرطية قوله: (لقطعت يدها) إخبار عن مقدر يفيد القطع بأمر محقق؛ وهو وجوب إقامة الحد على القريب والبعيد والبغيض والحبيب، لا ينفع في درئه شفاعة، ولا تحول دونه قرابة ولا جماعة. انتهى من "المفهم".
стр. 7038
(١٥) - ٢٥٠٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
===
وفي قوله ﷺ : "وايم الله لو أن فاطمة" فضيلة ظاهرة لفاطمة رضي الله تعالى عنها؛ لأن المعتاد في مثل هذا أن يذكر من هو أحب إلى القائل من غيره، ثم فيه حسن المماثلة أيضًا؛ لموافقة اسم السارقة اسمها رضي الله تعالى عنها، فناسب أن يضرب المثل، فلا يدلُّ الحديث على أفضليتها على عائشة ﵄.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب بينا امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب ... إلى آخره، ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد، والترمذي في كتاب الحدود، باب كراهية أن يشفع في الحدود، قال: وفي الباب عن مسعود بن العجماء وابن عمر وجابر، قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، ويقال: مسعود بن الأعجم، وله هذا الحديث، والنسائي في كتاب قطع السارق، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث مسعود بن الأسود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥) - ٢٥٠٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاش، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
стр. 7039
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ابْنِ رُكَانَةَ،
===
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي، صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
وفي "التهذيب": وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين وذكرت له الحجة: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقةٌ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: مدني ثقةٌ، وقال ابن عيينة: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وفي رواية عن شعبة: فقيل له: لَمْ؟ قال: لحفظه، وفي رواية عنه: لو سود أحد في الحديث .. لسود محمد بن إسحاق، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، ومن الناس من يتكلم فيه.
قلت: وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري، وقال ابن المديني: ثقةٌ، وقال ابن حبان: ولم يكن بالمدينة أحد يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه أحد، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار؛ وقال أبو يعلى الخليلي: محمد بن إسحاق عالم كبير، وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقةٌ، وقال ابن البُرْقِيِّ: لَمْ أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته. انتهى من "التهذيب" باختصار.
قلت: فهو ثقةٌ ثقة واسع العلم والرواية.
(عن محمد بن طلحة) بن يزيد (بن ركانة) المطلبي المكي، ثقةٌ، من
стр. 7040
عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: لَمَّا سَرَقَتِ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .. أَعْظَمْنَا ذَلِكَ وَكَانَتِ أمْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَجِئْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نُكَلِّمُهُ وَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تُطَهَّرَ خَيْرٌ لَهَا"، فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ
===
السادسة، مات في أول خلافة هشام بالمدينة. يروي عنه: (د ق).
(عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود) ويقال لأبيها: مسعود بن العجماء، لها رؤية؛ لأن أباها استشهد بمؤتة. يروي عنها: (ق).
(عن أبيها) مسعود بن الأسود بن حارثة العدوي عدي قريش، يعرف بابن العجماء، صحابي شهد بيعة الرضوان، واستشهد بمؤتة رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) مسعود بن الأسود: (لما سرقت المرأة) المخزومية (تلك القطيفة) وهي دثار له خمل، والجمع قطائف. انتهى "م خ".
(من بيت رسول الله ﷺ .. أعظمنا ذلك) أي: جعلنا ذلك الأخذ وعددناه أمرأ عظيمًا وذنبًا كبيرًا (وكانت) تلك المرأة (امرأة من قريش، فجئنا) نحن معاشر أهلها (إلى النبي ﷺ حال كوننا (نكلمه) ﷺ في شأنها (وقلنا نحن) له ﷺ : (نَفْدِيها) ونفكها ونبرئها من القطع (بـ) إعطاء (أربعين أوقية) والأوقية الواحدة أربعون درهمًا.
(فقال رسول الله ﷺ : أن (تُطهَّر) بالبناء للمجهول من ذنبها بإقامة الحد عليها (خير لها) عند ربها من الفداء (فلما سمعنا لين قول