"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ؟ ! "، ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ
===
لأسامة: (أتشفع) إلي يا أسامة (في) إسقاط (حد من حدود الله) تعالى؟ ! والاستفهام للإنكار على أسامة، يفهم منه تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فيحرم على الشافع وعلى المشفع قبولها، وهذا مما لا يختلف فيه، واستدل به العلماء على أن الشفاعة في الحدود غير جائزة، وقيده أكثرهم بما إذا رفعت القضية إلى الإمام.
فأما قبل رفعها إلى السلطان .. فلا بأس بالشفاعة فيها، واستدلوا على ذلك بمرسل لحبيب بن أبي ثابت، وفيه: أن رسول الله ﷺ قال لأسامة: "لا تشفع في حد؛ فإن الحدود إذا انتهت إلي .. فليس لها مَتْرَك"، ذكره الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٨٧)، وله شاهد عند أبي داوود والحاكم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه بلفظ: "تعافوا الحدود فيما بينكم؛ في بلغني من حد .. فقد وجب".
وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عُرِفَ بأذى الناس ومن لَمْ يُعرف منه ذلك، فقال: لا يشفع للأول مطلقًا، سواء بلغ الإمام أو لا، وأما من لَمْ يعرف بذلك .. فلا بأس أن يشفع له ما لَمْ يبلغ الإمام.
وأما الشفاعة فيما ليس فيه حد، وليس فيه حق لآدمي، وإنما فيه التعزير .. فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا. انتهى من "المفهم".
وفي رواية مسلم زيادة: (فقال له) أي: لرسول الله ﷺ (أسامة) بن زيد: (استغفر لي يا رسول الله) ذنب تشفعي فيما لا علم لي به (ثم) لما جاء العشي؛ أي: آخر النهار (قام) رسول الله ﷺ على المنبر (فاختطب) أي: خطب الناس ووعظهم، والتاء فيه لمبالغة معنى الثلاثي، بعدما أثنى على الله تعالى بما هو أهله؛ أي: لائق به تعالى من الكمالات.
стр. 7037
فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ .. تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ .. أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللهِ؛ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ .. لَقَطَعْتُ يَدَهَا"، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ: سَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُ: قَدْ أَعَاذَهَا اللهُ أَنْ تَسْرِقَ، وَكُلُّ مُسْلِمٍ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُولَ هَذَا.
===
(فقال): أما بعد؛ فـ (يا أيها الناس؛ إنما هلك الذين من قبلكم) مفعول مقدم على الفاعل؛ أي: فإنما أهلك الأمم الذين كانوا من قبلكم، وجملة (أن) من قوله: (أنهم كانوا) في تأويل مصدر مرفوع على الفاعلية؛ أي: أهلكهم كونهم (إذا سرق فيهم الشريف) أي: ذو الشرف والقدر بينهم .. (تركوه) أي: سامحوه من إقامة الحد عليه (وإذا سرق فيهم الضعيف) أي: الوضيع .. (أقاموا عليه الحد) وفي هذا تهديد ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود وعلى ترك التسوية فيما بين الدنيء والشريف والقوي والضعيف، ولا خلاف في وجوب ذلك، وفيه حجة لمن قال: إن شرع من قبلنا شرع لنا. انتهى من "المفهم".
(وايم الله) أي: اسم الله قسمي (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت) على سبيل الفرض وتقدير المحال ... (لقطعت يدها)، ولذا زاد المؤلف فيما سيأتي آنفًا نقلًا عن شيخه محمد بن رمح (قال محمد بن رمح: سمعت الليث بن سعد يقول: قد أعاذها الله وحفظها (أن تسرق، وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا) الدعاء لفاطمة.
وجواب لو الشرطية قوله: (لقطعت يدها) إخبار عن مقدر يفيد القطع بأمر محقق؛ وهو وجوب إقامة الحد على القريب والبعيد والبغيض والحبيب، لا ينفع في درئه شفاعة، ولا تحول دونه قرابة ولا جماعة. انتهى من "المفهم".
стр. 7038
(١٥) - ٢٥٠٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
===
وفي قوله ﷺ : "وايم الله لو أن فاطمة" فضيلة ظاهرة لفاطمة رضي الله تعالى عنها؛ لأن المعتاد في مثل هذا أن يذكر من هو أحب إلى القائل من غيره، ثم فيه حسن المماثلة أيضًا؛ لموافقة اسم السارقة اسمها رضي الله تعالى عنها، فناسب أن يضرب المثل، فلا يدلُّ الحديث على أفضليتها على عائشة ﵄.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب بينا امرأة ترضع ابنها إذ مر بها راكب ... إلى آخره، ومسلم في كتاب الحدود، باب قطع السارق الشريف وغيره والنهي عن الشفاعة في الحدود، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد، والترمذي في كتاب الحدود، باب كراهية أن يشفع في الحدود، قال: وفي الباب عن مسعود بن العجماء وابن عمر وجابر، قال أبو عيسى: حديث عائشة حديث حسن صحيح، ويقال: مسعود بن الأعجم، وله هذا الحديث، والنسائي في كتاب قطع السارق، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث مسعود بن الأسود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥) - ٢٥٠٦ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاش، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
стр. 7039
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ابْنِ رُكَانَةَ،
===
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي، صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
وفي "التهذيب": وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين وذكرت له الحجة: محمد بن إسحاق منهم؟ فقال: كان ثقةٌ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال العجلي: مدني ثقةٌ، وقال ابن عيينة: سمعت شعبة يقول: محمد بن إسحاق أمير المؤمنين في الحديث، وفي رواية عن شعبة: فقيل له: لَمْ؟ قال: لحفظه، وفي رواية عنه: لو سود أحد في الحديث .. لسود محمد بن إسحاق، وقال ابن سعد: كان ثقةٌ، ومن الناس من يتكلم فيه.
قلت: وذكره النسائي في الطبقة الخامسة من أصحاب الزهري، وقال ابن المديني: ثقةٌ، وقال ابن حبان: ولم يكن بالمدينة أحد يقارب ابن إسحاق في علمه، ولا يوازيه في جمعه أحد، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار؛ وقال أبو يعلى الخليلي: محمد بن إسحاق عالم كبير، وهو عالم واسع الرواية والعلم ثقةٌ، وقال ابن البُرْقِيِّ: لَمْ أر أهل الحديث يختلفون في ثقته وحسن حديثه وروايته. انتهى من "التهذيب" باختصار.
قلت: فهو ثقةٌ ثقة واسع العلم والرواية.
(عن محمد بن طلحة) بن يزيد (بن ركانة) المطلبي المكي، ثقةٌ، من
стр. 7040
عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهَا قَالَ: لَمَّا سَرَقَتِ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .. أَعْظَمْنَا ذَلِكَ وَكَانَتِ أمْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَجِئْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ نُكَلِّمُهُ وَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تُطَهَّرَ خَيْرٌ لَهَا"، فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ
===
السادسة، مات في أول خلافة هشام بالمدينة. يروي عنه: (د ق).
(عن أمه عائشة بنت مسعود بن الأسود) ويقال لأبيها: مسعود بن العجماء، لها رؤية؛ لأن أباها استشهد بمؤتة. يروي عنها: (ق).
(عن أبيها) مسعود بن الأسود بن حارثة العدوي عدي قريش، يعرف بابن العجماء، صحابي شهد بيعة الرضوان، واستشهد بمؤتة رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) مسعود بن الأسود: (لما سرقت المرأة) المخزومية (تلك القطيفة) وهي دثار له خمل، والجمع قطائف. انتهى "م خ".
(من بيت رسول الله ﷺ .. أعظمنا ذلك) أي: جعلنا ذلك الأخذ وعددناه أمرأ عظيمًا وذنبًا كبيرًا (وكانت) تلك المرأة (امرأة من قريش، فجئنا) نحن معاشر أهلها (إلى النبي ﷺ حال كوننا (نكلمه) ﷺ في شأنها (وقلنا نحن) له ﷺ : (نَفْدِيها) ونفكها ونبرئها من القطع (بـ) إعطاء (أربعين أوقية) والأوقية الواحدة أربعون درهمًا.
(فقال رسول الله ﷺ : أن (تُطهَّر) بالبناء للمجهول من ذنبها بإقامة الحد عليها (خير لها) عند ربها من الفداء (فلما سمعنا لين قول
стр. 7041
رَسُولِ اللهِ ﷺ .. أَتَيْنَا أُسَامَةَ فَقُلْنَا: كَلِّمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَلِكَ .. قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: "مَا إِكْثَارُكُمْ عَلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ وَقَعَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَاءِ اللهِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللهِ نَزَلَتْ بِالَّذِي نَزَلَتْ بِهِ .. لَقَطَعَ مُحَمَّد يَدَهَا".
===
رسول الله ﷺ وانخفاضه وعدم ارتفاعه .. (أتينا أسامة) بن زيد بن حارثة؛ ليشفع لنا إلى رسول الله ﷺ (فقلنا) لأسامة: (كلم رسول الله ﷺ وتشفع لنا في إسقاط الحد عنها (فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك) الذي طلبنا منه من إسقاط الحد عنها وعلمه .. (قام) في عشي ذلك اليوم على المنبر (خطيبًا) أي: واعظًا للناس.
(فقال) في خطبته: (ما إكثاركم) الكلام (علي في) إسقاط (حد من حدود الله وقع) ذلك الحد ووجب (على أمة من إماء الله؟ ! ) تعالى (و) أقسمت لكم بالإله (الذي نفس محمد) وروحه (بيده) المقدسة (لو كانت فاطمة ابنة رسول الله نزلت) أي: فعلت وسرقت (بالذي) أي: بمثل المال الذي (نزلت) وسرقت هذه القرشية (به) الضمير عائد إلى الموصول، الذي هو واقع على المسروق الذي سرقت القرشية، والمراد بالمماثلة: كونه ربع دينار ... (لقطع محمد) رسول الله ﷺ (يدها) أي: يد فاطمة؛ لأن حدود الله تعالى لا محاباة ولا مسامحة فيها إذا ثبتت بالبينة أو الإقرار عند السلطان.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، ولا يضر فيه طعن من طعن في ابن إسحاق؛ لأن جمهورهم وثقوه، وقد رواه الحاكم
стр. 7042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في "المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه بهذا السياق، وله شاهد من حديث عائشة المذكور قبله، رواه الأئمة الستة، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7043
(٧) - (٨٦٧) - بَابُ حَدِ الزِّنَا
(١٦) - ٢٥٠٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَشِبْلٍ
===
(٧) - (٨٦٧) - (باب حد الزنا)
(١٦) - ٢٥٠٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري) محمد بن مسلم المدني إمام مشهور، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي المدني، ثقةٌ ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك، من فقهاء المدينة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة وزيد بن خالد) الجهني المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما (وشبل) - بكسر المعجمة وسكون الموحدة - ابن حامد، ويقال: ابن خالد، ويقال: ابن خُليد، ويقال: ابن معبد المزني، روى عن عبد الله بن مالك الأوسي حديث: (الوليدة إذا زنت .. فاجلدوها) وعنه به؛ أي: وروى عن شبل بهذا الحديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة.
стр. 7044
قَالُوا: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَنْشُدُكَ اللهَ
===
كذا رواه أصحاب الزهري عنه، وخالفهم ابن عيينة، فروى عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل جميعًا، عن النبي ﷺ حديثَ العسيف، ولم يُتابع على ذلك، رواه النسائي والترمذي وابن ماجة، وهذا هو الموافق لما في "ابن ماجة"، قال النسائي: الصواب: الأول، قال: وحديث ابن عيينة خطأ، وروى البخاري حديث ابن عيينة فأسقط عنه شبلًا، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة فذكروه فيه؛ أي: شبْل، وأهل مصر يقولون: شبل بن حامد عن عبد الله بن مالك الأوسي عن النبي ﷺ ، وهذا عندي أشبه. انتهى من "التهذيب".
وفي "التقريب": شبل بن حامد، أو ابن خليد المزني، مقبول، من الثالثة، وأخطأ من قال: هو شبل بن معبد. يروي عنه: (س). انتهى منه.
وقال العسكري: ولا يصح سماعه من النبي ﷺ ، وقال أبو علي بن السكن: يقال: له صحبة، وقال ابن عبد البر: لا ذكر له في الصحابة إلَّا في رواية ابن عيينة، وقال الدارقطني: يعد في التابعين، وعلى كلّ فهو لا يضر السند؛ لأنه ذكر على وجه المقارنة.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالوا) أي: قال أبو هريرة ومن معه: (كنا) حاضرين (عند رسول الله ﷺ فأتاه) ﷺ (رجل) من الأعراب؛ كما في رواية مسلم، ولم أر من ذكر اسمه، ولا اسم بقية المبهم الذي في هذا الحديث. انتهى من "تنبيه المعلم على مبهمات مسلم".
(فقال) ذلك الرجل لرسول الله ﷺ : (أنشدك الله) أي: أقسم لك بالله، فلفظ الجلالة منصوب بنزع الخافض الذي هو حرف القسم؛
стр. 7045
لَمَّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ خَصمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ، وَأْذَنْ لِي حَتَّى أَقُولَ قَالَ: "قُلْ"، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا وَإِنَّهُ زَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ،
===
أي: أسألك بالله رافعًا نشيدي؛ أي: صوتي (لما قضيت) أي: إلَّا قضيت (بيننا بكتاب الله) تعالى؛ أي: بيني وبين خصمي بحكم كتاب الله تعالي، و (لما) هنا بمعنى: إلَّا؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم، (فقال خصمه وكان) خصمه (أفقه منه) أي: من هذا القائل؛ أي: أكثر فقهًا وفهمًا وأحسن أدبًا من الرجل الأول؛ لأنه التزم بأدب الكلام مع النبي ﷺ ، ولم يكن في كلامه من الجفوة ما كان في كلام الأول: (اقض بيننا) يا رسول الله (بكتاب الله) وحكمه (و) لكن (ائذن لي) يا رسول الله في الكلام (حتى أقول) شيئًا من مهماتي.
فـ (قال) له رسول الله ﷺ : ("قل") ما شئت؛ فقد أذنت لك، فـ (قال) ذلك الرجل الذي استأذن في الكلام: (إن ابني كان عسيفًا) أي: أجيرًا (على هذا) أي: عند خصمي هذا المتكلم (وإنه) أي: وإن ابني (زنى بامرأته) أي: بزوجته، وأخبرت بأن على ابني الرجم (فافتديت) ابني (منه) أي: من الرجم (بمئة شاة وخادم).
ولفظ "مسلم" مع "الكوكب": (قالوا: كنا عند رسول الله ﷺ ، فأتاه رجل من الأعراب، فقال: يا رسول الله، أنشدك الله إلَّا قضيت بيننا بكتاب الله) أي: إلَّا قضيت بما تضمنه كتاب الله؛ أي: لا أسالك إلَّا بالتشاغل بالقضاء بيننا بحكم الله تعالي، ولا أترك السؤال إلَّا إذا قضيت به بالفصل بيننا بالحكم الصرف لا بالتصالح والترغيب فيما هو الأرفق، إذ للحكم أن يفعل ذلك، ولكن برضى الخصمين، وفي قوله: (إلَّا قضيت لي بكتاب الله) فيه
стр. 7046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويله بمصدر، وإن لَمْ يكن فيه حرف مصدري؛ لضرورة افتقار المعنى إليه، وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موضع الاسم، ويراد به النفي المحصور فيه المفعول.
والمعنى هنا: لا أسألك إلَّا القضاء بكتاب الله تعالي، ويحتمل أن تكون إلَّا جواب القسم؛ لما فيها من معنى الحصر، والمعنى على هذا: أسألك بالله لا تفعل شيئًا إلَّا القضاء بكتاب الله تعالي، كذا في "فتح الباري" (١٢/ ١٣٨) باب الاعتراف بالزنا.
وفي مخاطبة النبي ﷺ بمثل هذا الكلام شيء من الجفوة؛ لأن النبي ﷺ لا يتصور منه إلَّا القضاء بحق موافق لكتاب الله، فنشده على ذلك بما لا داعي إليه، ولكن الرجل كان من الأعراب، وهم يُعْذَرُون في مثل هذا الكلام، ولذلك لَمْ يعاتبه النبي ﷺ ولا لامه، وفيه حسن خلق رسول الله ﷺ وحلمه على من يخاطبه بما لا يليق به.
ثم المراد بكتاب الله ها هنا: ما كتبه الله على عباده، سواء كان مذكورًا في القرآن الكريم أو في السنة؛ لأن الرجم والتغريب ليس لهما ذكر صريح في القرآن إلَّا بواسطة أمر الله تعالى باتباع رسوله.
وقيل المراد بكتاب الله: ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ لأنه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، فلذلك قال: "الغنم والوليدة رد عليك"، ولكن رجح الحافظ ابن حجر في "الفتح" أن المراد بكتاب الله: ما يتعلق بجميع القصة مما وقع فيه الجواب الآتي ذكره، والله تعالى أعلم.
فقال الخصم الآخر له غير الرجل المذكور أولًا (وهو) أي: وهذا الآخر
стр. 7047
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(أفقه) أي: أكثر فقهًا وفهمًا وأحسن أدبًا (منه) أي: من الرجل الأول؛ لأنه التزم بأدب الكلام مع النبي ﷺ ؛ حيث استأذنه، ولم يكن في كلامه من الجفوة ما كان في كلام الأول، ودلت هذه الكلمة على أن الفقه ليس مجرد علم بالمسائل الفقهية، وإنما هو أدب وخلق ووضع كلّ شيء في محله المناسب عمليًّا.
ويحتمل أيضًا أن يكون الراوي عارفًا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول إما مطلقًا، وإما في هذه القصة الخاصة، قاله ابن سيد الناس في "شرح الترمذي" كما في "فتح الباري".
قال القرطبي: إنما فضل الراوي الثاني على الأول؛ لأن هذه الجملة مدرجة من كلام الراوي؛ أي: وإنما فضله عليه بالفقه؛ لأن الثاني ترفق ولم يستعجل، ثم تلطف بالاستئذان في القول، بخلاف الأول؛ فإنه استعجل، وأقسم على النبي ﷺ في شيء كان يفعله بغير يمين، ولم يستأذن، وهذا كله من جفاء الأعراب، فكان للثاني عليه مزية في الفهم والفقه، ويحتمل أن يكون ذلك؛ لأن الثاني وصف القضية بكمالها، وأجاد سياقها؛ حيث قال: نعم (اقض بيننا) ومن هنا رجعنا إلى لفظ ابن ماجة؛ أي: (اقض بيننا) يا رسول الله (بكتاب الله) تعالى وحكمه، والجملة الجوابية مقول قال، وما قبلها معترض مدرج من كلام الراوي؛ كما مر آنفًا، وفي رواية مسلم: الجمع بين نعم وما نابت عنه.
(و) لكن (ائذن لي يا رسول الله) في الكلام (حتى أقول) وأذكر لك ما جرى بيني وبين خصمي (فقال) له رسول الله ﷺ : (قل) ما شئت من حاجتك؛ فقد أذنت لك، فـ (قال) هذا الرجل الثاني؛ كما هو
стр. 7048
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ظاهر سياق الكلام، خلافًا للكرماني، ولكن رد عليه الحافظ في "الفتح" (١٣/ ١٣٩) بما وقع في كتاب الشروط من "صحيح البخاري" عن عاصم بن علي عن ابن أبي ذئب بلفظ: (فقال: صدق، اقض له يا رسول الله بكتاب الله، إن ابني هذا ... ) إلى آخره؛ فإنه كالصريح في أن المتكلم هو الثاني لا الرجل الأول.
أي: فقال هذا الخصم الثاني: (إن ابني) ووقع في رواية عند البخاري في المحاربين: (إن ابني هذا) فهذا مما يدلُّ على أن ذلك الابن كان حاضرًا عند هذا الكلام (كان عسيفًا) أي: أجيرًا، وجمعه عسفاء؛ كاجير وأجراء، وفقيه وفقهاء (على هذا) إشارة إلى خصم المتكلم؛ وهو زوج المرأة المزنية لابنه، وكان الرجل الأول استخدمه فيما تحتاج إليه امرأته من الأمور، فكان ذلك سببًا لما وقع له معها، فعلى هنا بمعنى عند؛ أي: عند هذا الرجل الأول.
ووقع في رواية عمرو بن شعيب عند النسائي في "الكبرى": (كان ابني أجيرًا لامرأته) وهو يعني معنى العسيف يطلق على الأجير وعلى الخادم وعلى العبد وعلى السائل وعلى من يستهان به، وسمي الأجير عسيفًا؛ لأن المستأجر يعسفه في العمل، والعسف: الجور.
(وإنه) أي: وإن ابني (زنى بامرأته) أي: بزوجته، ولم يكن هذا من الأب قذفًا لابنه ولا للمرأة؛ لاعترافهما بالزنا على أنفسهما. انتهى من "المفهم".
وإنما وقع له ذلك الزنا؛ لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والإدلال، فيستفاد منه: الحث على إبعاد الأجنبي من الأجنبية مهما أمكن؛ لأن العشرة قد تفضي إلى الفساد، ويثور بها الشيطان إلى الفساد.
стр. 7049
فَسَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَأُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ: الْمِئَةُ الشَّاةُ وَالْخَادِمُ رَدٌّ عَلَيْكَ،
===
(فسألت رجالًا من أهل العلم) بالحكم من الصحابة (فأخبرت) بالبناء للمجهول (أن على ابني جلد مئة وتغريب عام) إلى مسافة القصر حدًا عند الشافعية، وتعزيرًا عند الحنفية (وأن على امرأة هذا) الرجل المخاصم لي (الرجم) أي: الرمي إليها بالحجارة حتى تموت.
قال الحافظ: لَمْ أقف على أسماء هؤلاء الذين أخبروه من أهل العلم، ولا على عددهم، ولا على اسم الخصمين، ولا على اسم الابن ولا على اسم المرأة.
ودل الحديث على أن رجم المحصن كان معروفًا عند أهل العلم في ذلك الزمان، ودل أيضًا على أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي ﷺ ؛ أي: وقد سألت من يعلم أحكام الزنا من الصحابة، فأخبروني أنما على ابني جلد مئة وتغريب، وأن على امرأة هذا الخصم الرجم (فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده؛ لأقضين بينكما) أيها الخصمان (بكتاب الله) تعالي، دل هذا الحديث على أن سنة النبي ﷺ إذا ثبتت بطريق قطعي .. فإنها مساوية لكتاب الله في وجوب العمل بها؛ لأن النبي ﷺ ذكر أن قضاءه مبني على كتاب الله مع أنه كان مشتملًا على رجم المرأة، ولم يثبت الرجم صريحًا في كتاب الله، ولكنه نسبه إلى كتاب الله؛ لما فيه من الأمر باتباع سنة النبي ﷺ .
(المئة الشاة والخادم رد عليك) أي: مردودتان عليك، فخذهما منه،
стр. 7050
وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا
===
قال النووي: معناه: يجب ردهما عليه، وفي هذا أن الصلح الفاسد يرد، وأن أخذ المال فيه باطل يجب رده، وأن الحدود لا تقبل الفداء. انتهى.
يعني: أن زوج المزنية يجب عليه أن يردهما إليك؛ لأنه لَمْ يقبضها بحق (وعلى ابنك جلد مئة، وتغريب عام) إلى مسافة القصر؛ أي: إذا ثبت الزنا بوجهه لا بمجرد قول الأب (واغد) أمر من الغدو؛ وهو هنا بمعنى: الذهاب المطلق من غير تقييد بوقت الغدوة، ويحتمل أن يكون هذا الحديث في آخر وقت النهار، فأمره النبي ﷺ بالذهاب غدوة اليوم التالي، والله أعلم؛ والمعنى: وامض وسر، وليس معناه: سر بكرة إليها؛ كما هو موضوع الغداة.
(يا أنيس) - بضم الهمزة مصغرًا - قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (١/ ٣٧) عن بعض العلماء: هو أنيس بن الضحاك الأسلمي رضي الله تعالى عنه، ويشهد لهذا ما وقع في رواية شعيب وابن أبي ذئب من قوله: (وأما أنت يا أنيس) لرجل من أسلم .. (فاغد) وفي بعض النسخ: (اغد يا أنيس) وهو أمر بالذهاب إليها، وأنيس صحابي أسلمي، والمرأة أيضًا أسلمية، وهذا الأمر - كما قال النووي - محمول على إعلام المرأة بأن هذا الرجل قذفهما بابنه؛ ليعرفها بأن لها عنده حقًّا؛ وهو حد القذف أخذت أو تركت، إلَّا أن تعترف بالزنا، فلا يجب عليه الحد، بل يجب عليها حد الزنا، وهو الرجم؛ لكونها محصنةً (على امرأة هذا) الإشارة فيه إلى خصم المتكلم أخيرًا الذي زعم أن ابنه زنى بامرأة الآخر، وزاد في رواية محمد بن يوسف: (فاسألها) كما في "الفتح".
وقد دل فعله ﷺ في إرسال أنيس ﵁ أن المخدرة التي لا تعتاد البروز لا تكلف الحضور لمجلس الحكم، بل يجوز أن يرسل إليها من يحكم لها وعليها، كذا في "فتح الباري".
стр. 7051
فَإِنِ اعْتَرَفَتْ .. فَارْجُمْهَا"، قَالَ هِشَامٌ: فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا.
===
(فإن اعترفت) بالزنا على نفسها (فارجمها).
(قال هشام) بن عروة المتابع للزهري في روايته عن عبيد الله بن عبد الله: (فغدا عليها) أنيس؛ أي: مشى إليها وسار نحوها، فسألها (فاعترفت) بالزنا، فأخبر باعترافها لرسول الله ﷺ (فرجمها) رسول الله ﷺ ؛ أي: أمر برجمها رسول الله ﷺ فرجموا؛ كما هو مصرح به في رواية "مسلم".
قال النووي: ولا بد من التأويل؛ لأن ظاهره أنه بعث لإقامة الحد، وهذا غير مراد؛ لأن حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس والتفتيش عنه، بل لو أقر به الزاني .. استحب أن يلقن الرجوع، وفي هذا دليل على جواز استنابة الحاكم في القضاء وإقامة الحدود، واستدل الشافعي ومالك بهذا الحديث أن الإقرار بالزنا يوجب الحد وإن كان مرّة واحدة، ولا يجب أن يكون أربع مرات.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب الحدود، باب الوكالة في الحدود، وكتاب الصلح، وكتاب الشروط، وكتاب الإحكام، ومسلم في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب المرأة التي أمر النبي ﷺ برجمها من جهينة، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، والنسائي في كتاب القضاء، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة وزيد بن خالد حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال القرطبي: وفي هذا الحديث أبواب من الفقه؛ فمنها: أن كلّ صلح
стр. 7052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
خالف السنة .. فهو باطل ومردود، وأن الحدود التي هي محضة لحق الله تعالى لا يصح الصلح فيها، واختلف في حد القذف؛ هل يصح الصلح فيه أم لا؟ ولم يختلف في كراهته؛ لأنه ثمنُ عِرْضٍ، ولا خلاف في أنه يجوز قبل رفعه إلى الإمام.
وأما حقوق الأبدان من الجراح وحقوق الأموال .. فلا خلاف في جوازه مع الإقرار، واختلف في الصلح على الإنكار: فأجازه مالك، ومنعه الشافعي.
وفيه أيضًا جواز استنابة الحاكم في بعض القضايا من يحكم فيها مع تمكنه من مباشرته، وفيه أن الإقرار بالزنا لا يشترط فيه تكرار أربع مرات، وأن المرجوم لا يجلد قبل الرجم، وقد تقدم الخلاف فيهما.
وفيه أن ما كان معلومًا من الشروط والأسباب التي تترتب عليها الإحكام لا يحتاج إلى السؤال عنها؛ فإن إحصان المرأة كان معلومًا عندهم؛ فإنها كانت ذات زوج معروف الدخول عليها، وعلى هذا يحمل حديث الغامدية؛ إذ لو لَمْ تكن محصنة .. لما جاز رجمها بالإجماع.
وفيه إقامة الحاكم الحد بمجرد إقرار المحدود وسماعه منه من غير شهادة عليه، وهو أحد قولي الشافعي وأبي ثور، ولا يجوز ذلك عند مالك إلَّا بعد ضبط الشهادة عليه، وانفصل عن ذلك بأنه ليس في الحديث ما ينص على أنه لَمْ يسمع إقرارها إلَّا أنيس خاصة، بل العادة قاضية بأن مثل هذه القضية لا تكون في خلوة ولا ينفرد بها الآحاد.
وفيه دليل على الاستفتاء والفتيا في زمان رسول الله ﷺ مع إمكان الوصول إليه، وجواز استفتاء المفضول مع وجود الأفضل، ولو كان ذلك غير جائز .. لأنكره النبي ﷺ .
стр. 7053
(١٧) - ٢٥٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ،
===
وفيه دليل على جواز اليمين بالله تعالى وإن لَمْ يستحلف، وعلى أن ما يفهم منه اسم الله يمين جائزة، وإن لَمْ يكن من أسمائه تعالى؛ فإن قوله: "والذي نفسي بيده" ليس من أسماء الله تعالي، ولكنه تنزل منزلة الأسماء في الدلالة، فيلحق به كلّ ما كان في معناه؛ كقوله: "والذي خلق الخلق وبسط الرزق" وما أشبه ذلك.
وفيه ما يدلُّ على أن زنا المرأة تحت زوجها لا يفسخ نكاحها، ولا يوجب الزنا تفرقة بينها وبين زوجها؛ إذ لو كان كذلك .. لَفُرق بينهما قبل الرجم، ولفسخ النِّكَاح، ولم ينقَل شيء من ذلك، ولو كان .. لَنُقِلَ؛ كما نُقلت القصةُ وكثيرٌ من تفاصيلها.
وفيه دليل على صحة الإجارة للمرأة، إلى غير ذلك من المستنبطات منه، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وشِبْلٍ بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧) - ٢٥٠٨ - (٢) (حدثنا بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ (أبو بشر) صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي القطان البصري، ثقةٌ حافظ إمام، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7054
عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا:
===
(عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، من السادسة، ولكنه مدلس، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن يونس بن جبير) الباهلي أبي غلاب البصري، ثقةٌ، من الثالثة، مات قبل المئة بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن حطان بن عبد الله) الرقاشي البصري، ثقةٌ، من الثانية، مات في ولاية بشر على العراق بعد السبعين. يروي عنه: (م عم).
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني، بدري مشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة أربع وثلاثين، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبادة: (قال رسول الله ﷺ : خذوا عني) حدودهن (قد جعل الله لهن سبيلًا) وهذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (١).
فكان حكم الآية أن تحبس الزانية في البيوت إلى الموت، أو إلى أن ينزل الله
стр. 7055
الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ سَنَةٍ،
===
حكمًا آخر؛ وهو المراد بالسبيل في الآية، فبين رسول الله ﷺ أن ذلك الحكم الجديد قد نزل، وهو قوله: (البكر بالبكر) أي: حد البكر الذي زنى بالبكر أو بالثيب (جلد مئة) مرّة؛ أي: ضرب مئة مرّة، وسمي الضرب في الزنا وغيره من موجبات الحد جَلدًا - بفتح الجيم - لاتصاله بالجِلد - بكسر الجيم - أي: لإيصاله الألم إليه.
(وتغريب سنة) أي: نفي سنة من بلد الزنا إلى مسافة القصر.
وقوله: "بالبكر" قال النووي: ليس هذا على سبيل الاشتراط، بل حد البكر الجلد والتغريب، سواء زنى ببكر أم بثيب، وكذا حد الثيب الرجم، سواء زنى بثيب أم ببكر، فهو شبيه بالتقييد الذي خرج مخرج الغالب. انتهى.
وقوله: "وتغريب سنة" استدل به الشافعية والحنابلة على أن النفي والتغريب من حد الزاني البكر.
وفي المسألة ثلاثة مذاهب:
الأول: حد الزاني البكر مجموع الجلد والتغريب مطلقًا، رجلًا كان أو امرأة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وعطاء وطاووس، رحمهم الله تعالى.
الثاني: يغرب الرجل دون المرأة؛ لأن المرأة تحتاج إلى حفظ وصيانة، وهو قول مالك والأوزاعي.
والثالث: ليس التغريب جزءًا من حد الزنا، وإنما هو تعزير فيه، يخير فيه الحاكم إن رأى فيه مصلحة .. غربه، وإلا .. فلا، وهو قول أبي حنيفة ومحمد ﵏ تعالي، هذا ملخص ما في "المغني" لابن قدامة (١/ ١٢٣).
стр. 7056
وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ".
===
قوله: (والثيب) أي: وحد الثيب الذي زنى (بالثيب جلد مئة) والجلد منسوخ فيه بحديث ماعز بن مالك وبحديث الغامدية، كما سيأتي (والرجم) أي: الرمي بحجارة معتدلة؛ بحيث تكون قدر ملء الكف حتى يموت، لا بحجارة صغيرة؛ لئلا يطول عليه الأمر، ولا بحجارة كبيرة؛ لئلا يموت حالًا، فيفوت التنكيل.
والتقييد بالثيب خرج مخرج الغالب - كما مر آنفًا - فالمراد بالثيب، ويسمى بالمحصن: هو الشخص البالغ العاقل الحر الذي غيب حشفته أو قدرها من مقطوعها في قبل في نكاح صحيح، فإذا زنى بعد ذلك .. فحده الرجم والقتل بالحجارة، والبكر ويسمى بغير المحصن ضد الثيب؛ وهو الذي لَمْ يغيب حشفته في قبل في نكاح صحيح، والزنا بالقصر لغة حجازية، وبالمد لغة تميم.
وفي "المصباح": زنى يزني زنًا بالقصر، وزاناها مزاناةً وزناء بالمد، ومنهم من يجعل المقصور والممدود لغتين في الثلاثي، ويقول: المقصور لغة الحجاز، والممدود لغة نجد. انتهى.
وإلى هذا مال ابن الهمام، فقال: الزنا مقصور في اللغة الفصحى، لغة أهل الحجاز التي نزل بها القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (١)، ويمد في لغة نجد، وعليها قال الفرزدق:
أبا طاهر مَن يَزْنِ يُعرف زِناؤهُ ... ومَن يشرب الخُرطومَ يُصبِحْ مُسكَّرَا
بفتح الكاف وتشديدها؛ من السكر، والخرطوم من أسماء الخمر. انتهى من بعض الهوامش.
стр. 7057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهو إيلاج المكلف الواضح حشفته الأصلية المتصلة أو قدرها عند فقدها في فرج واضح محرم لعينه في نفس الأمر مشتهىً طبعًا مع الخلو عن الشبهة.
وهو من أفحش الكبائر بعد القتل، واتفق أهل الملل كلها على تحريمه؛ لأنه لَمْ يحل في ملة قط من لدن آدم إلى هذه الملة المحمدية. انتهى "ب ج" بتصرف.
قال النووي: واعلم: أن المراد بالبكر من الرجال والنساء: من لَمْ يجامع في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، سواء كان جامع بوطء شبهة أو نكاح فاسد أو غيرهما، أم لا.
والمراد بالثيب: من جامع في دهره مرةً في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في هذا سواء، وسواء في كلّ هذا المسلم والكافر والرشيد والمحجور عليه لسفه، والله أعلم.
والحكمة في جعل حد الزنا الجلد دون قطع الذكر؛ كما جعل حد السرقة قطع اليد؛ لأنَّها آلة السرقة .. إبقاءً للتناسل بين البشر؛ كما بينته في تفسيرنا "الحدائق" بأبسط مما هنا في آية السرقة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحدود، باب حد الزني، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في الرجم، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
стр. 7058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7059
(٨) - (٨٦٨) - بَابُ مَنْ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ
(١٨) - ٢٥٠٩ - (١) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، أَنْبَأَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ قَالَ: أُتِيَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ
===
(٨) - (٨٦٨) - (باب من وقع على جارية امرأته)
(١٨) - ٢٥٠٩ - (١) (حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي - بالمهملة - الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا خالد بن الحارث) بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري، ثقةٌ ثبت، من الثامنة، مات سنة ست وثمانين ومئة (١٨٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقةٌ، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، ثقةٌ مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن حبيب بن سالم) الأنصاري مولاهم؛ مولى النعمان بن بشير وكاتبه، لا بأس به، من الثالثة. يروي عنه: (م عم). انتهى "تقريب"، وفي "التهذيب": قال أبو حاتم: ثقةٌ، وقال البخاري: فيه نظر، وقال الآجري عن أبي داوود: ثقةٌ، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(قال) حبيب: (أتي) بالبناء للمجهول (النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة رضي الله تعالى عنهم، ثم سكن
стр. 7060
بِرَجُلٍ غَشِيَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ فَقَالَ: لَا أَقْضِي فِيهَا إِلَّا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَهُ .. جَلَدْتُهُ مِئَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَذِنَتْ لَهُ
===
الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين (٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لانقطاع سنده على ما قيل.
أي: جيء إلى النعمان بن بشير (برجل) يقال له: عبد الرَّحمن بن حنين - مصغرًا - ليحكم عليه؛ لأنه كان أمير الكوفة (غشي) من باب رضي؛ أي: ركب وجامع ذلك الرجل (جارية امرأته) أي: أمة زوجته (فقال) النعمان للناس: (لا أقضي) ولا أحكم (فيها) أي: في هذه الجارية (إلَّا بقضاء رسول الله ﷺ وفي رواية أبي داوود: (لأقضين فيك) أيُّها الرجلُ؛ خطابًا لذلك الرجل الذي وقع على جارية امرأته، ثم (قال) النعمان: (إن كانت) امرأته (أحلتها) أي: أحلت هذه الجارية الله) أي: جعلت جاريتها حلالًا له وأذنت له فيها .. (جلدته مئة) جلدة، قال ابن العربي: يعني: أدبته تعزيرًا، وأبلغ به الحد تنكيلًا، لا أنه رأى حدَّهُ بالحدِّ حَدًا له.
قال السندي بعد ذكر كلام ابن العربي: هذا لأن المحصن حده الرجم لا الجلد، ولعل سبب ذلك أن المرأة إذا أحللت جاريتها لزوجها .. فهو إعارة الفروج، فلا يصح، لكن العارية تصير شبهة ضعيفة، فيعزر صاحبها.
قال الخطابي: هذا الحديث غير متصل وليس العمل عليه. انتهي، انتهى من "العون".
(وإن لَمْ تكن) امرأته (أذنت) وأحللت (له) أي: لذلك الرجل الواطئ
стр. 7061
رَجَمْتُهُ.
===
للجارية .. (رجمته) أي: حكمت عليه الرجم فرجم؛ لأنه محصن، وحد المحصن الرجم.
وفي رواية أبي داوود زيادة: (فجلده) أي: جلد النعمان ذلك الرجل (مئة) جلدة تعزيرًا؛ لشبهة إذن امرأته له.
وفي أبي داوود أيضًا زيادة: (قال قتادة: كتبت إلى حبيب بن سالم) بعدما حدثني هذا الحديث خالد بن عرفطة عنه، فكتب حبيب بن سالم إليَّ - بتشديد الياء - بهذا الحديث، فصار الحديث عنده من حبيب بن سالم حينئذ بغير واسطة، فصار الحديث موصولًا لا منقطعًا. انتهى من "العون".
وقد اختلف أهل العلم في الرجل يقع على جارية امرأته: فقال الترمذي: روي عن غير واحد من الصحابة؛ منهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابن عمر أن عليه الرجم، وقال ابن مسعود: ليس عليه حد، ولكن يعزر، وذهب أحمد وإسحاق إلى ما رواه النعمان بن بشير. انتهى.
قال الشوكاني: وهذا هو الراجح؛ لأن الحديث وإن كان المقال فيه، فأقل أحواله أن يكون شبهة يدرأ بها الحد.
والحاصل: أن النعمان ما حد الرجل الواقع على جارية امرأته؛ لأن حده الرجم، فدفع الحد بشبهة إذن امرأته في وطئها، ففعل النعمان التعزير بجلده مئة مرّة، فالحديث من باب درء الحدود بالشبهات، وله شاهد من حديث عائشة رواه الترمذي في "الجامع" مرفوعًا وموقوفًا بلفظ: (ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحدود، باب الرجل يزني بجارية امرأته، والترمذي في كتاب الحدود، باب الرجل يقع على
стр. 7062
(١٩) - ٢٥١٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ
===
جارية امرأته، والنسائي في كتاب النِّكَاح، باب إحلال الفرج.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف؛ لانقطاع سنده؛ لأن قتادة لَمْ يسمع من حبيب بن سالم، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث: ضعيف السند والمتن (١)(٢٧٠)، كذا قيل.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث سلمة بن المحبَّق رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٩) - ٢٥١٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد السلام بن حرب) بن سلم النهدي - بالنون - الملائي - بضم الميم وتخفيف اللام - أبو بكر الكوفي، ثقةٌ حافظ له مناكير، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن حسان) الأزدي القردوسي - بالقاف وضم الدال - أبي عبد الله البصري، ثقةٌ من أثبت الناس في ابن سيرين، وفي روايته عن الحسن وعطاء مقال؛ لأنه قيل: كان يرسل عنهما، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقةٌ فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سلمة بن المحبَّق) - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وبعدها باء
стр. 7063
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ وَطِئَ جَارِيَةَ امْرَأَتِهِ فَلَمْ يَحُدَّهُ.
===
موحدة مشددة مفتوحة، ومن أهل اللغة من يكسرها - والمحبق لقب له، واسمه صخر بن عبيد، قاله في "النيل"، وقيل: هو ابن ربيعة بن صخر الهذلي أبو سنان الصحابي المعروف، سكن البصرة رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن الحسن لَمْ يسمع من سلمة بن المحبق؛ لأنه سمع من قبيصة بن حريث، وقبيصة بن حريث غير معروف، لا يحدث عنه غير الحسن، والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي هذا الحديث ممن سمع، وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وقال ابن المنذر: لا يثبت حديث سلمة بن المحبق، فلا يحتج به.
(أن رسول الله ﷺ رفع إليه رجل وطئ جارية امرأته، فلم يحده).
قال السندي: قوله: (فلم يحده) كأنه ما حده؛ لوجود الشبهة المسقطة للحد، ولا يلزم منه ترك التعزير. انتهى.
قال الخطابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء يقول به، وخليق أن يكون منسوخًا، وقال البيهقي في "سننه": حصول الإجماع من فقهاء الأمصار بعد التابعين على ترك القول به دليل على أنه إن ثبت .. صار منسوخًا بما ورد من الأخبار الواردة في الحدود، ثم أخرج عن أشعث قال: قد بلغني أن هذا الحديث كان قبل مشروعية الحدود، والله أعلم، كذا في "فتح الودود".
стр. 7064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف متنًا وسندًا (٢)(٢٧١)؛ لمخالفته الأحاديث الواردة، وغرضه: الاستئناس به للترجمة؛ كسابقه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين ضعيفين، غرضه من ذكرهما: الاستئناس للترجمة.
والله أعلم
стр. 7065
(٩) - (٨٦٩) - بَابُ الرَّجْمِ
(٢٠) - ٢٥١١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ:
===
(٩) - (٨٦٩) - (باب الرجم)
(٢٠) - ٢٥١١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، وقيل: ثمان، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(قال) ابن عباس: (قال عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وفيه رواية صحابي عن صحابي.
أي: قال عمر وهو واقف على منبر رسول الله ﷺ خطيبًا: والله (لقد خشيت) وخفت (أن يطول بالناس زمان) ويتطاول عليهم دهور (حتى يقول قائل) منهم؛ أي: من الملاحدة، وقد وقع ما خشيه عمر بعده لقومٍ من الخوارجِ والنَّظَّامِ من المعتزلة؛ فإنهم أنكروا الرجم، فهم ضالون بشهادة عمر ﵁، وهذا من الحق الذي أجرى الله تعالى على لسان عمر وقلبه،
стр. 7066
مَا أَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ، أَلَا وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ إِذَا أُحْصِنَ الرَّجُلُ وَقَامَتِ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ حَمْلٌ
===
ومما يدلُّ على أنه كان محدثًا بكثير مما غاب عنه بشهادة الرسول ﷺ له بذلك، كما ورد في "الصحيحين".
أي: حتى يقول ذلك القائل: (ما أجد) أنا (الرجم) أي: فريضته (في كتاب الله) تعالى وما أنزل في القرآن (فيضلوا) أي: فيترك الناس الرجم اقتداءً بذلك القائل، فيضلوا عن الحق (بترك فريضة من فرائض الله) تعالى فرضها عليهم (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم أيها الناس (وإن الرجم) أي: وإن قتل الزاني المحصن بالحجارة (حق) أي: ثابت يعمل به إلى يوم القيامة واجب على من زنى (إذا أحصن الرجل) وعف من الزنا بالوطء في نكاح صحيح ولو مرّة، وكذا المرأة إذا أحصنت (وقامت البينة) على زناهما بإخبار أربعة شهود على زناهما من الرجال العدولِ المُؤدِّين للشهادة في فور واحد، الذين يصفون رؤية فرجه في فرجها؛ كالمرود في المكحلة، المقيمين على شهادتهم إلى أن يقام الحد على ما هو معروف في كتب الفقه.
(أو كان) ووجد (حمل) في خصوص المرأة؛ يعني به: أن يظهر الحمل بامرأة لا زوج لها ولا سيد.
قال النووي: وجوب الحد بمجرد الحمل مذهب عمر رضي الله تعالى عنه، وتابَعَه مالك وأصحابه، فقالوا: إذا حبلت ولم يعلم لها زوج ولا سيد ولا عرفْنا إكراهها .. لزمها الحد، إلَّا أن تكون غريبةً طارئةً وتدعي أنه من زوج أو سيد، قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه إذا لَمْ تقم بذالك مستغيثة عند الإكراه قبل ظهور الحمل.
وقال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء: لا حد عليها بمجرد الحبل،
стр. 7067
أَوِ اعْتِرَافٌ، وَقَدْ قَرَأْتُهَا: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا .. فَارْجُمُوهُمَا أَلْبَتَّةَ) رَجَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ.
===
سواء كان لها زوج أو سيد أو لا، وسواء الغريبة وغيرها، وسواء ادعت الإكراه أم سكتت، فلا حد عليها مطلقًا، إلَّا ببينة أو اعتراف؛ لأن الحدود تسقط بالشبهات.
(أو) كان (اعتراف) أي: إقرار من الزاني بالزنا على نَفْسِهِ، واختلفوا فيه؛ هل يكفي فيه مرّة واحدة أم لا؟ فقال أبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وموافقوهما: إن الإقرار بالزنا لا يثبت حتى يقر أربع مرات، واحتجوا بحديث ماعز؛ لأن النبي ﷺ أعرض عنه حتى أقر أربع مرات، وقال مالك والشافعي وآخرون: يثبت الإقرار به بمرة واحدة ويرجم، واحتجوا بقوله ﷺ : "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت .. فارجمها" ولم يشترط عددًا، وحديث الغامدية ليس فيه أيضًا إقرارها أربع مرات، واشترط ابن أبي ليلى وغيره من العلماء إقراره أربع مرات في أربع مجالس. انتهى "نووي" بتصرف.
وقال عمر في خطبته: (إن الله قد بعث محمدًا ﷺ بـ) الدين (الحق) المستقيم (وأنزل عليه الكتاب) العزيز والقرآن الكريم (فكان مما أنزل عليه) ﷺ (آية الرجم).
(وقد قرأتها) أي: قد قرأت ألفاظ تلك الآية بلساني، ووعيتها؛ أي: حفظت ألفاظها عن ظهر قلبي، وعقلتها؛ أي: عرفت معناها وحققته؛ يعني بها قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا .. فارجموهما ألبتة) أي: رجمًا ألبتة؛ أي: قطعيًّا لا هوادة فيه، فهذه الآية مما نسخ لفظه وبقي حكمه، فـ (رجم) بها (رسول الله ﷺ المحصن والمحصنة في حياته (ورجمنا) نحن بها معاشر الخلفاء (بعده) أي: بعد وفاته ﷺ ؛ يعني:
стр. 7068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نفسه وأبا بكر رضي الله تعالى عنهما، وهذا نص من عمر رضي الله تعالى عنه أن هذا كان قرآنًا يتلى، وفي آخره ما يدلُّ على أنه نسخ كونها من القرآن وبقي حكمها معمولًا به؛ وهو الرجم.
وقال ذلك عمر بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وفي مركز الوحي، وشاعت هذه الخُطبة في المسلمين، وتناقَلَها الرُّكْبَان، ولم يسمع في الصحابة ولا فيمن بعدهم من أنكر شيئًا مما قاله عمر، ولا راجعه لا في حياته ولا بعد وفاته، فكان ذلك إجماعًا منهم على صحة هذا النوع من النسخ؛ وهو نسخ التلاوة مع بقاء المعني، ولا يلتفت إلى خلاف مَن تأخَّر زمانه، وقَلَّ علمه، وكثُر جداله في ذلك.
وقد بينا في الأصول أن النسخ على ثلاثة أضرب:
١ - نسخ التلاوة والحكم؛ كآية عشر رضعات يحرمن.
٢ - نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؛ كما هنا.
٣ - ونسخ الحكم مع بقاء التلاوة؛ كآية الحول في العدة. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المظالم، باب ما جاء في السقائف، ومسلم في كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في الرجم، والترمذي في كتاب الحدود، باب في تحقيق الرجم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 7069
(٢١) - ٢٥١٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢١) - ٢٥١٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عباد بن العوام) بن عمر الكلابي مولاهم، أبو سهل الواسطي، ثقةٌ، من الثامنة، مات سنة خمس وثمانين ومئة (١٨٥ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرَّحمن بن عوف الزهري المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (جاء ماعز بن مالك) الأسلمي ﵁.
وكان في قصته ما أخرجه أحمد في "مسنده" (٥/ ٢١٧) عن نعيم بن هَزَّال قال: إن هزالًا كان استأجر ماعز بن مالك، وكانت له جارية يقال لها: فاطمة، قد أُملكت - بالبناء للمجهول - أي: أَمْلكَتْ أَمْرَها؛ يعني: طُلقت من زوجها - كذا في "الفتح الرباني" - وكانت ترعى غنمًا لهم، وإن ماعزًا وقع عليها، فأخبر هزالًا، فخدعه، فقال: انطلق إلى رسول الله ﷺ فأخبره، عسى أن ينزل فيك قرآن ... إلى آخره؛ وسنده جيد.
стр. 7070
إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى أَقَرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ،
===
وأخرج ابن سعد في "طبقاته" (٤/ ٣٢٤) من طريق الواقدي عن هزال قال: كان أبو ماعز قد أَوْصَى إليَّ ابنَه ماعزًا، وكان في حجري أَكْفُلُه بأحسنِ ما يَكْفُلُ به أحدٌ أحدًا، فجاءني يومًا، فقال لي: إني كنتُ أَطْلُبُ مُهيرةً امرأةً كنتُ أَعْرِفُها حتى نلت منها الآن ما كنت أريد، ثم ندمت على ما أتيت، فما رأيك؟ فأمره أن يأتي رسول الله ﷺ فيخبره ... إلى آخره.
أي: فجاء ماعز (إلى النبي ﷺ فناداه (فقال) له: (إني زنيت) يا رسول الله؛ أي: وطئت فرجًا محرمًا عليَّ بلا شبهة (فأعرض عنه) النبي ﷺ بوجهه الشريف من جانب إلى الجانب الآخر (ثم) تنحى ماعز بن مالك؛ أي: تحول تلقاء وجهه ﷺ ؛ أي: تحول من الجانب الذي أعرض عنه النبي ﷺ إلى الجانب الذي أقبل إليه النبي ﷺ ، فـ (قال) له: (إني قد زنيت) يا رسول الله.
(فأعرض عنه) النبي ﷺ إلى الجانب الأول (ثم) تحول ماعز إلى الجانب الثاني، فـ (قال) مرّة ثالثة: (إني قد زنيت، فأعرض عنه) النبي ﷺ إلى الجانب الأول (ثم) تحول ماعز إلى ذلك الجانب، فـ (قال) ماعز مرّة رابعة: (قد زنيت، فأعرض عنه) النبي ﷺ ، فقال ماعز للنبي ﷺ : إني زنيت (حتى) كرر عليه هذا القول و (أقر أربع مرات).
قال السندي: ظاهره دليل لمن يشترط في الإقرار التَّكْرير أربع مرات؛ كما قاله علماؤُنا الحنفية، كلّ مرّة يعرض عنه النبي ﷺ ، ففيه
стр. 7071
فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الْحِجَارَةُ .. أَدْبَرَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ بِيَدِهِ لَحْيُ جَمَل فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِرَارُهُ حِينَ مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ قَالَ: "فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ".
===
تعريض للمُقرِّ بالزنا أن يرجع من إقراره، ويُقبَلُ رجوعه بلا خلاف.
(فـ) لما أقر بأربع مرات (أمر) النبي ﷺ (به) أي: برجمه.
وقوله: (أن يرجم) بدل من ضمير (به)، بدل كلّ من كلّ بتأويله بمصدر، فقال: النبي ﷺ لمن عنده: " اذهبوا به فارجموه" كما في رواية مسلم؛ أي: فارجموه حتى يموت، وفي هذا جواز استنابة الإمام مَن يُقِيمُ الحدُّ، قال العلماء: لا يستوفي الحدَّ إلَّا الإمامُ أو مَن فَوَّض ذلك إليه، وفيه دليل على أنه يكفي الرجم ولا يجلد معه. انتهى "نووي".
(فلما) ذهبوا به فرجموه و (أصابته الحجارة) التي يرمى بها وأضعفته .. (أدبر) الجماعة الذين يرمونه وجعل دبره وظهره إليهم وهرب عنهم حالة كونه (يشتد) في هربه؛ أي: يعدو ويسرع في الفرار عنهم (فلقيه) أي: لقي ماعزًا في قُبالته حين هروبه من القوم؛ أي: استقبله (رجل بيده لَحي جَمل) أي: عَظْمُ جمل؛ واللحي - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة -: عظمه الذي ينبت عليه الأسنان السفلى، والجمل ذكر الإبل (فضربه) أي: فضرب ماعزًا ذلك الرجل باللحي (فصرعه) أي: فصرع ماعزًا، فأسقطه على الأرض.
(فذكر) وأخبر (للنبي ﷺ فراره) وهروبه (حين مسته الحجارة) وآلمته فـ (ـقال) النبي ﷺ لمن رجموه: ("فهلا تركتموه") أي: لولا تركتموه فلم تقتلوه حين شرد، (وهلا) هنا: للعرض؛ وهو الطلب برفق ولين، وفي هذا دليل: لمن يقول إن من ثبت عليه الحد بالإقرار إذا هرب .. يُترك.
стр. 7072
(٢٢) - ٢٥١٣ - (٣) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة، ومسلم في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف، والنسائي في كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على المرجوم.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بن الخطاب بحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٢) - ٢٥١٣ - (٣) (حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلم، صدوق يخطئ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي أبو العباس الدمشقي، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عمرو) عبد الرَّحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقةٌ ثبت لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين
стр. 7073
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أمْرَأَةً
===
وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر البصري، ثقةٌ فاضل كثير الإرسال، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل: بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي المهاجر) عن عمران بن حصين، هذا وهم من الأوزاعي، صوابه: (عن أبي المهلب) الجرمي البصري عم أبي قلابة، اسمه عمرو أو عبد الرَّحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقةٌ، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(عن عمران بن الحصين) بن عُبيد بن خَلَف الخزاعي أبي نُجيد - بنون وجيم مصغرًا - أسلم عام خيبر وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، مات سنة اثنتين وخمسين (٥٢ هـ) بالبصرة، رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن امرأة) من جهينة - مصغرًا - اسمها سبيعة، وقيل: أُبيَّةُ بنت فرج، اختلف العلماء في هذه المرأة؛ هل هي الغامدية أو هي غيرها؟ فالذي يظهر من صنيع أبي داوود رحمه الله تعالى أنَّها هي الغامدية؛ لأنه ترجم على أحاديث الغامدية بقوله: (باب المرأة التي أمر رسول الله ﷺ برجمها من جهينة)، ثم أتى فيه بأحاديث الجهنية والغامدية جميعًا، وقال: قال الغساني: جهينة وغامد وبارق واحد، وبه صرح صاحب "البذل" حيث قال: الجهنية هي المرأة التي تقدم ذكرها في الحديث المتقدم، وغامد بطن من جهينة. انتهى.
ولكن يظهر من كلام الحافظ في رجم الحبلى من "فتح الباري" (١٢/ ١٤٦)
стр. 7074
أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا
===
أنه مائل إلى تعدد المرأتين؛ حيث يقول: وجمع بين حديثي عمران وبريدة أن الجهنية كان لولدها من يرضعه، بخلاف الغامدية.
والظاهر هو القول الأول؛ يعني: اتحاد المرأتين؛ لأن قصة الحديثين واحدة، وأما ما ذكره الحافظ من الاختلاف بين حديثي عمران وبريدة .. فيمكن الجمع بينهما بأن بريدة ذكر الإرضاع، ولم يذكره عمران بن حصين اختصارًا، وبأن ذكر الإرضاع في حديث بريدة جاء من طريق بشير بن مهاجر، وقد قدمنا أنه ضعيف، فيحتمل أن يكون قد وهم في ذكر الإرضاع، والله أعلم. انتهى من "الكوكب".
(أتت النبي ﷺ ، فاعترفت) وأقرت (بالزنا) على نفسها، فقالت: يا نبي الله؛ إني أصبت حدًا فأقمه (فأمر) رسول الله ﷺ (بها) أي: بشد ثيابها عليها (فشكت) أي: شدت ولفت وجمعت (عليها ثيابها) لئلا تنكشف في تقلبها عند الرجم، قال القرطبي: قوله (فشكت عليها ثيابها) أي: جمع بعضها إلى بعض بشوك أو خيوط، ومنه المِشَكُّ؛ وهي الإبرة الكبيرة، وشكَكْتُ الصيد بالرمح؛ أي: نفَذْتُه بالرمح.
وقوله: (فشكت) بالبناء للمجهول؛ والشك: اللزوم واللصوق، وشك عليه الثوب؛ أي: جمع وزر بشوكة أو خلالة أو أرسل عليه، كذا في "تاج العروس" (٧/ ١٥١)، وقيل: معناه: أرسلت عليها ثيابها، قال النووي: هكذا في معظم النسخ: (فشكت)، وفي بعضها (فشدت) وهو بمعنى الأول؛ أي: ربطت عليها رباطًا قويًّا، وفي هذا استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها. انتهى.
واتفق العلماء على أنَّها لا ترجم إلَّا قاعدة، وأما الرجل .. فجمهورهم على
стр. 7075
ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا.
===
أنه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقال غيره: يخير الإمام بينهما.
(ثم رجمها) رسول الله ﷺ ؛ أي: أمر برجمها، فرجمت (ثم) بعد رجمها وغسلها وتكفينها (صلى عليها) رسول الله ﷺ صلاة الجنازة، وروى المؤلف هذا الحديث مختصرًا، وغيره مطولًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على من اعترف بالزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في المرأة التي أمر النبي ﷺ برجمها من جهينة، والترمذي في كتاب الحدود، باب منه، والنسائي في كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على المرجوم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم