(٣٣) - (٨٩٣) - بَابٌ: الْحَدُّ كفَّارَةٌ
(٧٠) - ٢٥٦١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ خَالِدِ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ،
===
(٣٣) - (٨٩٣) - (باب: الحد كفارة) للذنوب
* * *
(٧٠) - ٢٥٦١ - (١) (حدثنا محمد بن المثنى) العنزي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد بن الصَّلْت الثقفي أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(و) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب لجده، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خالد) بن مهران أبي المنازل - بفتح الميم، وقيل: بضمها وكسر الزاي - البصري (الحذاء) - بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة - ثقة يرسل، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر الجرمي البصري، ثقة فاضل كثير الإرسال، من الثالثة، مات بالشام هاربًا من القضاء سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأشعث) شراحيل بن آدة - بالمد وتخفيف الدال - الصنعاني،
стр. 7212
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصَابَ مِنْكُمْ حَدًّا فَعُجِّلَتْ لَهُ عُقُوبَتُهُ .. فَهُوَ كَفَّارَتُهُ، وَإِلَّا .. فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ".
===
صنعاء دمشق، وقيل: صنعاء اليمن، الجرمي، ثقة، من الثانية، شهد فتح دمشق. يروي عنه: (م عم).
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وله اثنتان وسبعون سنة، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. يروي عنه: (ع). قال سعيد بن عفير: كان طوله عشرة أشبار، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبادة: (قال رسول الله ﷺ : من أصاب) وارتكب (منكم) أيها المؤمنون (حدًّا) أي: موجب حد؛ أي: شيئًا من موجبات الحد؛ كالزنا والقذف والسرقة مثلًا (فعجلت له) في الدنيا (عقوبته) أي: عقوبة ذلك الموجب وحده؛ أي: أقيم عليه حده؛ أي: حد عليه فيما إذا قامت عليه البينة أو أقر .. (فهو) أي: ذلك العقاب الذي أقيم عليه وعوقب به عليه في الدنيا (كفارته) أي: ساترة لذلك المحرم الذي ارتكبه في الآخرة، فلا يعاقب عليه في الآخرة.
(وإلا) أي: وإن لم يعاقب عليه في الدنيا؛ بأن لم تقم عليه بينة ولا أقر به .. (فأمره) أي: فشأنُ العقوبة عليه في الآخرة والعفو عنه مفوض (إلى الله) تعالى؛ إن شاء العفو عنه .. عفا عنه بفضله، وإن شاء أن يعذبه عليه .. عذبه بعدله لا بظلمه؛ يعني: إذا مات ولم يتب منه، فأما لو تاب منه .. لكان كمن لم يذنب بنصوص القرآن والسنة، وهذا تصريح بأن ارتكاب الكبائر ليس بكفر؛ لأن الكفر لا يغفر لمن مات عليه بالنص والإجماع، وهو حجة لأهل السنة على
стр. 7213
(٧١) - ٢٥٦٢ - (٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَمَّالُ،
===
الفرقة المكفرة بالكبائر؛ وهم الخوارج وأهل البدعة. انتهى من "المفهم".
ولفظ "مسلم مع شرحه": (ومن أتى) وارتكب (منكم حدًّا) أي: موجب حد (فأقيم عليه) حده .. (فهو) أي: ذلك الحد (كفارته) أي: كفارة ما ارتكبه، هذا حجة واضحة لجمهور العلماء؛ على أن الحدود كفارات، فمَنْ قَتَلَ فاقْتُصَّ منه .. لم يبق عليه طلبَة في الآخرة، لأن الكفارات ماحية للذنوب ومُصيرة لصاحبها كأن ذنبه لم يقع، وقد ظهر ذلك في كفارة اليمين والظهار وغير ذلك، فإن بقي مع الكفارات شيء من آثار الذنب .. لم يصدق عليه ذلك الاسم (ومن ستره الله عليه) أي: على ذلك الذنب؛ بأن لم يَطَّلِع عليه أحدٌ ولم يُقِرَّ على نفسه .. (فأمره) مفوض (إلى الله) تعالى (إن شاء .. عذبه) عليه بعدله (وإن شاء .. غفر له) بفضله؛ يعني: إذا مات ولم يَتُبْ منه، فأمَّا لو تاب منه .. لكان كمن لم يُذنب بنصوص القرآن والسنة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحدود، ومسلم في كتاب الحدود، باب الحدودُ كفارات لأهلها، والترمذي والنسائي وأحمد.
فالحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عبادة بن الصامت بحديث علي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧١) - ٢٥٦٢ - (٢) (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى (الحمال) - بالمهملة البزاز - ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 7214
حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَصَابَ فِي الدُّنْيَا ذَنْبًا فَعُوقِبَ بِهِ .. فَاللهُ أَعْدَل مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ
===
(حدثنا حجاج بن محمد) المِصِّيصِيُّ الأعورُ أبو محمد، ترمذيُّ الأصلِ، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخره لما قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يونس بن أبي إسحاق) السبيعي أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (م عم).
(عن) والده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي جحيفة) وهب بن عبد الله السوائي - بضم المهملة والمد - مشهور بكنيته الصحابي المشهور، وصحب عليًّا رضي الله تعالى عنهما، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) علي: (قال رسول الله ﷺ : من أصاب) وارتكب (في الدنيا) قَيْدٌ؛ لبيان ما هو المعلوم خارجًا؛ لأن ارتكاب الذنب ليس في الآخرة؛ لأنها دار الجزاء لا دار الأعمال، أي: ارتكب وفعل (ذنبًا) كبيرًا يوجب الحد؛ كالكبائر (فعوقب به) أي: بذلك الذنب؛ بأن أقيم عليه الحد .. (فالله) جل وعز (أعدل) أي: أجل وأرفع وأنزه وأكرم (من أن يثني) ويكرر
стр. 7215
عُقُوبَتَهُ عَلَيَّ عَبْدِهِ، وَمَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فِي الدُّنْيَا فَسَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ .. فَاللهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيءِ قَدْ عَفَا عَنْهُ".
===
(عقوبته) وانتقامه (على عبده) الذي تاب وأقيم عليه الحد في الآخرة؛ لأنه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين.
(ومن أذنب) وارتكب (ذنبًا في الدنيا فستره الله) تعالى (عليه) أي: على ذلك الذنب؛ بأن لم يطلع عليه أحد ولم يقره على نفسه .. (فالله) (أكرم) وأجود (من أن يعود في) عقوبة (شيء) وذنب (قد عفا عنه) في الدنيا عليه، قال السندي: مقتضى هذا الكلام أن الستر في الدنيا علامة المغفرة في الآخرة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الإيمان، باب ما جاء: "لا يزني الزاني وهو مؤمن"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب، وهذا قول أهل العلم؛ لا نعلم أحدًا كفر بالزنا أو السرقة أو شرب الخمر.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7216
(٣٤) - (٨٩٤) - بَابُ الرَّجُلِ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا
(٧٢) - ٢٥٦٣ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمَدِينِيُّ أَبُو عُبَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ
===
(٣٤) - (٨٩٤) - (باب الرجل يجد مع امرأته رجلًا)
(٧٢) - ٢٥٦٣ - (١) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(ومحمد بن عبيد) - مصغرًا - ابن ميمون (المديني أبو عبيد) التَّبَّان - بفتح التاء المثناة من فوق وتشديد الموحدة - ويقال له: محمد بن عباد التيمي مولاهم، صدوق يخطئ، من العاشرة. يروي عنه: (خ ق).
كلاهما (قالا: حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) الجهني مولاهم المدني، صدوق، كان يحدث من كتب غيره، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سهيل بن أبي صالح) ذكوان السمان أبي يزيد المدني، صدوق تغير حفظه بأخرة، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان الزيات المدني، وكان يجلب الزيت إلى الكوفة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن سعد بن عبادة الأنصاري) الخزرجي الصحابي المشهور رضي الله
стр. 7217
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الرَّجُلُ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا" قَالَ سَعْدٌ: بَلَى وَالَّذِي أَكْرَمَكَ بِالْحَقِّ،
===
تعالى عنه سيد بني خزرج، وقد ذكر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله ﷺ كانت له في المشاهد كلها رايتان؛ راية المهاجرين مع علي، وراية الأنصار مع سعد بن عبادة، وكان من الأسخياء المعروفين بسخائهم.
وعن محمد بن سيرين: كان سعد بن عبادة يعشي كل ليلة ثمانين من أهل الصفة، وروى الدارقطني في كتاب "الأسخياء" عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان منادي سعد ينادي على أطمة: من كان يريد شحمًا ولحمًا .. فليأت سعدًا، وقصته في تخلفه عن بيعة أبي بكر مشهورة، وخرج إلى الشام، فمات بحوران سنة خمس عشرة (١٥ هـ) كذا في "الإصابة".
(قال: يا رسول الله)؛ أرأيت كذا في "مسلم" أي: أخبرني (الرجل يجد مع امرأته رجلًا) يزني بها (أيقتله) أي: أيقتل ذلك الزاني على زوجته، أم يتركه عليها ويطلب شاهدًا عليه؟
(قال رسول الله ﷺ : "لا") يقتله (قال سعد) لرسول الله ﷺ : (بلى) يقتله يا رسول الله (والذي أكرمك بالحق) أي: أقسمت لك بالإله الذي أكرمك وشرفك ببعثك بالدين الحق والشريعة القديمة.
قال الخطابي في "معالم السنن" (٦/ ٣٣٢): ويمكن أن تكون مراجعة سعد للنبي ﷺ طمعًا في الرخصة، لا ردًّا لقوله ﷺ ، فلما أبى ذلك رسول الله ﷺ وأنكر عليه .. سكت سعد وانقاد.
стр. 7218
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اسْمَعُوا مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ".
===
(فقال رسول الله ﷺ للحاضرين عنده: ("اسمعوا ما يقول سيدكم") ورئيسكم؛ أي: انظروا إلى غيرته حيث حملته على ذلك؛ أي: على قتل ذلك الزاني؛ أي: اسمعوه مصغين إلى قوله، ولعل أولئك الحاضرين كانوا خزارجة، وكان سعد وجيهًا في الأنصار ذا رياسة وسيادة؛ كما في "أسد الغابة" قال ملا علي: وفي ذكر السيد هنا إشارة إلى أن الغيرة من شيمة كرام الناس وساداتهم. انتهى.
وفيه أيضًا إشارة إلى أن سعد بن عبادة إنما يقول هذا من غيرته المحمودة التي جبل عليها، ولا يقصد بذلك مخالفة النبي ﷺ ، ومعنى ذلك: تعجبوا من قَوْلِ سيدِكم. انتهى "نواوي"، قال الأنباري: السيد: هو الذي يفوق قومه في الفخر.
قلت: ولذلك لا يكون حتى يجتمع له من خصال الشرف والفضائل والكمال ما يبرز بها عليهم ويتقدمهم بسببها، وهو أيضًا الحليم الذي لا يستفزه الغضب، وهو أيضًا الحسن الخلق، وهو أيضًا الرئيس؛ كما قال الشاعر:
فإن كنت سيدنا سدتنا ... وإن كنت للخال فاذهب فخل
وأنشد ابن قتيبة:
نحن قتلنا سيد الـ ... ـخزرج سعد بن عبادهْ
ورميناه بسهـ ... ـمين فلم يخطئ فؤادهْ
انتهى من "الأبي" و "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب اللعان، وأبو داوود في كتاب الديات، باب فيمن وجد مع أهله رجلًا أيقتله؟
стр. 7219
(٧٣) - ٢٥٦٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ،
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث سلمة بن المحبق رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٣) - ٢٥٦٤ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الفضل بن دلهم) - بوزن جعفر - الواسطي ثم البصري القصاب، لين رمي بالاعتزال، من السابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن الحسن) بن أبي الحسن البصري اسمه يسار الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل مشهور، وكان يرسل كثيرًا ويدلس، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة (ابن حريث) - مصغرًا - الأنصاري البصري، صدوق، من الثالثة، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مات في طاعون الجارف سنة سبع وستين (٦٧ هـ)، قال البخاري: في حديثه نظر، وقال النسائي: لا يصح حديثه، وقال العجلي: قبيصة بن حريث تابعي ثقة، وأفرط ابن حزم فيه، وقال: هو ضعيف. يروي عنه: (عم)، فهو مختلف فيه فيكون حديثه حسنًا.
стр. 7220
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي ثَابِتٍ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حِينَ نَزَلَتْ آيَةُ الْحُدُودِ وَكَانَ رَجُلًا غَيُورًا: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّكَ وَجَدْتَ مَعَ امْرَأَتِكَ رَجُلًا أَيَّ شَيْءٍ كُنْتَ تَصنَعُ؟ قَالَ: كُنْتُ ضَارِبَهُمَا بِالسَّيْفِ، أَنْتَظِرُ حَتَّى أَجِيءَ بِأَرْبَعَةٍ
===
(عن سلمة بن المحبق) - بضم الميم وكسر الموحدة المشددة - وقيل: ابن ربيعة بن صخر الهذلي أبي سنان البصري الصحابي الفاضل، رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه قبيصة بن حريث، وهو مختلف فيه.
(قال) سلمة: (قيل: لأبي ثابت) كنية لـ (سعد بن عبادة) الأنصاري الخزرجي، قال له بعض قومه، لم أر من عين اسم ذلك القائل (حين نزلت آية الحدود) في الزنا يعني: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي. . .﴾ الآية (١)، (و) الحال أن سعدًا (كان رجلًا غيورًا) أي: شديد الغيرة على الحريم، وذكر مقول قيل بقوله: (أرأيت) أي: قال له قائل من قومه: أرأيت؛ أي: أخبرنا عن شأنك (لو أنك وجدت) ورأيت (مع امرأتك) وزوجتك (رجلًا) يزني بها (أي شيء كنت تصنع) وتفعل به أتقتله عليها، أم تتركه عليها حتى تأتي بأربعة شهداء يشهدون عليه؟
(قال) سعد: (كنت ضاربهما) بالنصب خبر كان؛ أي: أكون أنا أضربهما؛ أي: أضرب الرجل والمرأة جميعًا (بالسيف) وأقتلهما.
وقوله: (أنتظر) بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري؛ أي: أأنتظر وأمهلهما (حتى) أذهب من عندهما (أجيء بأربعة) شهداء فأشهدهم عليهما؟ ! لا
стр. 7221
إِلَى مَا ذَاكَ قَدْ قَضَى حَاجَتَهُ وَذَهَبَ؟ ! أَوْ أَقُولُ: رَأَيْتُ كَذَا وَكَذَا فَتَضْرِبُونِي الْحَدَّ وَلَا تَقْبَلُوا لِي شَهَادَةً أَبَدًا؟ ! قَالَ: فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "كَفَى بِالسَّيْفِ شَاهِدًا"، ثُمَّ قَالَ: "لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَتَايَعَ
===
أنتظرهما ولا أمهلهما (إلى ما) أي: إلى زمن آتي فيه بالشهداء ليشهدوا عليهما، إذًا؛ أي: إذا أمهلتهما إلى ذلك الزمن (ذاك) الزاني بها (قد قضى) وأدى وكمل (حاجته) منها؛ يعني: حاجة المجامعة (وذهب) قبل إشهادي عليهما (أو) هل (أقول) لكم أيها القوم (رأيت كذا) أي: رجلًا زانيًا (وكذا) أي: وامرأة زانية يتجامعان (فتضربوني) إذا قلت لكم؛ أي: تجلدوني (الحد) أي: حد القذف لهما (ولا تقبلوا لي) بعد قذفي إياهما وجلدكم إياي لقذفهما (شهادة) مني على أي: حق من الحقوق وأمر من الأمور؛ وهو مفعول تقبلوا.
وقوله: (أبدًا) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان متعلق بـ (لا تقبلوا) أيضًا؛ أي: ولا تقبلوا بعد جلدي لأجلها شهادةً واقعة مني على أي شيء كان حقيرًا أو عظيمًا فيما بقي من عمري، أي: لا أقول لكم؛ فالاستفهام المقدر في كل من الموضعين للإنكار بمعنى النفي.
(قال) سلمة بن المحبق: (فَذُكِرَ ذلك) الذي قاله سعدٌ (للنبي ﷺ ، فقال) النبي ﷺ : أتعجبون من غيرةِ سعد وقولِه ذلك؛ فإنه قد أصاب فيما قال؛ فإنه ("كفى بالسيف شاهدًا") عليهما حين إذ رآهما كذالك؛ أي: أغنى السيف عن طلب الشهود عليهما؛ أي: وجودهما معًا مقتولين دليل جلي أنهما كانا على تلك الحالة الشنيعة فقتلا لذلك.
(ثم قال) النبي ﷺ : لكن (لا) ينبغي قتلهما؛ فـ (إني أخاف) إن رخصت في قتلهما كذلك (أن يتتايع) أي: يقع في الشرِّ من غير
стр. 7222
فِي ذَلِكَ السَّكْرَانُ وَالْغَيْرَانُ"، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ؛ يَعْنِي ابْنَ مَاجَهْ: (سَمِعْتُ أَبَا زُرْعَةَ يَقُولُ: هَذَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيِّ وَفَاتَنِي مِنْهُ).
===
فكر ولا روية وأن يتابع عليه (في ذلك) القتل (السكران والغيران) جمع غيور؛ والغيور - بفتح الغين المعجمة وضم الياء المخففة - أي: شديد الغيرة.
قال تلميذ المؤلف أبو الحسن بن بحر: (قال) لنا (أبو عبد الله؛ يعني) أبو الحسن بأبي عبد الله: (ابن ماجه) شيخه؛ أي: قال أبو عبد الله ابن ماجه: (سمعت أبا زرعة) الرازي عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله أربع وستون سنة (٦٤). يروي عنه: (م ت س ق) أي: قال ابن ماجه: سمعت أبا زرعة الرازي (يقول) لنا: (هذا) الحديث، يعني: حديث سلمة بن المحبق (حديث علي بن محمد الطنافسي) الكوفي؛ أي: حديث يرويه لنا علي بن محمد عن وكيع بالسند المذكور (و) قد (فاتني) وسقط مني (منه) أي: من هذا الحديث شيء لم أحفظه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته بالنظر إلى سنده: أنه حسن؛ لما تقدم آنفًا، ولكن له شاهد من حديث أبي هريرة المذكور قبله في هذا الباب. فهو صحيح بما قبله، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7223
(٣٥) - (٨٩٥) - بَابُ مَنْ تَزَوَّجَ أمْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ
(٧٤) - ٢٥٦٥ - (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح وَحَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثِ جَمِيعًا، عَنْ أَشْعَثَ،
===
(٣٥) - (٨٩٥) - (باب من تزوج امرأة أبيه من بعده)
أي: من بعد وفاة أبيه.
* * *
(٧٤) - ٢٥٦٥ - (١) (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي نسيب السدي أو ابن بنته أو ابن أخته، صدوق يخطئ رمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا سهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي أبو عمرو الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من هشيم بن بشيرِ وحفص بن غِيَاثٍ (عن أشعث) بن سوار الكندي النجار صاحب التوابيت قاضي الأهواز، ضعيف، من السادسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه (م ت س ق).
стр. 7224
عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي - سَمَّاهُ هُشَيْمٌ فِي حَدِيثِهِ. الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو - وَقَدْ عَقَدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِوَاءً، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
(عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة رمي بالتشيع، من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي نزيل الكوفة رضي الله تعالى عنهما، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الضعف؛ لأن فيهما أشعث بن سوار، وهو ضعيف، ولكن لم ينفرد أشعث بالرواية عن عدي بن ثابت.
وقال الشوكاني: وللحديث أسانيد كثيرة؛ منها: ما رجاله رجال الصحيح، فالأسانيد بكثرتها ترقى إلى درجة الصحة، فيكون الحديث صحيحًا، وإن كان أشعث ضعيفًا في هذين السندين؛ لأن له متابعِينَ كثيرِينَ في الرواية عن عدي بن ثابت؛ كما بسط الشوكاني في بيان ذلك.
(قال) البراء: (مر بي) أي: مر عليَّ (خالي) وأنا جالس (سماه) أي: سمى ذلك الخال (هشيمُ) بن بشير (في حديثه) أي: في روايته بي (الحارث بن عمرو و) الحال أنه (قد عقد) وربط (له) أي: لذلك الخال (النبي ﷺ لواءً) أي: علمًا يعرف به أنه سفير النبي ﷺ .
قال المظهر: وكان اللواء علامةً له على كونه مبعوثًا من جهة النبي ﷺ في ذلك الأمر.
قال البراء: (فقلت له) أي: لذلك الخال: (أين تريد) يا خالي وإلى أين تذهب؟ (فقال) لي ذلك الخال: (بعثني رسول الله ﷺ )
стр. 7225
إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ.
===
أي أرسلني (إلى رجل) لم أر من ذكر اسمه (تزوج امرأة أبيه) وزوجته؛ أي: نكحها على نظام الجاهلية ودستورها؛ فإنهم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم؛ يعدون ذلك من باب الإرث، ولذلك ذكر الله النهي عن ذلك بخصوصه بقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (١) في الزجر عن ذلك (من بعده) أي: من بعد وفاة أبيه (فأمرني) النبي ﷺ (أن أضرب عنقه) وأقتله وآتيه برأسه؛ كما في رواية الترمذي، فالرجل سلك مسلكهم في عد ذلك حلالًا، فصار مرتدًا، فقتل لذلك، وهكذا أوَّلَ الحديثَ مَن يقول بظاهره.
وفي رواية أبي داوود والنسائي وابن ماجه والدارمي: (فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله) والحديث دليل على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيًّا من قطعيات الشريعة؛ كهذه المسألة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، ولكنه لا بد من حمل الحديث على أن ذلك الرجل الذي أمر رسول الله ﷺ بقتله عالم بالتحريم، وفعله مستحلًا، وذلك من موجبات الكفر، والمرتد يقتل ويؤخذ ماله.
قال الترمذي: حديث البراء حديث حسن غريب، رواه الخمسة، قال المنذري: وقد اختلف في هذا الحديث اختلافًا كثيرًا، فذكره.
وساق شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى كلام المنذري إلى آخره، ثم قال: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ ولا يوجب هذا تركه؛ فإن البراء بن عازب حدث به عن أبي بردة بن نيار، واسمه الحارث بن عمرو، وأبو بردة كنيته، وهو عمه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر
стр. 7226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على ذكر الرهط مرة، وعين من بينهم أبا بردة بن نيار باسمه مرة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخؤولة أخرى، فأي علة في هذا الحديث توجب ترك الحديث؟ ! والله الموفق للصواب.
والحديث له طرق حسان يؤيد بعضها بعضًا؛ منها: مطرف عن أبي الجهم عن البراء.
ومنها: شعبة عن الرُّكين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء، ومنها: الحسن بن صالح عن السدي عن عدي عن البراء، ومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه.
وذكر النسائي في "سننه" من حديث عبد الله بن إدريس: حدثنا خالد بن أبي كريمة عن معاوية بن قرة عن أبيه أن رسول الله ﷺ بعث أباه جد معاوية إلى رجل عَرَّس بامرأة أبيه، فضرب عنقه، وخمَّس ماله. انتهى كلام ابن القيم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحدود، باب في الرجل يزني بحريمه، والترمذي في كتاب الأحكام، باب فيمن تزوج امرأة أبيه، والنسائي في كتاب النكاح، باب نكاح ما نكح الآباء.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن، وإن كان سند المؤلف ضعيفًا، فلا اعتبار به؛ لكثرة طرقه؛ كما بيناه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث البراء بن عازب بحديث قرة بن إياس المزني رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 7227
(٧٥) - ٢٥٦٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ ابْنُ أَخِي الْحُسَيْنِ الْجُعْفِيِّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مَنَازِلَ التَّيْمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
(٧٥) - ٢٥٦٦ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الرحمن) بن الحسن (ابن أخي الحسين) بن علي بن الوليد (الجعفي) الكوفي نزيل دمشق، صدوق يحفظ وله غرائب، من الحادية عشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا يوسف بن منازل) بلفظ جمع المنزل أبو يعقوب (التيمي) الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خالد بن أبي كريمة) الأصبهاني أبي عبد الرحمن الإسكاف، نزيل الكوفة، صدوق يخطئ ويرسل، من السادسة. يروي عنه: (س ق).
(عن معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال المزني أبي إياس البصري، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) قرة بن إياس بن هلال المزني أبي معاوية الصحابي المشهور نزل البصرة، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) قرة بن إياس: (بعثني) أي: أرسلني (رسول الله - صلى الله عليه وسلم
стр. 7228
إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ وَأُصَفِّيَ مَالَهُ.
===
إلى رجل تزوج امرأة أبيه) أي: زوجة أبيه بـ (أن أضرب عنقه وأصفي ماله) أي: وبأن أصفي ماله؛ أي: وبأن آخذ صفي ماله وخياره وجياده؛ من التصفية؛ وهو أخذ صفوة المال وخياره وجيده؛ والصفي: ما يصطفيه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة، ومنه: صفية بنت حيي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الرجم عن العباس بن محمد عن يوسف بن منازل به، ورواه الدارقطني في "سننه" من طريق معاوية بن قرة أيضًا، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق محمد بن إسحاق الصنعاني عن يوسف بن منازل فذكره، ورواه البيهقي في "الكبري" عن الحاكم بالإسناد والمتن، وله شاهد من حديث البراء بن عازب رواه أصحاب "السنن الأربعة" المذكور في أول هذا الباب.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه؛ ولأن له شاهدًا من حديث البراء بن عازب المذكور قبله في هذا الباب، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7229
(٣٦) - (٨٩٦) - بَابُ مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ
(٧٦) - ٢٥٦٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الضَّيْفِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﷺ : "مَنِ انْتَسَبَ
===
(٣٦) - (٨٩٦) - (باب من ادعى إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه)
(٧٦) - ٢٥٦٧ - (١) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا) محمد (بن أبي الضيف) - بالضاد المعجمة - اسمه زيد الحجازي المخزومي مولاهم، مستور، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن عثمان بن خُثيم) - بالمعجمة والمثلثة مصغرًا - القارئُ المكيُّ أبو عثمان، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، وروايتهُ عن عائشة ﵂ وأبي موسى ونحوِهما مرسلةٌ، قُتِلَ بين يدي الحجاج دون المئة سنةَ خمس وتسعين (٩٥ هـ)، ولم يكمل الخمسين. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وفي إسناده مقال؛ لأن ابن أبي الضيف لم أر من جَرَّحه ولا من وثَّقه، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم، فحكم سنده: الحسن؛ لأن فيه مستورًا.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ ﷺ : من انتسب)
стр. 7230
إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ .. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ".
(٧٧) - ٢٥٦٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
أي: من نسب نفسه (إلى غير أبيه) الحقيقي عالمًا عامدًا غير مستحل لذلك الانتساب (أو تولى غير مواليه) أي: اتخذ غير مولاه مولى له عامدًا عالمًا غير مستحل لذلك التولي .. (فعليه) في الصورتين (لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) إلا أن يتوب عن ذلك.
أما إذا استحل ذلك الانتساب أو التولي .. فهو كافر لا يدخل الجنة أصلًا؛ لأنه استحل ما هو حرام بدليل قطعي.
وهذا الحديث بالسياق المذكور انفرد به ابن ماجه؛ لأنه قد روى أبو داوود في "سننه" الجملة الأولى من حديث أنس في كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير أبيه، والجملة الثانية من حديث أبي هريرة ﵁ في كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا من حديث أنس وحديث أبي هريرة ﵁ المذكورين في "سنن أبي داوود"، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث سعد بن أبي وقاص وحديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال:
(٧٧) - ٢٥٦٨ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 7231
حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِم الْأَحْوَلِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا وَأَبَا بَكْرَةَ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَوَعَى قَلْبِي مُحَمَّدًا
===
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ) يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن سليمان (الأحول) أبي عبد الرحمن البصري، ثقة، من الرابعة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل - بميم مثلثة ولام مشددة - (النهدي) - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته، من كبار الثانية، ثقة مخضرم ثبت عابد، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ) وقيل بعدها، وعاش مئة وثلاثين سنة. يروي عنه: (ع).
(قال) أبو عثمان: (سمعت سعد) بن أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري المدني رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ) على المشهور. يروي عنه: (ع).
(وأبا بكرة) نفيع بن الحارث بن كلدة - بفتحات - ابن عمرو الثقفي الصحابي المشهور، أسلم بالطائف، نزل بالبصرة ومات بها سنة إحدى أو اثنتين وخمسين (٥٢ هـ) رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(وكل واحد منهما) أي: من الصحابيين (يقول) في حال روايته هذا الحديث تأكيدًا لسماعه من رسول الله ﷺ ﷺ : (سمعت أذناي) محمدًا ﷺ حين يقول هذا الحديث الآتي (و) الحال أنه (وعى) وحفظ (قلبي) ما سمعته أذناي منه؛ أي سمعت أذناي (محمدًا
стр. 7232
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ .. فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ".
(٧٨) - ٢٥٦٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ،
===
ﷺ حالة كونه (يقول: من ادعى) وانتسب نفسه (إلى غير أبيه) أي: إلى غير والده وإن علا (وهو) أي: والحال أن ذلك المنتسب (يعلم أنه) أي: أن ذلك الغير (غير أبيه) أي: غير والده وإن علا، سواء كان ذلك الغير من أقاربه أو من الأجانب .. (فالجنة) أي: فدخول الجنة (عليه) أي: على ذلك المنتسب (حرام) أي: ممنوع أبدًا إن استحل ذلك الانتساب، أو حرام دخوله الجنة أولًا مع الفائزين حتى يعاقب ويجازى على ذلك الانتساب إن لم يستحل، ولم يدركه العفو من الله تعالى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من يرغب عن أبيه وهو يعلم أنه حرام، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٨) - ٢٥٦٩ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
стр. 7233
أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﷺ : "مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ .. لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ؛ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ".
===
(أنبأنا سفيان) بن عيينة الهلالي الكوفي، ثقة، ولكنه يدلس عن الثقات، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الكريم) الجزري أبي سعيد الأموي مولاهم، وهو المعروف بالخضرمي - بالخاء والضاد المعجمتين - نسبة إلى قرية من اليمامة، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مجاهد) بن جبر - بفتح الجيم وسكون الموحدة - أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل السهمي المدني، أحد المكثرين السابقين إلى الإسلام وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة ليالى الحرة رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات إلا محمد بن الصباح، قال فيه ابن معين: لا بأس به، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجال الإسناد لا تسأل عن حالهم؛ لشهرتهم.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ ﷺ : من ادعى) وانتسب نفسه (إلى غير أبيه) وإن علا .. (لم يرح) ولم يشم (رائحة الجنة) أي: طيب رائحتها (و) الحال (إن ريحها) أي: طيب رائحتها (ليوجد) أي: ليشم (من مسيرة) أي: من مسافة (خمس مئة عام) لذكائه.
стр. 7234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: قوله: "لم يرح رائحة الجنة" أي: لم يشم ريحها، وهو كناية عن عدم الدخول فيها ابتداءً؛ بمعنى: أنه لا يستحق ذلك؛ والمعنى: لا يجد لها ريحًا وإن دخلها، يقال: راح يريح ويراح وأراح يريح؛ إذا وجد رائحة الشيء.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه أحمد في "مسنده" من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، وله شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي الله تعالى عنهما.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس المذكور في أول الباب.
تتمة
قال الأبي: انظر لو انتسب لغير أبيه؛ لضرورة؛ كالمسافر ينزل الخوف به، فيقول: أنا ابن فلان لرجل محترم؛ لصلاح أو غيره، والظاهر أنه لا يتناوله هذا الوعيد، بخلاف ما لو انتسب لغير أبيه؛ ليكرم أو يعطى، الأظهر أن هذا يتناوله الوعيد؛ لعدم الضرورة إليه.
وانظر ما لو انتسب لأبيه من الزنا، وكان الشيخ ابن عرفة يقول: إنه أخف؛ لأنه أبوه لغةً لا شرعًا.
ويدل على أنه أبوه لغةً: حديث جريج، حيث قال الولد حين سأله جريج عن أبيه: أبي الراعي فلان.
وأما عكس ما في الحديث؛ وهو أن ينسب الرجل إلى نفسه غير ولده .. فيحتمل أنه من الباب، ويحتمل أن لا؛ لأن ما في الحديث عقوق، والعقوق
стр. 7235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كبيرة، وكان لبعض ذوي الخطط والمناصب ربيب، فكان يناديه: يا ولدي، فكان معاصِرُوه يعدُّونها من مُجرِّحاتِه في رواية الحديث. انتهى، انتهى من "الكوكب".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7236
(٣٧) - (٨٩٧) - بَابُ مَنْ نَفَى رَجُلًا مِنْ قَبِيلَتِهِ
(٧٩) - ٢٥٧٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ح وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ حَيَّانَ، أَنْبَانَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُغِيرَةِ
===
(٣٧) - (٨٩٧) - (باب من نفى رجلًا من قبيلته)
(٧٩) - ٢٥٧٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ) يروي عنه: (م عم).
(ح وحدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي - بمعجمة ثم مهملة - البصري، قاضي مكة، ثقة إمام حافظ، من التاسعة، مات سنة أربع وعشرين ومئتين (٢٢٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا هارون) بن موسى (بن حيان) التميمي أبو موسى القزويني، وقد ينسب لجده، ثقة عالم، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(أنبأنا عبد العزيز بن المغيرةِ) بن أُمَيّ المنقريُّ أبو عبد الرحمن الصفَّار
стр. 7237
قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ السُّلَمِيِّ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ هَيْصَمٍ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ وَلَا يَرَوْنِي إلَّا أَفْضَلُهُمْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَسْتُمْ مِنَّا؟
===
البصري نزيلُ الري، صدوق، من صغارِ التاسعة. يروي عنه: (ق).
(قالا) أي: قال كل من سليمان بن حرب وعبد العزيز بن المغيرة: (حدثنا حماد بن سلمة، عن عقيل) مكبرًا (ابن طلحة السلمي) - بضم السين وفتح اللام - ثقة، من الرابعة، ولأبيه صحبة. يروي عنه: (د س ق).
(عن مسلم بن هَيْصَمٍ) - بفتح الهاء والصاد المهملة، وهو الصواب - العبدي، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن الأشعث بن قيس) بن معدي كرب الكندي أبي محمد الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، مات سنة أربعين (٤٠ هـ) أو إحدى وأربعين، وهو ابن ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
وهذه الأسانيد الثلاثة من سداسياته، وحكمها: الصحة؛ لأن رجالها ثقات؛ لأن عقيل بن طلحة وثقه ابن معين والنسائي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم.
(قال) الأشعث: (أتيت رسول الله ﷺ ﷺ في وفد كِنْدةَ) - بكسر الكاف وسكون النون - قبيلة مشهورة من العرب، نسبوا إلى أمهم؛ أي: جئته مع الوافدين عليه من قبيلة كندة (ولا يروني) أي: ولا يَحْسَبُني أولئك الوافدون؛ أي: لا يظنونني (إلا) أنا (أفضلُهم) وأَعقلُهم وأَعلمُهم (فقلتُ: يا رسول الله ﷺ ؛ ألسْتُم) يا معاشرَ بني كنانة (منا) أي: من بني قيس؛ أي: أليست سيرتكم وعادتكم من عادتنا وسيرتنا؛ لأن عادة العرب واحدة؟
стр. 7238
فَقَالَ: "نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا"، قَالَ: فَكَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ يَقُولُ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَي رَجُلًا مِنْ قُرَيْش مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ.
===
(فقال) له رسول الله ﷺ ﷺ : (نحن بنو النضر بن كنانة لا نَقْفُوا أُمَّنا) - بتقديم القاف على الفاء - أي: لا نَتْبَعُ أُمَّنا بالانتساب إليها، ولا نقطع شرفَها وفضلَها، بل نعرف فضلَها وشرفَها في حق نفسها ولا نَنْتَسِبُ إلى نَسبِها (ولا نَنْتَفِي) أي: ولا نقطع نسبَنا (من أبينا) بل نجعلُ نسبنا من نسبِ أبينا، وننتسبُ إليه.
والحاصل: أَنَّنا نَجعلُ نسبنا تابعًا لنسبِ أبينا، وأنتم بخلافنا؛ لأَنَّكُم تجعلُون نسبَكم تابعًا لنسبِ أمكم، وتقطعون نسبَكم عن أبيكم، وتنتسبون إلى أمكم.
(قال) مسلم بن هَيْصَمٍ: (فكان الأشعثُ بن قيس يقول: لا أُوتَى) بفتح التاء على صيغة المجهول (برجلٍ نفَى رجلًا من قريش من النضر بن كنانة .. إلا جلدْتُه) جَلْدَ (الحد) بأن نسبه إلى نسب أمه؛ لأنه قذف أمه بنسبةِ ولدها إلى غير أبيه، فليسَتْ سيرتُنا كسيرتِكم؛ لأنكم تجعلون نسبَكم نسَبَ أمكم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن أخرجه أحمد والطبراني، قال الهيثمي: فيه مَن لم أَعْرِفه في "مجمع الزوائد"، وعبدُ الرزاق في "مصنفه".
ودرجتُه: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 7239
(٣٨) - (٨٩٨) - بَابُ الْمُخَنَّثِينَ
===
(٣٨) - (٨٩٨) - (باب المخنثين)
جمع مخنث، وقال أهل اللغة: المخنث - بكسر النون المشددة وفتحها -: هو الذي يُشْبِهُ النساءَ في أخلاقه وكلامه وحركاته وسكناته، وتارة يكون هذا خِلقةً من الأصل، وتارة بِتكلُّفٍ وتكسُّبٍ.
وهذا الثاني وهو الذي يتكلَّفُ أخلاقَ النساء وحركاتِهن وهيئاتِهن وكلامَهن .. هو المذموم الذي جاء في الأحاديث الصحيحة لَعْنُهُ، وهو بمعنى الحديث الآخر: "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين بالنساء من الرجال".
بخلاف الأول؛ وهو معذور لا إثمَ ولا عُتْب عليه؛ لأنه لا صُنْعَ له في ذلك، ولهذا أَقرَّ النبيُّ ﷺ أوَّلًا دخولَه على النساء، ولما ظهر له أنه يعرف النساء .. أنكر دخولَه عليهن، كذا في "النووي".
وأمَّا مَن تخَانَثَ وتَشبَّه بالنساء .. فقد أَتَى كبيرة مِن أَفْحَشِ الكبائر، لعَنَه اللهُ عليها ورسولُه، ولا يُقَرُّ عليها، بل يُؤدَّب بالضربِ الوجيعِ، والسجنِ الطويل، والنفيِ حتى يَنْزِعَ عن ذلك، ويكفي دليلًا على ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (لعنَ رسولُ الله ﷺ المتشبِّهينَ من الرجال بالنساء والمتشبهاتِ من النساء بالرجال) رواه البخاري برقم (٥٨٨٥)، وقال: "أَخْرجُوهم مِن بُيوتكم" رواه البخاري أيضًا برقم (٥٨٨٦).
وأخرج فلانًا وفلانًا، غَيْرَ أنه لا يُقتل؛ لما رواه أبو هريرة ﵁ رضي الله تعالى عنه (أنَّ النبي ﷺ أُتِي برجل قد خَضَب يدَيْه ورجلَيه، فقال:
стр. 7240
(٨٠) - ٢٥٧١ - (١) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ الْجُرْجَانِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ الْعَلَاءِ، أَنَّهُ سَمِعَ بِشْرَ بْنَ نُمَيْرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مَكْحُولًا يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ
===
"ما بالُ هذا؟ ! " فقيل: يَتشبَّهُ بالنساءِ، فأمَرَ به ونُفي إلى النَّقيع - بالنون - فقيل: يا رسول الله؛ ألا نقتله؟ فقال: "إني نُهيت عن قتل المسلمين" رواه أبو داوود (٤٩٢٨). انتهى من "المفهم".
(٨٠) - ٢٥٧١ - (١) (حدثنا الحسن) بن يحيى بن الجعد العبدي أبو علي (بن أبي الربيع الجرجاني) نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(أنبأنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يحيى بن العلاء) البجلي أبو عمرو أو أبو سلمة الرَّازِيُّ، رمي بالوضع، من الثامنة، مات قرب الستين من عمره. يروي عنه: (د ق).
(أنه سمع بشر بن نمير) القشيري البصري متروك متهم، من السابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (ق).
(أنه سمع مكحولًا) الشامي أبا عبد الله، ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(يقول: إنه سمع يزيد بن عبد الله) المكي، مجهولُ الحال. روى عن صفوان بن أمية، ويروي عنه مكحول، من الثالثة. يروي عنه: (ق).
(أنه سمع صفوان بن أمية) بن خلف بن وهب بن قدامة بن جمح القرشي الجمحي المكي صحابي من المؤلفة رضي الله تعالى عنه، مات أيام قتل عثمان،
стр. 7241
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ قُرَّةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ؛ فَمَا أُرَانِي أُرْزَقُ إِلَّا مِنْ دُفِّي بِكَفِّي، فَأْذَنْ لِي فِي الْغِنَاءِ فِي غَيْرِ فَاحِشَةٍ،
===
وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين في أوائل خلافة معاوية. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه يحيى بن العلاء وهو وضاع، وفيه بشر بن نمير، وهو متروك، وفيه يزيد بن عبد الله، وهو مجهول.
(قال) صفوان بن أمية: (كنا عند رسول الله ﷺ ﷺ ، فجاء عمرو بن قرة) قال ابن حجر في "الإصابة": ذكره غير واحد في الصحابة. ولم يذكره المزي وابن حجر في "التهذيب" و"تهذيبه". يروي عنه: (ق). (فقال) عمرو: (يا رسول الله ﷺ ؛ إن الله قد كتَب عليَّ) في سابق علمه (الشِّقْوةَ) - بكسر الشين المعجمة وسكون القاف - أي: التعبَ والفَقْرَ والخَيْبَةَ والمصيبةَ.
(فما أُراني) - بضم الهمزة - أي: فما أَظنُّ نفسي (أُرْزَقَ) على صيغة المبني للمفعول؛ أي: أُعْطَى الرزقَ والقوتَ (إلا مِن دُفِّي) بضم الدال وفتحها في الغناء - بكسر الغين المعجمة وبالمد - أي: فما أَظَن نفسي أن أُعْطَى الرزقَ إلا بواسطة ضربِ دُفِّي وطَبْلِي في التَّغَنِّي (بكفي) أي: مع ضربِ كفي مع ضرب الدف، أو إلا من ضرب دفي بكفي في حالة التغنِّي والمدح للناس بشِعْري أو بسَجْعِي.
(فأذَنْ لي) يا رسول الله ﷺ ؛ أي: فأرخص لي (في) التكسُّب بـ (الغناءِ في غيرِ فاحشة) ومعصيةٍ وكذبٍ، وذلك الغَيْرُ ما إذا كان ذلك الغناء في مدح مَن يجوزُ مدحُه بصدقٍ؛ كالإسلام والمسلمين ورسول الله ﷺ وكتابه.
стр. 7242
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ﷺ : "لَا آذَنُ لَكَ، وَلَا كَرَامَةً وَلَا نُعْمَةَ عَيْنٍ، كَذَبْتَ أَيْ عَدُوَّ اللهِ؛ لَقَدْ رَزَقَكَ اللهُ طَيِّبًا حَلَالًا، فَاخْتَرْتَ مَا
===
(فقال رسول الله ﷺ ﷺ لذلك المستأذِن؛ وهو عَمْرو بن مرة الجهني (لا آذَنُ لك) في ذلك الغِناء والدُّفِ، ولا أُرخِّصُ لك فيه (ولا) أُكرمك (كرامةً) أي: إكرامًا بالإذنِ لك فيه (ولا) أُنعمك ولا أُبشرك (نعمة عين) أي: إنعامًا لِعَينٍ لك وقُرَّةً لها، وبُشْرَى لك بالإذنِ لك فيما استأذنت فيه.
قال السندي: قوله: (قد كتبَ الله علي الشِّقوة) - بالكسر - أي: المصيبةَ؛ أي: موتَ الأولاد وضيقَ المعيشة.
(أرزق) بالبناء للمفعول (مِن دفي) - بضم الدال وفتحها -: الطبلُ.
(في الغناء) - بالكسر والمد - أي: التغنِّي.
"ولا كرامة ولا نعمة عين" - نعمة بضم النون وفتحها وكسرها؛ فهي مثلثة النون - أي: قرة عين وبردها وراحة قلب.
وقال السيوطي: لا أكرمك كرامة، ولا أنعم عينيك، قيل: هما من المصادر المنتصبة على إضمار الفعل الممنوع إظهاره؛ كما قال سيبويه في "الكتاب" (٣/ ٥٨٢)، تقول: أفعل ذلك وكرامة ونعمة عين؛ كأنك قلت: أكرمك كرامة ونعمت عينيك نُعْمة؛ وهو - بضم النون وفتحها وكسرها -: اسم بمعنى الإنعام، ولما كان بمعنى المصدر .. ذكر مع المصدر.
ثم قال له النبي ﷺ : (كذبت) فيما قلت لي من أنك لا ترزق إلا من دفك (أي عدو الله) أي: يا عدو الله؛ فـ (أي) حرف نداء؛ لنداء القريب، وَصَفَه بعداوة الله؛ لكذبه فيما قال، وزجرًا له عمَّا استأذن فيه، والله (لقد رزقك الله) رزقًا (طيبًا حلالًا) أي: لقد مكنك منه؛ أي: من تحصيله بالاكتساب حيث رزقك الصحة والعافية، وعلمك كيفية الاكتساب (فاخترت ما
стр. 7243
حَرَّمَ اللهُ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكَانَ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ مِنْ حَلَالِهِ، وَلَوْ كُنْتُ تَقَدَّمْتُ إِلَيْكَ .. لَفَعَلْتُ بِكَ وَفَعَلْتُ، قُمْ عَنِّي وَتُبْ إِلَى اللهِ، أَمَا إِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ بَعْدَ التَّقْدِمَةِ إِلَيْكَ .. ضَرَبْتُكَ ضَرْبًا وَجِيعًا، وَحَلَقْتُ رَأْسَكَ مُثْلَةً، وَنَفَيْتُكَ مِنْ أَهْلِكَ، وَأَحْلَلْتُ سَلَبَكَ نُهْبَةً لِفِتْيَانِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ"،
===
حرم الله عليك من) الأسباب في طلب (رزقه) وهي الغناء وضرب الدف والتصفيقُ عليه بضرب الكفين؛ أي: اخترت ما حرم الله عليك (مكان) أي: بدل (ما أحل الله لك من حلاله) أي: من حلال الكسب؛ كالحرف والصناعة والتجارة والزراعة مثلًا.
(ولو كنتُ تَقدَّمْتُ) أي: قَدَّمْتُ (إليك) النَّهْيَ عن الكسب الحرامِ قبلَ النهي الذي ذكرتُه لك الآن؛ أي: لو بَلغَك النَّهْيُ مني قبل ما ذكرته لك الآن .. (لفعلت بك) التعزير والتأديب على استئذانك في الكسب الحرام.
وقوله: (وفعلت) توكيد لفظي لما قبله؛ بناءً على أن التوكيد اللفظي يجوز فيه اقترانه بالعاطف (قم عني) أي: قم من عندي (وتب) عن كذبك من الشقوة (إلى الله) (أما) أي: انتبه من غفلتك واستمع ما أقول لك من النصيحة: (إنك إن فعلْتَ) ما نهيتُك عنه من الغِناء (بعد التقدمة) أي: بعد تقديم النهي عن الغناء (إليك .. ضَربْتُك) للتعزير والتأديب (ضربًا وجيعًا) أي: شديدًا أليمًا لك (وحَلَقْتُ) شَعْرَ (رأسك مُثْلةً) أي: تعييبًا لك وتقبيحًا عليك وتنكيلًا لغيرك (ونفَيْتُك) أي: وغَرَّبْتُكَ (مِن) وَطنِك و (أَهلكِ) وزوجتك عقوبة (وأَحلَلْتُ سَلبَك) أي: وحكمتُ بحِلِّيَّةِ سلبك ومتاعك؛ أي: حِلِّيةَ أَخذِ مالك للمسلمين (نُهْبةً) أي: حالة كونه مَنْهُوبًا مأخوذًا (لِفتْيان أهل المدينة) المنورة وشُبَّانِهم؛ تعزيرًا لك، وتنكيلًا لغيرك وعِبرة لهم.
وقوله: "نهبة" - بضم النون - اسم مصدر بمعنى المنهوب، وهذا حيث
стр. 7244
فَقَامَ عَمْرٌو وَبِهِ مِنَ الشَّرِّ وَالْخِزْيِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، فَلَمَّا وَلَّى .. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَؤُلَاءِ الْعُصَاةُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ .. حَشَرَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا كَانَ فِي الدُّنْيَا مُخَنَّثًا عُرْيَانًا لَا يَسْتَتِرُ مِنَ النَّاسِ بِهُدْبَةِ كُلَّمَا قَامَ صُرِعَ".
===
التعزيرُ بالمال مشروعًا، ولكنَّه نسخ إن قلنا بثبوتِ الحديث، وإلا .. ففي "الزوائدِ": في إسناده بِشْرُ بن نُمير، فلا حُجَّةَ فيه؛ لأن الحديث موضوع.
قال صفوانُ بن أمية: (فقام عمرو) بن قُرَّةَ من عند النبي ﷺ (و) الحالُ أن (به) أي: بعمرو (من الشر) أي: من الحُزْنِ (والخزي) أي: الذل (ما لا يعلمه) أي: ما لا يعلم قَدْرَه في الشدة والعظم (إلا الله) (فلما) قام عمرو من عند النبي ﷺ و (وَلَّى) أي: ذهب وأدبر .. (قال النبي ﷺ : هؤلاء العُصاة) المتشبِّهُون بالنساء - يعني: عمرًا وأمثالَه من المُخنَّثِين - (من مات منهم) على هذه الحالة التي هي التشبُّهِ بالنساءِ مُلْتَبِسِينَ (بـ) ها من (غير توبة) منها .. (حشره الله أفرد الضمير هنا؛ نظرًا لِلَفْظِ مَن بعدما جمعه أولًا؛ نظرًا لمعنى مَن.
أي: جمعهم الله تعالى (يوم القيامة كما كان) أي: على ما كان عليه كُلٌّ منهم (في الدنيا) من التخنُّثِ والتشبُّهِ بالنساء؛ فضيحةً لهم على رؤوس الأشهاد حالة كون كل منهم (مُخنَّثًا) أي: متشبهًا بالنساء (عريانًا) أي: عاريًا؛ والعريانُ: وَصْفُ مذكَّرٍ مؤنثُه عُريانة (لا يستتر) كل منهم (من الناس بِهُدْبَةٍ) أي: بَقدرِ هُدْبَة؛ والهُدْبُ: - بالضم ثم السكون وبضمتين -: شَعْرُ أَشْفارِ العينَينِ، واحدتُها هُدْبَة (كلَّما قام) كُلٌّ منهم في عرصات القيامة .. (صُرِعَ) على صيغة المبني للمجهول؛ أي سقَطَ على الأرض؛ كالمُغمى عليه، وبهذا يُعرفون في عرصات القيامة.
стр. 7245
(٨١) - ٢٥٧٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ لسَلَمَةَ،
===
قوله: "مخنثًا" على صيغة اسم المفعول؛ من التخنيث، يقال: خنثه تخنيثًا: عَطفَه فتخنَّث، ومنه المخنث، ويقال له: خُنَاثة وخَنِيثة؛ والخَنِثُ - بوزن كَتِف - من فيه انْخِناثٌ؛ أي: تكسُّر وتَثَننٍّ، وقد خَنِثَ؛ كفرح، وتخنَّثَ وانْخنَثَ، والخنثى: مَن له ما للرجال وما للنساء جميعًا، يُجمع على خُناثى؛ كحُبالى جمع حبلى. انتهى من "القاموس".
وهذا الحديثُ انفرد به ابن ماجه، فدرجتُه: أنه ضعيف جدًّا، متنًا وسندًا، أو موضوعٌ (٧)(٢٧٦)، وضَعَه بِشْرُ بن نُمير، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
قال البوصيري: هذا إسناد ضعيف؛ بِشْرُ بن نمير البصري قال فيه يحيى بن سعيد القطان: كان رُكْنًا من أركان الكذب، وقال أحمد: تَركَ الناسُ حديثَه، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال أبو حاتم: متروك، وقال النسائي: غَيْر ثقة، ويحيى بن العلاء قال فيه أحمدُ: كان يضعُ الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثُه لا يُتابَع عليها وكُلُّها غَيْرُ مَحفوظَة، والضعفُ على رواياتِه وحديثهِ بَيِّن، وأحاديثهُ موضوعاتٌ.
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨١) - ٢٥٧٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه) عروة بن الزبير.
(عن زينب بنت أم سلمة) الصحابية المخزومية ربيبة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهم.
стр. 7246
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَمِعَ مُخَنَّثًا وَهُو يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ يَفْتَحِ اللهُ الطَّائِفَ غَدًا .. دَلَلْتُكَ عَلَى امْرَأَةٍ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ".
===
(عن) والدتها (أم سلمة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، ومن لطائفه: أن فيه رواية صحابية عن صحابية، وبنت عن والدة.
(أن النبي ﷺ دخل عليها) أي: على أم سلمة في بيتها (فسمع) النبي ﷺ (مخنثًا) أي: صوته (وهو) أي: والحال أن ذلك المخنث (يقول لعبد الله بن أبي أمية) أخي أم سلمة لأبيها: (إن يفتح الله) عليكم (الطائف غدًا) وغلبتم أهلها وغنمتم نساءهم وصبيانهم .. (دللتك) يا عبد الله (على) أخذ بنت غيلان؛ فإنها (امرأة) إذا أقبلت إليك بوجهها .. (تقبل) إليك (بأربع) عكن؛ وهي طيات البطن (و) إذا أدبرت إليك بظهرها .. (تدبر) إليك (بثمان) عكن.
وفي رواية مسلم زيادة: قالت أم سلمة: فسمع رسول الله قول هذا المخنث؛ أي: قوله الذي قاله لعبد الله بن أبي أمية من الوصية له ببنت غيلان (فقال النبي ﷺ لمن عنده من المؤمنين: (أخرجوهم) أي: أخرجوا هؤلاء المخنثين (من بيوتكم) أي: من بيوت نسائكم، فلا يَدْخُلُن على نسائكم بعد اليوم؛ فإنهم من أولي الإربة إلى النساء.
قال القرطبي: المخنث: هو الذي يَلِينُ في قوله ويتكسَّرُ في مِشيته ويتثنَّى فيها؛ كالنساءِ؛ من التخنُّث؛ وهو اللَّيْنُ والتكسرُ، وقد يكون خِلقةً، وقد يكون تَصنُّعًا مِن الفَسَقةِ، ومن كان ذلك فيه خلقةً .. فالغالبُ مِن حاله أنه لا إِرْبَ له
стр. 7247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في النساء، ولذالك كان أزواجُ النبي ﷺ يَعْدُدْنَ هذا المخنثَ مِن غير أولي الإربة، فكانوا لا يَحْجُبُونَه، إلى أَنْ ظهرَ منه ما ظهر فحَجَبُوهُ.
واختلف العلماء في اسم هذا المخنث الذي كان عند أم سلمة: والأشهر أن اسمه هَيْتٌ - بياء ساكنة بعد الهاء مثناة من تحتها آخره مثناة فوقية - وقيل: صوابه: هَنَبٌ - بنون وباء موحدة أخيرًا - والهَنَب: الرجلُ الأحمق، قاله ابن دُرستويه، اسمه عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه مِن علماء اللغة، والقولُ الأولُ هو الأصح، وجمعَ بينهما أبو موسى المديني بأن أحدَهما اسمٌ له، والآخر لَقبٌ.
وقيل: اسم هذا المخنث: هو مَاتِعٌ - بمثناة فوقية - مولى أبي فَاخِتَة المخزومية، قيل: وكان هو وهَيْتُ يدخلان بيوتَ النبي ﷺ ، فلما وقعت هذه القِصة الآتية .. غَرَّبَهما النبي ﷺ من المدينةِ، فورَدَ في بعضها أنه ﷺ أَجْلاه إلى الحِمَى؛ موضع رَعْي إبل الصدقة، وفي بعضِها: إلى حَمْراءِ الأسد، وفي بعضِها: إلى خَاخٍ، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
قوله: (وهو يقول لعبد الله بن أبي أمية) أي: لأخي أم سلمة من أبيها، وأمه عاتكةُ بنت عبد المطلب بن هاشم، وكان قبل إسلامه شديدًا على المسلمين مخالفًا مُبْغِضًا لهم، وهو الذي قال فيما حكاه الله عنه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ... ﴾ الآياتِ (١)، وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، ثم إنه خرج مهاجرًا إلى النبي ﷺ فلقيه بالطريق بين السُّقيا والعَرج، وهو ﷺ يريد مكةَ عامَ الفتح فتلقَّاه، فأعرض عنه رسولُ الله ﷺ مرة بعد مرة، فدخَلَ على أُخْتِه
стр. 7248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أم سلمة وسألها أن تشفع، فشفعت له، فشفَّعها رسولُ الله ﷺ فيه، وأسلم وحسن إسلامه، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة مُسْلِمًا، وشهد حنينًا والطائفَ، ورُمِيَ يومَ الطائف بسهم فقَتلَه، ومات يومئذ ﵁، كذا في "عُمدة القاري" (٩/ ٥١٨).
قوله: (إن يفتح اللهُ الطائفَ غدًا) وسَبَيْتُم نساءه .. (دلَلْتُك على) بنتِ غيلان؛ هي (امرأة تُقبل بأربع، وتُدبر بثمان) وتلك المرأةُ هي بنت غيلان، اسمها (بَادِيَةُ) بنتُ غيلان - بالياء - وقيل: (بَادِنَةُ) - بالنون - والأول أصح، وأبوها غيلان بن سلمة؛ وهو الذي أسلم وتَحْته عشرةُ نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا، وكان مِن رؤساء ثقيف، وعاش إلى أواخر خلافة عمر، وبادية بنتُه هي التي تزوَّجها عبدُ الرحمن بن عوف؛ فقد ورد أنها استُحِيضَتْ، وسألَت النبيَّ ﷺ في المستحاضة.
قوله: (تقبل بأربع) عُكنٍ في بطنِها (وتدبر بثمان) أطرافٍ من العُكَن في جانبي البطن، على كُلِّ جانب أربعة، فتصير ثمانية في خاصرتيها؛ أربعة على الخاصرة اليمنى، وأربعة على الخاصرة اليسرى.
وحاصله: أنه وصفها بأنها مملوءةُ البَدَن؛ بحيث يظهر لبطنها أربع عكن ولخاصرتَيْها ثمان، وذلك لا يكون إلا للسَّمِينَةِ من النساء، وكانت العربُ تَرْغَبُ في مَن تكونُ بتلك الصفة.
والعُكَن - جمع عكنة - وهو الطيُّ الذي يكون في جانبي البطنِ من السِّمَن، وفي تعليق محمد الدهني على متن "مسلم": والعكنةُ: ما انْطوَتْ وتَثَنَّى مِن لحمِ البطن سِمنًا، والمراد: أن أطراف العكن الأربع التي في بطنها تظهر ثمانيةً في جَنْبَيها.
стр. 7249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الزركشي وغيره: وإنما قال: بثمان، ولم يقل: بثمانية، والأطرافُ مذكر؛ لأنه لم يذكرها؛ كما يقال: هذا الثوب سبع في ثمان؛ أي: سبعةُ أذرع في ثمانية أشبار، فلمَّا لم يَذْكُرِ الأشبارَ .. أنث؛ لتأنيثِ الأَذْرع التي قبلها. انتهى.
قوله: "أخرجوهم من بيوتكم" وإنما أمر النبي ﷺ بإخراجهم مع أنه أَذِنَ لهم أولًا في الدخول على النساء؛ لأنه ﷺ إنما أذن لهم أولًا في الدخول عليهن؛ لِمَا كان يظن بهم مِن أنهم مِن غير أُولي الإِرْبة، فلما عَرفَ بكلامه هذا الذي قاله لعبد الله بن أبي أمية أنه يعرفُ محاسنَ النساء ويصفُها للأجانب .. حَرَّم دخولَه عليهن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، وفي كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين، ومسلم في كتاب السلام، باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في قوله: غير أولي الإربة، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستئناس للترجمة، والثاني للاستدلال به عليها.
والله أعلم