فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَلَمَّا أَصَابَتْهُ الْحِجَارَةُ .. أَدْبَرَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ بِيَدِهِ لَحْيُ جَمَل فَضَرَبَهُ فَصَرَعَهُ، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِرَارُهُ حِينَ مَسَّتْهُ الْحِجَارَةُ قَالَ: "فَهَلَّا تَرَكْتُمُوهُ".
===
تعريض للمُقرِّ بالزنا أن يرجع من إقراره، ويُقبَلُ رجوعه بلا خلاف.
(فـ) لما أقر بأربع مرات (أمر) النبي ﷺ (به) أي: برجمه.
وقوله: (أن يرجم) بدل من ضمير (به)، بدل كلّ من كلّ بتأويله بمصدر، فقال: النبي ﷺ لمن عنده: " اذهبوا به فارجموه" كما في رواية مسلم؛ أي: فارجموه حتى يموت، وفي هذا جواز استنابة الإمام مَن يُقِيمُ الحدُّ، قال العلماء: لا يستوفي الحدَّ إلَّا الإمامُ أو مَن فَوَّض ذلك إليه، وفيه دليل على أنه يكفي الرجم ولا يجلد معه. انتهى "نووي".
(فلما) ذهبوا به فرجموه و (أصابته الحجارة) التي يرمى بها وأضعفته .. (أدبر) الجماعة الذين يرمونه وجعل دبره وظهره إليهم وهرب عنهم حالة كونه (يشتد) في هربه؛ أي: يعدو ويسرع في الفرار عنهم (فلقيه) أي: لقي ماعزًا في قُبالته حين هروبه من القوم؛ أي: استقبله (رجل بيده لَحي جَمل) أي: عَظْمُ جمل؛ واللحي - بفتح اللام وسكون الحاء المهملة -: عظمه الذي ينبت عليه الأسنان السفلى، والجمل ذكر الإبل (فضربه) أي: فضرب ماعزًا ذلك الرجل باللحي (فصرعه) أي: فصرع ماعزًا، فأسقطه على الأرض.
(فذكر) وأخبر (للنبي ﷺ فراره) وهروبه (حين مسته الحجارة) وآلمته فـ (ـقال) النبي ﷺ لمن رجموه: ("فهلا تركتموه") أي: لولا تركتموه فلم تقتلوه حين شرد، (وهلا) هنا: للعرض؛ وهو الطلب برفق ولين، وفي هذا دليل: لمن يقول إن من ثبت عليه الحد بالإقرار إذا هرب .. يُترك.
стр. 7072
(٢٢) - ٢٥١٣ - (٣) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحدود، باب لا يرجم المجنون والمجنونة، ومسلم في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنا، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف، والنسائي في كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على المرجوم.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بن الخطاب بحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٢) - ٢٥١٣ - (٣) (حدثنا العباس بن عثمان) بن محمد البجلي أبو الفضل (الدمشقي) المعلم، صدوق يخطئ، من كبار الحادية عشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي أبو العباس الدمشقي، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عمرو) عبد الرَّحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ جليل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
قال: (حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقةٌ ثبت لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين
стр. 7073
عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمُهَاجِرِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ أمْرَأَةً
===
وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر البصري، ثقةٌ فاضل كثير الإرسال، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل: بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي المهاجر) عن عمران بن حصين، هذا وهم من الأوزاعي، صوابه: (عن أبي المهلب) الجرمي البصري عم أبي قلابة، اسمه عمرو أو عبد الرَّحمن بن معاوية، أو ابن عمرو، وقيل: النضر، وقيل: معاوية، ثقةٌ، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(عن عمران بن الحصين) بن عُبيد بن خَلَف الخزاعي أبي نُجيد - بنون وجيم مصغرًا - أسلم عام خيبر وصحب، وكان فاضلًا، وقضى بالكوفة، مات سنة اثنتين وخمسين (٥٢ هـ) بالبصرة، رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن امرأة) من جهينة - مصغرًا - اسمها سبيعة، وقيل: أُبيَّةُ بنت فرج، اختلف العلماء في هذه المرأة؛ هل هي الغامدية أو هي غيرها؟ فالذي يظهر من صنيع أبي داوود رحمه الله تعالى أنَّها هي الغامدية؛ لأنه ترجم على أحاديث الغامدية بقوله: (باب المرأة التي أمر رسول الله ﷺ برجمها من جهينة)، ثم أتى فيه بأحاديث الجهنية والغامدية جميعًا، وقال: قال الغساني: جهينة وغامد وبارق واحد، وبه صرح صاحب "البذل" حيث قال: الجهنية هي المرأة التي تقدم ذكرها في الحديث المتقدم، وغامد بطن من جهينة. انتهى.
ولكن يظهر من كلام الحافظ في رجم الحبلى من "فتح الباري" (١٢/ ١٤٦)
стр. 7074
أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَاعْتَرَفَتْ بِالزِّنَا، فَأَمَرَ بِهَا فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا
===
أنه مائل إلى تعدد المرأتين؛ حيث يقول: وجمع بين حديثي عمران وبريدة أن الجهنية كان لولدها من يرضعه، بخلاف الغامدية.
والظاهر هو القول الأول؛ يعني: اتحاد المرأتين؛ لأن قصة الحديثين واحدة، وأما ما ذكره الحافظ من الاختلاف بين حديثي عمران وبريدة .. فيمكن الجمع بينهما بأن بريدة ذكر الإرضاع، ولم يذكره عمران بن حصين اختصارًا، وبأن ذكر الإرضاع في حديث بريدة جاء من طريق بشير بن مهاجر، وقد قدمنا أنه ضعيف، فيحتمل أن يكون قد وهم في ذكر الإرضاع، والله أعلم. انتهى من "الكوكب".
(أتت النبي ﷺ ، فاعترفت) وأقرت (بالزنا) على نفسها، فقالت: يا نبي الله؛ إني أصبت حدًا فأقمه (فأمر) رسول الله ﷺ (بها) أي: بشد ثيابها عليها (فشكت) أي: شدت ولفت وجمعت (عليها ثيابها) لئلا تنكشف في تقلبها عند الرجم، قال القرطبي: قوله (فشكت عليها ثيابها) أي: جمع بعضها إلى بعض بشوك أو خيوط، ومنه المِشَكُّ؛ وهي الإبرة الكبيرة، وشكَكْتُ الصيد بالرمح؛ أي: نفَذْتُه بالرمح.
وقوله: (فشكت) بالبناء للمجهول؛ والشك: اللزوم واللصوق، وشك عليه الثوب؛ أي: جمع وزر بشوكة أو خلالة أو أرسل عليه، كذا في "تاج العروس" (٧/ ١٥١)، وقيل: معناه: أرسلت عليها ثيابها، قال النووي: هكذا في معظم النسخ: (فشكت)، وفي بعضها (فشدت) وهو بمعنى الأول؛ أي: ربطت عليها رباطًا قويًّا، وفي هذا استحباب جمع ثيابها عليها وشدها بحيث لا تنكشف عورتها في تقلبها وتكرار اضطرابها. انتهى.
واتفق العلماء على أنَّها لا ترجم إلَّا قاعدة، وأما الرجل .. فجمهورهم على
стр. 7075
ثُمَّ رَجَمَهَا، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا.
===
أنه يرجم قائمًا، وقال مالك: قاعدًا، وقال غيره: يخير الإمام بينهما.
(ثم رجمها) رسول الله ﷺ ؛ أي: أمر برجمها، فرجمت (ثم) بعد رجمها وغسلها وتكفينها (صلى عليها) رسول الله ﷺ صلاة الجنازة، وروى المؤلف هذا الحديث مختصرًا، وغيره مطولًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحدود، باب إقامة الحد على من اعترف بالزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في المرأة التي أمر النبي ﷺ برجمها من جهينة، والترمذي في كتاب الحدود، باب منه، والنسائي في كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على المرجوم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7076
(١٠) - (٨٧٠) - بَابُ رَجْمِ الْيَهُودِيِّ وَالْيَهُودِيَّةِ
(٢٣) - ٢٥١٤ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَجَمَ يَهُودِيَّيْنِ
===
(١٠) - (٨٧٠) - (باب رجم اليهودي واليهودية)
(٢٣) - ٢٥١٤ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقةٌ ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ رجم يهوديين) الرجل والمرأة؛ أي: أمر المؤمنين برجمهما، ولم أر من ذكر اسم الرجل.
والمرأة اسمُها: سَبْرَةُ، فيما حكاه السهيلي في "الروضِ الأُنُفِ" (٣/ ٤٢) عن بعض أهل العلم، وكانا من أهل فدك، فيما أخرجه الحميدي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: زنى رجل من أهل فدك، فكتب بعض أَهْلِهِ إلى أناس من اليهود بالمدينة: أن سلوا محمدًا عن ذلك، فإن أمركم بالجلد .. فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم .. فلا تأخذوه.
стр. 7077
أَنَا فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ يَسْتُرُهَا مِنَ الْحِجَارَةِ.
===
قوله: (قد زنيا) صفة لليهوديين؛ أي: أمر الناس برجمهما.
قال ابن عمر: (أنا فيمن رجمهما) أي: اليهوديين؛ أي: كنت في جملة من رجمهما يومئذ (فـ) والله (لقد رأيته) أي: رأيت الرجل (و) الحال (إنه) أي: الرجل الزاني (يسترها) أي: يستر المرأة المزنية ويَقِيهَا (من الحجارة) التي تُرْمَى إليهما من جميع الجهات؛ لكمال مودته لها، وهذا يشعر أيضًا بعدم الحفر في الرجم؛ إذ لو كان محفورًا .. لما كان متمكنًا من ذلك؛ أي: من وقايتها من الحجارة.
قوله: (أنه ﷺ رجم يهوديين) أي: بعد إقرارهما، وبه قد تمسك من لَمْ يشترط الإسلام في الإحصان.
وأجاب من اشترطه فيه بأن رجم اليهوديين إنما كان بحكم التوراة، وليس هو من حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، وأن في التوراة الرجم على الزاني المحصن وغير المحصن، ذكره في "الفتح".
وظاهر الحديث رجم الكفرة، ومن لا يقول به .. يعتذر بأن حكمه ﷺ عليهم كان بالتوراة.
قلت: فيجب علينا اتباعه ﷺ في الحكم عليهم بالتوراة بالرجم، على أن هذا مستبعد، بل ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ﴾ (١) .. ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ... ﴾ الآية (٢) يقتضي أنه يجب عليه الحكم بينهم بشريعته ﷺ ، وأما أمرهم بإحضار
стр. 7078
(٢٤) - ٢٥١٥ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ،
===
التوراة .. فكان إلزامًا لهم، وقيل: ذلك في أول الأمر قبل نزول الحدود، ثم نزلت الحدود فنسخ، وهذا غير بعيد بالنظر إلى الأحاديث. انتهى "سندي".
فقد أخرج المؤلف هذا الحديث مختصرًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحدود، ومسلم كذلك وأبو داوود كذلك، والترمذي كذلك.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٤) - ٢٥١٥ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي، نسيب السدي أو ابن بنته، أو ابن أخته، صدوق يخطئ رمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (د، ق)، قال في "التهذيب": وثقه ابن حبان، ولكنه يخطئ، وقال الآجري عن أبي داوود: صدوق في الحديث، وإنما أنكروا عليه الغلو في التشيع، فحديثه صحيح.
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي، صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سماك بن حرب) بن أوس بن خالد الذهلي الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 7079
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ رَجَمَ يَهُودِيًّا وَيَهُودِيَّةً.
(٢٥) - ٢٥١٦ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
(عن جابر بن سمرة) بن جنادة السوائي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، مات بالكوفة بعد سنة سبعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن أو الصحة.
(أن النبي ﷺ رجم يهوديًا ويهودية) زنيا؛ أي: حكم عليهما بالرجم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحدود، باب رجم أهل الكتاب، قال: وفي الباب عن ابن عمر والبراء وجابر بن عبد الله وابن أبي أوفى وعبد الله بن الحارث بن جزء وابن عباس.
قال أبو عيسى: حديث جابر بن سمرة حديث حسن غريب، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم؛ قالوا: إذا اختصم أهل الكتاب وترافعوا إلى حكام المسلمين .. حكموا بينهم بالكتاب والسنة وبأحكام المسلمين، وهو قول أحمد وإسحاق، وقال بعضهم: لا يقام عليهم الحد في الزنا، والقول الأول هو الأصح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله، وله شواهد؛ كما بيناها آنفًا، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٥) - ٢٥١٦ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 7080
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ، فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: "هكَذَا
===
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ ثبت، من كبار التاسعة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في غيره، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) ثقةٌ، من الخامسة، ولكنه يدلس، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن مرّة) الهمداني الخارفي - بمعجمة وراء وفاء - الكوفي، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل قبلها. روى عن: البراء، وابن عمر، ومسروق، ويروي عنه: (ع)، والأعمش، ومنصور.
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدةً، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) البراء: (مرَّ النبيُّ ﷺ - بضم الميم على البناء للمجهول - أي: مرت اليهود على النبي ﷺ (بيهودي) زنى (محمم) أي: ملطخ مسود وجهُه بالحُمَمِ؛ أي: بالفحم؛ من الحميم؛ وهو التسويد بالحمم - بضم الحاء وفتح الميم - ومن العلماء من فسره بصب الماء الحار على وجهه.
(مجلود) أي: مضروب جلد الحد (فدعاهم) أي: دعا اليهود رسول الله ﷺ (فقال) لهم: (هكذا) أي: مثل هذا الذي فعلتموه
стр. 7081
تَجِدُونَ فِي كِتَابِكُمْ حَدَّ الزَّانِي؟ ! "، قَالُوا: نَعَمْ، فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ: "أَنْشُدُكَ بِاللهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى؛ أَهكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي؟ "، قَالَ: لَا، وَلَوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي .. لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ، وَلكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا الرَّجْمُ، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا
===
بصاحبكم (تجدون في كتابكم) التوراة (حد الزاني؟ ! قالوا) أي: قالت اليهود في جواب سؤال النبي ﷺ : (نعم) هكذا وجدناه في كتابنا (فدعا) رسول الله ﷺ (رجلًا من علمائهم) وهو عبد الله بن صوريا.
(فقال) رسول الله ﷺ لذلك الرجل: (أنشدك) أي: أسألك (بالله الذي أنزل التوراة على موسى، أهكذا) أي: أمثل ما فعلتموه بصاحبكم هذا (تجدون حد الزاني) في التوراة؟ ! الهمزة فيه للاستفهام الإنكاري داخلة على محذوف؛ أي: أتجدون حد الزنا هكذا؛ أي: مثل ما فعلتم بصاحبكم من التحميم والجلد في كتابكم.
قال النووي: قال العلماء: هذا السؤال ليس لتقليدهم ولا لمعرفة الحكم منهم، وإنما هو لإلزامهم بما يعتقدونه في كتبهم، ولعله ﷺ قد أوحي إليه أن الرجم في التوراة الموجودة في أيديهم لَمْ يغيروه، أو أخبره من أسلم منهم.
(قال) الرجل في جواب سؤال النبي ﷺ : (لا) نجد حد الزنا في التوراة هكذا (ولولا أنك) يا محمد (نشدتني) بهذا الاسم، أي: لولا سؤالك إياي بالإله الذي أنزل التوراة على موسى ... (لَمْ أخبرك) بما في التوراة من حد الزنا، بلى إنجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه) أي: ولكن الشأن (كثر في أشرافنا) بسبب زناهم (الرجم) لهم (فكنا إذا أخذنا
стр. 7082
الشَّرِيفَ .. تَرَكْنَاهُ، وَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ .. أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ عَلَى شَيءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ، فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَانَ الرَّجْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ
===
الشريف) منا بالزنا .. (تركناه) أي: تركنا إقامة الحد عليه (وإذا أخذنا الضعيف) منا بالزنا وهو ضد الشريف .. (أقمنا عليه الحد) أي: حد الزنا؛ وهو الرجم.
(فقلنا) فيما بيننا؛ أي: قال بعضنا لبعض: (تعالوا) أي: أقبلوا واحضروا (فلنجتمع على شيء نقيمه) أي: فلنتفق على شيء نقيمه في حد الزنا (على) كلّ من (الشريف) منا (والوضيع) منا؛ وهو ضد الشريف (فاجتمعنا على التحميم والجلد) أي: اتفقنا عليهما، وجعلنا التحميم؛ أي: تسويد الوجه بالفحم؛ أي: فاتفقنا على جعل التحميم والجلد (مكان الرجم) الذي أنزل في التوراة.
(فقال النبي ﷺ : اللهم) أصله: يا الله، حذفت يا النداء وعوض عنها الميم المشددة (إني أول من أحيا) وسن (أمرك) أي: شرعك؛ أي: أول من عمل العمل الذي أمرتنا به (إذ أماتوه) أي: إذ أمات اليهود أمرك وشرعك وتركوا العمل به؛ أي: في الوقت الذي أماتت اليهود فيه أمرك وأسقطوه عن العمل به.
وفي هذا دلالة على أمرين؛ الأول: أن رجم اليهوديين أول واقعات الرجم على عهد رسول الله ﷺ ، وقد صرح به أبو هريرة فيما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" (٧/ ٣١٦) قال: أول مرجوم رجمه رسول الله ﷺ من اليهود.
стр. 7083
وَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ".
===
والثاني: أن النبي ﷺ رجم اليهوديين بحكم شريعته لا بحكم التوراة المنسوخ. انتهى من "التكملة".
(وأمر) رسول الله ﷺ (به) أي: برجم اليهودي وقتله بالحجارة (فرجم) اليهودي مع مزنيته؛ كما صرح به في حديث ابن عمر السابق، وفي هذا الحديث اختصار في رواية ابن ماجة، وقد رواه مسلم مبسوطًا بتمامه، فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحدود، باب وجوب رجم اليهود أهل الذِّمة في الزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين، والنسائي في "الكبرى".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7084
(١١) - (٨٧١) - بَابُ مَنْ أَظْهَرَ الْفَاحِشَةَ
(٢٦) - ٢٥١٧ - (١) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ،
===
(١١) - (٨٧١) - (باب من أظهر الفاحشة)
(٢٦) - ٢٥١٧ - (١) (حدثنا العباس بن الوليد) بن صبح - بضم المهملة وسكون الموحدة - الخلال - بالمعجمة وتشديد اللام - (الدمشقي) السلمي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد) الخزاعي أبو عبد الله الدمشقي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري، ثقةٌ عالم مشهور، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري أبي بكر مولى بني كنانة أو أمية، قيل: اسم أبيه يسار - بتحتانية ومهملة - ثقةٌ، وقيل عن أحمد: إنه لينه، وكان فقيهًا عابدًا، قال أبو حاتم: هو مثل يزيد بن أبي حبيب، من الخامسة، مات سنة اثنتين، وقيل: أربع، وقيل: خمس، وقيل: ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأسود) محمد بن عبد الرَّحمن بن نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزى الأسدي المدني، يتيم عروة بن الزبير، ثقةٌ، من السادسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7085
عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .. لَرَجَمْتُ فُلَانَةَ؛ فَقَدْ ظَهَرَ مِنْهَا الرِّيبَةُ فِي مَنْطِقِهَا وَهَيْئَتِهَا وَمَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا".
===
(عن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : لو كنت راجمًا أحدًا) أي: قاتلًا بالحجارة؟ أي: لو أمكن وجوز لي قتل أحد من الناس (بغير بينة) تشهد على زناها ولا إقرار منها بالزنا على نفسها؛ أي: لو شرع لي الرجم بسوء الظن بها؛ لوجود أمارات السوء فيها ... (لرجمت فلانة) لَمْ أر من ذكر اسمها؛ أي: لحكمت عليها بالرجم؛ لوجود أمارات السوء فيها؛ (فقد ظهر) أي: لأنه قد ظهر (منها الريبة) أي: أمارات الشك والظن بالسوء بها (في منطقها) أي: كلامها وتحدثها مع الرجال؛ لأنَّها حلو اللسان (و) في (هيئتها) وصفاتها من التزين والخضاب والبروز.
وقوله: (ومن يدخل عليها) معطوف على فلانة؛ أي: لرجمت فلانة ومن يدخل عليها في حال خلوتها؛ لوجود أمارة السوء فيه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا؛ وهو فيما بعده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 7086
(٢٧) - ٢٥١٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: ذَكَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمُتَلَاعِنَيْنِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ شَدَّادٍ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ لَهَا
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس هذا بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٧) - ٢٥١٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا سفيان) بن عيينة، ثقةٌ فقيه، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ) يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان القرشي مولاهم أبي عبد الرَّحمن المدني، ثقةٌ فقيه، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقةٌ أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) القاسم: (ذكر ابن عباس) شأن (المتلاعنين) الرجل والمرأة اللذين تلاعنا في عهد رسول الله ﷺ ؛ أي: ذكر قصتهما وخبرهما لمن عنده في ذلك المجلس، ولم أر من ذكر اسم المتلاعنين (فقال له) أي: لابن عباس عبد الله (بن شداد) بن الهاد، وهو فاعل قال؛ أي: قال ابن شداد لابن عباس في ذلك المجلس: (أهي) أي: هل هذه المرأة التي ذكرت لعانها مع زوجها هي المرأة (التي قال لها) أي: في شأنها أو لأجلها
стр. 7087
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ .. لَرَجَمْتُهَا"؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تِلْكَ امْرَأَةٌ أَعْلَنَتْ.
===
(رسول الله ﷺ : لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة) تشهد عليها ولا بغير إقرار منها على نفسها .. (لرجمتها) أي: لرجمت هذه المرأة؟ ولا يخفى أن إشارته ﷺ كانت إلى امرأةٍ معينة يعرفها الجميع، ولم أر من ذكر اسمها.
(فقال ابن عباس) للرجل السائل له عن المرأة التي قال فيها الرسول ﷺ ذلك: لا؛ أي: ليست هذه التي ذكرتها لكم هي التي قال فيها الرسول ﷺ : لو رجمت أحدًا بغير بينة .. لرجمتها، بل (تلك) أي: بل التي قال فيها الرسول ذلك الكلام (امرأة أعلنت) وأظهرت الزنا.
وفي رواية" مسلم" مع "شرحه" زيادة: "بل" (تلك) التي قال فيها الرسول ﷺ ذلك (امرأة كانت تظهر) وتعلن (في الإسلام السوء) أي: الفاحشة، لكن لَمْ تعترف ولا أقيمت عليها بينة تشهد عليها بالسوء والفاحشة فيقام عليها الحد.
قال النووي: قوله: "لو رجمت أحدًا ... " إلى آخره، معنى هذا الحديث: أنه اشتهر وشاع عنها الفاحشة، ولكن لَمْ تثبت بينة تشهد عليها، ولم يوجد اعتراف منها بالزنا فيقام عليها الحد؛ ففيه أنه لا يقام الحد بمجرد الشيوع والقرائن، بل لا بد من بينة أو اعتراف. انتهى منه.
قوله: (تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) أي: تظهر عليها قرائن تدل على أنَّها بغي تتعاطى الفاحشة، ولكن لَمْ يثبت عليها سبب شرعي من إقرار أو بينة أو حمل يوجب عليها الحد، وقطع الأنساب لا يعتبر فيه إلَّا اليقين. انتهى من "الأبي".
стр. 7088
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحدود، باب من أظهر الفاحشة، ومسلم في كتاب اللعان، وأحمد في "المسند"، والطبراني والحميدي والنسائي وسعيد بن منصور.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: حديثان:
الأول للاستدلال، والآخر للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7089
(١٢) - (٨٧٢) - بَابُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ
(٢٨) - ٢٥١٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(١٢) - (٨٧٢) - (باب من عمل عمل قوم لوط)
(٢٨) - ٢٥١٩ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(وأبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير الباهلي البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي الجهني مولاهم المدني صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن أبي عمرو) ميسرة مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي المدني أبي عثمان المدني، ثقةٌ ربما وهم، من الخامسة، مات بعد الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس أبي عبد الله البربري المكي، ثقةٌ ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 7090
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ .. فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ".
===
(أن رسول الله ﷺ قال: من وجدتموه) وعلمتموه أنه (يعمل عمل قوم لوط) وهو اللواطة، سواء كان في دبر الرجال أو النساء .. (فاقتلوا الفاعل) الواطئ (والمفعول به) أي: الموطوء، والمراد من عمل قوم لوط: اللواطة.
وفي "شرح السنة": اختلفوا في حد اللوطي: فذهب الشافعي في أظهر قوليه وأبو يوسف ومحمد إلى أن حد الفاعل حد الزنا؛ أي: إن كان محصنا يرجم، وإن لَمْ يكن محصنًا يجلد مئة، وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مئة وتغريب عام رجلًا كان أو امرأة، محصنًا أو غير محصن، وبه قال مالك وأحمد، والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به؛ كما هو ظاهر الحديث، وقد قيل في كيفية قتلهما: هدم بناء عليهما، وقيل: رميهما من شاهق؛ كما فُعِلَ بِقَوْمِ لوطٍ، وعند أبي حنيفة يعزر ولا يحد. انتهي، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحدود، باب من عمل عمل قوم لوط، والترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللواط، والنسائي في الحدود، ولفظه: "لعن الله من عمل عمل قوم لوط" أخرجه بلفظ اللعنة من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، وقال: عَمْرٌ وليس بالقوي، هذا آخر كلامه.
وقد احتج به البخاري ومسلم، وروى عنه الإمام مالك، وتكلم فيه غير واحد، وقال يحيى بن معين: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب المخزومي المدني، ثقةٌ.
стр. 7091
(٢٩) - ٢٥٢٠ - (٢) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ،
===
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط .. فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن وجدتموه يأتي بهيمةً .. فاقتلوه واقتلوا البهيمة معه" وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد في ذكر البهيمة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٩) - ٢٥٢٠ - (٢) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري، ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(أخبرني عبد الله بن نافع) ابن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني، ثقةٌ صحيح الكتاب في حفظه لين، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(أخبرني عاصم بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أبو عمر المدني، قال أحمد وابن معين وأبو حاتم: ضعيف، وقال في "التقريب": ضعيف، من السابعة، وهو أخو عبيد الله العمري. يروي عنه: (ت ق). وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ ويخالف، وذكره أيضًا في "الضعفاء" فقال: منكر الحديث جدًّا. يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث
стр. 7092
عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ: "قَالَ ارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ، ارْجُمُوهُمَا جَمِيعًا".
===
الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به إلَّا فيما وافق فيه الأثبات، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح - يعني: المصري -: أربعة إخوة ثقات؛ عبد الله، وعبيد الله، وعاصم، وأبو بكر بن عمر بن حفص بن عاصم، وقال ابن عدي بعد أن أورد له عدة أحاديث: أحاديثه حسان، ومع ضعفه يكتب حديثه، فتحصل لنا مما ذكرناه أن عاصم بن عمر مختلف فيه، فحديثه حسن.
(عن سهيل) بن أبي صالح ذكوان السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه، عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عاصم بن عمر، فهو مختلف فيه.
(عن النبي ﷺ في الذي يعمل عمل قوم لوط) يعني: اللواطة (قال) النبي ﷺ : (ارجموا الأعلى) أي: الواطئ (والأسفل) أي: الموطوء، وقوله: (ارجموهما جميعًا) توكيد لفظي لما قبله.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في "سننه" في كتاب النِّكَاح، باب في جامع النِّكَاح من حديث أبي هريرة بلفظ: (ملعون من أتى امرأته في دبرها)، وله شاهد من حديث ابن عباس المذكور قبله، رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجة، ورواه الحاكم في "المستدرك".
стр. 7093
(٣٠) - ٢٥٢١ - (٣) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، ولأن له شاهدًا من الحديث المذكور قبله، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث جابر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٠) - ٢٥٢١ - (٣) (حدثنا أزهر بن مروان) الرقاشي - بتخفيف القاف والشين المعجمة - النواء - بنون وواو مشددة - لقبه فريخ - بالخاء المعجمة مصغرًا - صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا عبد الوارث) الكبير (بن سعيد) بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري - بفتح المثناة وتشديد النون - البصري، ثقةٌ ثبت رمي بالقدر ولم يثبت عنه، من الثامنة، مات سنة ثمانين ومئة (١٨٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا القاسم بن عبد الواحد) بن أيمن المكي مولى بني مخزوم، مقبول، من السابعة. يروي عنه: (ت س ق).
(عن عبد الله بن محمد بن عقيل) بن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني، أمه زينب بنت علي، صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير بأخرة، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنهما.
стр. 7094
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو لين الحديث.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : إن أخوف ما أخاف على أمتي) أي: أشدُّ ما أخافه على أمتي عقوبة عملُهم (عمل قوم لوط) وهو اللواط، وأخوف أفعل تفضيل بمعنى المفعول.
قال الطيبي: أضاف (أفعل) إلى (ما) وهي نكرة موصوفة؛ ليدل على أنه إذا استقصي الأشياء المخوف منها شيئًا بعد شيء .. لَمْ يوجد أخوف من فعل قوم لوط. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحدود، باب ما جاء في حد اللواط، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب؛ إنما نعرفه من هذا الوجه عن عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7095
(١٣) - (٨٧٣) - بَابُ مَنْ أَتَى ذَاتَ مَحْرَمٍ وَمَنْ أَتَى بَهِيمَةً
(٣١) - ٢٥٢٢ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ الْحُصيْنِ،
===
(١٣) - (٨٧٣) - (باب من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة)
(٣١) - ٢٥٢٢ - (١) (حدثنا عبد الرَّحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم - مصغرًا - ثقةٌ حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) - مصغرًا - الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن إسماعيل) بن أبي حبيبة الأنصاري الأشهلي مولاهم أبو إسماعيل المدني، قال في "التقريب": ضعيف، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
وفي "التهذيب": قال أحمد: ثقةٌ، وقال العجلي: حجازي ثقةٌ، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال العربي: شيخ مدني صالح له فضل، وقال محمد بن سعد: كان مصليًا عابدًا، صام ستين سنة، وكان قليل الحديث.
قلت: هو مختلف فيه، يروي: عن داوود بن الحصين، ويروي عنه: ابن أبي فديك.
(عن داوود بن الحصين) الأموي مولاهم أبي سليمان المدني، ثقةٌ إلَّا في
стр. 7096
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ .. فَاقْتُلُوهُ، وَمَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ .. فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ".
===
عكرمة، ورمي برأي الخوارج، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، ثقةٌ متقن، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه إبراهيم بن إسماعيل، وهو مختلف فيه.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : من وقع) وركب (على) أنثى (ذات محرم) له؛ أي: صاحبة قرابة تحرمها عليه؛ أي: جامع بها .. (فاقتلوه) حدًّا (ومن وقع على بهيمة) أيًا كانت؛ أي: ركبها وجامعها .. (فاقتلوه) أيًا كان ذلك الحيوان حدًّا إن لَمْ يستحل (واقتلوا) تلك (البهيمة) لئلا يذكر بها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، لكن رواه أبو داوود من طريق عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة دون قوله: "من وقع على ذات محرم .. فاقتلوه" ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" من طريق عبيد الله بن إبراهيم بن إسماعيل عن داوود بإسناده ومتنه، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" من طريق ابن أبي فديك فذكره بالإسناد والمتن؛ كما ذكره ابن ماجة.
стр. 7097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 7098
(١٤) - (٨٧٤) - بَابُ إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَى الْإِمَاءِ
(٣٢) - ٢٥٢٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَشِبْلٍ قَالُوا: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْأَمَةِ تَزْنِي قَبْلَ أَنْ
===
(١٤) - (٨٧٤) - (باب إقامة الحدود على الإماء)
(٣٢) - ٢٥٢٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني الأعمى الفقيه، أحد السبعة في المدينة، ثقةٌ ثبت فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: ثمان وتسعين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة وزيد بن خالد) الجهني رضي الله تعالى عنهما (وشبل) بن حامد، ويقال: ابن خالد، ويقال: ابن خليد. وفي "التقريب": شبل بن حامد، أو ابن خليد المزني، مقبول، من الثالثة، وأخطأ من قال: هو شبل بن معبد. يروي عنه (س). انتهى.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قالوا) أي: قال كلّ من الثلاثة المذكورة؛ أعني: أبا هريرة وزيدًا وشبلًا (كنا عند النبي ﷺ ، فسأله رجل) من المسلمين، لَمْ أر من ذكر اسم السائل (عن) حكم (الأمة) التي (تزني) من باب رمى (قبل أن
стр. 7099
تُحْصَنَ فَقَالَ: "اجْلِدْهَا؛ فَإِنْ زَنَتْ .. فَاجْلِدْهَا - ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الرَّابِعَةِ -: فَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ".
===
تحصن) بصيغة المجهول؛ أي: قبل أن تتزوج (فقال) النبي ﷺ في جواب سؤال الرجل: (اجلدها) حدًّا خمسين جلدة على النصف من حد الحرة.
قال السندي: ظاهره أن السيد يفعل ذلك بلا مرافعة إلى القاضي، ومن لا يقول بذلك .. يؤوله بأن السيد يرفع أمرها إلى الحاكم؛ ليقيم عليها الحد.
(فإن زنت) ثانيًا .. (فاجلدها) مرّةً ثانية (ثم قال) له النبي ﷺ (في) المرة (الثالثة أو في الرابعة) بالشك من الراوي: (فبعها ولو) بعتها (بحبل من شعر) قيل: هذا البيع مستحب عند الجمهور، ويلزم البائع أن يبين حالها للمشتري؛ لأنه عيب.
فإن قيل: كيف يكره شيئًا لنفسه ويرتضيه لأخيه المسلم؟
فالجواب: لعلها تستعف عند المشتري بأن يعفها بنفسه، أو يصونها لهيبته بالإحسان إليها والتوسعة عليها، أو يزوجها غيره. انتهى منه.
والحكم في زنا العبد كالأمة، عرف ذلك بدلالة النص.
قال القرطبي: قوله: "اجلدها" أمر للسيد بجلد أمته الزانية وعبده الزاني، وبه قال الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء خلا أهل الرأي؛ أي: أبا حنيفة وأصحابه؛ فإنهم قالوا: لا يقيم الحد إلَّا السلطان، وهذه الأحاديث النصوص الصحيحة حجة عليهم، وفي معنى حد الزنا عند الجمهور سائر الحدود، غير أنهم اختلفوا في حد السرقة وقصاص الأعضاء: فمنع مالك وغيره إقامة السيد ذلك؛ مخافة أن يمثل بعبده ويدعي أنه سرق وأقام الحد عليه فيسقط العتق الواجب بالمثلة، وعلى هذا لو قامت بينة توجب السرقة .. أقامه، قاله بعض
стр. 7100
(٣٣) - ٢٥٢٤ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ
===
أصحابنا إذا قامت البينة على السرقة، وقال الشافعي: يقطع السيد عبده إذا سرق.
قلت: وعلى هذا، فله أن يقتل عبده إذا قتل، لكن إذا قامت البينة.
قوله: "فبعها" أي: مع بيان حالها للمشتري؛ لأنه عيب، والإخبار بالعيب واجب، وهذا الأمر للاستحباب عند الجمهور، خلافًا لأبي ثور وداوود الظاهري؛ فإنهما يحملانه على الوجوب.
"ولو" كان بيعها "بحبل من شعر" أي: وإن كان ثمنها قليلًا، فوصف الحبل بكونه من شعر؛ لأنه أكثر حبالهم، وهذا خرج مخرج التقليل والتزهيد في الجارية الزانية، فكانه قال: لا تمسكها، بعها بما تيسر، ففيه دليل على إبعاد أهل المعاصي واحتقارهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحدود، باب إذا زنت الأمة، ومسلم في كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذِّمة في الزنا، وأبو داوود في كتاب الحدود، باب في الأمة تزني ولم تحصن، والترمذي في كتاب الحدود، باب الرجم على الثيب.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، ولصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٣) - ٢٥٢٤ - (٢) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقةٌ ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
стр. 7101
قَالَ: أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَتْهُ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهَا
===
(قال) ابن رمح: (أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري، ثقةٌ، عالم مصر وفقيهها، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) المصري أبي رجاء، اسم أبيه سويد، ثقةٌ فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمار بن أبي فروة) الأموي مولاهم، مولى عثمان أبي عمرو المدني. روى عن الزهري، مقبول، من السادسة. يروي عنه: (س ق)، ويزيد بن أبي حبيب، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: ما أقلّ ما له من الحديث ومقدار ما يرويه لا أعرف له شيئًا منكرًا، له عندهما حديث: "إذا زنت الأمة".
قلت: وذكره العقيلي وابن الجارود في "الضعفاء".
(أن محمد بن مسلم) الزهري المدني إمام الأئمة، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع) (حدثه) أي: حدث لعمار.
(أن عروة) بن الزبير (حدثه) أي: حدث لمحمد بن مسلم.
(أن عمرة بنت عبد الرَّحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت الرواية عن عائشة، ثقةٌ، من الثالثة، ماتت قبل المئة، ويقال بعدها. يروي عنها: (ع).
(حدثته) أي: حدثت عروة (أن عائشة) رضي الله تعالى عنها (حدثتها) أي: حدثت لعمرة.
стр. 7102
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ .. فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ .. فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ .. فَاجْلِدُوهَا، فَإِنْ زَنَتْ .. فَاجْلِدُوهَا ثُمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ"، وَالضَّفِيرُ: الْحَبْلُ.
===
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمارة بن أبي فروة، وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ قال: إذا زنت الأمة .. فاجلدوها) خمسين جلدة، على النصف من الحرة (فإن زنت) ثانية .. (فاجلدوها) ثانيًا (فإن زنت) ثالثًا .. (فاجلدوها) ثالثًا (فإن زنت) رابعة .. (فاجلدوها) رابعًا (ثم) إن زنت خامسة .. فـ (بيعوها ولو) كان بيعها (بـ) ثمن تافه؛ كـ (ضفير؛ والضفير: الحبل) من الشعر، وهو تفسير من بعض الرواة؛ والضفير فعيل بمعنى مفعول؛ أي: مفتول.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه النسائي في الرجم عن الربيع بن سليمان عن شعيب بن الليث عن أبيه، وليس هو في رواية ابن السني، وله شاهد من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد وغيرهما، رواه الشيخان وغيرهما، وهو المذكور قبل هذا الحديث.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
فرع
إذا باعها .. عرَّف بزناها؛ فإنه عيب، فلا يحل أن يكتم.
فإن قيل: إذا كان مقصود هذا الحديث إبعاد الزانية، ووجب على بائعها التعريف بزناها، فلا ينبغي لأحد أن يشتريها؛ لأنَّها مما قد أُمِرنا بإبعادها؟
فالجواب: أنَّها مال ولا يضاع؛ للنهي عن إضاعة المال، ولا تسيب ولا
стр. 7103
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تحبس دائمًا؛ إذ كلّ ذلك إضاعة مال، ولو سيبت .. لكان ذلك إغراءً لها على الزنا وتمكينًا لها منه، فلم يبق إلَّا بيعها، ولعل السيد الثاني يعفها بالوطء، أو يبالغ في التحرز بها، فيمنعها من ذلك.
وعلى الجملة: فعند تبدل الأملاك تختلف عليها الأحوال، وجمهور العلماء حملوا الأمر ببيع الأمة الزانية على الندب والإرشاد للأصلح، ما خلا داوود ومن وافقه من أهل الظاهر؛ فإنهم حملوه على الوجوب؛ تمسكًا بظاهر الأمر.
والجمهور صرفوه عن ظاهره؛ تمسكًا بالأصل الشرعي؛ وهو أنه لا يجبر أحد على إخراج ملكه لملك آخر بغير الشفعة؛ فلو وجب عليه ذلك .. لأُجْبِر عليه، ولم يجبر عليه أحد، فلا يجب.
وقد استنبط بعض العلماء من هذا الحديث جواز البيع بالغبن، قال: لأنه بيع خطير بثمن يسير، وهذا ليس بصحيح؛ لأن الغبن المختلف فيه إنما هو مع الجهالة من المغبون، وأما مع علم البائع بقدر ما باع وبقدر ما قبض .. فلا يختلف فيه؛ لأنه من علم منه ورضا، فهو إسقاط لبعض الثمن وإرفاق بالمشتري، لا سيما وقد بينا أن الحديث خرج على جهة التزهيد وترك الغبطة. انتهى من "المفهم".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7104
(١٥) - (٨٧٥) - بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ
(٣٤) - ٢٥٢٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ
===
(١٥) - (٨٧٥) - (باب حد القذف)
وهو: الرمي بالزنا والاتهام به، وحده ثمانون جلدة.
* * *
(٣٤) - ٢٥٢٥ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقةٌ ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) السلمي البصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي المدني، صدوق، وفي "التهذيب": أنه ثقةٌ مشهور، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرة) بنت عبد الرَّحمن بن سعد الأنصارية المدنية، ثقةٌ، من الثالثة، ماتت قبل المئة، ويقال بعدها. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 7105
قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي .. قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا الْقُرْآنَ، فَلَمَّا نَزَلَ .. أَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ.
===
(قالت) عائشة: (لما نزل عذري) أي: الآياتِ الدالة على براءتي مما افتراه علي أصحاب الإفك، شبهت تلك الآياتِ بالعذر الذي يبرئ المعذور من الجرم، ذكره القاضي وغيره .. (قام رسول الله ﷺ على المنبر، فذكر) رسول الله ﷺ (ذلك) أي: عذري (وتلا) رسول الله ﷺ وقرأ (القرآن) بالنصب مفعول تلا؛ أي: الآيات التي نزلت في عذري؛ تعني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ ... ﴾ إلى آخر الآياتِ (١).
(فلما نزل) من المنبر .. (أمر) رسول الله ﷺ (برجلين) أي: بحدهما أو بإحضارهما؛ وهما: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة (و) بإحضار (امرأة) وهي: حمنة بنت جحش (فضربوا) أي: ضرب كلّ من الثلاثة - بالبناء للمجهول - (حدهم) أي: حد المفترين، وهو مفعول مطلق؛ أي: فحدوا حدهم؛ وهو ثمانون جلدة لكل واحد من الثلاثة.
أما (حسان) - بفتح الحاء والسين المشددة - فهو الصحابي المشهور من الأنصار، شاعر رسول الله ﷺ الذي قال رسول الله ﷺ في شأنه: إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله ﷺ ، و (مسطح) بن أثاثة - بكسر الميم وسكون السين المهملة، وبضم الهمزة في أثاثة - والمرأة هي (حمنة) بنت جحش؛ أي: أخت زينب بنت جحش.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحدود، باب في حد القذف، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة
стр. 7106
(٣٥) - ٢٥٢٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَبِيبَةَ،
===
النور، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث محمد بن إسحاق وليس كذلك؛ لأن محمد بن إسحاق ثقةٌ إمام المغازي، راجع ترجمته في "التهذيب"، والنسائي في "الكبرى" في كتاب الرجم، باب حد القذف.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٥) - ٢٥٢٦ - (٢) (حدثنا عبد الرَّحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، ثقةٌ حافظ، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(حدثني) إبراهيم بن إسماعيل (بن أبي حبيبة) الأنصاري الأشهلي مولاهم أبي إسماعيل المدني. روى عن: داوود بن الحصين، ويروي عنه: (ت ق)، وابن أبي فديك. قال في "التقريب": ضعيف، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ)، وفي "التهذيب": قال أحمد بن حنبل: ثقةٌ، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال مرّة: يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عدي: هو صالح في باب
стр. 7107
عَنْ دَاوُودَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا مُخَنَّثُ .. فَاجْلِدُوهُ عِشْرِينَ،
===
الرواية؛ كما حكى عن يحيى بن معين يكتب حديثه مع ضعفه، وقال محمد بن سعد: كان عابدًا، وكان قليل الحديث.
قلت: وقال العجلي: حجازي ثقةٌ، وقال العربي: شيخ مدني صالح له فضل ولا أحسبه حافظًا، ويستفاد مما ذكرنا أنه مختلف فيه.
(عن داوود بن الحصين) الأموي مولاهم أبي سليمان المدني، ثقةٌ إلَّا في عكرمة، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم المكي، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ابن أبي حبيبة، فهو مختلف فيه، وفيه داوود بن الحصين، وهو ضعيف فيما روى عن عكرمة.
(عن النبي ﷺ قال: إذا قال الرجل للرجل: يا مخنث .. فاجلدوه عشرين) جلدةً حدًّا؛ لأنه قذف صاحبه؛ حيث وصفه بأوصاف النساء.
قال السندي: المخنث بفتح النون المشددة: من يؤتى ويوطأ في دبره، وبكسرها: مَن فيه تسكين وتكسير خِلْقةً؛ كالنساء، وقيل: بفتح النون وكسرها: من يتشبه بالنساء في كلامه وحركاته، سمي به؛ لانكسار كلامه ورقة صوته، وقيل: قياسه الكسر، والمشهور على الألسنة فتحه، والتَّشَبُّهُ قد يكون خِلقيًّا، وقد يكون كسبيًّا، وهو محل اللعن الوارد فيه.
стр. 7108
وَإِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا لُوطِيُّ .. فَاجْلِدُوهُ عِشْرِينَ".
===
(وإذا قال الرجل للرجل: يا لوطي) - بضم اللام وكسر الطاء والياء المشددة - وهو من يفعل فعل قوم لوط؛ وهو الإتيان في المدبر .. (فاجلدوه عشرين) جلدة.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٣)(٢٧٢)؛ لضعف سنده؛ لما مر آنفًا، وغرضه بذكره: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7109
(١٦) - (٨٧٦) - بَابُ حَدِّ السَّكْرَانِ
(٣٦) - ٢٥٢٧ - (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَي، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سعِيدٍ ح وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ
===
(١٦) - (٨٧٦) - (باب حد السكران)
والسكران: من زال عقله بشرب الخمر أو غيرها من المسكرات.
* * *
(٣٦) - ٢٥٢٧ - (١) (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي، نسيب السدي أو ابن بنته أو ابن أخته، صدوق يخطئ رمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (د، ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم بالكوفة، صدوق يخطئ تغير حفظه منذ ولي القضاء، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حصين) - بفتح الحاء المهملة - عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي، ثقةٌ ثبت سني وربما دلس، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، ويقال بعدها، ويقال: إن عاصم ابن بهدلة أكبر منه بسنة. يروي عنه: (ع).
(عن عمير بن سعيد) النخعي الصهباني - بضم المهملة وسكون الهاء بعدها موحدة - يكنى أبا يحيي، كوفي ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ) ويقال: خمس عشرة. يروي عنه: (خ م د ق).
(ح وحدثنا عبد الله بن محمد) بن عبد الرَّحمن بن المسور بن مخرمة
стр. 7110
الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ سَمِعْتُهُ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: مَا كُنْتُ أَدِي مَنْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْحَدَّ إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَسُنَّ فِيهِ شَيْئًا؛ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ جَعَلْنَاهُ نَحْنُ.
===
(الزهري) المخرمي البصري، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي، ثقةٌ ثبت، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مطرف) - بضم أوله وفتح ثانيه وتشديد الراء المكسورة - ابن طريف الكوفي أبو بكر، ثقةٌ فاضل، من صغار السادسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
قال سفيان: (سمعته) أي: سمعت مطرفًا يحدث (عن عمير بن سعيد، قال) عمير: (قال علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
أي: قال علي بن أبي طالب: (ما كنت أدي) أي: أضمن دية (من أقمت عليه الحد) أي: حدًّا من حدود الله تعالى؛ كحد الزنا والقذف والشرب، إذا مات بسبب إقامة الحد عليه (إلَّا) دية (شارب الخمر) إذا مات بسبب إقامة الحد عليه، وإنما أضمن ديته (فإن) أي: لأن (رسول الله ﷺ لَمْ يسن) أي: لَمْ يشرع (فيه) أي: في حد شارب الخمر (شيئًا) زائدًا على الأربعين؛ كما زاد في الزنا إلى مئة، وفي القذف إلى ثمانين (إنما هو) أي: إنما الزائد على الأربعين (شيء جعلناه) وزدناه (نحن) معاشر الخلفاء؛ أي: